اخبار مصر - عبد الرحمن عثمان

قليلون هم الرجال الذين يخلقهم الله تعالى ليغيروا بلدانهم وأممهم .. قليلون هم من يقودون العالم ليتغير مع طرحهم لأفكارهم.. قليلون هم من يكرسهم الله لتحقيق آمال الناس… وقليلون هم من يسحرون شعوبهم والشعوب الأخرى ليؤمنوا بأفكارهم وأفعالهم فينطلقون معا لتحويل طموحاتهم إلى حقائق على أرض الواقع يُسقِطون معا إمبراطوريات وأباطرة طال حكمهم لهم .. ويحطمون جُدُر الخوف .. ويكسرون أغلال العبودية وبناء مستقبلهم رغم أنوف من هم أقوى منهم في عالم تسوده شريعة”الغابة” .. يحققون كل هذا بقوة الشعوب نفسها وليس بدعم القوى الخارجية .

قليلون في عالمنا من يُخلِّد الله سيرتهم ومسيرتهم فتكون دائما في مقدمة ملهمات الشعوب رغم غيابهم عن العالم .. إن الزعماء كالرسل يخلقهم الله تعالى لقيادة أممهم إلى مصير جديد يشاركهم آمالهم وطموحاتهم وإنجازاتهم . لكن الزعماء خلقهم الله بَشَرا يجتهدون فيصيبون ويخطئون… لهم نجاحاتهم وإخفاقاتهم .. لهم إنتصاراتهم وإنكساراتهم .

“جمال عبد الناصر”زعيم مصر والعرب الخالد هو المثل الحي لهذا النمط من الزعماء .. فرغم غيابه الجسدي عن عن العالم منذ وفاته في الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 ، إلا أن ذكره وذكراه لم تغب يوما عن خُلْد أبناء الأمة العربية وخُلْد شعوب العالم الثالث يوما.

ومازال رغم السنوات الـ 47 التي غابها عن الدنيا مثار إحترام أعدائه خارج وطنه وداخله.. ومازالت سيرته وتاريخه موضع عدد كبير من الكتب والدراسات فهو نموذج إستثنائي لزعيم من دولة نامية خرج ليحرك قلوب ومشاعر وثورات شعوب إمتدت من مصر إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

كانت كلماته تحرك الشعوب عبر آلاف الأميال –رغم ضعف وسائل الإعلام في ذلك الوقت وقصورها ورغم محاولات أعداؤه منع أفكاره من الوصول للعالم الخارجي وتشويهها ، ورغم كل المؤامارات والحروب الحربية والاقتصادية والحصار ومحاولات القتل والاغتيال.

وكان ينتصر في معظم معاركه الوطنية بفضل إيمانه بالله وبعدالة القضايا التي يكافح من أجلها ويدافع عنها بأسلحة الإيمان والوطنية وحب الحرية وكراهية الذل والاستعباد والاستعمار فتحررت بفضل الله ثم بفضله شعوبا كثيرة في دول لم يطأها بقدمه ولم تكن تعرف منه إلا أفكارهوتعاطفت مع قضاياه ومعاركه شعوبا لم تسمع منه إلا صوته ولم ترى منه إلا صوره.

خشيته الدول الاستعمارية الكبرى وحاربته وحاربت أفكاره في كل مكان لأنه كسر سطوتهم وإستغلالهم للشعوب التي رزحت تحت حكم قوتهم العسكرية ونهبهم إقتصاديا منذ مئات السنين. ولأنه تمكن بدعم تلك الشعوب المقهورة ، فكريا، من قطع الأذرع الاستعمارية وأعادهم دولا تعيش داخل حدودها .

إن الزعيم “جمال عبد الناصر”،الذي يحتفل العالم كله بمرور 100 عام على مولده،لم يحرر الشعوب المقهورة من الاستعمار فقط، بل حررها اقتصاديا وجعلها تنتبه لقوتها ومواردها الاقتصادية والطبيعية التي كانت ومازالت تجعلها مطمعا للقوى الخارجية الاستعمارية. وأعطى لهم المثل يوم حرر “قناة السويس”من قبضة الشركة الاستعمارية البريطانية الإنجليزية وبدأ في بناء اقتصاد مصري قائم على نهضة صناعية وزراعية مبنية على الإمكانات والموارد الداخلية .

وكان ناصر خطيبا مفوها يسحر كل من يسمعه.. وألقى عبد الناصر 1359 خطبة بين سنتي 1953 و1970، وهو رقم قياسي بالنسبة لأي زعيم مصري وكتب المؤرخ إيلي بوده أن من الثوابت في شخصية عبد الناصر “قدرته على تمثيل الأصالة المصرية، في الانتصار أو الهزيمة” ، وحتى يومنا هذا، يعتبر ناصر شخصية بارزة في جميع أنحاء الوطن العربي، ورمزا للوحدة العربية والكرامة، وشخصية هامة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.

تقول مجلة التايم الأمريكية ، التي جعلت صورته غلافا لها أكثر مرة ،على الرغم من أخطائه وأوجه القصور لديه، أضفى ناصر شعورا بالقيمة الشخصية والكرامة الوطنية، التي كان المصريون والعرب لا يعرفونها منذ 400 سنة.

خلال الربيع العربي، ظهرت صور جمال عبد الناصر في القاهرة والعواصم العربية خلال المظاهرات المناهضة للحكومة. و ووفقا للميس أندوني، أصبح ناصر “رمزا للكرامة العربية” خلال المظاهرات الحاشدة

لماذا عبد الناصر زعيم الأمة

سعى ناصر لجعل مصر مستقلة تماما عن النفوذ الأجنبي وأصبحت البلاد قوة عظمى في العالم النامي تحت قيادته ، وكانت إقامة العدالة الاجتماعية واحدة من جهوده المحلية الرئيسية ، والتي تعتبر شرطا أساسيا لتحقيق الديمقراطية الليبرالية.

وخلال رئاسته، تمتع المواطنون العاديون بمزايا غير مسبوقة في السكن والتعليم وفرص العمل والخدمات الصحية والتغذية، فضلا عن العديد من أشكال الرعاية الاجتماعية، في حين تراجع نفوذ الإقطاعية وبحلول نهاية رئاسته تحسنت ظروف العمل والعمال بشكل كبير ، ونما الاقتصاد الوطني بشكل كبير من خلال الإصلاح الزراعي، ومشاريع التحديث الكبرى مثل مصانع الحديد والصلب في حلوان وسد أسوان العالي ، ومجمع الألمنيوم في نجع حمادي وتأميم قناة السويس ومع ذلك، فإن النمو الاقتصادي الملحوظ في أوائل الستينات أخذ في الانكماش للفترة المتبقية من العقد بسبب تحول الإقتصاد لإقتصاد حرب بعد هزيمة يونيو 1967 .

شهدت مصر “العصر الذهبي” للثقافة خلال رئاسة عبد الناصر، وفقا للمؤرخ جويل جوردون، خاصة في السينما والتلفزيون والمسرح والإذاعة، والأدب، والفنون الجميلة، والكوميديا، والشعر، والموسيقى.. و سادت مصر الوطن العربي في هذه المجالات في عهد ناصر، منتجة العديد من الرموز والشخصيات الثقافية.

نشأته

ولد جمال عبد الناصر حسين خليل سلطان في 15 يناير 1918 في منزل والده -رقم 12 شارع قنوات- بحي باكوس بالإسكندرية ،  وهو من أصول صعيدية، حيث جاء والده في قرية بني مر في محافظة أسيوط، ونشأ في الإسكندرية وعمل وكيلاً لمكتب بريد باكوس ، وسافرت الأسرة في كثير من الأحيان بسبب عمل والد جمال عبد الناصر. ففي سنة 1921، انتقلوا إلى أسيوط، ثم انتقلوا سنة 1923 إلى الخطاطبة.

