اخبار مصر-الشروق

مساء الاثنين الماضى، استمعت لكلمة فى غاية الأهمية ألقاها وزير التربية والتعليم طارق شوقى أمام ندوة نظمها مجلس الأعمال الكندى المصرى، والمجلس المصرى للتنمية المستدامة فى أحد فنادق ميدان التحرير.

الوزير تكلم فى بعض تفاصيل خطة وزارته لتطوير التعليم، الذى يفترض أن يبدأ فى الانطلاق سبتمبر المقبل. وسأحاول تلخيص أهم ما ورد فى كلام الوزير، الذى شبه عملية التطوير ببناء عمارة جديدة.

المرحلة الابتدائية تمثل أساسات العمارة الجديدة، وستكون أقرب إلى التجربة الفنلندية، أى لا حصص كثيرة، بل حديث عن موضوعات. مثلا موضوع عن البحر وما فيه سواء كان فيزياء أو بيئة أو شعر. سيكون هناك تركيز على اللغات، وعلى الطالب فى هذه المرحلة إجادة العربية والإنجليزية، ولغة ثالثة اختيارية، بحيث يعود الطلاب لقراءة طه حسين والحكيم. وأن يجيد الإنجليزية كأهلها، وليس بالطريقة التى تعلم بها معظمنا.

وفى المرحلة الإعدادية سيكون هناك تركيز على التربية المهنية وتعلم أشياء وحرف ومهن، وليس حفظ معلومات ينساها بعد الامتحان.وفى الثانوية ستكون معظم المواد اختيارية ما عدا اللغات. ستكون هناك قائمة يختار منها الطالب ما يجب أن يتعلمه، من علوم طبيعية أو هندسة أو علوم بيئية أو برامج جديدة مثل السياحة والروبوت والتكنولوجيا. فى هذا النظام الطالب هو الذى سيذهب للمدرس وليس العكس.

فى هذا التطوير ستنتهى أسطورة وخرافة الإجابة النموذجية التى يراها الوزير جريمة، لأنها هى التى تقود إلى الحفظ والتلقين.سيتم دمج كل أنواع التعليم الموجودة الآن فى نظام واحد، يعطى شهادة واحدة محترمة ولها قيمة والاستفادة من أفضل ما فيها.

هذا النظام سيسقط للأبد نظام الثانوية العامة والتنسيق التى يراها الوزير السبب فى تدمير التعليم المصرى. الطلاب كانوا ضحايا، والآباء يطالبونهم دائما بالحصول على أعلى درجة و«لدينا ثقافة قاتلة اسمها كليات القمة من طب وهندسة وإعلام، وكل من لا يدخلها هذه الكليات، نقول له يا فاشل، ونسأله جبت كام ولا نسأله ماذا تعلمت؟!»، فإذا كان هناك شاب يهوى العزف على الكمنجة، فنحن ننظر إليه باعتباره فاشلا!!. الدروس الخصوصية تعلم الطالب كيف يمر من الامتحان بصورة نموذجية من دون أن يفهم شيئا تقريبا.

فى رأى الوزير أن الدروس الخصوصية والسناتر وغياب التلاميذ عن المدارس سوف تستمر حتى يتغير هذا النظام.
العمارة الجديدة ستتكلف أموالا كثيرة، قد يحصل الطالب على شقة مجانا، لكن عليه أن يتذكر أن هناك من دفع ثمن هذه الشقة!!.
أولياء الأمور والإعلام غضبوا كثيرا ــ كما يقول الوزيرــ حينما تم زيادة المصاريف فى المدارس الحكومية من ٥٠ إلى ٦٢ جنيها، رغم أن بعضهم يدفع ما بين عشرين إلى ثلاثين مليار جنيه للدروس الخصوصية والسناتر لا يتم حتى دفع ضرائب عنها!!.

النظام القديم يشجع التلاميذ على الغش بل إن بعض أولياء الأمور يشجعون أبناءهم على ذلك، ثم يذهبون لأداء الصلوات!!. الدولة تخصص ١٫٣ مليار جنيه لمحاربة الغش فى الثانوية، وتعقد اجتماعات وتستعين بالشرطة والجيش وأجهزة الأمن لمراقبة الامتحانات، وهو أمر لا يحدث إلا عندنا.

فى النظام الجديد المدرس لن يكون له علاقة بوضع الامتحان أو تصحيحه ولن يكون قادرا على ابتزاز التلاميذ، بل تعليمهم فقط. وستكون هناك أربعة امتحانات سنويا،والأسئلة ستعتمد على الفهم والإدراك ثم التعبير وليس الحفظ.

طارق شوقى واثق أن هناك قوى كثيرة وجماعات مصالح ستحاول عرقلة النظام الجديد، وأولهم أصحاب السناتر، ثم المطابع التى تحصل على ٣ مليارات جنيه سنويا، لأنه فى النظام الجديد لن تكون هناك كتب مطبوعة بل تابلت صناعة مصرية فى يد كل طالب ومدرس.

لن تكون هناك أيضا امتحانات موحدة، وبالتالى سوف يختفى الغش والأهم لن تكون هناك دروس خصوصية، ولن تبحث الأسر عن المدرس والسنتر لتتفق معه فى الصيف.

كلام الوزير فى غاية الأهمية، وأتصور أن المهمة العاجلة هى فتح النقاش العام والشامل بشأن النظام الجديد، لأنه موضوع يهم كل مصرى بل هو مستقبل مصر الحقيقى.

على الجميع أن يناقش كل تفصيلة، حتى نتلافى الأخطاء أو التصورات الخاطئة. يمكن أحيانا أن نبنى جسرا أو مصنعا بقرار حكومى فوقى، لكن مستقبل التعليم ينبغى أن يخضع لأوسع وأكبر وأعمق نقاش، خصوصا سؤال كيف سيتم تطبيق النظام الجديد، ومن الذى سيدفع تكاليف العمارة الجديدة وكيف؟!.