أخبار مصر - عبد الرحمن عثمان

بداية من كتابات ألدوس هكسلي وهربرت جورج ويلز البائسة وصولاً للرؤية المشؤمة والمروعة للأفلام لحديثة، ارتبط دائماً ظهور الآلات بفزع وخوف الجنس البشري..
ولكن يبدو أنَّ الحقبة الجديدة من فانتازيا الخيال العلمي أصبحت قريبة جداً من الواقع البشري.

الكثير منا قد سمع أو قرأ في مكان ما صدفة أو بالقصد عن ما يسمي بالذكاء الإصطناعي أو AI وبالتأكيد أيضا الكثير منا قد رأي أفلام الخيال العلمي التي تظهر فيها الألات وكأنها لها رغبة وعقل خاص بها بل وتريد الإنفراد بحياتها الخاصة بعيدا عن تحكم البشر، ولكن هل هذا واقعي هل تستطيع الألات بالفعل الإستقلال بذاتها إذا وصلت مراحل الذكاء الإصطناعي إلى مراحل متطورة؟

ماهو وكيف ومتي بدأ وكيف يعمل وماهي أنواعه وكيف يمكن للذكاء الإصطناعي الوعي والإدراك بالعوامل المحيطة ؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول بشكل مبسط دون الدخول إلى تفاصيل عميقة أن نفسره ونوضح ماهو الذكاء الإصطناعي وماهي تطبيقاته التي نستخدمها بالفعل في حياتنا اليومية…

منذ بدايته عام 1956 يعرف الذكاء الاصطناعي بأنه الذكاء الذي تبديه الآلات والبرامج بما يحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها، مثل القدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة، كما أنه اسم لحقل أكاديمي يعنى بكيفية صنع حواسيب وبرامج قادرة على اتخاذ سلوك ذكي، ويعرف كبار الباحثين الذكاء الاصطناعي بأنه “دراسة وتصميم أنظمة ذكية تستوعب بيئتها وتتخذ إجراءات تزيد من فرص نجاحها”، في حين يعرفه جون مكارثي -الذي وضع هذا المصطلح سنة 1955- بأنه “علم وهندسة صنع آلات ذكية”.

يعتقد الكثيرين أن الفلسفة هي العامل الرئيسي الذي يعتمد عليه الذكاء الإصطناعي في فهم وتحليل الأمور وإتخاذ القرارات المناسبة بناء على ذلك، العالم الأمريكي David Deutsch أقر بأن الفلسفة تحمل الحل للوصول إلى مرحلة من الذكاء الإصطناعي تحاكي تلك المتواجدة في العقل البشري أو مايعرف بـAGI، الأمر الذي يري البعض أنه بعيد عن الواقع في الوقت الحالي ولسنوات قادمة لأن العلم الحديث لم يتوصل لفهم كامل لطريقة عمل العقل البشري مع كل التطور التكنولوجي المتواجد حاليا، البعض الأخر يرفض فكرة التطور الكبير للذكاء الإصطناعي ويري أنه يجب أن يقف عند حد معين حتى لا يسبب خطرا على الجنس البشري.

في ديسمبر 2014 أشار عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج إلى أن تطوير ذكاء اصطناعي كامل قد يمهد لفناء الجنس البشري، محذرا من قدرة الآلات على إعادة تصميم نفسها ذاتيا كما أعلن المؤسس والرئيس السابق لشركة مايكروسوفتبيل غيتس العام الماضي عن رغبته في بقاء الروبوتات غبية إلى حد ما، وقال “أنا في معسكر من يشعر بالقلق إزاء الذكاء الخارق”، في المقابل يرى بعض الخبراء أن تقنيات الذكاء الاصطناعي لن تتسبب في أي مخاطر على الجنس البشري، ومن هؤلاء أستاذ علم الحاسوب بجامعة مونتريال الكندي يوشوا بينجيو، الذي يرى أنه لا ينبغي القلق من التقنيات الذكية، فهي تحتاج لسنوات كثيرة من التطور البطيء والتدريجي قبل أن تصل إلى المدى الذي يخشاه المحللون، لأنها تستند في تطورها إلى علوم وأفكار ما تزال في بداياتها الأولى حاليا.

ويؤكد بينجيو أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي بشكله المنتظر لن يكون مفاجئا، أي ليس كما يشبهه البعض باكتشاف وصفة سحرية خارقة على حد تعبيره، فما زال إنتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي المتكاملة بحاجة إلى تطور علوم حالية وابتكار علوم جديدة، أي -بتعبير آخر- لن يخرج أحد العلماء بتقنية ذكية من شأنها تغيير العالم بين ليلة وضحاها، كما في أفلام الخيال العلمي.

أنواع الذكاء الاصطناعي
يمكن تقسيم أنواع الذكاء الاصطناعي إلى أربعة أنواع رئيسية تتراوح من رد الفعل البسيط إلى الإدراك والتفاعل الذاتي، وذلك على النحو التالي( ):
1- الذكاء الصناعي الضيق أو الضعيف (Narrow AI or Weak AI): وهو أبسط أشكال الذكاء الاصطناعي، حيث تتم برمجة الذكاء الاصطناعي للقيام بوظائف معينة داخل بيئة محددة، ويعتبر تصرفه بمنزلة رد فعل على موقف معين، ولا يمكن له العمل إلا في ظروف البيئة الخاصة به، ومن الأمثلة على ذلك الروبوت “ديب بلو”، والذي صنعته شركة أي. بي إم. (IBM) وهزم جاري كاسباروف بطل الشطرنج العالمي.

