اخبار مصر-الشروق

يوما بعد يوم يتبين أن الهدف الرئيسى لزرع وتوطين وتشجيع التنظيمات المتطرفة والإرهابية فى سيناء هو ضمان أن تظل سيناء منفصلة عن الوادى والدلتا تماما، وفى حالة من الصراع الدائم.

طبعا هناك أسباب داخلية كثيرة وموضوعية لنشأة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة فى هذه المنطقة، خصوصا منذ تفجيرات شرم الشيخ ودهب وطابا منذ عام ٢٠٠٤.

والمؤكد أيضا أن الحكومات المختلفة خصوصا فى عهد حسنى مبارك تتحمل جانبا كبيرا من عدم تنمية سيناء بصورة صحيحة، حينما ركزت فقط على التنمية السياحية فى شرم الشيخ، وأهملت التنمية الصناعية والزراعية والاجتماعية والبشرية فى عموم سيناء شمالا وجنوبا.

أقول الكلام السابق، حتى لا يعتقد البعض أننى اعتمد نظرية المؤامرة تفسيرا وحيدا لما يحدث هناك. بل تقديرى أن المؤامرة ما كانت لتحدث أولا، وتنجح ثانيا، لولا وجود أسباب موضوعية بالفعل على أرض الواقع تؤهلها لذلك.

نظريا تقول التنظيمات المتطرفة، إنها تسعى لمقاتلة إسرائيل وتحرير فلسطين، بل أن أبرز تنظيم إرهابى فى المنطقة يطلق على نفسه «أنصار بيت المقدس»، ولم نضبطه متلبسا بأى مقاومة أو عمليات فعلية ضد الاحتلال باستثناء عمليات فشنك درأ للرماد فى العيون، أما أسلحته ورصاصاته فكانت موجهة بالأساس لصدور رجال الجيش والشرطة وبقية فئات المجتمع المصرى.

من يلاحظ نمط عمليات الجماعات الإرهابية سيكتشف بسهولة أنهم لا يحاربون الجيش والشرطة فقط، بل المجتمع والعمران بأكمله، بهدف تعطيل نمط الحياة الطبيعى والبحث عن نموذج تخيلى موجود فى أذهانهم فقط.

منذ بداية العمليات الإرهابية بشكلها الكثيف عقب إخراج جماعة الإخوان من الحكم عقب ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، رأينا أنها لم تستهدف فقط الجيش والشرطة أو حتى قادة وشيوخ القبائل الذين انحازوا للدولة، ولكن ضد تعمير المنطقة.

قبل نحو عامين زرت الكتيبة ١٠١ الموجودة فى العريش بصحبة مجموعة من الصحفيين والإعلامين، ووقتها قابلنا العديد من المسئولين التنفيذيين وممثلى المجتمع المدنى والأهالى فى شمال سيناء. وكانت المفاجأة الرئيسية أن العناصر الإرهابية تستهدف بصورة أساسية المقاولين والشركات التى كانت تقيم المدارس والمصانع أو أى منشآت عامة. وقتها سألت مندهشا: لكن المدرسة والمصنع والشركة ستخدم بالأساس أهالى المنطقة، وليس الحكومة، فكانت إجابة أحد من قابلتهم هى: هؤلاء لا يريدون للحياة الطبيعية أن تستمر، وبالتالى، فإنهم يستهدفون أى مظاهر للعمران.

لم أصدق ذلك كثيرا وقتها إلا أن وقعت حادثة قتل الإرهابيين لثمانية من سائقى الشاحنات التى تنقل الإسمنت من وإلى العريش قبل أسابيع قليلة.

وما بين التاريخين استهدف الإرهابيون الأقباط وحاولوا تهجيرهم من بيوتهم كما استهدفوا شيوخ القبائل، وأنصار الطرق الصوفية، بل ورأينا اشتباكا بين أنصار داعش والقاعدة، وحاولوا فرض نموذجهم على المدارس، بل وفرض الحجاب على تلميذات المدارس الابتدائية.

النتيجة النهائية لنشاط هذه الجماعات أنها تعطل مؤقتا أى عملية تنمية حقيقية فى سيناء بحجة أنها تحارب الحكومة أو الدولة، والسؤال الجوهرى: من الذى يستفيد من هذا التعطيل؟!.

إنها إسرائيل ولا أحد غيرها، فهى تحكم وتخطط منذ زرعها فى المنطقة لفصل سيناء عن الوادى والدلتا، بحيث لا يكون هناك عمران حقيقى لسيناء يمنع احتلالها بسهولة تحت أى ظرف. إسرائيل فعلت ذلك فى عدوان ١٩٥٦ وأجبرت على الجلاء الفورى، وكررته فى عدوان ١٩٦٧، وظلت تحتل الأرض إلا أن نجحنا فى أكتوبر ١٩٧٣ فى عبور القناة ثم جرى استكمال استعادة الأرض حتى عام ١٩٨٢. لكن ما تفعله داعش والقاعدة، وكل من يؤيدهم أو يلتمس لهم الأعذار، هو تحقيق الحلم الإسرائيلى.

السؤال: هل يدرك الإرهابيون والمتطرفون والمتاجرون بالدين بأنهم ينفذون مخططا إسرائيليا؟! الكوادر والقادة يدركون ذلك بكل وضوح، لكن غالبية المتطرفين المغرر بهم والمغسولة أدمغتهم، يعتقدون أنهم يجاهدون فى سبيل الله!!.

لمواجهة هذا المخطط، لابد من أن نسابق الزمن وأن تبذل كل الجهات المختصة ذات الصلة جهودها للقضاء على الإرهابيين أولا، وبالتوازى معها تعمير سيناء.

وأعتقد أن افتتاح الكبريين «أحمد المنسى» و«أبانوب» وقرب افتتاح الأنفاق تحت القناة، تطور بالغ الأهمية، ويعنى سهولة التنقل بين ضفتى القناة، وأن الرهان على فصل سيناء عن بقية مصر، لن يكتب له النجاح.