نقلا عن صحيفة الاهرام

كان لدينا فى زمن مضى فصل جميل يسمى الربيع, وحول القاهرة العاصمة العتيقة كانت هناك مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية تمتد من شبرا إلى حلوان وتأخذ طريقها إلى الهرم حتى الطريق الصحراوى.. وتراجع فصل الربيع واختفت الأشجار والمزارع أمام الكتل الخرسانية الرهيبة التى شوهت وجه الحياة.. ورغم تراجع الربيع مازلنا نغنى له ونرسم حوله الأحلام عن الأحباب الذين غابوا وتركوا لنا الوحشة والذكريات..

 

قبل أن يمضى الربيع أخذ من الفصول الأخرى كثيرا من الأشياء فقد تحول الصيف إلى فصل صحراوى سخيف وبعد أن كانت تزورنا فيه نسمات صيفية رقيقة جاء لنا بحشود من الرمال والأتربة.. وهنا أيضا سقط منا فصل آخر ولم يبق أمامنا غير الخريف والشتاء وأنا شخصيا أحب حالة الشحوب فى ملامح الخريف واشعر انه شهر وقور يبدو حزينا لأنه عادة يشهد مراسم وداع الفصول الأخرى، والخريف من مواسم الحزن لأنه يشهد نهاية الأشياء ويحزن عليها، تخيل وأنت تقف أمام شجرة عجوز والخريف يعانقها ويودعها بكل مشاعر الحب والإجلال.. إن الأوراق تتساقط بين يديه وكأنها دموع رحلة أبدية..

 

وفى الخريف رغم مشاعر الحزن فإنه يرسم دائما ابتسامة حلم قادم، إنه يودع حلما ليستقبل حلما آخر..هذه الأوراق التى تتساقط تحمل صورة أوراق أخرى قادمة أكثر شبابا وتألقا.. من هذا العدم الذى تسير عليه الأقدام، تولد أوراق جديدة تغنى للحياة والخريف جالس على عرشه يودع الراحلين بحزن ويستقبل القادمين بابتسامة، وفى هذه الرحلة يصافح الخريف فصل الشتاء المشاغب المشاكس وهو يبدأ بدموع قليلة على وجه الخريف ثم ينطلق فى الشوارع يعيد للأشجار بهجتها وهو يشهد كل ليلة عرسا جديدا تنبت فيه الأوراق وتستعيد شبابها..

 

لا أحب فى الشتاء ليالى البرد الطويلة وان أحببت فيه تلك الحالة من الشجن التى يعيشها الإنسان خلف النوافذ المغلقة.. انه فصل العودة إلى الذات أن تلملم ما بقى لك من الأحلام والأيام بعد رحلة سفر مضنية..تجلس وحيداً خلف المدفأة تستعيد صور وجوه أحببتها وخلفك صوت فيروز ولياليها الشتوية الطويلة.