2- الذكاء الاصطناعي القوي أو العام (General AI or Strong AI): ويتميز بالقدرة على جمع المعلومات وتحليلها، ويستفيد من عملية تراكم الخبرات، والتي تؤهله لأن يتخذ قرارات مستقلة وذاتية، ومن الأمثلة على ذلك السيارات ذاتية القيادة، وروبوتات الدردشة الفورية، وبرامج المساعدة الذاتية الشخصية.

3- الذكاء الاصطناعي الخارق (Super AI): وهي نماذج لاتزال تحت التجربة وتسعى لمحاكاة الإنسان، ويمكن هنا التمييز بين نمطين أساسيين، الأول: يحاول فهم الأفكار البشرية، والانفعالات التي تؤثر على سلوك البشر، ويمتلك قدرة محدودة على التفاعل الاجتماعي، أما الثاني فهو نموذج لنظرية العقل، حيث تستطيع هذه النماذج التعبير عن حالتها الداخلية، وأن تتنبأ بمشاعر الآخرين ومواقفهم وقادرة على التفاعل معهم، ويتوقع أن تكون هي الجيل القادم من الآلات فائقة الذكاء.

التعلم العميق

شركة جوجل وفيسبوك أيضا تعتبران من الشركات الرائدة في مجال الذكاء الإصطناعي حيث أن الشركة تستخدمها مثلا في محركات بحثها بشكل واسع ليتم التوصل لنتائج بحث أكثر دقة، أو البحث عن الصور كما يمكن لهاتف أندرويد فهم أوامر مستخدمه، والترجمة الفورية للعبارات المكتوبة بلغة أجنبية على اللافتات في الطرقات وغيرها، أما بالنسبة لفيسبوك، فيسمح التعلم العميق للشبكة الاجتماعية بالتعرف على الوجوه في الصور، واختيار المحتوى المناسب وعرضه للمستخدم على صفحة آخر الأخبار، وغير ذلك من الوظائف.

الكثير منا أيضا قد سمع عن ما يسمي بالتعلم العميق أو الذكاء الألي فما هما؟

ببساطة ومن حيث التعريف للمفاهيم فإن الذكاء الاصطناعي (AI) هو المفهوم العام الذي يغطي كل ما له علاقة بتصوير الآلات لتصبح على مستوى من “الذكاء” يحاكي التفكير الفريد للإنسان.

التعلم الآلي (Machine learning) هو مجال فرعي من الذكاء الاصطناعي الذي يعنى بتزويد الآلات القدرة على “التعلم”.

ويتحقق ذلك باستخدام الخوارزميات التي تكتشف أنماط من البيانات والمعطيات التي تتعرض لها الألة، لتطبيقها في المستقبل واتخاذ القرارات والتنبؤات، وهي العملية التي تتيح للمبرمجين تجنب الحاجة إلى برمجة هذه الألات لكل الإحتمالات الممكنة.

ويعد “التعلم الآلي” .. هو التجسيد الحي للذكاء الإصطناعي على أرض الواقع، ومنه الحد أو التقليل من الحاجة إلى البرمجة اليدوية للألة ووضع العديد والعديد من الإحتمالات للتعامل مع كل من الأوامر على حدة و طوال الأعوام من 1949 حتى أواخر 1960، المهندس الكهربائي الأمريكي آرثر صموئيل عمل على تطوير الذكاء الاصطناعي من مجرد التفاعل مع الإحتمالات إلى مرحلة التعلم من التجربة، مما يجعله رائدا في هذا المجال. استخدم لعبة الداما لبحثه أثناء العمل مع شركة آي بي إم، وأثر ذلك لاحقا على برمجة أجهزة كمبيوتر آي بي إم المبكرة، التطبيقات الحالية أصبحت أكثر وأكثر تطورا، الأمر الذي جعل التقنية غدو في طريقها إلى التطبيقات الطبية المعقدة، ومن الأمثلة على ذلك تحليل مجموعات الجينوم الكبيرة في محاولة لمنع الأمراض، وتشخيص الاكتئاب على أساس أنماط الكلام، وتحديد الأشخاص الذين يعانون من الميول الانتحارية.

التعلم العميق (Deep learning)، من ناحية أخرى، هو مجال فرعي من التعلم الآلي، ويمكننا القول أنه المجال الأكثر تقدما من مجالات الذكاء الإصطناعي، المجال الذي يقترب بالذكاء الإصطناعي إلى الهدف من تمكين آلات من التعلم والتفكير مثل البشر.

ويتطلب هذا النوع بنية معقدة لتقليد الشبكات العصبية في الدماغ البشري من أجل فهم الأنماط والتصرفات المختلفة وأبعادها في الأوضاع الطبيعية أو حتى مع مصادر الارتباك المختلفة مثل وجود الضوضاء، أو وجود تفاصيل مفقودة، أوغيرها من مصادر الارتباك، ولكن وبما أن التعلم العميق يحتاج إلى بيانات وإحتمالات كبيرة جدا وواسعة النطاق، فإنه يحتاج قوة حوسبية هائلة، وتتزايد الحاجة إلى هذه الطريقة مع ظهور مفهوم Big Data او البيانات الضخمة فتمامًا كما يعلم الطفل الحروف المكونة للغة والأرقام حتى يستطيع تشكيل أنماط من الكلمات فالحاسوب يحتاج إلى بيانات خام تمكنة من فهم العلاقة بين الأشياء .

