بقلم - عماد الدين حسين

سأقول كلاما مختلفا فى قضية المطربة شيرين عبدالوهاب، قد لا يعجب الكثيرين الذين يعتقدون أن استخدام «كلمة الوطنية» يكفى لأن يمشى الجميع فى القطيع أو يتعرضوا للرجم والتعزيز!.

شيرين كانت تغنى قبل أيام فى بيروت، وإحدى الحاضرات طلبت منها أن تغنى «مشربتش من نيلها»، فردت عليه المطربة بسخرية: «ما بلاش.. ممكن تصابى بالبلهارسيا»!

شيرين وظيفتها الغناء، لتمتع الناس أو على الأقل جمهورها، وبالتالى هى ليست زعيمة أو رمزا وطنيا أو مثقفة عظيمة. مشكلتها أنها لا تتمتع بأى قدر من الذكاء الاجتماعى الذى يجعلها تختار تعبيراتها، ومتى تتكلم ومتى تصمت، ومتى تسخر؟!.

هى وقعت فى العديد من مثل هذه المطبات فى الفترة الأخيرة خصوصا مع الفنان عمرو دياب، وفى كل مرة كانت تعتذر، وكنا نظن أنها ستكون غلطتها الأخيرة!

المؤكد أنها أخطأت بالحديث عن مياه النيل بهذه الطريقة، رغم أننا جميعا نعرف أن هناك مشاكل كثيرة تتعلق بمياه النيل وحجم التلوث الذى أصابها، بفعل تراكمات سنوات طويلة.

كثيرون قالوا إنها سفيرة لمصر، ويفترض أن تراعى ألفاظها. صحيح أنه يجب على الجميع أن يراعى ألفاظه، لكن من قال إنها سفيرة لمصر؟! إذا كان كل فنان سفيرا، فهل الفنان الذى يرتكب جرما أو الفنانة التى تضبط فى قضية دعارة تسىء لمصر، أم تسىء لنفسها فقط؟!. هل مارلين مونرو كانت سفيرة لأمريكا، وبانتحارها هل انتحرت أمريكا؟!.

السؤال الأخير ليس سؤالى، لكنه استفسار صديق يعتقد أننا بالغنا كثيرا فى رد الفعل على خطأ شيرين، ولو تركناه يمر، ما كنا قد وصلنا إلى هذه الدرجة؟!

كان يكفى من وجهة نظرى الغضبة التى أثارتها مواقع التواصل الاجتماعى، ثم اعتذار الفنانة وينتهى الأمر، بدلا من وقفها عن الغناء من قبل نقابة المهن الموسيقية التى أظن أن قرارها كان بهدف الرضوخ لغضبة الفيس بوك!، وصولا إلى رفع دعاوى قضائية ضدها وتحديد جلسة للمحاكمة خلال شهر.

.هناك فنانون كثيرون فى أمريكا هاجموا حكوماتهم وبلادهم لحربها فى فيتنام أو العراق أو أفغانستان، وأخيرا اشتبكوا مع الرئيس دونالد ترامب كثيرا. هم هاجموه وهو كال لهم كل أنواع الشتائم، لم يقل أحد إنهم سفراء أو رموز. مصطلح السفير الفنى من الممكن أن نطلقه على أم كلثوم أو عبدالوهاب وليس على أى شخص غنى أغنية أو حتى ألف أغنية، ليس المهم عدد الأغانى أو حجم الشهرة، بل حجم ونوع التأثير فى المجتمع. تعبير سفير لبلده لا ينطبق إلا على قلة قليلة جدا، وهو أمر لا يقلل من شيرين أو غيرها. وربما الذين يقولون ذلك، يقصدون أنها مطربة شهيرة، وبالتالى ربما يربط البعض بين خطئها وبين مصر. وهذا أمر ليس صحيحا بالمرة، لأن مصر أكبر تريليون مرة من شيرين وكل الفنانين مجتمعين.

ثم ما هذا البلد الذى يتأثر بكلمة عابرة من مطربة مهما كان قدرها؟!. أخطاء هؤلاء الفنانين تسىء إليهم أولا ولا تقلل إطلاقا من قيمة مصر وقدرها ومكانتها!

أعلم أن الهجمة ضد شيرين هى أمر راجع بالأساس إلى السلطة المتنامية لوسائل التواصل الاجتماعى، التى صارت تراقب أنفاس وحركات وهمسات المشاهير والشخصيات العامة، وهو أمر ليس سيئا على طول الخط، لأنه يضمن رقابة شعبية مجتمعية على السلوك العام للمشاهير، لكن علينا أن نضع ذلك فى إطاره الطبيعى، حتى لا يتحول إلى سيف يقصف الرقاب بصورة عشوائية!.

وبالمناسبة فإن شيرين صارت صناعة الحكومة فى الشهور الأخيرة. وصارت مقدمة برامج تلفزيونية، وبالتالى بدلا من وقفها كان يمكن تدريبها وتأهيلها وصقلها وتعليمها كيف تتحدث إلى الإعلام ومتى تصمت.

وبالمناسبة فإن أسوأ ما أفرزته هذه القضية هو محاولات البعض معايرة شيرين بأن أصولها الاجتماعية فقيرة.. والسؤال إلى هؤلاء: وهل هذا الأمر يسىء إليها؟!.

ظنى إذا كان ذلك صحيحا، فهو نقطة تحسب لها. هى كافحت وناضلت وتعبت حتى صارت مطربة مهمة. ولا يعنيها إطلاقا أنها لم تكن غنية أو أن عائلتها سليلة الباشاوات.. للأسف لقد صرنا مجتمعا مشوها!.