التحق عبد الناصر بروضة الأطفال بمحرم بك بالإسكندرية، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بالخطاطبة في الفترة ما بين سنتي 1923 و1924، وفي سنة 1925 دخل جمال مدرسة النحاسين الابتدائية بالجمالية بالقاهرة، وأقام عند عمه خليل حسين لمدة ثلاث سنوات، وكان جمال يسافر لزيارة أسرته بالإسكندرية فقط أثناء العطلات الدراسية.

كان عبد الناصر يتبادل الرسائل مع والدته، ولكن الرسائل توقفت في أبريل 1926، وعندما عاد إلى الخطاطبة علم أن والدته قد ماتت قبل أسابيع بعد ولادتها لأخيه الثالث شوقي، ولم يملك أحد الشجاعة لإخباره بذلك وتعمق حزن عبد الناصر عندما تزوج والده قبل نهاية نفس العام.

وبعد أن أتم جمال السنة الثالثة في مدرسة النحاسين بالقاهرة، أرسله والده في صيف 1928 عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية ، ثم التحق جمال عبد الناصر بالقسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية وقضى بها عاما واحدا، ثم نقل في العام التالي (1930) إلى مدرسة رأس التين بالإسكندرية بعد أن انتقل والده للعمل في الخدمة البريدية هناك وقد بدأ نشاطه السياسي حينها، فقد رأى مظاهرة في ميدان المنشية بالإسكندرية وانضم إليها دون أن يعلم مطالبها وعلم بعد ذلك أن هذا الاحتجاج كان من تنظيم جمعية مصر الفتاة، وكان هذا الاحتجاج يندد بالاستعمار الإنجليزي في مصر، وذلك في أعقاب قرار من رئيس الوزراء حينئذ إسماعيل صدقي بإلغاء دستور 1923،وألقي القبض على عبد الناصر واحتجز ليلة واحدة،قبل أن يخرجه والده.

عندما نقل والده إلى القاهرة في عام 1933، انضم ناصر إليه هناك، والتحق بمدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر بالقاهرة، ومثل في عدة مسرحيات مدرسية، وكتب مقالات بمجلة المدرسة، منها مقالة عن الفيلسوف الفرنسي فولتير بعنوان “فولتير رجل الحرية”.

وفي 13 نوفمبر 1935، قاد ناصر مظاهرة طلابية ضد الحكم البريطاني احتجاجا على البيان الذي أدلى به صمويل هور وزير الخارجية البريطاني قبل أربعة أيام، والذي أعلن رفض بريطانيا لعودة الحياة الدستورية في مصر  وقتل اثنان من المتظاهرين وأصيب عبد الناصر بجرح في جبينه سببته رصاصة من ضابط إنجليزي. وأسرع به زملاؤه إلى دار جريدة الجهاد التي تصادف وقوع الحادث بجوارها، ونشر اسمه في العدد الذي صدر صباح اليوم التالي بين أسماء الجرحى ، وفي 19 ديسمبر 1935 ، أصدر الملك فؤاد الأول قراراً بإعادة الدستور.

نما نشاط عبد الناصر السياسي أكثر طوال سنوات مدرسته، حيث أنه لم يحضر سوى 45 يوماً أثناء سنته الأخيرة في المدرسة الثانوية.

اعترض عبد الناصر بشدة على المعاهدة البريطانية المصرية لسنة 1936، التي تنص على استمرار وجود قوات عسكرية بريطانية في البلاد، وقد أيدت القوات السياسية في مصر هذه المعاهدة بالإجماع تقريبا. ونتيجة لذلك، انخفضت الاضطرابات السياسية في مصر بشكل كبير، واستأنف عبد الناصر دراسته في مدرسة النهضة، حيث حصل على شهادة التخرج في وقت لاحق من ذلك العام.

التأثيرات المبكرة

أمضى ناصر معظم وقت فراغه في القراءة، وخاصة في سنة 1933 عندما كان يعيش بالقرب من دار الكتب والوثائق القومية في مصر،قرأ  القرآن، وأقوال الرسول محمد وحياة الصحابة والسير الذاتية للزعماء القوميين نابليون، أتاتورك، أوتو فون بسمارك، وغاريبالدي والسيرة الذاتية لونستون تشرشل.

كان ناصر متأثراً إلى حد كبير بالقومية المصرية، التي اعتنقها السياسي مصطفى كامل والشاعر أحمد شوقي، وأستاذه في الكلية الحربية، عزيز المصري، الذي أعرب عبد الناصر عن إِمتنانه له في مقابلة صحفية سنة 1961.

وقد تأثر ناصر بشدة برواية “عودة الروح” للكاتب المصري توفيق الحكيم، التي قال فيها توفيق الحكيم أن الشعب المصري كان فقط بحاجة إلى “الإنسان الذي سيمثل جميع مشاعرهم ورغباتهم، والذي سيكون بالنسبة لهم رمزا لهدفهم”،وكانت هذه الرواية هي مصدر إلهام لعبد الناصر لإطلاق ثورة 1952.

الحياة العسكرية

في سنة 1937، حاول عبد الناصر الالتحاق بالكلية الحربية ، ولكن الشرطة سجلت مشاركته في احتجاجات مناهضة للحكومة، فمنع من دخول الكلية، فالتحق بكلية الحقوق في جامعة الملك فؤاد (جامعة القاهرة حالياً)، لكنه بعد فصل دراسي واحد عاود تقديم طلب الانضمام إلى الكليةالحربية واستطاع عبد الناصر مقابلة وزير الحربية إبراهيم خيرى باشا ، فوافق على انضمامه للكلية الحربية في مارس 1937، ركز ناصر على حياته العسكرية منذ ذلك الحين، وأصبح يتصل بعائلته قليلا.

وفي الكلية، التقى بعبد الحكيم عامر وأنور السادات، وكلاهما أصبحوا مساعدين هامين له خلال فترة رئاسته. تخرج في الكلية الحربية في شهر يوليو 1939 برتبة ملازم ثاني في سلاح المشاة.

في سنة 1941 تم نقل عبد الناصر إلى السودان، وهناك قابل عبد الحكيم عامر، وكانت السودان حينها جزءاً من مصر. عاد جمال عبد الناصر من السودان في سبتمبر 1942، ثم حصل على وظيفة مدرس في الكلية الحربية بالقاهرة شهر مايو 1943.

في 4 فبراير 1942، حاصر مايلز لامبسون السفير البريطاني بالدبابات قصر الملك فاروق ، وأمره بإقالة رئيس الوزراء حسين سري باشا، بسبب تعاطفه مع قوات المحور وأمره كذلك بتعيين مصطفى النحاس رئيسا للوزراء .

ورأى ناصر الحادث بأنه انتهاك صارخ للسيادة المصرية، وقال عن ذلك: أنا أخجل من أن جيشنا لم يصدر أي رد فعل ضد هذا الهجوم

التحق ناصر بكلية الأركان العامة في وقت لاحق من ذلك العام.

بدأ ناصر بتشكيل مجموعة من ضباط الجيش الشباب الذين يملكون مشاعر القوميةوالوطنية وجمعهم في تنظيم سري حمل فيما بعد اسم “الضباط الأحرار”
ظل ناصر على اتصال مع أعضاء المجموعة من خلال عبد الحكيم عامر، وواصل عبد الناصر البحث عن الضباط ذوي الميول الوطنية في مختلف فروع القوات المسلحة المصرية

حرب فلسطين

كانت أول معركة لعبد الناصر في فلسطين خلال الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1948 حيث تطوع عبد الناصر في البداية للخدمة في اللجنة العربية العليا (AHC) بقيادة محمد أمين الحسيني، وكان عبد الناصر قد التقي بالحسيني وأعجب به. ولكن تم رفض دخول قوات اللجنة العربية العليا في الحرب من قبل الحكومة المصرية، لأسباب غير واضحة.

