بقلم -فاروق جويدة

لا أريد أن أدخل فى سجال مع أحد حول ثورة 25 يناير لأن ما لحق بها من محاولات التشويه والتهميش والإدانة يكفى لإسقاطها تماما من الذاكرة المصرية وليس لدى استعداد أن أمحو من ذاكرتى تلك الأيام العظيمة التى أعادت الروح لهذا الشعب بعد أن ظن الكثيرون انه دخل فى غيبوبة استسلام طال مداها..ولن أنسى صور شهداء هذه الثورة وتلك الورود التى تفتحت ذات يوم فى حدائق مصر..لم يكن لنا رصيد كبير مع الذكريات الطيبة طوال عصور سبقت ولكننى أعتقد أن ذكريات يناير سوف تبقى من الصفحات المضيئة فى ذاكرة المصريين..اختلفوا حولها كثيرا، هناك من رأى أنها مؤامرة عالمية وهناك من قال نحن أمام شباب برىء وقع فريسة خدعة كبرى وهناك من جمع صورا لشهدائها ووضعها فى البوم ذكرياته حتى وان شوهتها أشباح النسيان والجحود..

لم أستطع أن أتراجع لحظة عن كل ما كتبت حول ثورة يناير نثرا وشعرا وأنا أحيى شبابها وهم يزرعون فى ميدان التحرير أشجار زمان قادم أكثر إنسانية وحرية وكرامة وعدالة..لا أدرى لماذا اختلطت يومها فى نظرى صورة ميدان التحرير مع صورة شبابنا فى جامعة القاهرة عام 1968 حين انتفض جيل عبد الناصر رافضا الهزيمة ولحظة انكسار شوهت كل شىء أمام هذا الشباب الواعد لم يقل أحد يومها إن هؤلاء الشباب كانوا عملاء أو خونة بل إن العشرات منهم تصدروا الصفوف بعد ذلك وشهدت مصر يومها حوارا واسعا حول خطايا الهزيمة وانتصارات المستقبل..تمنيت يوما لو أننا تعاملنا مع ثورة يناير وشبابها كما تعاملنا مع مظاهرات 68 بالعدل والحكمة والإنصاف..هناك أشياء كثيرة غامضة حول ثورة 25يناير وأنا على يقين ان غروب الشمس لا يعنى أبدا رحيل الضوء وسقوط النهار وان التاريخ سوف ينصف شباب مصر الذى خرج يوما وأسقط نظاما بكل ما حمله من الأخطاء والتجاوزات..وهنا أريد أن أسجل بعض الحقائق:

< كنت أتمنى لو أننا كشفنا بكل الأمانة والمصداقية كل ما أحاط بثورة يناير وكشفنا لأنفسنا وليس للعالم حقيقة ما حدث وهل كان بين صفوف الثورة عملاء وخونة وأين تلك القضايا التى يتحدث عنها البعض حول أموال وعملاء وتمويل خارجى لماذا لم تتكشف كل هذه الحقائق وهى كما يقال موجودة لدى الأجهزة القضائية والأمنية ولماذا التعتيم عليها حتى الآن رغم مرور سبع سنوات على الثورة..وهل هناك عناصر اندست وسط ملايين البشر الذين خرجوا فى الشوارع وظلوا 18 يوما بحماية كاملة من الجيش هل كان كل هؤلاء عملاء؟!.

