اخبارمصر - علا الحاذق

من ليس له ماضي ليس له مستقبل.. ومن بلا جذور اصبح كاوراق الشجر في مهب الريح …ولهذا تتضح اهمية الحفاظ على التراث باعتباره ممثلا عن الهوية الوطنية

والتراث السمعي البصري مثل الأفلام والبرامج الإذاعية والتلفزيونية يعتبر عاملا اساسيا في حفظ هوية الامم وشاهدا مهما على تنوع الحضارات في مختلف المجتمعات حول العالم.

ان الوثائق السمعية والبصرية هي تراثنا المشترك الذي يحتوي على وقائع تاريخية هامة في القرنين العشرين والحادي والعشرين.

وتساعد تلك الوثائق على الحفاظ على الهوية الثقافية للشعوب كما إنها استطاعت جذب بصر وآذان كل من المتعلم والأمي على السواء وحولت سير المجتمعات لكونها مكملة للسجل المكتوب التقليدي.

“إن القصص التي يرويها هذا التراث هي تعبيرات قوية عن الثقافة والمكان ونسج للخبرات الشخصية والجماعية مما يعكس البحث عن معنى مشترك من قبل الجميع.هذا التراث يوفر مرساة في عالم التغيير وخاصة بالنسبة للمجتمعات المحلية وتوفير سجلات الثقافية مما يعكس التنوع الكبير في التعبيرات “…

من رسالة إيرينا بوكوفا مديرة اليونسكو السابقة والتى توضح ادراك المنظمة بأننا بحاجة إلي مزيد من الحوار بين الثقافات ، ومزيـد مـن حب الاطلاع علي ثقافة الآخرين لكشف القوالب النمطية الثقافية والدينية التي تمثل أرضاً خصبة لنمو التعصب، ولأن التراث السمعي البصري عنصر أساسي فــي هذا الجهد با عتباره ناقل للهوية والذاكرة

دور اليونسكو

  • اليوم العالمي للتراث السمعي البصري

لهذا السبب .. أقـر المؤتمر العام لليونسكو فـي عـام ٢٠٠٥ ، الاحتفال باليوم العالمي للتراث السمعي والبصري في السابع والعشرين من أكتوبر من كل عام بوصـفه آلية لرفع الوعي العام بالحاجة إلى اتخاذ تدابير عاجلة للإعتراف بأهمية الوثائق السمعية والبصرية بوصفها جزء لا يتجزأ من الهوية.

إن اليونسكو تشجع الجميع في كل مكان لمشاركتها في الاحتفال باليوم العالمي للتراث السمعي البصري وذلك عن طريق عرض ما لديهم من مجموعات ثمينة، بحيث يمكن للأجيال الحالية والمقبلة التمتع بهذه الكنوز التي تمثل تراثنا السمعي البصري المشترك.

  • برنامج ذاكرة العالم

اليونسكو اعتمدت ايضا برنامج ذاكرة العالم  والذي أُنشـئ عـام ١٩٩٧ بغـرض حمايـة عناصـر التـراث الوثـائقي التـي تتسم بالأهمية..

يضم هذا السجل حالياً ٢٤٥ مـن الممتلكـات التـي تخـ ص طائفـة عريضـة مـن التـراث الوثائقي : من “ذاكرة قناة السـويس ” (مصـر ) إلـى “الاسـطوانات الأصـلية لموسـيقى كارلوس غارديل ” (أوروجواي) و”القوائم الذهبية للامتحانات الإمبراطوريـة ” فـى عصـر أسرة كينج (الصين) وصحف التراسل الخاصة بالشيخ التقليدي الأفريقـي هينـدريك ويتبوي (ناميبيا).

وتجتمع اللجنة الخاصـة بسـجل ذاكـرة العـالم كـل عـامين لفحـص مقترحات الترشيح الخاصة بالإدراج في السجل

اليوم العالمي وسجل ذاكرة العالم أصبحا هما النشاطان الأساسيان لليونسكو وللعالم اللذان يرميان إلى تكريم المهنيين في مجال صون هذا التراث لضمان انتقال هذا التراث إلى الأجيال المقبلة رغم كثرة الصعاب التقنية والسياسية والاجتماعية والمالية وغيرها التي تهدد بقاءه.

  • اتفاقية حماية التراث غير المادي

بالاضافة الى التوقيع على اتفاقية عـام ٢٠٠٣ لحماية التراث غير المادي ، التـي تهدف إلي صون التراث الثقافي غير المادي، واحترامه ، والتوعية على الصعيد المحلى والوطني والدولي بأهمية التراث الثقافي غير المادي وأهمية التقدير المتبادل لهذا التراث ، و أخيراَ دعــم التعاون الدولي والمساعدة الدولية.