في مايو 1948، أرسل الملك فاروق الجيش المصري إلى فلسطين، وخدم ناصر في كتيبة المشاة السادسة وخلال الحرب، كتب عبد الناصر عن عدم استعداد الجيش المصري، قائلا: لقد تبدد جنودنا أمام التحصينات

وكان ناصر نائب قائد القوات المصرية المسؤولة عن تأمين الفالوجة. أصيب عبد الناصر بجروح طفيفة في القتال يوم 12 يوليو. وبحلول شهر أغسطس، كان عبد الناصر مع فرقته محاصرين من قبل الجيش الإسرائيلي، ولكن الفرقة رفضت الاستسلام.

أدت المفاوضات بين إسرائيل ومصر أخيراً إلى التنازل عن الفالوجة إلى إسرائيل. وفقا لإريك مارغوليس الصحفي المخضرم، تحملت القوات المصرية القصف العنيف في الفالوجة، بالرغم من أنها كانت معزولة عن قيادتها. بدأ عبد الناصر كتابة كتابه “فلسفة الثورة” أثناء الحصار.

وأصبح المدافعون، بما فيهم الضابط جمال عبد الناصر أبطالا وطنيين حينها. وتم استقبالهم رسميا لدى عودتهم إلى القاهرة في 13 فبراير 1949 ونشرت الصحف المصرية صور رجال كتيبة الأبطال ، ومن بينهم جمال عبد الناصر” على صدر صفحاتها الأول.

بعد الحرب، عاد عبد الناصر إلى وظيفته مدرساً في الكلية الحربية ، وأرسل مبعوثين إلى جماعة الإخوان المسلمين، لتشكيل تحالف معها في أكتوبر سنة 1948، ولكنه اقتنع بعد ذلك بأن جدول أعمال الإخوان لم يكن متوافقاً مع نزعته القومية، وبدأ الكفاح من أجل منع تأثير الإخوان على أنشطته.

شارك ناصر كعضو في الوفد المصري إلى رودس في فبراير 1949 للتفاوض على هدنة رسمية مع إسرائيل، ويقول عبد الناصر أنه اعتبر شروط الهدنة مهينة، وبخاصة لأن الإسرائيليين تمكنوا من احتلال منطقة “أم الرشراش” المعروفة حالية باسم إيلات بسهولة بينما هم يتفاوضون مع العرب في مارس 1949.

الضباط الأحرار

تزامنت عودة عبد الناصر لمصر مع انقلاب حسني الزعيم في سوريا وقد شجع نجاحه الواضح عبد الناصر في مساعيه الثورية.

بعد فترة وجيزة من عودته، استدعى رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي “الضابط “جمال عبد الناصر :لاستجوابه بشأن شكوك بأنه ينضم إلى تشكيل سري من ضباط المعارضة، نفى عبد الناصر هذه المزاعم بشكل مقنع.

وكان عبد الهادي أيضا مترددا في اتخاذ تدابير جذرية ضد الجيش، خصوصا أمام رئيس أركانه، الذي كان حاضرا أثناء الاستجواب، وأفرج عن عبد الناصر في وقت لاحق. ودفع هذا الاستجواب عبد الناصر إلى تسريع أنشطة جماعته ، بعد سنة 1949، اعتمد الفريق اسم “حركة الضباط الأحرار” اسما لجماعتهم .

فاز حزب الوفد بأغلبية المقاعد في الانتخابات البرلمانية لسنة 1950.. ثم بدأت الاتهامات بالفساد ضد سياسيي حزب الوفد تطفو على السطح، وانتشرت الشائعات والشكوك حولهم، وبحلول ذلك الوقت، كان عدد أعضاء “تنظيم الضباط الأحرار ” قد ارتفع إلى 90 عضوا، ووفقا لخالد محيي الدين: لم يعرف أحد جميع الأعضاء، ومكانهم في التسلسل الهرمي للجمعية باستثناء ناصر..

ورأى ناصر إن الضباط الأحرار لم يكونوا على استعداد للتحرك ضد الحكومة، وظل نشاطه مقتصرا لمدة تقارب العامين على تجنيد الضباط ونشر المنشورات السرية.

في 11 أكتوبر سنة 1951، ألغت حكومة الوفد المعاهدة البريطانية المصرية لعام 1936، والتي أعطت السيطرة لبريطانيا على قناة السويس حتى سنة 1956.

وفي يناير عام 1952، حاول عبد الناصر وحسن إبراهيم قتل حسين سري عامر ببنادقهم الرشاشة، بينما كان يقود سيارته في شوارع القاهرة، وبدلا من قتل الضابط، أصاب أحد المهاجمين امرأة مارة بريئة، وذكر ناصر أنه بكى لذلك، وجعله هذا الأمر يعدل عن رأيه الذي كان يؤيد فكرة الاغتيالات السياسية .

كان سري عامر مقرباً من الملك فاروق، ورشح لرئاسة نادي الضباط. وكان ناصر مصمماً على استقلال الجيش عن النظام الملكي، ودعم الضباط الأحرار اللواء محمد نجيب في إنتخابات نادي الضباط حتى نجح في ذلك أمام “حسين سري باشا” .

ثورة 23 يوليو

وفي يوم 25 يناير سنة 1952، حدثت مواجهة بين القوات البريطانية وشرطة الإسماعيلية أدت إلى مقتل أربعين من رجال الشرطة المصرية برصاص الإنجليز ، وفي اليوم التالي وقع “حريق القاهرة مما أسفر عن مقتل 76 شخصا واحتراق عدد كبير من المحلات والمؤسسات والمباني في وسط القاهرة .

بعد ذلك، نشر ناصر برنامجا من ست نقاط لمصر في مجلة روز اليوسف لتفكيك الإقطاع والقضاء على النفوذ البريطاني.

في منتصف 1952، تلقى ناصر تسريبات تقول بأن الملك فاروق قد عرف أسماء الضباط الأحرار وسيقوم بإلقاء القبض عليهم، فأعطى عبد الناصر على الفور تعليمات للضباط الأحرار ببدء التحرك ضد الحكومة بمساعدة وحدات الجيش الموالية للتنظيم.

كان الضباط الأحرار يقولون أن نيتهم ليست تثبيت أنفسهم في الحكومة، وإنما إعادة إنشاء دولة ديمقراطية برلمانية.

لم يعتقد عبد الناصر أن ضابطاً من ذوي الرتب المتوسطة مثله “بكباش” أي (مقدم) من شأنه أن يكون مقبولاً من قبل الشعب المصري، واختار لذلك محمد نجيب ليكون قائدا للثورة (اسمياً).

وكان عبد الناصر قد طلب من “اللواء نجيب” الانضمام إلى الضباط الأحرار، عن طريق عبد الحكيم عامر ، وكان محمد نجيب ضابطًا شعبيًا، قدم استقالته إلى الملك فاروق في عام 1942، وأصيب ثلاث مرات في حرب فلسطين.

انطلقت الثورة ليلة 22\23 يوليو وأعلن بيانها الأول صباح 23 يوليو 1952 عبر الإذاعة المصرية في اليوم نفسه ، وسيطر الضباط الأحرار على جميع المباني الحكومية، والمحطات الإذاعية، ومراكز الشرطة، وكذلك مقر قيادة الجيش في القاهرة ، ولاقت حركتهم قبولا شعبيا فوريا .

لم يرد الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر أن تكون ثورتهم دموية فحاصروا القصر الملكي في “أس التين “حيث كان يقيم الملك فاروق . وأرسلوا إليه إنذارا ، في السادس والعشرين من يوليو 1952 عبر رئيس الوزراء المعين “علي ماهر ” باشا بضرورة التنازل عن الحكم لابنه “الرضيع” “أحمد فؤاد” ومغادرة البلاد قبل الساساعة السادسة من مساء نفس اليوم، كما طلبوا من رئيس الوزراء السابق علي ماهر قبول إعادة تعيينه في موقعه السابق، وتشكيل مجلس الوزراء بأكمله من المدنيين.