تجربة Google ورحلة Deep Learning
فى عام 2012 وعندما قام العلماء من Google X ببناء شبكات عصبية من 16000 معالج مع مليار وصلة وجعلوه يتصفح موقع Youtube تعرض Google Brain او دماغ جوجل إلى 100 مليون صورة ثابتة من فديوهات يوتيوب أكتشف الدماغ من تلقاء نفسه أن انماط متكررة بكثرة وهى كالمتوقع الوجوه البشرية والأجسام البشرية وعلى غير المتوقع القطط !؟.. أثارت النتائج موجة من النكات على الصحفيين والرأي العام ولكن على الجانب الأخر كان ذلك بداية عصر جديد من تطبيقات التعلم العميق من التعرف على الوجوه والصوت والتعرف على الأنماط التى يتعرف عليها الأنسان بشكل فطرى.

وتسمح الشبكات العميقة للتعلم العميق بتمييز معالم الأوجه الخاصة بالأشخاص المختلفة، والتي تختلف من شخص لأخر..

كيف يعمل Deep Learning
عند بداية ظهور الحاسب فى الخمسينات كانت الحماسة كبيرة بين اوساط بحاثى الذكاء الأصطناعى وأن ظهور محاكة للعقل البشرى او الذكاء الأصطناعى على وشك الظهور ولكن الحقيقة أن هذا كان بعيد كل البعد عن طريقة التفكير فى العالم الحقيقى خصوصًا فى الأمور مثل جعل الحاسب يتعرف على صورة على أنها صورة أنسان وليس قناعًا مثلًا وكانت الطريقة التقليدية لفعل هذه هو بتزويد الحاسوب بجميع الصفات اللازمة لجعل الحاسوب يتعرف على صورة الأنسان مثلًا وذلك يستغرق وقتًا طويلًا وجهد كبير لأدخال كل هذه السمات للوجه البشرى مثلًا ما دعى العلماء للتفكير فى طريقة أفضل.

ولذلك ظهرت فى الثمانينات الشبكات العصبية أو Neural Networks وهى ما بدت طريقة أفضل للتعلم العميق نظرًا لقدرة هذه الانظمة على تعلم القواعد الخاصة من الصفر فهى تستخدم طريقة شبيه بألية عمل الدماغ البشرى عن طريق طبقات من الخلايا العصبية فعند تعريض صورة مثلًا لمثل هذا النظام تلاحظ كل طبقة نمط معين فى الصورة فمثلًا الطبقة الأولى قد تلاحظ حدود الصورة وطبقة أخرى تلاحظ العين فى منتصف الرأس وهو موجود فى البشر لم يكن الاداء الأول لهذا النظام أفضل من النظم الموجودة ولكن تطور حتى وصلنا الأن إلى أن معظم التطبيقات الكبيرة تستخدمه وسنستعرض معًا هذه التطبيقات

مجالات التعلم العميق

تستخدم هذه التقنية الأن فى الكثير من مجالات الاتصالات والبنوك والطب الحيوي والكشف عن المخدرات و البصمة الوراثية والحصول على عقاقير جديدة فى مجال الصيدلة وفى الكمبيوتر والانترنت فى خدمات الايميل للتعرف على الايميلات المتطفلة والصور والبحث بالصوت وغيرها، جوجل تعتمد على هذه الطريقة فى نظام أندرويد للتعرف على الكلام فحققت أنخفاض بنسبة 25 % فى أخطاء التعرف على الكلمات وبعد النجاح الكبير لهذه التقنية فى التعرف على الصور والكلمات تسعى جوجل تطبيق هذه التقنية لفهم لغة البشر بما يكفى لأعادة صياغة الجمل ويمكن الأستفادة منها فى ترجمة جوجل، وأيضا تطبيقات السيارات ذاتية القيادة.

كما مكن التعلم العميق جوجل من تسويق الإعلانات بشكل آلى وتسعى الشركات الكبرى الأخرى فى مجال تكنولوجيا المعلومات مثل ميكروسوفت وفيس بوك لزيادة الأستثمار فى هذه التقنية، يستخدم البيولوجين والباحثون من معهد ماساتشوستس هذه التقنية لتحليل صور طبيقية ثلاثية الأبعاد للدماغ البشرى للتعرف على الوصلات العصبية كما تستخدم التقنية للتعرف على الأحماض الأمينية والتبؤ ببنية البروتين بجامعة واشنطن.

المجال العسكري أيضا هو أحد المجالات التي تطبق التعلم العميق.