وأسهمت هذه الاتفاقية في زيادة الوعي بشأن أهمية التراث السمعي والبصري وأصبحت أداة أساسية فـي صون هـذا التراث ونقله إلى ا لأجيال القادمة بوصفه شاهداً فريداً في كثير من الأحيان على التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

وعلي أثر الاتفاقية تأسست القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية ،التي تحتفظ كل دولة موقعة علي الاتفاقية بأرشيف لتراثها الثقافي فيها.

حجم الكارثة

والامر الذي يدعو الى الاسف ان جميع أشكال التراث السمعي البصري في العالم معرضة للخطر، حيث يتعرض التراث السمعي البصري من تسجيلات صوتية وصور متحركة وافلام وبرامج اذاعية وتليفزيونية في العالم لخطر كبير نتيجة لعوامل شتى تتمثل في الإهمال، والتحلل الطبيعي ، والتقادم التكنولوجي، فضلاً عن التدمير المتعمد.

ولقد اندثر بالفعل جزء كبير من تراث العالم السمعي والبصري بسـبب الإهمال أو التدمير أو سوء الحظ أو قلة الموارد والكفـاءات المناسـبة، ممـا أدي إلي فقدان جزء مهم من الذاكرة البشرية .

إن تراثنا السمعي البصري، الذي يعتبر رمزا أساسيا في القرن الحادي والعشرين يمكن أن يفقد بشكل لا رجعة فيه ، ولذا يجب إشراك الوعي العام بأهمية الحفاظ على هذه التسجيلات، ويهدف اليوم العالمي للتراث السمعي البصري ليكون منصة لبناء الوعي العالمي.

وتبعاً لذلك، فإن إحدى مهام اليونسكو الرئيسية تتمثل في رفع مستوى التوعية لدى الجمهور بأهمية صون هذه التسجيلات، وذلك في إطار الاحتفالات باليوم العالمي للتراث السمعي البصري.

مشكلات حفظ التراث في مصر

مكلات كثيرة تواجه محاولات الحفاظ على التراث السمعي البصري من سوء تنظيم إلي عدم وجود خطة واضحة, وعدم القدرة علي الاستفادة من التراث كمنتج اقتصادي لمصر.

  • تراث ماسبيرو في خطر

الأرشيف الإعلامى التليفزيونى والإذاعى الفريد من نوعه، يمثل تراثًا أثريًا ، ولكن يتعرض بعضه للبيع فى صالات أجنبية، هذا التاريخ الذى تتهافت عليه كل المؤسسات الأجنبية، فهذا التاريخ ليس للبيع أو الإيجار أو الاستعارة لأنه تاريخ مصر وأمنها القومى.

كارثة تُهدد المكتبات الإذاعية والتليفزيونية النادرة، بسبب سوء التخزين والحفظ فى مكتبات شرائط التراث، و«النيجاتيف»، التابعة لقطاع الإذاعة، التى أُسست منذ ثلاثينات القرن الماضى، ومكتبة التليفزيون المصرى، التى أُسست فى فترة ستينات القرن العشرين.

مكتبات «النيجاتيف» بقطاع التليفزيون، التى تعتبر من أقدم المكتبات داخل التليفزيون، لتأسيسها مع بداية البث الأول للتليفزيون المصرى، وهو ما يجعلها تحتوى على الآلاف من أصول الشرائط التراثية، والمواد التسجيلية النادرة، لرواد الإعلام المصرى والعربى، التى تقدر قيمتها المالية بـ12 مليون دولار، فى حين أن قيمتها المعنوية والتراثية لا تُقدّر بثمن.

وأصبح التحول إلى “المحتوى الرقمى” أمرا مهما وضروريا، وهو ما يجرى حاليا، اضافة الى العمل بإمكانيات أكثر تطورا حفاظا على التراث من الضياع، من خلال نقل المحتوى التراثى، والبرامج والأعمال الدرامية المهمة إلى “هاردات” بدلا من فكرة الشرائط الخام.

التليفزيون المصرى حاليا يقوم برفع كل الأعمال التراثية المهمة على موقع “يوتيوب” من خلال القنوات المختلفة مثل الدراما والأطفال والإذاعة والتراث والرياضة.

قناة ماسبيرو زمان

انطلقت في 2 يوينو 2016 تحت شعار “من فات ماسبيرو تاه” ، وتبث فضائيا وأرضيا عبر التلفزيون المصري، وتعرض تراث ماسبيرو القديم من مباريات وبرامج ومسلسلات بالأبيض والأسود، بالإضافة إلى الفوازير وأعظم كنوز ماسبيرو، وتبث لمدة 8 ساعات يوميا.