وقبل فاروق الإنذار وتنازل عن العرش لابنه الذي أصبح لقبه “أحمد فؤاد الثاني” وغادر الملك فاروق وأسرته البلاد في يخت “المحروسة إلى إيطاليا وتم توديعه رسميا بتشريفة ملكية .

وفي سبتمبر1952 ، تم وضع قانون الإصلاح الزراعي حيز التنفيذ \ولم يرق “علي ماهر ” هذا القانون فاستقال يوم 7 سبتمبر. وتولى نجيب دوراً إضافياً وهو رئاسة الوزراء، وعبد الناصر نائباً رئيس الوزراء.

ومن وجهة نظر عبد الناصر، أعطى هذا القانون مجلس قيادة الثورة هويته وحول “الحركة المباركة”إلى ثورة حكم الضباط الأحرار باسم “مجلس قيادة الثورة” عن طريق محمد نجيب رئيساً وجمال عبد الناصر نائبا للرئيس.

وفي 18 يونيو سنة 1953، تم إلغاء النظام الملكي وأعلن قيام الجمهورية في مصر، وكان نجيب أول رئيس لها..

الطريق إلى الرئاسة

في يناير 1953، حظرت حكومة الثورة جميع الأحزاب السياسية ، وعلى الرغم من قرار حل البرلمان، كان عبد الناصر عضو مجلس قيادة الثورة الوحيد الذي ما زال يفضل إجراء الانتخابات البرلمانية، وفقاً لعبد اللطيف البغدادي (أحد الضباط). وظل عبد الناصر ينادي بإجراء الانتخابات البرلمانية في سنة 1956.

في مارس سنة 1953، قاد ناصر الوفد المصري للتفاوض على انسحاب القوات البريطانية من مصر نهائيا واخلاء معسكراتها وتحرير قناة السويس.

في 25 فبراير 1954، أعلن نجيب استقالته من مجلس قيادة الثورة بعد أن عقد المجلس إجتماعا رسمياً دون حضوره قبل يومين. في 26 فبراير، قبل المجلس استقالة نجيب، وقام بوضع نجيب تحت الإقامة الجبرية في منزله. وعين مجلس قيادة الثورة ناصر قائداً للمجلس ورئيساً لمجلس الوزراء،على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغراً.

طالبت مجموعة من الضباط ا الأحرار بقيادة خالد محيي الدين، بإطلاق سراح نجيب وعودته إلى رئاسة الجمهورية. واضطر المجلس إلى الإذعان لمطالبهم، ولكنه أجل إعادة نجيب حتى 4 مارس، وقام بتعيين عبد الحكيم عامر قائداً للقوات المسلحة، وكان هذا المنصب في يد محمد نجيب قبل عزله.

ثار المستفيدون من الثورة، أي العمال والفلاحين، والبرجوازيين الصغار، حيث قاموا بتنظيم مظاهرات كبيرة، لمعارضة قرارات نجيب، التي ألغى فيها قانون الإصلاح الزراعي وعدة إصلاحات أخرى. سعى نجيب لقمع المظاهرات، ولكن تم رفض طلباته من قبل رؤساء قوات الأمن. يوم 29 مارس، أعلن ناصر إلغاء قرارات نجيب “استجابة للجماهير “.

رئاسة مجلس قيادة الثورة

في التاسع عشر من أكتوبر تكللت “مفاوضات الجلاء المصرية البريطانية” بالنجاح وتم الإتفاق على خروج أخر جندي بريطاني من مصر في 18 يونيو 1956 لتحرر مصر نهائيا من الاستعمار البريطاني الذي بدأ منذ عام 1882.

في 26 أكتوبر 1954، حاول محمود عبد اللطيف أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين اغتيال عبد الناصر، عندما كان يلقى خطاباً في الإسكندرية للإحتفال بإتفاقية الجلاء “. كان المسلح بعيدا عنه بـ 25 قدم (7.6 متر)، وأطلق ثماني طلقات، ولكن جميع الطلقات لم تصب ناصر.

اندلعت حالة من الذعر بين الجمهور، لكن ناصر رفع صوته وطلب من الجماهير الهدوء، وصاح بما يلي: فليبق كل في مكانه أيها الرجال، فليبق كل في مكانه أيها الرجال، حياتي فداء لكم، دمي فداء لكم، سأعيش من أجلكم، وأموت من أجل حريتكم وشرفكم، إذا كان يجب أن يموت جمال عبد الناصر، يجب أن يكون كل واحد منكم جمال عبد الناصر، جمال عبد الناصر منكم ومستعد للتضحية بحياته من أجل البلاد

تعالت مظاهرات التأييد لعبد الناصر في مصر والوطن العربي. وأتت محاولة الاغتيال بنتائج عكسية.وبعد عودته إلى القاهرة، تم إعتقال العشرات من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين والشيوعيين، وتمت إقالة 140 ضابطا موالياً لنجيب. و تمت تنحية محمد نجيب من رئاسة الجمهورية ووضع تحت الإقامة الجبرية، ولكن لم تتم محاكمته، ولم يقم أحد في الجيش بالدفاع عنه.

وبدأت القومية العربية تظهر بشكل متكرر في خطابات عبد الناصر في سنتي 1954 – 1955، ثم في يناير 1955 عين رئيساً لمجلس قيادة الثورة.

تم تشكيل حلف بغداد بين بعض الحلفاء الإقليميين لبريطانيا ومنهم العراق وتركيا وباكستان . اعتبر عبد الناصر حلف بغداد تهديدا لجهوده للقضاء على النفوذ العسكري البريطاني في الشرق الأوسط، وآلية لتقويض جامعة الدول العربية و”إدامة التبعية العربية للصهيونية والإمبريالية الغربية”.

ورأى ناصر أنه إذا كان يريد الحفاظ على الموقع الريادي الإقليمي لمصر فهو يحتاج إلى الحصول على الأسلحة الحديثة لتسليح جيشه.

عندما أصبح واضحا له أن الدول الغربية لن تمد مصر بالأسلحة تحت شروط مالية وعسكرية مقبولة، تحول عبد الناصر إلى الكتلة الشرقية وأبرم اتفاق شراء أسلحة من تشيكوسلوفاكيا بمبلغ 320 مليون دولار أمريكي في 27 سبتمبر 1955.

بعد صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية، أصبح ميزان القوى بين مصر وإسرائيل أكثر تعادلاً، وتعزز دور عبد الناصر كقائد للعرب يتحدى الغرب.

بعد مؤتمر باندونج، أعلن ناصر رسميا “الحياد الإيجابي” لمصر بشأن الحرب الباردة. وتم استقبال عبد الناصر من قبل حشود كبيرة من الناس غطت شوارع القاهرة لدى عودته إلى مصر في 2 مايو، وتم الإعلان على نطاق واسع في الصحافة عن إنجازاته وقيادته للمؤتمر. ونتيجة لذلك، تعززت مكانة عبد الناصر إلى حد كبير كما زادت ثقته في نفسه.

الدستور والرئاسة

في يناير 1956، تمت صياغة الدستور الجديد لمصر، وتم ترشيح عبد الناصر لمنصب رئاسة الجمهورية، وطرح الدستور الجديد للاستفتاء العام يوم 23 يونيو، وحاز على الموافقة بأغلبية ساحقة وفاز جمال عبد الناصر بمنصب رئيس الجمهورية بأغلبية ساحقة .

وأنشئ مجلس الأمة الذي يتضمن 350 عضوا. وجرت الانتخابات في يوليو سنة 1956. منح الدستور حق الاقتراع للمرأة، وحظر التمييز القائم على نوع الجنس، وكفل حماية خاصة للنساء في مكان العمل.

تزامنا مع الدستور الجديد ورئاسة عبد الناصر، حل مجلس قيادة الثورة نفسه كجزء من الانتقال إلى الحكم المدني.