وتتسابق الشركات بشكل كبير للكشف عن المزيد من تطبيقات التعلم العميق والذكاء الإصطناعي وخاصة شركات المعالجة الرسومية حيث أثبتت قدرتها الفائقة على التفوق في هذا المجال، و الجدير بالذكر أيضا هو أن تطبيقات الذكاء الإصطناعي بأشكاله المختلفة ومراحله المتعددة تستمر في التطور والدخول في تطبيقات حياتنا اليومية شيئا فشيئا، ويمكننا رؤية ذلك في طريقة تعامل هواتفنا مع الأمور أو في برمجيات الذكاء الإصطناعي في هواتفنا مثلا مثل تطبيق Siri الخاص بشركة Apple أو تطبيقا Bixby الخاص بشركة سامسونج أو Alexa أو حتى Google Search Voice وغيرها الكثير، وأيضا الحواسيب الخاصة بالسيارات الحديثة التي تستخدم تطبيقات الذكاء الإصطناعي لمعرفة الجو أو إكتشاف الطرق أو كمية الوقود المتبقية وماهي المسافة التي يمكن للسيارة مشيها بالإستناد على طريقة القيادة الحالية للسيارة، أو حتى تطبيقات الذكاء الإصطناعي في العاب الفيديو، كل هذه التطبيقات وغيرها الكثير والكثير هي في الحقيقة نتاج للتقدم العلمي لما يسمي بالذكاء الإصطناعي..

التعرف على وصفات الأطعمة من الصور

كما طور علماء معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نظام ذكاء اصطناعيا جديدا، يمكنه التنبؤ بالمكونات واقتراح وصفات الطعام من خلال النظر إلى صور الوجبات والمواد الغذائية المختلفة، وأطلق عليه اسم Pic2Recipe، إذ يمكنه المساعدة في تعلم الوصفات وفهم عادات أكل الناس بشكل أفضل، حيث يمكن لنظام Pic2Recipe عن طريق النظر إلى صورة من عنصر غذائى، تحديد المكونات مثل الدقيق والبيض، والزبدة، ومن ثم اقتراح العديد من الوصفات التي من المقرر أن تكون مشابهة للصور من قاعدة البيانات.

كتابة الروايات
تمكنت تقنية ذكاء اصطناعي حديثة من كتابة الفصول الخمسة الأولي من الكتاب التالي لـGeorge RR Martin والذي يحمل اسم Song Of Ice And Fire، وهي السلسة التي تقوم عليها فكرة المسلسل التلفزيوني Game of Thrones.

ترجمة لغة حيوانك الأليفة
ظهرت دراسة حديثة تعرف بـ “تسوق المستقبل” أجراها موقع أمازون وشارك في إعداده الباحثان ويليام هايام وآن ليز كيير، تتيح للمستخدمين الاستماع إلى المحادثات التي تجريها حيواناتهم الأليفة، بفضل تكنولوجيا جديدة فائقة التطور يمكن أن تكون واقعا في غضون العقد المقبل، والتي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ومشاريع التعلم الآلي .

تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب

تعددت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في طرح احتمالات كثيرة وجدية لتوفير عناية صحية ذات جودة، وهناك مجال مهم، هو الروبوت الجراحي الذي يمتلك القدرة على القيام بالجراحات الدقيقة والتي تحتاج إلى دقة وإتقان أكثر مما تستطيعه الأيدي البشرية وأيضًا هناك تصور بأن الروبوت سيكون قادرًا على القيام بأغلب المهام الروتينية للمريض، كما أن التطبيقات المستقبلية الأخرى تتضمن تنفيذ المعالجات الدقيقة أو المعالجات الثانوية في الجسم للقيام بوظائف طبية وجراحية، واستخدام المتحسسات البيولوجية التي باستطاعتها قراءة وتحويل الإجابات للمتبدلات الطبيعية والكيمائية بالنسبة للمرضى (ذوي الأمراض المزمنة) .

يعتبر الطب مجالا مفضلا لبناء الأنظمة الخبيرة , التي استخدمت في بادئ الأمر للحاسب الآلي في الطب الذي يختص بعمل سجلات المرضى بهدف تحسين الإدارة وجمع معلومات أكثر عن الأمراض وغالبا ما يعطي تاريخ الحالات المرضية مادة لقواعد البيانات يمكن استخراج نتائج إحصائية طبية عنها , مثل احتمال شفاء المرضى دون الأربعين من سرطان المعدة خلال سنوات.

وقد عولجت مؤخرا مشكلة المساعدة في التشخيص الطبي بأحد طريقتين, إما باستخدام قواعد البيانات المتوفرة من قبل لاستقراء علاقات هامة ودالة بين الأمراض والتشخيصات بتطبيق طرق خوارزمية ورياضية أو كما حدث مؤخرا باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي كالأنظمة الخبيرة.

الأنظمة الخبيرة ودورها في مجال الطب:

إن ما يميز الأنظمة الخبيرة كبرنامج أنها لا تتطلب أن نقرر سلفا الكيفية التي يستخدم بها البرنامج المعرفة الموجودة به ويشكل هذا تناقضا تاما لطرق البرمجة التقليدية كونه يقدم حلول للمشاكل عن طريق تضييق مجال البحث.

أظهرت هذه الأنظمة قدرة على التشخيص يمكن أن تكون مفيدة في المستشفيات بالرغم من انعدام التعمق في الربط بين الظواهر التي يمكن للنظم الخبيرة أن تقيمها , ورغم أن كثيرا من الأطباء لا يرغبون في استخدام مثل هكذا أنظمة فانه يمكن التغلب على ذلك بإيضاح خط التفكير الذي يتبعه وشرح الطريقة التي يستخدمها البرنامج في التوصل إلى النتائج المرجوة.