< فى الليلة الأولى ومساء 25 يناير والعالم يتابع على الشاشات حشود الشباب وهم ينامون على الأرصفة فى ميدان التحرير وانقضت عليهم قوات الأمن وغيرت مسار الأحداث كلها يومها كان هناك من تحدث بمصداقية وقال نحن أمام شباب يعانون ظروفا اقتصادية وإنسانية صعبة إنهم جيل بلا أحلام وهناك فئات سرقت أحلام جيل كامل وقد خرجوا يعلنون رفضهم طبقات جديدة تم فرضها وصفقات توريث للحكم وتوزيع غير عادل لثروات الوطن ابتداء ببيع القطاع العام بكل مشروعاته بأبخس الأسعار وانتهاء بمزادات توزيع الأراضى فى كل بقاع مصر وقبل هذا كله احتقار لإرادة الشعب فى فرض برلمان كسيح بلا معارضة وتساءل كثيرون يومها لماذا لا تصدر قرارات سريعة بتقديم معونة بطالة للشباب الذى لا يعمل لا تقل عن 500 جنيه شهريا لكل شاب حتى توفر له الدولة فرصة عمل مناسبة مع تأكيد أن قضية التوريث لا محل لها من الإعراب وإلغاء انتخابات مجلس الشعب المشبوه مع إعلان تشكيل وزارة جديدة تضم عددا من الشباب..يومها قيل لو إن هذه القرارات صدرت فى الساعات الأولى للثورة لما حدث كل ما حدث.

< فى الأيام الأولى للثورة لم تنزل كتائب الإخوان المسلمين للشارع إلا بعد أن فشلت مفاوضاتهم مع رموز النظام خاصة أنهم بالغوا فى مطالبهم بالمشاركة فى الحكم كما اعتادوا دائما وكان آخر لقاء بينهم وبين السيد عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات هو قرار نزولهم الى الشارع وهو البداية الحقيقية للأحداث الدامية التى حدثت لأن الأيام الثلاثة الأولى كانت حركة شبابية سلمية محدودة وبريئة ولم تشهد دعوات بإسقاط النظام أو أعمال عنف أو ما حدث فى اقتحام السجون بعد ذلك..كانت المعركة بين حلفاء الأمس الحزب الوطنى والإخوان هى التى جنحت بالثورة ودخلت بها إلى دوائر العنف والتصفيات ووجدها الإخوان فرصة للثأر من قوات الأمن والشرطة، إن هذا يعنى أن هناك فصيلا كاملا من شباب الثورة كان يدرك حجم المسئولية طوال الأيام الثلاثة الأولى وكان نزول الإخوان الى الشارع هو التحول الكبير والدامى فى مسيرتها.

< كان ينبغى أن نتعامل مع ثورة يناير حسب مراحلها والقوى التى شاركت فيها، مازلت أعتقد أن الأيام الأولى كانت من نصيب شباب برىء خرج فى لحظة غضب يطالب بحقه فى الحلم وللأسف الشديد أن النظام استخف بهم ولم يسمع لهم بل انه جلس فى غرف مغلقة يتفاوض مع الإخوان كيف يتعاون الإثنان ـ النظام والإخوان ـ فى إجهاض ثورة الشباب وهنا كان ينبغى أن نوضح الحقيقة أمام المصريين هل ما حدث من اختراق للثورة جاء من خلال الإخوان واتصالاتهم الخارجية مع قوى دولية وإقليمية أم أن الثورة كلها قامت على مؤامرة فى كل مراحلها؟!.

إن توضيح الصورة الحقيقية يمكن أن يبرئ أطرافا كثيرة ويبعد الشبهات عن جماعات من الشباب البرىء خاصة هؤلاء الذين سالت دماؤهم دون أن تكون لهم علاقات أو مؤامرات بأطراف أخري..

مازلت أذكر تقريرا وزعته وزارة الداخلية حول شهداء الثورة وكان عددهم يومها يقترب من الألف شهيد وكانت الملاحظة أن فيهم أعدادا كبيرة دون سن العشرين، وأن الأغلبية منهم من الأحياء الفقيرة وأنهم ماتوا بطلقات الرصاص فى الرأس والقلب وأن من بين هذا الرقم أقل من عشرة شهداء فى سن الثلاثين أو الأربعين ومعظمهم من العمال والبسطاء والكادحين أى أنهم لم يعرفوا طريقا للسفارات او الشيكات أو الدولارات.

