بقلم - عماد الدين حسين

عندما كنت صغيرا.. كنت أسال نفسى دائما: لماذا لا تتجمع كل الجيوش العربية معا، وتحارب إسرائيل، وتنتصر عليها، طالما أن عدد جنودنا وطائراتنا ودباباتنا وصواريخنا مجتمعين أكثر منها بكثير؟!. لا أعرف هل الشباب العرب صغار السن لا يزالون يطرحون مثل هذا التساؤل الذى يراه البعض بديهيا، طالما أن كل دولة عربية تزعم وتدعى أن القضية الفلسطينية هى قضيتها الأولى والمركزية؟!!. 

فى ذهنى وأنا صغير، أن ضربة عربية واحدة ومركزة، ستنهى وجود الكيان الصهيونى الغاصب، الذى يزرع الفتن والمؤامرات والانقسامات فى المنطقة، ويسبب صداعا مزمنا لكل المنطقة منذ عام ١٩٤٨ويعوق تقدمها وانطلاقها.

لكن كلما كبرت وفهمت الواقع أكثر، أدركت أن الأمور ليست بهذه الصورة المثالية التى كانت فى ذهنى، وأن هذا العدو ومن يساعده يعمل طوال الوقت على إبقاء العرب منقسمين، ونحن نساعده، ونهيئ له كل السبل لتنفيذ هدفه باستمرار خلافاتنا وانقساماتنا، بل إن العدو يعطى كل المستبدين العرب الفرصة والمبرر لاستمرار طغيانهم.

الدرس الأهم الذى يتعلمه أى عربى، أنه طالما استمرت الخلافات العربية وزادت وتعمقت، كلما شعرت إسرائيل بالأمان أكثر، وبالتالى فإن مصلحتها هو استمرار هذا الوضع بكل الطرق الممكنة.

السؤال: لماذا بدأت بحكاية شخصية؟!
الإجابة، لأننى أعتقد أن كثيرين من العرب يفكرون بنفس الطريقة؟!.والغرض من هذه السطور أن نفرق بين الأحلام والأوهام اللذيذة والطموحات الكبيرة وبين الواقع الهزيل والمتردى، حتى نصل إلى طريقة تخرجنا من هذه المأساة، فلا نغرق فى الأحلام ولا ننتحر على صخرة الواقع اليائس؟!.

يعتقد بعضنا أن إعلان الحرب ضد إسرائيل، هو مجرد قرار يتخذه أى حاكم، وينفذه أى جيش فورا، وكأنه معركة بين اثنين من الشباب أو حتى بين مجموعتين فى إحدى الساحات الشعبية؟!. والقضية بطبيعة الحال أعقد من ذلك بتريليون مرة، وإذا كانت إسرائيل ومن يدعمها قد استغرقت عشرات السنين حتى تصل إلى هذا المستوى الذى يتيح لها العربدة فى المنطقة، فالمؤكد أن حالنا الصعب سيحتاج بدوره إلى سنوات طويلة حتى نتمكن من إعادة تفكيك المنظومة الإخطبوطية التى دخلنا فيها ولا نعرف حتى الآن كيفية الخروج منها.

من يقرأ الفقرة الأخيرة، قد يتهمنى بالانهزامية ومحاولة التماس العذر للحكومات والأنظمة العربية. والحقيقة عكس ذلك تماما.
قلت قبل ذلك وأكرر اليوم، أن الحكومات العربية السابقة هى المتهم الأول الذى أضاع القدس وكل فلسطين، وغالبية الحكومات الحالية مسئولة عن استمرار الاحتلال، بل إن بعضها بدأ ينسق مع العدو ظنا أنه سوف يحميه من إيران!!.

لكن ما أقصده تحديدا أن يتوقف بعضنا عن الأحلام السرمدية والغرق فى الأوهام، و«ترديد الكلمات والمصطلحات الكبيرة والمجعلصة والإنشائية من دون فهم الواقع فهما حقيقيا». استمرار هذه الحالة يجعل بعضنا يعتقد أن ترديدها يكفى للتدليل على أنه أدى واجبه من النضال والكفاح!!.
بعض المواطنين العرب لا يعمل ويسرق وينهب ويرتشى ويعطل مصالح الناس، لكنه فى المساء يتهم كل الحكومات العربية بالتكاسل والتواطؤ بل والخيانة، وأنها لا تحرك جيوشها لتحرير فلسطين، وينسى أنه هو نفسه أحد أسباب خيبتنا.

قسم آخر من الناس، يلمتس الأعذار للإرهابيين الذين يقاتلون هذه الحكومات بل ويقاتلون المجتمع، ويقتلون المصلين فى المساجد.
وجماعة الإخوان نفسها وكبار قادة جماعة الإخوان ومكتب إرشادها الدولى أصدر بيانا عام ٢٠١٥ أسماه «نداء الكنانة»، تعامل فيه مع الإرهابيين فى سيناء باعتبارهم مقاتلين من أجل الحرية. رغم أن ألف باء السياسة هى أن ما يفعله الإرهابيون فى سيناء لا يفيد إلا العدو الصهيونى، والمتاجرين بالدين ويضر الإسلام والمسلمين بشكل لا يمكن تخيله.

الحكومات والأنظمة مقصرة وبعضها متواطئ، لكن ذلك لا يمنع من نقد العديد من الجماعات والأحزاب والمؤسسات العربية الأخرى التى استسلمت لظاهرة النضال الصوتى «الفيسبوكى» ولا تريد حتى أن تقرأ المشهد بصورة واضحة.

إدانة الأنظمة والحكومات المتقاعسة والمتواطئة مهم ومطلوب، ولكنه وحده لن يحل المشكلة. مطلوب أن نقرأ ونفهم وندرس ونعرف إمكانياتنا وقدراتنا على الأرض الواقع، حتى لا نعيد إنتاج الواقع المأزوم مرة أخرى!.