اخبار مصر-الشروق

قبل أسبوعين كنت أشارك فى نقاش تلفزيونى من عدة عواصم عربية عن التداعيات المحتملة بعد مقتل الرئيس اليمنى السابق على عبدالله صالح على يد حلفائه الحوثيين على أطراف صنعاء.

لفت نظرى قول أحد الضيوف، وهو الخبير والمحلل الأردنى فايز الدويرى أن على الحكومة الشرعية اليمنية وبلدان التحالف العربى خصوصا السعودية والإمارات، أن تتصرف بسرعة لكسب ثقة وولاء القبائل اليمنية خصوصا تلك التى تشكل الحزام أو الطوق الذى يحيط بالعاصمة صنعاء.

قد يعتبر بعضنا ما قاله الضيف كلام أو نفعى وليس مبدئى، لكن به جزء كبير من الواقع، وقبل أن يتطوع البعض بإدانته، يفترض أن يتم مناقشته وفحصه وتمحيصه.

الحديث فى المثاليات جيد وممتع، والمواقف المبدئية مهمة فى العمل السياسى، لكن هناك أيضا ضرورة التعامل مع الواقع، على الأقل من أجل تغييره ليصبح مثاليا، هذا الواقع يقول إن العامل الأكبر فى اليمن هو الولاءات القبلية، لا توجد قوى سياسية راسخة هناك، بل إنه من الطرائف أو الكوميديا السوداء أنه، حينما حدث خلاف دموى داخل الحزب الاشتراكى الحاكم فى اليمن الجنوبى فى مارس ١٩٨٦، فإن الاصطفاف وقتها كان قبليا وجهويا داخل حزب، كان يصف نفسه بأنه ماركسى لينينى أممى يحارب القبلية والقومية!

قبل ذلك عانت القوات المصرية التى حاربت فى اليمن فى أوائل الستينيات دعما للجمهورية ضد قوات الأئمة الرجعية، التى كانت مدعومة وقتها من السعودية والغرب. كانت القبائل تتفق مع مصر وقوات الجمهوريين نهارا بأنها ستقاتل معها، ثم تغير ولاءاتها ليلا مع الأئمة أو العكس.

هذا الأمر يتكرر بنفس التفاصيل المملة، وقبل أيام سمعت شخصيا من وزير خارجية عربى، بأن السعودية والإمارات تعانيان من نفس المشكلة الآن. حيث اتفقتا أكثر من مرة مع بعض القبائل لكنها خانت الاتفاق، أكثر من مرة.
هذا هو الواقع المرير، رغم وجود أجيال جديدة من الشباب، وبعضهم سافر وتعلم فى الخارج، وعاد بآمال وأحلام مشروعة فى بناء وطن حديث وتقدمى.

هذه الأجيال الجديدة اصطدمت بالواقع الصعب الذى يستفيد منه فى الأساس بعض قادة القبائل، الذين يعتقدون أن تأسيس دولة حديثة سوف يقضى على نفوذهم القبلى، الذى لا يستند إلا للقبيلة.

القوى الأساسية بجانب القبائل هى القوى السلفية والجيش، وبالطبع هناك الحوثيون، والجميع اعتمد واستغل القبيلة، ربما باستثناء القوى الدينية السنية خصوصا السلفيين، الذين لعبوا دورا غير مباشر، فى تفكيك القبيلة، ولكن فى اتجاه أسوأ.
الحوثيون، نجحوا إلى حد كبير فى استمالة العديد من القبائل المؤثرة، بل وربما محاولة تغيير الطابع المميز لهذه القبائل، بحيث تتحول إلى قوى قبلية مذهبية.

الزيود فى اليمن لم يكن معظمهم يتم التعامل معهم باعتبارهم قوى شيعية سياسية ولكن الجديد، هو أنهم نجحوا فى ذلك إلى حد ما، طوال سنوات النزاع، بل خلال الصراع بين الحوثيين مع الرئيس الراحل على عبدالله صالح قبل ثورة أو انتفاضة ٢٠١١، التى خلعته من الحكم.

حينما لجأت السعودية والمؤيدون لها لعلى عبدالله صالح، لكى يحسم لها المعركة، أو حتى يساعدها فى ذلك، فقد كان ذلك إشارة حاسمة على بؤس المشهد السياسى اليمنى.

مرة أخرى لا يمكن أن نلوم الشعب اليمنى على هذا الأمر، فهو منهمك فى تفاصيل الحياة اليومية، ومكبل بالعديد من القيود والظروف الصعبة، لكن نحن نلوم أولا، القيادات السياسية طوال الأربعين عاما الماضية، وفى مقدمتهم على عبدالله صالح، الذى تصرف مثل أى ديكتاتور، وضرب القوى الحية فى المجتمع، ظنا أن ذلك سيجعله مخلدا فى الحكم، قبل أن يتم قتله من الطرف الذى تحالف معه.

قتل صالح الأحزاب السياسية المدنية مثل بعض الحكام العرب، ومات موتة شنيعة ولم يترك لنا إلا القبائل والقوى الدينية مختلفة المشارب من جماعة الإخوان، إلى القاعدة وداعش والحوثيين، وكلها ذات مرجعيات دينية، وبالتالى يحق لنا أن نتساءل: كيف ومتى يمكن الخروج من هذه الدوامة الجهنمية؟!