تأميم قناة السويس

بعد فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، تسلم ناصر السلطة. اصطدمت سياساته الخارجية والداخلية المستقلة بشكل متزايد مع المصالح الإقليمية لكل من المملكة المتحدة وفرنسا. أدانت الأخيرة دعمه القوي لاستقلال الجزائر، واهتاجت حكومة أنطوني إيدن في المملكة المتحدة من حملة عبد الناصر ضد حلف بغداد.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أدى تمسك عبد الناصر بالحياد بشأن الحرب الباردة، والاعتراف بالصين الشيوعية، وصفقة الأسلحة مع الكتلة الشرقية إلى انزعاج للولايات المتحدة. في 19 يوليو 1956، سحبت الولايات المتحدة وبريطانيا فجأة عرضهما لتمويل بناء سد أسوان، حيث أعربتا عن خوفهما من أن الاقتصاد المصري سوف يغرق بسبب هذا المشروع..

أُبلِغ ناصر بنبأ القرار البريطاني الأمريكي بينما كان على متن طائرة العودة إلى القاهرة من بلجراد في 26 يوليو 1956، قدم ناصر خطابا في الإسكندرية أعلن فيه تأميم شركة قناة السويس كوسيلة لتمويل مشروع سد أسوان العالي ردا على إمتناع أمريكا وبريطانيا عن تمويل بناء اسد.

ووسط حديثه، ندد ناصر بالسيطرة البريطانية الفرنسية على أرباح شركة القناة، وتمسك بحق الشعب المصري في السيادة على الممر المائي، خاصة وأن 120,000 مصري قد مات في سبيل حفرها .

ولاقى إعلان تأميم القناة تأييدا واسعا من الشعب في مصر، وفي جميع أنحاء الوطن العربي، نزل الآلاف إلى الشوارع مرددين هتافات داعمة لهذا القرار..

وكتب المحلل السياسي المصري محمود حمد أنه بعد تأميم القناة اكتسب ناصر شعبية “شبه تامة” أنشئت الشرعية وجعلته “القائد الكاريزمي” و”المتحدث باسم الجماهير ليس فقط في مصر، بل في جميع أنحاء العالم الثالث .

كان هذا أكبر انتصار لقومية عبد الناصر العربية في ذلك الوقت و”بعد فترة قصيرة كانت صوره معلقة في خيام اليمن، وأسواق مراكش، والفيلات الفاخرة في سوريا”.

أزمة قناة السويس

رأت فرنسا والمملكة المتحدة، وهما أكبر مالكتين لأسهم في شركة قناة السويس، أن تأميم قناة السويس عمل عدائي من قبل الحكومة المصرية.

كان ناصر يدرك أن تأميم القناة سوف يحدث أزمة دولية، واعتقد أن احتمال التدخل العسكري من قبل الدولتين (فرنسا والمملكة المتحدة) 80 في المئة وقال أنه يعتقد، مع ذلك، أن المملكة المتحدة لن تكون قادرة على التدخل عسكريا لمدة شهرين على الأقل بعد الإعلان.بأنه “مستحيل

في أوائل أكتوبر، اجتمع مجلس أمن الأمم المتحدة بشأن مسألة تأميم القناة واتخذ قرارا بالاعتراف بحق مصر في السيطرة على القناة طالما أنها استمرت في السماح بمرور السفن الأجنبية من القناة.

بعد وقت قصير، عقدت المملكة المتحدة، وفرنسا، وإسرائيل اتفاقا سريا للإستيلاء على قناة السويس، واحتلال أجزاء من مصر] وإسقاط عبدالناصر.

في 29 أكتوبر 1956، عبرت القوات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء، وسرعان ما تقدمت إلى أهدافها. بعد ذلك بيومين، قصفت الطائرات البريطانية والفرنسية المطارات المصرية في منطقة القناة.

أمر ناصر القيادات العسكرية بسحب الجيش المصري من سيناء لتعزيز دفاعات القناة. وعلاوة على ذلك، فقد تخوف ناصر من إرسال سلاح المدرعات لمواجهة القوة الغازية الإسرائيلية (والبريطانية والفرنسية التي هبطت في وقت لاحق على مدينة بورسعيد)، حيث أنه تخوف من تدميرها من قبل قوات الدول الثلاث مجتمعة.

اقترح عامر وصلاح سالم طلب وقف إطلاق النار، وطلب سالم أيضا من ناصر تسليم نفسه للقوات البريطانية فوبخهما ناصر، وقال أن الجيش لن يستسلم ، وتولى ناصر القيادة العسكرية.

وأذن الناصر بتوزيع حوالي 400000 بندقية على المتطوعين المدنيين ومئات من قوات المقاومة الشعبية التي تشكلت في جميع أنحاء مصر.

أرسلت كتيبة المشاة الثالثة والمئات من عناصر الحرس الوطني إلى بورسعيد لتعزيز الدفاعات المصريةهناك. و] سافر ناصر والبغدادي إلى منطقة القناة لرفع الروح المعنوية للمتطوعين المسلحين. وفقا لمذكرات البغدادي،

عندما هبطت القوات البريطانية والفرنسية في بورسعيد في 5-6 نوفمبر، زادت قوات المقاومة الشعبية المحلية من مقاومتها وقوة دفاعاتها، وقد أدت مقاومتها الشديدة إلى القتال من شارع إلى شارع. وكان قائد الجيش المصري في المدينة يستعد لطلب شروط لوقف إطلاق النار، ولكن ناصر نهاه عن ذلك. تمكنت القوات البريطانية والفرنسية من الاستيلاء على معظم أجزاء المدينة في 7 نوفمبر ، وأستشهد مابين 750 إلى 1000 مصري في معركة بورسعيد.

أدانت إدارة أيزنهاور الأمريكية الغزو الثلاثي، ودعمت قرارات الأمم المتحدة المطالبة بسحب قوات الدول الثلاثة الغازية. أثنى ناصر على أيزنهاور، مشيرا إلى أنه لعب “أكبر الأدوار وأكثرها حسما” في وقف “المؤامرة الثلاثية”.وبحلول نهاية شهر ديسمبر، انسحبت القوات البريطانية والفرنسية تماما من الأراضي المصرية،في حين أنهت إسرائيل انسحابها في مارس 1957 ، وفي يوم 8 أبريل، أعيد فتح القناة أمام الملاحة الدولية.

وبعد إنتهاء العدوان الثلاثي على مصر بإنسحاب قوى العدوان أصبح “جمال عبد الناصر” قائدا وزعيما شعبيا ليس في مصر وحدها بل في المنطقة الوطن العربي وأفريقيا والعالم الثالث بأجمعه ، فهو الزعيم الذي لم يرضخ للقوى الإمبريالية ولم يستسلم ويتراجع عن قراره بإعاده قناة السويس للسيادة المصرية .

يقول الكاتب البريطاني أنثوني نوتنجأن هذه الأزمة “هي التي جعلت ناصر أخيرا وبشكل كامل، رئيسا لمصر”.

العروبة والاشتراكية

قبل سنة 1957، أصبحت القومية العربية هي الأيديولوجية السائدة في الوطن العربي، واعتبر المواطن العربي ناصر زعيمه بلا منازع.. وأرجع المؤرخ عديد دويشا الفضل في ذلك إلى “كاريزما” عبد الناصر، والتي عززها انتصاره في أزمة السويس، وإطلاقه من القاهرة لإذاعة صوت العرب، التي نشرت أفكار عبد الناصر في جميع أنحاء العالم الناطقة باللغة العربية، وكتب المؤرخ يوجين روجان: “غزا ناصر الوطن العربي عن طريق الإذاعة “.

كما تمتع ناصر بدعم من المنظمات القومية العربية، في جميع أنحاء المنطقة. وكان العديد من أتباعه يمولونه تمويلا جيدا، ولكنهم افتقروا إلى أي هيكل أو تنظيم دائم. دعوا أنفسهم “الناصريين”، على الرغم من اعتراض عبد الناصر على التسمية، حيث قال أنه يفضل مصطلح “القوميين العرب”.