ومن إحدى السمات لبرامج الذكاء الاصطناعي أن لها القدرة على التوصيل لحل المسائل حتى في حالة عدم توفر جميع البيانات اللازمة وقت الحاجة لاتخاذ القرار.

ويحدث ذلك كثيراً في الطب حين لا يكون نتائج جاهزة وحالة المريض لا تسمح بالانتظار ولا يستطيع الطبيب في هذه الحالة انتظار نتائج التحاليل التي سيستفيد منها بالتأكيد ويضطر إلى اتخاذ قرار سريع.

يجب على البرامج التي تصمم في الذكاء الاصطناعي أن تتمكن من إعطاء حلول سريعة مع غياب بعض البيانات أو أن تكون غير مؤكدة أو مكتملة ، وهذا لا يعني إعطاء حلول عشوائية ، و إنما يجب عليها أن تقوم بأدائها الجيد أن تكون قادرة على إعطاء الحلول المقبولة والمعقولة و إلا تصبح قاصرة وغير كفئة، ففي البرامج الطبية إذا ما عرضت حالة من الحالات دون الحصول على نتائج التحليلات الطبية فيجب أن يحتوي البرنامج على القدرة على إعطاء الحلول الممكنة , مع نقص البيانات اللازمة كون أن النتيجة التي تم التوصل إليها غير مؤكدة، أو كونها أقل صواباً إلا أنها عرضة لاحتمال خطئها في بعض الأحيان. وكثيراً ما نتخذ قرارات في حياتنا اليومية مع غياب أحيانا جميع البيانات نتيجة لطبيعة المسألة نفسها.

ولإنتاج نظام خبير لتشخيص مرض معين في مجال الطبي يتم أولا تجميع خبرات العديد من كبار الأطباء ذووا الخبرة في تشخيص مرض ما , بالإضافة إلى المعرفة الموجودة بالكتب الطبية والمتخصصة في هذا المجال. بعد ذلك تأتي المرحلة الثانية وهي تمثيل هذه المعرفة بأسلوب يمكن الحاسب من تخزينها بطريقة محددة بعد ذلك تدمج هذه القاعدة مع برنامج يسمى آلة الاستدلال أو الاستنباط والتي تقوم بالبحث في قواعد المعرفة وإيجاد الحل للمسألة المطروحة. حتى يتم استخدام هذا النظام لا بد من الطبيب أو المريض أن يقوم بإعطاء أعراض المرض لآلة الاستدلال التي تقوم بدورها بالبحث والنتقيب في قواعد المعرفة المبرمجة وتحديد سبب المرض والتشخيص المناسب كذلك توضيح كيفية الوصول إلى التشخيص .

ومن الأمثلة التطبيقية للنظم الخبيرة نظام MYCIN الذي يبدأ تطبيقه بإدخال المعلومات الشخصية للمريض كالعمر والوزن والطول وغيرها من المعلومات ، ثم يتم إدخال معلومات طبية أولية مثل ضغط الدم والحرارة . وأخيرا يتم إدخال الأعراض المرضية التي يشكو منها المريض . بعد ذلك يتم تحليل كل هذه المعلومات ليصدر النظام توصياته إلى الطبيب المعالج بتشخيص المرض.

وبعد تحديد المرض يقوم النظام بوصف العلاج اللازم بناء على اسم المرض مع الأخذ في عين الاعتبار قيود حالة المريض والمعلومات المعطاة بطريقة ذكية.

فالأطباء يستخدمون النظام الخبير في تشخيص الأمراض بحيث يسأل الكمبيوتر المريض العديد من الأسئلة حول الأعراض التي يشكو منها التشخيص النهائي مرتكز على البيانات الطبية التي تم بناء البرنامج على أساسها.

 

هندسة الآلات الذكية:

يعرف جون مكارثي (John McCarthy) الملقب بأبي الذكاء الاصطناعي هذا المفهوم على أنه “علم هندسة الآلات الذكية، وبصورة خاصة برامج الكمبيوتر”، حيث إنه يقوم على إنشاء أجهزة وبرامج حاسوبية قادرة على التفكير بالطريقة نفسها التي يعمل بها الدماغ البشري، وتحاكي تصرفات البشر.

وبهذا المعنى، فإن الذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة الذكاء البشري عبر أنظمة الكمبيوتر، فهي محاولة لتقليد سلوك البشر ونمط تفكيرهم وطريقة اتخاذ قراراتهم؛ إذ تتم دراسة سلوك البشر عبر إجراء تجارب على تصرفاتهم ووضعهم في مواقف معينة ومراقبة ردود أفعالهم وأنماط تفكيرهم وتعاملهم مع هذه المواقف، ثم محاولة محاكاة طريقة التفكير البشرية عبر أنظمة كمبيوتر معقدة.

وعلى الرغم من هذا، فإنه لا يمكن أن يطلق هذا المفهوم على أي قطعة إلكترونية تعمل من خلال خوارزمية معينة، وتقوم بمهام محددة، فلكي نطلق هذا المصطلح على نظام إلكتروني لابد أن يكون قادراً على التعلم وجمع البيانات وتحليلها واتخاذ قرارات بناء على عملية التحليل، بصورة تحاكي طريقة تفكير البشر، وهو ما يعني ضرورة توافر ثلاث صفات رئيسية هي:
1- القدرة على التعلم أي اكتساب المعلومات ووضع قواعد استخدام هذه المعلومات.
2- إمكانية جمع وتحليل هذه البيانات والمعلومات وخلق علاقات فيما بينها، ويساعد في ذلك الانتشار المتزايد للبيانات العملاقة (Big Data).
3- اتخاذ قرارات وذلك بناء على عملية تحليل المعلومات، وليس فقط مجرد خوارزمية تحقق هدف معين.

