اعداد/امانى عبد المنعم

هي “ليلى” التي غنى لها كثيرون، وعجز عن وصف جمالها آخرون، وواحدة من أجمل النجمات في تاريخ السينما المصرية على الإطلاق حيث اختيرت من قبل مجلة أمريكية في أربعينيات القرن العشرين كإحدى أجمل حسناوات عصرها، كما أطلق عليها الناقد السينمائي، محمد شوشة، لقب “ملكة جمال السينما المصرية”.

ليلى فوزي أو فيرجينيا السينما المصرية برعت في تجسيد أدوار الملكات والأميرات والنساء الأرستقراطيات بجدارة، كما لمعت في أدوار الشر، قال عنها الصحفي مصطفى أمين إن “ليلى فوزي إذا بحثت في شجرة عائلتها سوف تجد نفسها أميرة سابقة”.

ولدت ليلى محمد فوزي إبراهيم في 3 فبراير 1923 في تركيا لأب مصري وأم من أصل تركي، كان والدها يعمل تاجر أقمشة ويمتلك محالاً في القاهرة والإسكندرية وإسطنبول ودمشق وبيروت، وأمها كانت حفيدة قيصر لي باشا.. أحد قادة الجيش التركي إبان الحكم العثماني.

جاء ترتيب ليلى الثالث بين 4 أشقاء وشقيقات، وارتبطت صفة البورجوازية بالأسرة التي عاشت في رغد بسبب انتعاش تجارة رب الأسرة، وتلقت تعليمها في مدارس أجنبية..تعلقت بالفن منذ صغرها وتنبأت لها جدتها بأنها ستصبح نجمة ساطعة.

تزوجت 3 مرات، الأولى كانت من المطرب عزيز عثمان، والثانية من الفنان أنور وجدي، والثالثة من الإذاعي، جلال معوض، ولم تنجب من زيجاتها الـ3 .

وقد اختيرت للقب ملكة جمال مصر عام 1940.

 

بدأت حياتها الفنية بمأساة، فبعد أن خطت أولى خطواتها كهاوية للتمثيل في مدرسة قاسم وجدي لإعداد لوجوه الشابة، أعجب مدير المدرسة بها كثيرا وقرر إشراكها في فيلم سينمائي جديد، لكن زوج شقيقتها وقف له بالمرصاد، لأن شقيقة ليلى كانت متزوجة من أحد كبار رجال الأعمال الأثرياء المحافظين، الذي كان يعتبر العمل في السينما عيبا وعارا وفضيحة، وحينما حاول قاسم إقناع والد ليلى السماح لها بالتمثيل نشب صراع بين الرجلين..حاول قاسم مدير مدرسة التمثيل اقناع والد ليلى بالمال كي يوافق على دخولها الفن، خاصة أن الإفلاس بدأ يضغط عليه، لكن زوج شقيقتها رجل الأعمال الثري كان يزايد من جانبه في الثمن كي يتمسك والدها بالرفض حتى تغلب رجل الأعمال.

لم يسلم قاسم بالهزيمة، فقصد منزل زوج شقيقتها المتعنت كي يقنعه بالعدول عن موقفه، وهو ما اعتبره الأخير إهانة، كيف لريجيسير سينما أن يدخل إلى منزله، وأصيب الرجل بانفعال شديد وأوقع يمين الطلاق على زوجته، شقيقة ليلى، ثم لم يحتمل الصدمة التي خلفها له الطلاق، لأنه كان مسنًا، فسقط مصابًا بالشلل، ثم مات، لتشعر ليلى بالذنب تجاه شقيقتها وطليقها، حسب تصريحاتها.

وبعد فترة استطاعت دخول المجل الفني بوساطة ابن صديق والدها، المخرج جمال مدكور، والذي رآها صدفة عندما كان يزور والده في المتجر المجاور لمتجر والدها، ورشحها للعب دور تلميذة في فيلم “مصنع الزوجات” عام 1941 مع المخرج نيازي مصطفى، بطولة أنور وجدي، وعبد الفتاح القصري، ومحمود ذو الفقار، ودولت أبيض، لكن تحت رقابة صارمة من والدها، وكانت وقتها في عمر 14 عاما، ولم يكتب اسمها على أفيش الفيلم أو المنشورات التي توزع عن الفيلم.