وعلى الرغم من أن ناصر كان معارضا للشيوعية في المنطقة، كانت زعامته للعرب مُعتبَرة كتهديد من قبل الدول الموالية للغرب في المنطقة.

قدمت حكومة مصر وناصر حوافز ضريبية وجذب الاستثمارات الخارجية لم تحقق نتائج كبيرة نتيجة للحصار الاقتصادي الغربية ، أمم ناصر المزيد من الشركات الأجنبية الموجودة في مصر وجعلها جزءا من نظام التنمية الاقتصادية و كان ثلثا الاقتصاد لا يزال في أيدي القطاع الخاص حينها.

حقق هذا المجهود قدرا من النجاح، مع زيادة الإنتاج الزراعي والاستثمار في التصنيع. بدأ ناصر إنشاء مصانع الصلب بحلوان، والتي أصبحت فيما بعد أكبر المشاريع في مصر، ووفرت عشرات الآلاف من فرص العمل. ] قرر ناصر أيضا التعاون مع الاتحاد السوفيتي في بناء السد العالي كبديل للولايات المتحدة وبريطانيا التي سحبت تمويلها للمشروع

الجمهورية العربية المتحدة

في سبتمبر 1957 ، احتشدت القوات البرية التركية على طول الحدود السورية، معززة للشائعات التي ادعت أن دول حلف بغداد كانت تحاول إسقاط الحكومة في سوريا.[ أرسل ناصر بعض الوحدات إلى سوريا كعرض رمزي للتضامن، مما رفع مكانته في الوطن العربي، وخاصة بين السوريين.

وتوجه وفد من سوريا جمال عبد اللناصر للمطالبة بوحدة فورية مع مصر.

رفض ناصر الطلب في البداية، مععلا ذلك بعدم توافق النظم السياسية والاقتصادية بين البلدين، وعدم التواصل، وكثرة تدخلات الجيش السوري في السياسة، والطائفية العميقة بين القوى السياسية في سوريا ومع ذلك، في يناير عام 1958، تمكن الوفد السوري الثاني من إقناع جمال عبد الناصر بقرب استيلاء الشيوعيين على سوريا، وما يترتب عليه من انزلاقها في حرب أهلية.

اختار ناصر الوحدة في وقت لاحق، وإن كان قد اشترط توليه رئاسة الوحدة التي ستقوم بين الدولتين وحل حزب البعث، وقد وافق المندوبون والرئيس السوري شكري القوتلي على ذلك في 1 فبراير، أعلنت الجمهورية العربية المتحدة، ووفقا للكثير من المؤرخين سرعان ما تحول الذهول إلى نشوة كبيرة.

وفي 24 فبراير، سافر ناصر إلى دمشق في زيارة مفاجئة للاحتفال بالوحدة وكان في استقباله مئات الآلاف من الأشخاص الذين احتفلوا به احتفالا أسطوريا وحملوا سيارته فوق أعناقهم.

أعلن عبد الناصر صدور الدستور المؤقت الجديد الذي أعدته الجمعية الوطنية المكونة من 600 عضو (400 من مصر و200 من سورية)، وحل جميع الأحزاب السياسية.

وتم إعطاء كلا من جانبي الوحدة نائبين للرئيس: البغدادي وعامر في مصر، وصبري العسلي وأكرم الحوراني في سوريا ، ثم غادر ناصر إلى موسكو للاجتماع مع نيكيتا خروتشوف.

في الاجتماع، ضغط خروتشوف على ناصر لرفع الحظر المفروض على الحزب الشيوعي، ولكن ناصر رفض، مشيرا إلى أنه شأن داخلي وليس موضوعا للمناقشة مع القوى الخارجية.

وبحسب ما ورد فقد فوجئ خروتشوف ونفى التدخل في شؤون الجمهورية العربية المتحدة. وحسمت المسألة، حيث سعى كلا الزعيمين لمنع الخلاف بين البلدين

التأثير على الوطن العربي

يوم 14 يوليو، أطاح ضابطا الجيش العراقي عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف بالنظام الملكي العراقي، وفي اليوم التالي، قتل رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد واعترف ناصر بالحكومة الجديدة وقال إن “أي هجوم على العراق بمثابة هجوم على الجمهورية العربية المتحدة.

رأى ناصر أن الثورة في العراق فتحت الطريق أمام الوحدة العربية وفي 19 يوليو، للمرة الأولى، أعلن أنه اختار “اتحادا عربيا كاملا”، على الرغم من أنه لم يكن لديه خطة لدمج العراق مع الجمهورية العربية المتحدة، في حين فضل معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة العراقي وحدة وطنية عراقية.

سعى قاسم للحفاظ على استقلال العراق، حيث كان مستاءً من القاعدة الشعبية الكبيرة لعبد الناصر في البلاد، وهذا مادعى أن تكون القاهرة مقرا لللاجئين السياسيين العرب فى تلك الفترة

انهيار الوحدة مع سوريا

في مصر، كان الوضع الاقتصادي أكثر إيجابية، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.5 في المئة والتقدم السريع للصناعة.

في 28 سبتمبر 1961، شنت وحدات انفصالية من الجيش بقيادة مدير مكتب المشير عامر عبد الكريم النحلاوي انقلابا في دمشق، معلنة انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة،وقبل ناصر انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة يوم 5 أكتوبر، وأعلن أن مصر سوف تعترف بالحكومة السورية المنتخبة،وألقى باللوم في تفكك الوحدة على التدخل من قبل الحكومات العربية المعادية له.

التحرر المستوى الإقليمي

أطاح الضباط اليمنيين بقيادة عبد الله السلال – – بالإمام بدر في اليمن الشمالي في 26 سبتمبر 1962 وقبل ناصر في وقت لاحق -بناء على طلب من السلال- مساعدة الثورة اليمنية عسكريا ونتيجة لذلك، أصبحت مصر متورطة على نحو متزايد في الحرب الأهلية المطولة في اليمن حتى سحبت قواتها في سنة 1967.

وقال ناصر في وقت لاحق -في سنة 1968- أن التدخل في اليمن كان “سوء تقدير”.

في يوليو سنة 1962، استقلت الجزائر عن فرنسا ، وكمؤيد سياسي ومالي قوي لحركة الاستقلال الجزائرية، اعتبر ناصر استقلال البلاد نصرا شخصيا له.

في 8 فبراير 1963، أطاح انقلاب عسكري في العراق بقيادة تحالف بعثي-ناصري بقاسم (الذي قتل في وقت لاحق)، واختير عبد السلام عارف -الناصري- ليكون الرئيس الجديد. أطاح تحالف مماثل بالحكومة السورية يوم 8 مارس.

وفي 14 مارس أرسلت الحكومتان الجديدتان العراقية والسورية الوفود إل مصر من أجل عمل اتحاد عربي جديد وخلال الاجتماع، انتقد ناصر البعثيين “لتسهيلهم” خروج سوريا من الجمهورية العربية المتحدة “.

تم الاتفاق على عمل وحدة انتقالية تنص على نظام فيدرالي ووقع الطرفان على الاتفاق في 17 أبريل، وكان من المقرر إنشاء الاتحاد الجديد في مايو 1965 ولكن تم صرف النظر عن الاتفاق في وقت لاحق.

في يناير 1964، دعا ناصر لعقد اجتماع لرؤساء وملوك وأمراء دول الجامعة العربية في القاهرة، للتحرك عربية ضد خطط إسرائيل لاستخدام مياه نهر الأردن لأغراض اقتصادية، والتي اعتبرتها سوريا والأردن عملا من أعمال الحرب] ألقى ناصر باللوم على الانقسامات العربية، ووصف الوضع بأنه “كارثي.