 

تهديدات الآلات الذكية:
يعد الذكاء الاصطناعي قاطرة التطور البشري القادم، فلا يمكن إغفال المميزات التي يقدمها لخدمة البشر على كافة المستويات الشخصية والطبية والصناعية والتجارية، بل أن تطويره في كثير من المجالات يهدف في الأساس إلى حماية البشر والحفاظ على أرواحهم، مثل استخدام الإنسان الآلي في الأعمال الشاقة والخطرة وفي ميادين المعارك العسكرية، كما أنه قادر على متابعة الحالة الصحية للمرضى وتوفير المساعدة لذوي الإعاقة ومراقبة المنازل والمؤسسات من عمليات السرقة والاعتداء وغير ذلك من الاستخدامات الضرورية.

في المقابل توجد العديد من التداعيات السلبية المترتبة على تصاعد الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتنقسم إلى تهديدات: أمنية، واجتماعية، واقتصادية، وإنسانية، وقانونية، وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي:

1- تهديدات اقتصادية: سوف تؤثر هذه التقنيات على حجم ونوعية الوظائف وفرص العمل المتاحة، حيث من المتوقع أن يؤثر الروبوت بالسلب على الوظائف في مجال الصناعات التحويلية وصناعة السيارات والأدوات الكهربائية، بالإضافة إلى خدمة العملاء.

2- تهديدات أمنية: أحد التداعيات الخطرة التي تطرحها تقنيات الذكاء الاصطناعي هو تهديد هذه التقنيات حق البشر في الحياة، ويتضح ذلك في حالة الأنظمة القتالية المستقلة (Lethal Autonomous Weapons) مثل الدرونز التي تحمل أسلحة، أو الروبوتات المقاتلة الموجودة، حيث تكمن الخطورة هنا في أن هذه الأجهزة مصممة من أجل التدمير أساساً، فماذا يحدث إذا وقعت في يد الشخص الخطأ، أو تم اختراقها نتيجة لقصور أو خطأ بشري في إجراءات التأمين وتم التلاعب بالخوارزميات التي تتحكم فيها، فهنا سوف تكون النتائج كارثية.

3- تداعيات اجتماعية: تؤدي زيادة الاحتكاك مع الآلات إلى انفصال البشر تدريجياً عن محيطهم الاجتماعي البشري، وهو ما يٌفقد العلاقات الإنسانية مرونتها التقليدية، ويجعلها أكثر صلابة وجموداً، فتتحول طرق التفكير والتفاعلات البشرية من التعقيد المفيد، إلى التنميط ولو كان منتجاً، ويصبح الهدف من العلاقات الإنسانية مادياً بعدما كان معنوياً بالأساس.

خروج “الذكاء الاصطناعي” عن السيطرة البشرية .. مخاطر وتهديدات

أوضح تقرير صادر من شركة (FastCo Design) أن شركة فيسبوك قد أغلقت برنامجاً للذكاء الاصطناعي، لأنه طور لغة للتواصل خاصة به غير اللغة الإنجليزية، حيث بدأ الروبوتان “بوب وأليس” في التواصل مع بعضهما، والوصول إلى اتفاق بينهما لإنجاز مهمة معينة باستخدام لغة جديدة غير معروفة لم يستطع المبرمجون تحديدها.

فقد استطاع الروبوتان تطوير هذه اللغة الجديدة بسبب خطأ بشري من المبرمجين، فمن المفترض أن يقوم مهندسو الروبوت بوضع قيود أو حدود (Limits) على قدرة الروبوت على التعلم حتى يمكن السيطرة عليه، وقد غفل المهندسون عن برمجة الروبوت لكي تكون لغة التواصل فقط هي اللغة الإنجليزية، مما جعل الروبوت يقوم بتطوير لغة جديدة خاصة به ، وهو ما يرتبط بما ذكره “أيلون موسك” مؤسس شركة (SpaceX) للصواريخ والمدير التنفيذي لشركة (Tesla) لصناعة السيارات -والتي تقود عملية تطوير صناعة السيارات ذاتية القيادة- بضرورة التمهل في عملية تطوير الذكاء الاصطناعي حتى يتم تفادي المخاطر الناجمة عن زيادة الاعتماد عليه، وهو الأمر الذي رفضه “مارك زوكربرج” مؤسس ورئيس موقع الفيس بوك واصفاً الداعين إلى التمهل في عملية تطوير الذكاء الاصطناعي بـ “المحبطين”، من ناحيته رد “موسك” بأن فهم “مارك” للموضوع محدود.