كانت النقلة الهامة في مشوارها الفني عام 1942 بعدما تعرف عليها المخرج محمد كريم الذي قدمها للعمل مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، ووقع معها عقد احتكار لتصوير 3 أفلام مع موسيقار الأجيال، كان أولها فيلم “ممنوع الحب”، ثم شاركته بطولة فيلمي “رصاصة في القلب” و”لست ملاكا”، ما يعد الميلاد الحقيقي لها، فأفلام “عبد الوهاب” تحظى بأكبر عدد من المشاهدين في مصر والعالم العربي.

وصرح كريم حينذاك عن دور ليلى في فيلم «ممنوع الحب»: «نجحت نجاحاً يحسدها عليه كثر من الوجوه الجديدة، وتحدث الجميع عن جمالها المفرط، لكن البعض قال إنها باردة، وأنا على عكس هذا الرأي».

انهالت عليها العروض، ووقع معها المخرج والمنتج توجو مزراحي عقوداً لـ3 أفلام، هي “علي بابا والـ40 حرامي” الذي يعد أول دور بطولة لها، أمام علي الكسار وإسماعيل يس ومحمد عبد المطلب ورياض القصبجي، وفيلمي “نور الدين والبحارة الـ3، وتحيا الستات”، لتنطلق بعد ذلك إلى عالم الشهرة والنجومية.

رغم تعدد أدوارها في الأربعينيات، لكنها كانت محصورة في أدوار البنت الرقيقة طيبة القلب التي تلعب الأدوار الثانوية بدون أن تتجاوز ذلك للعب أدوار البطولة بسبب ملامحها غير الشائعة وعيونها الزرقاء، لكنها على الجانب الآخر نجحت في إثبات قدرتها كممثلة موهوبة، خصوصا عندما وقفت أمام فريد الأطرش في فيلمي «من أجل حبي» مع ماجدة، و«حكاية العمر كله» مع فاتن حمامة.

 

بعد عدة أعوام تألقت ليلى في السينما وأصبحت من نجوم الشباك الأول، وتقدم الفنان فريد الأطرش لطلب يدها من أبيها أثناء عملهما معا في فيلم جمال ودلال 1945، وكان الأطرش في ذلك الوقت نجما من نجوم الطرب، واعتذر والدها لـ«الأطرش» بسبب صغر سنها.

بدأ التعارف بين ليلى وأنور وجدي في عام 1942 رغم أنهما شاركا معا سابقاً في أول فيلم مثلت به وهو “مصنع الزوجات” لكنهما لم يتعارفا فيه، ثم مثلا معا في فيلم “أخيراً تزوجت” عام1942 إخراج جمال مدكور، لكن كان لقاؤهما سريعا ولاهثاً وبعدها ظهرا معا في فيلم “تحيا الستات” عام 1943، ولم تظهر فكرة علاقة بينهما في رأس أي منهما.

بدأت قصة الحب بين ليلى ووجدي في فيلم “من الجاني” إخراج أحمد بدرخان عام 1944 ومثلا فيه معا أمام عباس فارس، وأمينة رزق، وماري منيب، وإسماعيل ياسين، وسامية جمال، وكان هذا الفيلم هو العمل الـ11 لليلى التي ذاع صيتها كوجه جديد جميل وجذاب يطلبه الموزعون، بينما كان وجدي في بداية مشواره الفني.

وتقول ليلى: «كان عمري 16 عاما.. وشاركت في فيلم (من الجاني) وخلاله كان (وجدي) يطاردني بالحب والغرام وبدا مجنوناً بي، لكنه لم يصرح لي لأن والدي كان معي دائماً كان ينظر إليّ طويلا ويشيد بأدائي بشكل زائد ويهتم بكل ما يمت لي بصلة، وجاء لوالدي وطلب يدي منه لكن والدي قال له: ابنتي ليست للزواج، وكرر (وجدي) إلحاحه على والدي، وقال له والدي: (هي صغيرة السن)، ورد عليه (أنور): (أنا لا أريد الزواج منها الآن إنما بعد عامين أو 3)، فاضطر والدي لأن يتحدث معه بقسوة وقال له: (أنا لن أزوجك ابنتي أبدا.. فأنا سامع عنك أنك لعبي بتاع ستات وكل شويه مع واحدة وابنتي صغيرة لن يصلح معها ذلك)، ووقتها غضب (وجدي) ورحل».