دعم جمال عبد الناصر سوريا والفدائيين الفلسطينيين ضد استفزازات الإسرائيليين، وأعلن أنه لا يخطط لحرب مع إسرائيل

وخلال القمة، بدأ ناصر علاقات ودية مع الملك حسين، وأصلح العلاقات مع حكام المملكة العربية السعودية وسوريا والمغرب. وفي مايو، بدأ ناصر يشارك رسميا بدوره القيادي في قضية فلسطين، قبل الشروع في إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وكان رئيسها (ومرشح عبد الناصر الشخصي) هو أحمد الشقيري.

الحياد الإيجابي وعدم الانحياز 

في مؤتمر باندونج في إندونيسيا في أواخر أبريل 1956، كان عبد الناصر يعامل كأبرز ممثلي الدول العربية، وكان واحداً من الشخصيات الأكثر شعبية في القمة.

وكان عبد الناصر قد زار باكستان في 9 أبريل) والهند 14 أبريل، وبورما وأفغانستان في الطريق إلى باندونج وأقام معاهدة صداقة مع الهند في القاهرة يوم 6 أبريل، مما عزز العلاقات المصرية الهندية في السياسة الدولية وجبهات التنمية الاقتصادية.

توسط ناصر في مناقشات المؤتمر بين الفصائل الموالية للغرب، والموالية للإتحاد السوفيتي. وسعت جهود عبد الناصر للتصدي للإستعمار في أفريقيا وآسيا وتعزيز السلام العالمي في ظل الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفياتي.

قدم عبد الناصر الدعم من أجل استقلال تونس والجزائر والمغرب عن الحكم الفرنسي، ودعم حق عودة الفلسطينيين لمنازلهم، ودعى لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

ونجح في الضغط على الحضور لتمرير قرارات بشأن كل من هذه القضايا، وأبرز مكاسبه كان ضمان الدعم القوي من الصين والهند.

بعد سنوات من التنسيق في السياسة الخارجية وتطوير العلاقات، قام ناصر، والرئيس الإندونيسي سوكارنو، الرئيس اليوغسلافي تيتو، ورئيس وزراء الهند نهرو بتأسيس حركة عدم الانحياز (NAM) في سنة 1961.

وكان هدفها المعلن هو ترسيخ عدم الانحياز وتعزيز السلام العالمي في ظل الحرب الباردة، القضاء على الاستعمار، وزيادة التعاون الاقتصادي فيما بين البلدان النامية  وفي سنة 1964، أصبح ناصر رئيسا لحركة عدم الانحياز وعقد المؤتمر الثاني للمنظمة في القاهرة.

الزعيم وأفريقيا

لعب جمال عبد الناصر دورا هاما في تعزيز التضامن الأفريقي في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، وخلال هذه الفترة جعل مصر ملجأ للقادة المناهضين للاستعمار وسمح للعديد من البلدان الأفريقية ببث الدعاية المناهضة للاستعمار من القاهرة عبر الإذاعات الموجهة الأفريقية من القاهرة.

وابتداء من سنة 1958، لعب ناصر دورا رئيسيا في المناقشات بين القادة الأفارقة التي أدت إلى إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية في سنة 1963.

جهود التحديث والمعارضة الداخلية

الأزهر

في سنة 1961، سعى ناصر إلى ترسيخ مكانة مصر كقائدة للعالم الإسلامي ، وسعى للترويج لثورة ثانية في مصر بهدف دمج الفكر الإسلامي والاشتراكي ] ولتحقيق ذلك، اقترح العديد من الإصلاحات لتحديث الأزهر، والذي هو بمثابة السلطة الرائدة في الإسلام السني.

تضمنت الاصلاحات إنشاء مدارس جديدة وإدخال التطور في المناهج المدرسية. وإنشاء كليات علمية حديثة بجامعة الأزهر وشملت الإصلاحات أيضا اندماج المحاكم الدينية والمدنية وإنشاء أول إذاعة متخصصة للقرآن الكريم ودعم المجلس الأعلى للشئون الإسلامية .

الميثاق الوطني

في أكتوبر سنة 1961، بدأ ناصر برنامج كبير للتأميم في مصر، معتبرا ان اعتماد قراراته الاشتراكية سيكون الحل لمشاكل بلاده.

وأطلق الميثاق الوطني الذي دعا لتوفير الرعاية الشاملة والصحية، والإسكان بأسعار معقولة، والمدارس المهنية، وتوفير المزيد من الحقوق للمرأة وبرنامج تنظيم الأسرة، فضلا عن توسيع قناة السويس..

حاول ناصر أيضا الحفاظ على مراقبة الخدمة المدنية في البلاد لمنعها من التضخم، مما جعلها تصبح عبئا على الدولة.

أصدر جمال عبد الناصر قوانين جديدة تحدد الحد الأدنى لأجور العمال، وتحديد نسبة لهم من أسهم الأرباح، والتعليم المجاني والرعاية الصحية المجانية، وتخفيض عدد ساعات العمل، والتشجيع على المشاركة في الإدارة. كفل قانون الإصلاح الزراعي أمن المزارعين المستأجرين تم الترويج للنمو الزراعي، والحد من الفقر في المناطق الريفية ونتيجة لتدابير سنة 1962، وصلت ملكية الحكومة من الشركات المصرية إلى 51 في المئة.

أعيد انتخاب جمال عبد الناصر للولاية ثانية كرئيس للجمهورية العربية المتحدة بعد استفتاء في البلاد.

بدأ جمال عبد الناصر في تخفيف سيطرة الدولة على القطاع الخاص، وتقديم الحوافز لزيادة الصادرات.

1967

في أوائل سنة 1967، حذر الاتحاد السوفيتي ناصر من هجوم إسرائيلي وشيك على سوريا، على الرغم من أن رئيس هيئة الأركان محمد فوزي وصف ذلك التحذير بأنه “لا أساس له من الصحة .

دون إذن عبد الناصر، استخدم عامر التحذيرات كذريعة لإرسال قوات إلى سيناء يوم 14 مايو، وطالب ناصر في وقت لاحق بسحب قوات الطوارئ الدولية في شمال سيناء

كان ناصر لا يزال يرى أن الولايات المتحدة تستطيع كبح جماح إسرائيل من مهاجمة مصر بسبب التأكيدات التي تلقاها من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وفي المقابل، طمأن أيضا ناصر كلا القوتين أن مصر ستدافع عن نفسها فقط.

يوم 21 مايو، ودون الحصول على إذن عبد الناصر، أمر عامر بمحاصرة مضيق تيران، في خطوة اعتقد ناصر أن إسرائيل ستعتبرها سببا للحرب. طمأنه عامر أن الجيش كان مستعدا للمواجهة، ولكن ناصر كان يشك في ذلك. . علاوة على ذلك طالب عامر ودعا لضربة استباقية رفض ناصر الدعوة، حيث قال أن سلاح الجو لبعض الإمكانات ، ومع ذلك، قال ناصر أنه إذا هاجمت إسرائيل، ستكون لمصر ميزة كثرة القوى البرية والأسلحة، مما يمكنها من درء القوات الإسرائيلية لمدة أسبوعين على الأقل، مما يسمح ببدء الجهود الدبلوماسية لوقف إطلاق النار.

وفي 2 يونيو 1967 حذر جمال عبد الناصر في اجتماع لقادة الجيش من هجوم إسرائيلي يتوقع أن يكون صباح الإثنين 5 يونيو .

وكما توقع وحذر فقد وقع الهجوم في صباح يوم 5 يونيو، حيث ضرب سلاح الجو الإسرائيلي القواعد الجوية المصرية، ودمر جزءا كبيرا من القوات الجوية المصرية.

قبل انتهاء اليوم الأول من الحرب، كانت وحدات مدرعة إسرائيلية قد اخترقت خطوط الدفاع المصرية واستولت على مدينة العريش.. وفي اليوم التالي، أمر عامر بانسحاب فوري للقوات المصرية من سيناء، مما تسبب في سقوط غالبية الضحايا المصريين خلال الحرب ، ووفقا للسادات، لم يعلم ناصر بخطورة الوضع إلا عندما استولى الإسرائيليون على شرم الشيخ.