الغريب في الأمر أن “موسك” ليس وحده الذي يعرب عن قلقه من التطوير المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بل أن “بيل جيتس” مؤسس مايكروسوفت، ومن قبلهم “ستيفن هوكينغ”- عالم الفيزياء الكبير- حذروا أيضاً من قدرة الذكاء الاصطناعي على تدمير الحياة البشرية..  فهل الأمر مبالغ فيه، أم أن “مارك” على حق؟

فالذكاء الاصطناعي مصمم للقيام بوظائف مفيدة للبشرية، وسيقوم بها، بغض النظر عن الظروف المحيطة أو المستجدة، فمثلاً إذا قام أحد الأطفال في المنزل بمحاولة إعاقة الروبوت عن القيام بوظائفه في تنظيف المنزل على سبيل الدعابة، فإن الروبوت سيتعامل مع هذا الموقف باعتباره تهديداً يعوقه عن القيام بوظيفته، وقد يتسبب في مقتل هذا الطفل من أجل القيام بوظيفته التي صمم من أجلها، أسئلة وقضايا أخلاقية وفلسفية كثيرة، لابد من الإجابة عنها أولاً لضمان الحفاظ على هويتنا البشرية.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي يتعلم من البشر وقدراتهم، ويقوم بالتطوير وينشأ منظومته الخاصة التي تتكون من لغة للتواصل ومشاعر حسية وقيم للبقاء على قيد الحياة وغيرها، فهل سنصل إلى مرحلة يخرج فيها الذكاء الاصطناعي عن سيطرة البشر، ونحتاج إلى التفاوض معهم من أجل ضمان سلامة البشرية؟

إجمالاً، يمكن القول إن “مارك” و”موسك” لدى كل منهما جانب من الصواب في وجهة نظره، فالاهتمام بتطوير الذكاء الاصطناعي ضروري لاستمرار رخاء البشرية، ولكن تفادي سلبياته وتهديداته ضروري أيضاً، وذلك من خلال إنشاء آلية تنظيمية وأخلاقية تحكم عمل الذكاء الاصطناعي، تساعد على تطويره وتفادي سلبياته أيضاً، وتحدد وظائفه ومهامه من ناحية ثالثة، وذلك عبر صياغة قوانين تضمن الحفاظ على حقوق البشر الأساسية، مع تشجيع الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي الصديق للإنسان، ووضع منظومة قيمية تحكم العل قة بين بينهما في عصر قد تتفوق فيه الآلة على الإنسان.

رؤية أرمسترونج :

يحذر أكاديمي بجامعة أكسفورد من مَغَبّة صناعة حواسيب فائقة الذكاء، والتي – في النهاية – سوف تدمرنا نحن البشر حتى وإنْ تم برمجتها على عدم الإضرار بنا.

دكتور ستيوارت ارمسترونج الأستاذ بمعهد مستقبل البشرية Future of Humanity Institute)) بجامعة أكسفورد يتنبأ بمستقبل حيث تصبح الآلات المُدارة بالذكاء الاصطناعي لا غنى عنها في حياة البشر، وبالتالي سوف تتولى مسؤولية إدارة كافة المهام المُوكلة إلينا؛ جاعلين منا نحن البشر مجرد كائنات ثانوية أو بلغة أكثر دقة وواقعية كائنات زائدة عن الحاجة.

ويتابع قائلاً إن هذه الرؤية المشئومة والمثيرة للقلق يمكنها أنْ تصبح حقيقة ملموسة خلال العقود القليلة القادمة.

ويضيف : نحن البشر نقوم بتوجيه المستقبل ليس لأننا الأقوى أو الأسرع بل لأننا الأذكى، وبمجرد تفوق الآلات علينا في مسألة الذكاء نكون بذلك قد سلمناها عجلة القيادة.

ويتابع قائلاً، أنَّ أفلاماً ودراما تلفزيونية عديدة مثل (Channel 4’s Humans وEx-Machina) تُثير مخاوف البشرية من مخاطر صناعة الآلات التي في النهاية لها القدرة على الهيمنة علينا نحن البشر.

ويتوقع الدكتور ارمسترونج اختراع آلآتِ قادرة على تسخير كميات كبيرة من القدرة الحاسوبية وبسرعاتِ غير معقولة بالمقارنة مع الدماغ البشري، وأنها – في النهاية – سوف تخلق شبكات تواصل عالمية مع بعضها البعض دون أي تدخل بشري.

من هذا المنطلق، ظهر ما يُعرف باِسم الذكاء الاصطناعي العام “Artificial General Intelligence (AGI)” – وعلى عكس الحواسيب أو الآلات التي تقوم بمهمة محددة مثل السيارات بدون سائق – سوف يكون له القدرة على تحمل مسؤولية كافة أنظمة النقل، الاقتصاديات الوطنية، الأسواق المالية، نظم الرعاية الصحية وتوزيع المنتجات.

يقول الدكتور ارمسترونج في هذا الصدد: أي شيء يمكنك تَصُور أن تقوم بهِ البشرية من مهام في المائة عام القادمة يمكن أن يُتِمَه الذكاء الاصطناعي بدقة متناهية وبسرعات فائقة.. ولذلك رغم أنَّ عملية تسليم المهام الحياتية إلى الآلات قد تبدو جذابة في ظاهر الأمر إلا أنها تنطوي في داخلها على بذورِ نهاية العرق البشري.

ويستطرد الدكتور ارمسترونج في تحذيره قائلاً بأن بعض الأوامر أو التعليمات للآلات والتي تبدو في ظاهرها حميدة مثل “انهِ معاناة البشر”، يُمكن أن تُؤول من منطق الحواسيب فائقة الذكاء على أنها “انهِ البشر جميعاً”، وبالتالي إنهاء الاثنين معاً.

