أخبار مصر

تحرير و ترجمة : خالد مجد الدين

تكشف وثائق رفعت عنها السرية حديثا ، كيف تغاضى البيت الأبيض فى ظل ادارة الرئيس ريتشارد نيكسون ، عن قيام إسرائيل ببناء اول سلاح نووي في منطقة الشرق الأوسط .

في صيف عام 1969، دار جدل بين اعضاء إدارة الرئيس نيكسون في مناظرة سرية للغاية: حول كيفية معالجة المشاكل الدبلوماسية والاستراتيجية والسياسية التي يطرحها برنامج إسرائيل الطارئ للأسلحة النووية. وكان يقود تلك المناقشات كبار مسؤولي وزارة الدفاع الذين كانوا يرون ان إسرائيل المسلحة نوويا ليس في مصلحة الولايات المتحدة ، و قالوا انه سيكون امرا خطيرا يعقد الوضع في منطقة خطرة بالفعل.

ووفقا لوثائق الحكومة الامريكية التى رفعت عنها السرية يوم 12 سبتمبر 2014 من قبل أرشيف الأمن القومي، حذر نائب وزير الدفاع “ديفيد باكارد David Packard” – مؤسس شركة هيوليت باكارد – رئيسه، وزير الدفاع “ملفين ليرد Melvin Laird”، من أن واشنطن اذا لم تستخدم نفوذها للتحقق من التقدم إلاسرائيلى النووي، سيكون هذا “بمثابة مشاركة منا في مؤامرة مع إسرائيل من شأنه أن يترك الأمور الخطيرة لأمننا القومى في أيديهم”.

كان التخوف العام و القلق واضح تماما امام مستشار الأمن القومي” هنري كيسنجر”، الذي وقع في عام 1969 على مذكرة للأمن القومي (رقم 40) ، طلب بمقتضاها مجموعة من الدراسات من الوكالات الامريكية- بما في ذلك التوصيات السياسة – بشان المشاكل التي يطرحها البرنامج النووي الإسرائيلي.

ومع الكشف عن المذكرة (رقم 40) و الدراسات التى جرت بشان المسالة لأول مرة، اصبح من الممكن الفهم بطريقة أفضل للبيئة التى جعلت الرئيس نيكسون يتخذ قراراته السرية الخاصة، التي تحولت إلى خلاف كبير مع حجج “باكارد”.

ومذكرة باكارد، من بين أمور أخرى، تعرض الخطوط العريضة لمناقشة السياسة العامة التي كانت مخبأة لسنوات. والآن، مازالت أسلحة إسرائيل النووية هي السر الأسوأ الذى مازال قائما في العالم، فمن ناحية اصبح قبول هذا السر( البرنامج النووى الاسرائيلى) عالميا حقيقة راسخة، ولكن واشنطن لا تزال تحترم غموض موقف إسرائيل النووي، ومواكبة لهذه المهزلة أصبحت حكومة الولايات المتحدة لا تعلق على وضع إسرائيل النووي.

وتشير تقديرات غير رسمية حديثة صادرة عن نشرة علماء الذرة Bulletin of the Atomic Scientists (و التي تعتمد على التسريبات الاستخباراتية الامريكية) أن إسرائيل قد تملك 80 رأسا حربيا وأيضا كمية غير محددة احتياطية من المواد الانشطارية الصالحة لصنع مزيد من الأسلحة .

في عام 1960، عندما اكتشف مسئولو الحكومة الأمريكية أن إسرائيل، بمساعدات فرنسية، تمكمت من بناء مفاعل نووي سري في “ديمونة Dimona” بصحراء النقب، أصبحت واشنطن قلقة بشأن انتشار النووى والمخاطر الأمنية من برنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي. ومع تسليح السوفييت عملائها العرب في المنطقة، كان التهديد النووى الاسرائيلى يتسبب فى تفاقم أخطار الحرب الباردة. وكان رؤساء الولايات المتحدة “جون كينيدي” و”ليندون بي جونسون” يحاولون وزن هذه المخاوف فى مقابل تعقيدات السياسية الداخلية التي يطرحها التعامل بشدة مع إسرائيل .. وقد حاولوا دون نجاح يذكر، فى التحقق من طموحات إسرائيل النووية.