الاستقالة وأعقابها

استولت إسرائيل بسهولة على سيناء وقطاع غزة من مصر والضفة الغربية من الأردن، وهضبة الجولان من سوريا..

في 9 يونيو، أعلن جمال عبد الناصر تنحيه عبر شاشة التلفزيون وتنازل عن السلطات الرئاسية إلى نائبه آنذاك زكريا محيي الدين، الذي لم يكن لديه معلومات مسبقة عن القرار، وقد رفض هذا المنصب.

تدفق الملايين إلى الشوارع في مظاهرات حاشدة في جميع أنحاء مصر وجميع أنحاء الوطن العربي رفضا لاستقالته، وهتفوا: “نحن جنودك، يا جمال
وتراجع عبد الناصر عن قراره في اليوم التالي.

في 11 يوليو، عين ناصر محمد فوزي كقائد عام للقوات المسلحة بديلا عن عامر.

وفي نوفمبر، قبل ناصر قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المكتسبة في الحرب.

السنوات الأخيرة  في الرئاسة
الإصلاحات المحلية والتغييرات الحكومية

تولى عبد الناصر رئاسة الوزراء وأصبح قائدا أعلى للقوات المسلحة في 19 يونيو 1967 كمنصبين إضافيين.

وأعلن مبدأه المعروف “إن ما أخذ بالقوة لايسترد بغير القوة” ، وأطلق العمال والطلاب احتجاجات تطالب بإصلاحات سياسية كبرى في أواخر فبراير1968، وكان ذلك هو التحدي الأكبر أمامناصر ، الذي رد على المظاهرات عن طريق تعيين ثمانية مدنيين بدلا من العديد من أعضاء الاتحاد الاشتراكي العربي في الحكومة.

في 30 مارس، أعلن ناصر بيانا ينص على استعادة الحريات المدنية وزيادة استقلال البرلمان عن السلطة التنفيذية] وشمل البيان بعض التغييرات الهيكلية الرئيسية الأخرى، حيث شنت حملة لتخليص الحكومة من العناصر الفاسدة.

عين ناصر كل من أنور السادات وحسين الشافعي في منصب نائب الرئيس في ديسمبر 1969.

حرب الاستنزاف والمبادرات الدبلوماسية الإقليمية

بدأت مصر في نفس الوقت إعادة تسليح الجيش وبناء قدراته تمهيدا لمعركة تحرير الأرض المحتلة من يد العدو.

في يناير 1968، بدأ عبد الناصر حرب الاستنزاف ضد الأراضي التي احتلتها إسرائيل، فأمر بشن هجمات مدفعية وبقوات الكوماندوز ضد المواقع الإسرائيلية شرق قناة السويس مما أشعر إسرائيل بمدى جدية الجيش المصري في إستعداداته للمعركة القادمة . الأمر الذي دفع إسرائيل لبناء خط بارليف الحصين لمنع القوات المصرية من عبور القناة.

وزادت إسرائيل في نفس الوقت هجماتها الجوية على المواقع المدنية المصرية لخلق أجواء معادية لعبد الناصر داخل البلاد ، لكن هذا لم يفلح وزاد صمود الشعب المصري .

وإرتفعت وتيرة هجمات الكوماندوز والفدائيين المصريين على المواقع الإسرائيلية في سيناء مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية لبدء جهود ديبلوماسية متلاحقة لوقف حرب الإستنزاف التي كبدت إسرائيل خسائر فادحة.

وبدأ في مصر برنامجا لبناء شبكة من الدفاعات الداخلية ، في حين تلقى الدعم المالي من مختلف الدول العربية.

وفي نوفمبر 1969وبوساطة ناصر تم عقد اتفاق بين منظمة التحرير الفلسطينية والجيش اللبناني الذي منح المقاتلين الفلسطينيين الحق في استخدام الأراضي اللبنانية لمهاجمة إسرائيل.

في يونيو 1970، قبل ناصر مبادرة روجرز التي ترعاها الولايات المتحدة، والتي دعت إلى وضع حد للأعمال العسكرية والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المصرية، ولكن تم رفض ذلك من قبل إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ومعظم الدول العربية باستثناء الأردن.

وكان ناصر في البداية رافضا الخطة، لكنه قبل تحت ضغط من الاتحاد السوفيتي لكن عبد الناصر رفض أي تحرك نحو المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. في عشرات الخطب والبيانات، افترض ناصر أن أي محادثات سلام مباشرة مع إسرائيل هي بمثابة الاستسلام.

وبعد قبول عبد الناصر مبادرة روجرز، وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار، وكانت هذه الهدنة تمثل فرصة جيدة لنقل صواريخ أرض-جو نحو منطقة القناة وبناء حائط الصواريخ المصري الذي يحمي القوات المسلحة المصرية في إستعدادتها لمعركة عبور القناة وتحرير سيناء من براثن العدو الإسرائيلي.

وفي الوقت نفسه، بدأت التوترات بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة في الأردن تتزايد، ووقعت إشتباكات بين القوات الأردنية وقوات منظمة التحرير الفلسطينية.

دفعت المخاوف من تأثير ذلك على وحدة القوات التي تناهض إسرائيل جمال عبد الناصر لعقد القمة العربية الطارئة في 27 سبتمبرللدعوة لوقف إطلاق النار.

وبذل جمال عبد الناصر جهودا مضنية على مدى يومي 27 و28 سبتمبر للوساطة بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية ونجح في رأب الصدع بينهما .

وفاته وجنازته

وعلى إثر توديع عبد الناصر للقادة العرب بعد انتهاء القمة يوم 28 سبتمبر 1970 عاد إلى منزله، حيث عانى ناصر من نوبة قلبية توفي متأثرا بها خلال وقت قصير.

، عمت حالة من الصدمة في مصر والوطن العربي . وخرج الملايين من العرب إلى الشوارع غير مصدقين لنبأ وفاة زعيمهم بسبب حب الجماهير العربية لجمال عبد الناصر واعتبارهم المثل الأعلى والقائد الأعظم ، “بكى الرجال والنساء، والأطفال، وصرخوا في الشوارع” بعد سماع وفاته، وكان رد الفعل العربي عامة هو الحداد ، وتدفق الآلاف من الناس في شوارع المدن الرئيسية في جميع أنحاء الوطن العربي.

وتقرر إجراء مراسم تشييع جثمان عبد الناصر في الأول من أكتوبر 1970 حتى يتسنى لقادة العالم الحضور من مختلف أنحاء الدنيا.

حضر جنازة عبد الناصر في القاهرة في 1 أكتوبر من خمسة إلى سبعة ملايين مشيع.

حضر جميع قادة الدول العربية، باستثناء العاهل السعودي الملك فيصل ، وبكى الملك حسين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات علنا، وأغمي على معمر القذافي من الاضطراب العاطفي مرتين. وحضر عدد غير قليل من الشخصيات غير العربية الكبرى، منها رئيس الوزراء السوفيتي أليكسي كوسيجين ورئيس الوزراء الفرنسي جاك شابان دلماس..

رثاء الشعراوي لـ عبد الناصر

«قد مات جمال وليس بعجيب أن يموت، فالناس كلهم يموتون، لكن العجيب وهو ميت أن يعيش معنا – وقليل من الأحياء يعيشون وخير الموت ألا يغيب المفقود وشر الحياة الموت في مقبرة الوجود، وليس بالأربعين ينتهى الحداد على الثائر المثير. . قد كان البطل الماثل فلتة زعامة وأمة قيادة وفوق الأسطورة للريادة لأن الأسطورة خيال متوهم وما فوق الأسطورة واقع مجسم، وللزعامات في دنيا الناس تجليات فليس الزعيم الذى يعمل لك بنفسه طوال عمره إلى نهاية أجله، لكن الزعيم الذى يعلمك أن تعمل بنفسك لنفسك طوال عمرك إلى نهاية أجلك، وعلى مقدار تسلسل الخير فيه يكون خلود عمره…».