علاوة على ذلك؛ تعليمات مثل “حافظ على البشر آمنين سعداء” يمكن أن تُترجم من قبل المنطق الرقمي عديم الرحمة “دفن الجميع في توابيت خرسانية (منطق الأمان)، على قطرات الهيروين (منطق السعادة)”.

في حين أنَّه يبدو أمراً شديد الغرابة بعيد الاحتمال، يقول الدكتور ارمسترونج أنَّ نسبة المخاطر ليست بالضئيلة بحيث يمكن تجاهلها، وأنَّ مثل هذا السلوك الخبيث من قبل الذكاء الاصطناعي سوف يضع البشرية في خطر محدق، مشيراً إلى أنَّ الفروق الدقيقة في لغة البشر سوف تجعل من الأجهزة الذكية عرضة لسوء الفهم.

يمكننا إعطاء الذكاء الاصطناعي مجموعة من الضوابط للعمل تحت إمْرَتِها، ولكن وكما ذكرنا أن تأويل الأجهزة الذكية لهذه الضوابط سيختلف – ولو جزئيا – عن الهدف المنشود منها.

دكتور ارمسترونج – الذي كان جزءاً من النقاش حول الذكاء الاصطناعي والذي تم تنظيمه في لندن من قبل شركة الأبحاث التكنولوجية “غارتنر” – حذر خلاله من صعوبة معرفة ما إذا كانت الآلة ستتطور في اتجاه حميد أم قاتل.

ويُكْمِل، أنَّ الذكاء الاصطناعي يظهر باستمرار على أنَّه يعمل بطريقة تعود بالنفع على البشرية، جاعلاً من نفسه ركنًا أساسياً في حياة كل إنسان.

ولنعط مثالاً وهو تطبيق آيفون الشهير سيري Siri – الذي يقوم بالإجابة على الأسئلة وتنفيذ المهام التنظيمية البسيطة – حتى تحين اللحظة التي يتولى فيها – الذكاء الاصطناعي – تنفيذ كافة المهام وهنا تكمن خطورته.

كلما زاد الذكاء الاصطناعي قوة يصبح أي شيء قابل للحل من خلال العمليات المعرفية والإدراكية مثل اعتلال الصحة، السرطان، الاكتئاب والملل قابلاً للحل وبسرعات خيالة من خلال الذكاء الاصطناعي، وواقعنا يقول إننا على أبواب ذكاء اصطناعي يضاهي بل ويفوق الذكاء البشري.

ويلخّص الدكتور رأيه في مسألة الذكاء الاصطناعي قائلاً إن العرق البشري الآن متورط في سباق لخلق ما يعرف باسم “الذكاء الاصطناعي الآمن (Safe Artificial Intelligence) “قبل فوات الأوان.

ويمكننا الاستشهاد بقبس من كتاب الدكتور ارمسترونج أكثر ذكاء منّا: ظهور ذكاء الآلات – smarter than us: the rise of machine intelligence: يجب وضع الخطط لاستحداث ذكاء اصطناعي آمن قبل تَكَشُفْ الوجه القبيح للآلات فائقة الذكاء.

ويذكر أيضاً في كتابه أنَّه في الوقت الراهن أصبحت صناعة البرمجيات تساوي بلايين الدولارات، فضلاً عن تكريس عظيم الجهد لإبداع تقنيات جديدة في عالم الذكاء الاصطناعي؛ لذا يبدو أنَّ الخطط الموضوعة لإبطاء معدلات هذا النماء المطرد واقعياً مستحيل؛ لذلك وجب علينا الإسراع نحو مقصدنا البعيد متجاوزين بذلك معدلات النماء في صناعة الآلات فائقة الذكاء.

يقترح خبراء الصناعة والباحثين حل أخر لتحجيم مخاطر الذكاء الاصطناعي وذلك عن طريق تعليم الحواسيب فائقة الذكاء مجموعة من القواعد أو المبادئ الأخلاقية، ولكن يبدو أيضاً أنَّه ليس بالحل المثالي أو الكامل؛ حيث يشير – مرة أخرى – الدكتور ارمسترونج أنَّ العرق البشري أمضى آلاف السنين في مناقشة الأخلاق والسلوك الأخلاقي دون الاتفاق أو الخروج بمجموعة – ولو بسيطة – من المبادئ الأخلاقية القابلة للتطبيق في كافة الظروف يتسنى للآلات إتباعها.

فمثلاً؛ تخيل معي مدى صعوبة تعليم الآلات القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، الحق والباطل إلى أخر ذلك من المعاني المتضادة شديدة التداخل.

ويختتم الدكتور ارمسترونج قائلاً “إنه لَمِنَ الصعب جداً تَعَلُمْ السلوك الأخلاقي من البشر؛ إنَّه من شأنه أنْ يخلق قدوة سيئة للآلات فائقة الذكاء”.

إن الإنسان في سعيه للحصول على حياة أفضل وأكثر رفاهية ، يخترع كل يوم أشياء يتنبه فيما بعد أنه تأخذه إلى نهاية مأساوية . والدخول بالعالم إلى معترك الذكاء الصناعي ودعم ذكاء الآلات وأجهزة الإإنسان الآلي يأخذنا بسرعة فائقة نحو نهاية قد تكون على أيدي “المارد الذي أخرجناه من القمقم”.