< فى تقديرى ان الإخوان لو نجحوا فى صفقة مع النظام فى ذلك الوقت لانتهى كل شىء ونجح الإخوان فى إجهاض حركة الشباب فى ساعاتها الأولى ولكن النظام استخف بهم وهم أيضا طمعوا فى مكاسب أكبر..ولهذا فإن فى ثورة 25 يناير جزءا غامضا حول ما دار فى كواليس المفاوضات بين النظام والإخوان وكيف تجرأ الإخوان واقتحموا مؤسسات الدولة بهذه الضراوة..إن احداث الأيام الأولى من خروج الشباب إلى الشوارع كان سلمياً ولكن الإخوان هم أصحاب الكلمة العليا بعد أن نزلوا إلى الشوارع وحدث بعد ذلك كل ما حدث من تطورات.

< مازلت أعتقد أن من حق المواطن المصرى أن يعرف كل الحقائق حول ما دار فى الأيام الأولى للثورة سواء ما يتعلق بالمفاوضات التآمرية بين الدولة والإخوان وكل ما قيل عن المؤامرات الخارجية والتمويل الأجنبى لأن هذا الجانب لا يمكن ان يسىء للملايين الذين خرجوا ـ بعد ذلك ـ فى جميع المحافظات يطالبون بإسقاط النظام، إن من حق دماء الشهداء وهم فى رحاب خالقهم أن تبرئهم مؤسسات العدالة من تهم العمالة والتمويل الأجنبى لأنهم أناس بسطاء خرجوا ذات يوم يطالبون بحقهم فى حياة كريمة..إن أحداث الثورة شهدت اندماجا بشريا جمع ملايين البشر، وإذا كان من بينهم من تآمر أو حصل على مال أو قام بأعمال تخريب وتدمير فإن العدالة حتى وإن كانت قد تأخرت قادرة على أن تعيد الحقوق لأصحابها، إن أول شهداء ثورة يناير سقط فى ميدان الأربعين فى مدينة السويس فهل وجدوا معه يومها شيكات أو دولارات أو خطة تدمير وتخريب؟ مازلت أعتقد ان الحقيقة أكبر من التسريبات أو محاولات التشويه والتضليل وان الأمانة تقتضى أن نضع الأمور فى مكانها الصحيح..فإذا كانت هناك أخطاء حدثت وجرائم يحاسب عليها القانون فإن العدالة أقرب طريق للإنصاف..

< لا أعتقد انه من الأمانة أن تتحمل ثورة يناير كل ما لحق بالمصريين بعدها من الكوارث والأزمات إنها فقط فتحت الأبواب أمام مستنقع من فساد الأخلاق وفساد الضمائر والاستهانة بحقوق الشعب.

لم تكن ثورة يناير سببا فى بيع القطاع العام أو توزيع الأراضى أو انهيار منظومة الخدمات والمرافق ولم تكن سببا فى العشوائيات والتى جعلت الدولة الآن تبدأ من الصفر فى الطرق والكهرباء والمياه والمدن الجديدة لقد ورثت ثورة يناير العشوائيات والزواج الباطل بين السلطة ورأس المال والبطالة وفساد التعليم والصحة وكل مرافق الدولة وقبل هذا علاقة تآمرية بين النظام والإخوان..إن ثورة يناير كشفت الوجه القبيح لما صارت إليه أخلاق المصريين فى السلوك والمعاملات وانتهاك قدسية المال العام وحرمان الشعب من حقه فى حياة كريمة..

< إن 25 يناير شئنا أم أبينا حدث كبير فى تاريخ مصر لابد أن نعترف أنه فتح أبوابا كثيرة للانقسامات بل والكراهية والانتقام بين أبناء الشعب الواحد ولكن لولا 25 يناير ما كانت ثورة 30 يونيو وما خرج الإخوان من الحكم وما انتهت أسطورة الزواج الباطل بين الإخوان والسلطة وبين السلطة ورأس المال ولهذا ينبغى أن نقرأ الأحداث بعيدا عن أصحاب المصالح والمتآمرين ضد الشعب وأبواق الفضائيات المشبوهة

< يجب أن نحترم تاريخنا من أجل مصر وليس من أجل ثورة يناير .