أجبرت ليلى على الزواج من صديق والدها المطرب عزيز عثمان، الذي كان يكبرها بأكثر من 30 عاما، لأنه كان صديقا قديما لوالدها، وكان يزورهم بشكل شبه يومي، وكانت هي وإخوتها يعتبرونه في مقام والدهم ويتعاملون معه على هذا الأساس، ولم يكن يخطر ببالها أن «أونكل عزيز» يخطط للزواج منها، وكان والد ليلى يرى في عزيز أنه خير زوج يمكن أن يأتمنه على ابنته، لكن سرعان ما رفض والدها هذا الطلب، ومع إلحاح عزيز في طلبه لمدة عامين،استطاع أن يؤثر على والدها، حيث وافق على الخطبة ثم تم الزواج، لكنهما انفصلا لأنه كان شديد الغيرة.

التقيا “ليلى وأنور” مرة أخرى عام 1954 لتصوير فيلم “خطف مراتي” مع صباح وفريد شوقي، ورغم مرض وجدي الذي ظهر في بداية عام 1954 طلب أنور من ليلى أن تسافر معه في رحلة علاجه إلى فرنسا، وهو ما حدث بالفعل وبمجرد وصولهما إلى باريس فاجأها أنور باصطحابها إلى القنصلية المصرية حيث تم زواجهما هناك وكان في 6 سبتمبر 1954.

أثناء قضاء شهر العسل بالسويد اشتد المرض على وجدي وأجرى له الأطباء جراحة دقيقة لكنها لم تفلح في إنقاذه فقد تدهورت حالته وأكد الأطباء أنه لا أمل في شفائه حتى بمساعدة الكلية الصناعية، وبدأت رحلة المرض مع وجدي ولم يعرف أحد سوى ليلى أن وجدي أصيب بالعمى بعد 3 أيام من وصوله إلى استكهولم.

عن الأيام الأخيرة في حياة وجدي تقول «ليلى»: في صحوة الموت فتح وجدي عينيه، وهمس لي (خليكي معايا)، وامتدت يدي لتمسك بيده وهو يحتضر، وهمست له: ( أنا هنا)، فرد: «حاسس أنى دلوقتي أول مرة أحب بجد».

وتشاء الأقدار أن يرحل «وجدي» في السويد بعد حوالي 4 أشهر فقط من الزفاف، لتعود ليلى في الطائرة إلى مصر ومعها جثمان وجدي داخل صندوق خشبي..بعد وفاة وجدي عاشت ليلى 3 سنوات حزينة وترفض العمل.

 

تزوجت في 23 يناير 1960 من الإذاعي الشهير جلال معوض، الذي ألقى بيان ثورة يوليو 1952، ثم اشتهر بعد ذلك بتقديم الحفلات الغنائية لأم كلثوم، وحفلات الربيع لعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، وكذلك الاحتفال بالعيد السنوي للثورة.

تم التعارف بين ليلى ومعوض من خلال حفلات أضواء المدينة.. التي كان يشرف عليها ويقيمها للإذاعة، وتحكي ليلى: «فوجئت به يتصل بي للظهور في هذه الحفلات لتقديم الفنانين قبل ظهورهم على المسرح وكنت أعتذر دائماً لأنني لم أواجه الجماهير من قبل بهذا الشكل حتى فوجئت ذات يوم بعبد الحليم حافظ يتصل بي ويطلب مني تقديمه في إحدى هذه الحفلات، واعتذرت في البداية إلا أن عبد الحليم ظل يلاحقني حتى وافقت وذهبت وكنت مترددة جداً واستقبلتني الجماهير بحرارة مما زاد من ارتباكي، ووصل الأمر إلى أنني أخطأت في اسم محرم فؤاد الذي بدأ فقرته قبل عبد الحليم ومنذ هذا الحفل بدأت الاتصالات واللقاءات بيني وبين جلال معوض خاصة في حفلات الوسط الفني».

حاولت ليلى تخليد قصة حبها مع وجدي في فيلم بعنوان «طريق الدموع» إخراج حلمي حليم 1961، وذلك بعد سنوات من الاعتزال حزنا على «وجدي»، ولعبت «فوزي» في هذا الفيلم شخصيتها الحقيقية في الحياة وقصة حبها لـ«وجدي» الذي جسد دوره الفنان كمال الشناوي، ويعد هذا من أول أفلام السيرة الذاتية في السينما العربية، وجسدت الفنانة صباح دور ليلى مراد.