تدشين قناة على “يوتيوب” لماسبيرو زمان

دشن القائمون على قنوات ماسبيرو على “يوتيوب” قناة جديدة تحمل اسم “ماسبيرو زمان”، وذلك لوضع المحتوى الذى تقوم القناة ببثه على شاشتها، منذ خروجها للنور.

وتتضمن القناة مجموعة من اللقاءات القديمة والحوارات مع الفنانين والرياضيين، وأيضا مباريات كرة القدم القديمة، والنشرات الإخبارية، ولقاءات الشيخ الشعراوى، والتلاوات القرآنية القديمة.

قناة “ذاكرة ماسبيرو”

موجودة أيضا على “يوتيوب” تبث خطابات الزعماء والخطب التاريخية، وتأتى تلك القناة كخطوة للحفاظ على تراث ماسبيرو من القرصنة، وأيضا كمحاولة للاستفادة من خلاله ماديا.

  • تراث السينما

صناعة السينما تبحث عن «أكشن »

تراث السينما المصرية، يوجه كارثة تهدده ، فقد تم بيع الكثير منه منذ 15 سنة، فضلًا عن عمليات تهجير وسرقات، كما توجد ممارسات سيئة تحدث، مثل مسح الأشرطة والتسجيل عليها مرة أخرى عند وجود عجز في الأشرطة، كما أن الشرائط لها عمر افتراضي، ويجب تدويرها مرتين في العام حتى لا تُدمر.

المهندس أسامة الشيخ رئيس اتحاد الاذاعة والتليفزيون سابقا أكد انه كان يجب إنشاء مركز التوثيق السمعي والبصري، للاحتفاظ بنسخة من كل شيء يتم إنتاجه سواء من القطاع الخاص أو العام، مشيرًا إلى أن بعض الأعمال الفنية باعها الورثة، وكان لا بد أن تتدخل الدولة وتشتريها.

جهود مصر لحماية التراث

  • وقعت مصر على اتفاقية حماية التراث غير المادي في 2005 .

وساهمت مصر في قائمة روائع التراث غير المادي فور تســجيلها للملحمة الشـفهية المسـماة السيرة الهلالية، والهدف هو الحفاظ على هويتها الثقافية واستغلال هذا التراث غير المادي كقوة دافعة للتنمية الاقتصادية المستدامة للسكان المحليين.

كما نفـذت مصر اتفاقيـة صـون التـراث الثقـافي غيـر المـادي فـي مصـر، وكـانت تنمية القدرات الوطنية من الأولويات الرئيسية، اهـتم هـذا النشـاط برعايـة وتعزيـز المهرجانات المصرية التقليدية نظراً لأنها تشمل جميع جوانب التراث الثقافي غير المادي مــن الأعراف الدينيــة والتقاليــد الموسمية مــن الرقص والشـعر الشــفوي والموسيقى ومسرح العرائس المتجول بالشـارع والحـرف اليدويـة ووصـفات المطـبخ التقليدية

كما أجرت مصر أول تسجيل وحصر للمهرجانـات التقليديـة المصـرية مـن أجـل أن يسـتفيد بها الباحثين ومنظمي الرحلات السياحية وعامة الناس فـي مصـر والـدول الأجنبيـة ، وتــم وضــع قاعــدة للبيانــات ومدونــة لمنهجيــات الحفــاظ علــى التنميــة الســياحية والثقافية لتلك المهرجانات.

وتقيم مصـر عدة مهرجانات تساعد علي الحفاظ علي التراث اللامادي وتركز بشكل أساسي علي دعم السينما المصرية ، مثل : مهرجان القاهرة الدولي للسينما، المهرجان الوطني لسينما الطفل بالقاهرة ، مهرجان جمعية الفيلم المصرية، مهرجان الفيلم القصير ببورسعيد ، مهرجان البحر الأبيض المتوسط بالأسكندرية، المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي والفيلم القصير بالإسماعيلية المهرجان الدولي للفيلم بالقاهرة، مهرجان الصورة، و أوسكار السينما المصرية .

  • الذاكرة المتوسطية

مشروع ماد مام (الذاكرة السمعية البصرية الأورو – متوسطية )،  عبارة عن موقع على الانترنت بثلاث لغات (الفرنسية والإنجليزية والعربية) و يهدف الى الحفاظ على الذاكرة السمعية البصرية لبلدان حوض البحر المتوسط، ومتخصص بالتراث المادي و غير المادي لتلك البلاد، ويتيح الإطلاع على الأرشيف السمعي البصري المتوسطي، ذي الطابع الثقافي والتعليمي و العلمي والمهني.

المشروع يقوده المعهد الوطني الفرنسي للسمعي البصري، ويضم 18 شريكا من بينهم 10 تلفزيونات متوسطية و مؤسسات علمية ومنظمات مهنية سمعية بصرية.