لكن الوثائق الجديدة تكشف أنه في منتصف شهر فبراير عام 1969، ربما مساعد وزير الدفاع” بول ورنك Paul Warnke”- المستمر منذ إدارة جونسون- كان أول من نبه وزير الدفاع ” ملفين ليرد “إلى خطر إسرائيل النووي، وحث البنتاجون على انه ينبغي أن يأخذ موقف قويا بشأن هذه المسألة. فى ذلك الوقت كان ” ورنك” قد اختمت مؤخرا جولة من المفاوضات الصعبة مع السفير الاسرائيلي “اسحق رابين” بشأن بيع طائرات فانتوم لإسرائيل، وخلالها حاول ” ورنك” دون جدوى ربط الصفقة بتوقيع إسرائيل على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) ، و قال له لا طائرات بدون معاهدة حظر الانتشار النووي.. وعلاوة على ذلك، طلب من “رابين” ان تاكيد و تفسير تعهد اسرائيل الغامض القديم ” بان لا تكون اسرائيل أول من يدخل السلاح النووي إلى الشرق الأوسط”، الا ان “رابين” رفض قبول بلاده للتفسيرالمقترحة لجملة “عدم إدخال”.

واقتناعا منه بأن إسرائيل كانت على وشك أن تصبح دولة نووية بحكم الأمر الواقع، اعتقد “ورنك” بان التحرك الأميركي الحاسم فقط، وربما بما في ذلك إلغاء صفقة الطائرات، هو ما يمكنه وقف هذا الاحتمال الذي يلوح في الأفق..

وكتب “ورنك” في مذكرة طويلة إلى وزير الدفاع “ليرد”- بعد اقل من شهر على تولى “نيكسون” منصبه- محذر بأن الولايات المتحدة يجب أن تستجيب بقوة لمواجهة التحدي النووي الإسرائيلي وضغط علي” ليرد” قائلا بان عليه”التفكير وبذل جهد جدي، ومنسق، ومستدام لإجل اقناع إسرائيل بوقف عملها على الصواريخ الاستراتيجية والأسلحة النووية”. . هذا وقد اعتمد ” ليرد” موقف ” ورنك” ، وفي وقت لاحق في فبراير، طلب اجتماع في البيت الابيض على مستوى عال بشأن هذه المسألة.

كذلك “ايرل ويلر Earle Wheeler”، رئيس هيئة الأركان المشتركة، شدد أيضا على خطر إسرائيل النووي واقترح التدخل الرئاسي وتطبيق سياسة الضغط ، مثل “الشد والارخاء ” بشان النشاط السرى الاسرائيلى المرتبط بالسلاح النووى .

بالنسبة لاجتماع البيت الابيض المقترح من جانب وزير الدفاع ” ليرد” ، فانه لم يتم ابدا ، و بدلا من ذلك، وفي إطار توجيه من الرئيس نيكسون، طلب ” كيسنجر” من “ليرد ” ، ووزير الخارجية “وليام روجرز”، ومدير وكالة المخابرات المركزية “ريتشارد هيلمز” المشاركة في دراسة سياسية حول برنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي.

هذا ولا يتبقى سوى سر واحد مازال باقيا بشان هذه القصة، وهو ان المخابرات الأمريكية كانت على مايبدو على علم ببدقة بالوضع الفني الدقيق للبرنامج الإسرائيلي. وهو سر مازالت حكومة الولايات المتحدة تحاول الاحتفاظ به حتى الان ..

على الرغم من أن أرشيف الأمن القومي قدم أول طلب لرفع السرية عن هذه الوثائق إلى وزارة الدفاع في عام 2006، الا انه لم يتم الافراج عن الوثائق الا فى مارس 2014.