يقسم النقاد رحلة ليلى في السينما 4 مراحل تغطي 43 عاماً قدمت خلالها 70 فيلماً، الأولى تمتد بين عامي 1941 و1945، وتنوعت خلالها أدوارها بين البطولة والأدوار الثانية في أفلام غلب عليها الطابع الميلودرامي أحياناً، والكوميدي والغنائي والاستعراضي أحياناً أخرى، وفي معظم تلك الأفلام، استثمر المخرجون جمالها، أما المرحلة الثانية قدمت خلالها 20 فيلماً، وهي الأكثر خصوبة في مسيرتها السينمائية، وكانت الأفلام والأدوار أكثر نضجاً واتقانا، والمرحلة الثالثة فهي الأخيرة في مسيرتها السينمائية وتقع بين عامي 1970 و1984، وشهدت انخفاضاً كبيراً في عدد الأفلام التي شاركت فيها وصلت إلى 8 فقط، وتعتبر مرحلة الأمومة في مسيرتها، وفي المرحلة الرابعة، توقفت عن العمل في السينما، وركزت في العمل التليفزيوني.

نقطة التحول الرئيسية في مسيرة ليلى كانت إعادة اكتشاف المخرج عز الدين ذو الفقار لها في فيلم «بورسعيد المدينة الباسلة» عام 1957 الذي اسند إليها دور «ميس بات» الجاسوسة البريطانية.

في عام 1963، برعت ليلى في الفيلم التاريخي «الناصر صلاح الدين» إخراج يوسف شاهين، بطولة أحمد مظهر وحمدي غيث وليلى طاهر ونادية لطفي وعمر الحريري، وجسدت دور «فرجيينا جميلة الجميلات»، وهو الدور الذي شكل نقلة نوعية في مسيرتها نحو أدوار الشر التي تتطلب مهارات تمثيلية أكبر لأنها تكون عادة مركبة وليست بسيطة كأدوار الفتاة الطيبة المغلوب على أمرها، حيث لا يعتمد الأمر على الجمال بقدر ما يعتمد على الموهبة، قالت فيه الكثير من العبارات التي لن تنسي مثل «كنز الشرق، الإمارات الصليبية الغنية يا ملك فيليب، استولي عليها صلاح الدين، كل هذا الغني يمكن أن يصبح ملك خاص لك يا ملك فرنسا لو رفعت راية الصليبين، وقدت جيوشك لإنقاذ أورشاليم».

بعد تقديمها دورا متميزا في شخصية أم للشاب حسين فهمي في فيلم دلال المصرية عام 1970حصرها المخرجون في هذه الأدوار وتحديداً الأم البورجوازية.

قدمت 2 من أفضل أدوارها في فيلمي إسكندرية ليه عام 1979، وضربة شمس عام 1980 إخراج علي بدرخان، وبطولة نور الشريف، الذي يعد آخر أدوارها السينمائية في مصر، وفي كلاهما لعبت دورين صامتين، وإن كانا مؤثرين، واستطاعت تجسيد شخصية أحد أفراد، ولم تنطق حرف واحد طوال الفيلم العصابة مكتفية بالتعبير بملامح وجهها وعيونها، وقال النقاد عنها إنها مثلما برعت في الكلام، برعت في الصمت.

اشتركت في بطولة فيلمين أجنبيين هما الفيلم المصري الإيطالي «ابن كليوباترا» إنتاج عام 1964، وشاركها البطولة الفنان يحيى شاهين وسميرة أحمد وحسن يوسف ومارك دامون، وتدور أحداثه حول ابن «كليوباترا ويوليوس قيصر» الذي يعيش تحت حكم حاكم ظالم يُدعى «بترونيوس»، لذلك يحاربه ابن «كليوباترا ويوليوس قيصر» حتى يُرسي قواعد السلام، وفي عام 1983، اشتركت في الفيلم التونسي «الملائكة» عام 1983.

بلغ الرصيد الفني لـليلى حوالي 85 فيلمًا سينمائيًا و40 مسلسلًا تليفزيونيًا، وكان من أواخر أدوارها السينمائية دورها المميز الصامت في فيلم “ضربة شمس” من بطولتها، ونور الشريف، ونورا في 1979، و”الملائكة” في 1983 من إخراج التونسي، رضا الباهي، حيث توقفت تمامًا بعد ظهور ما يسمى بأفلام المقاولات.

كان آخر أدوارها بالتلفزيون مسلسل “فريسكا» الذي عرض عام 2004، وتوفيت ليلى في 12 يناير 2005، بمستشفى دار الفؤاد بالقاهرة عن عمر يناهز 80 عاماً، إثر صراع مع أمراض الشيخوخة.