يقدّم للجمهـور ٤٠٠٠ مستند سمعي بصري من بلدان المتوسط في شكل أرشيف مستندات تلفزيونية وإذاعية في سياقها التاريخي والثقافي بلمحة وثائقية.

يساهم هذا البرنامج الذي شارك في تمويله الاتّحاد الأوروبي ضمن برنامج التراث الأوروبي المتوسطي في تسليط الضوء على تراث مشترك وتشجيع عملية حفـظ الأرشيف السمعي البصري المتوسطي.

  • مشروع التراث المتوسطي الحي 

مشـروع الحفـاظ علـي التراث الثقافى اللامادى بمحافظة دميـاط – كجـزء مـن تراث النيل،  تم افتتاحه في عام 2012 كبداية لتسجيل ذلك التراث في جميع محافظات مصر ضمن المرحلة الثالثة من مشروع الحفاظ على التراث المتوسطي الحي.

المشروع يتم تنفيذه بدعم من منظمة اليونسكو، الإتحاد الأوروبى، واليوروميد فى إطار برنامج التراث الأوروبى المتوسطى،

كمـا يشـارك فى تنفيذه بعض الجهات الوطنية التابعة لوزارة الثقافـة المصـرية، أطلـس الفولكلور، أكاديمية الفنون، وهيئة قصور الثقافة.

مشروع التراث الثقافى اللامادى بمحافظة دمياط يهدف الى إعداد قـوائم حصر للتـراث الثقـافى اللامــادى فــى مصــر تمهيــدا لإدراجها على قوائم اليونســكو التمثيليــة.

  • مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي

مركز توثيق التراث الحضـاري والطبيعـي هـو مركـز تابع لمكتبة الإسكندرية ومقـره القـاهرة، حصـد العديـد مـن الجـوائز العربيـة والعالميـة ، يسـعى إلـى تطبيـق أحـدث التقنيات في توثيق التراث المصـري الثقـافي – الملمـوس وغيـر الملمـوس – والتـراث الطبيعي الذي يتضمن المعلومات الخاصة بالمناطق الطبيعية بمصر ومكنوناتهـا الطبيعية .

ويهدف الى زيادة الوعي بالتراث الحضاري والطبيعي عن طريق وسائل الإعلام المختلفة،وبناء قدرات العاملين في مجال توثيق التراث الحضاري والطبيعي والحفاظ عليه

قـام المركـز بـإطلاق الموقـع الإلكترونـي لمشـروع مصـر الخالـدة الـذي يعتبـر كنـزًا دفينًا لكل المهتمين بمصر وتاريخها، وهو متوافر بثلاث لغات.

  • محاولات مدنية (غير حكومية)

تقوم بعض المؤسسات المدنية بمحاولات لحفظ التراث غير المادي، منها “الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية » التي أنشأت في عام ٢٠٠١ ،ووضـعت هـدفا أساسيا هو العمل على إنشاء أرشيف قومي للفنون الشعبية المصرية، أمــا فرقة “ومضة للأراجوز وخيال الظل” فتنطلق من التراث المصري للتأكيد على “أن لدينا مــا يستطيع أن يعبر عنا” وتطرح في أسـلوبها ومضـمون مـا تقدمه منهجا يمكن أن نطلق عليه ” فنون الضد” برز في إحياء التراث الشعبي لخيال الظل، الأراجوز، الراوي، صندوق الدنيا، الموسيقى الشعبية، الرقص الشعبي .

أيضا ” جمعية أصالة لرعاية الفنـون التراثية والمعاصرة ” التي تسعى للحفاظ على التراث في مجالات العمل الحرفي والفني المختلفة، وقدمت موسوعة الحرف التقليدية للحفاظ على الحرف والفنون التراثية وتنميتها والتقصي عن أسـباب تدهور بعض الحرف واندثار البعض الآخر.

توصيات
في النهاية.. يجب رفع الوعى باهمية التراث السمعي البصري في الحفاظ على هويتنا لنا وللأجيال القادمة، ولعل من السبل التى تحقق ذلك أهمية إدراج الوعي الثقافي في المناهج الدراسية, وتنظيم عملية حفظ التراث بين الجهات المختلفة, والاستفادة من آليات اليونسكو, والاستفادة من التراث الثقافي كعامل مهم لجذب السياحة.
المسئولون بمكتبة الاسكندرية أكدوا أيضا ضرورة اعتبار المواد السمعية البصرية مادة بحثية يجب الاعتماد عليها في الأبحاث العلمية، مثلها مثل الوثائق والمواد المطبوعة لما تحتويه هذه المواد السمعية البصرية من معلومات ثرية يمكن من خلالها دراسة العديد من المجالات المختلفة.