اعداد - أمينة يوسف

أديب و ناقد وروائي مصري كبير لقب بعميد الأدب العربي .. بلغت شهرته الآفاق لأن طه حسين فقد البصر فيما كان عمره 3 سنين ومع ذلك استطاع أن يؤلف مئات الكتب ويقدم للأدب العربي المناهج والدروس والمدارس التي سار عليها الكثيرون بعده.

كان والده حسين علي موظفاً في شركة السكر وانجب ثلاثة عشر ولداً كان سابعهم في الترتيب “طه” الذي اصابه رمد فعالجه الحلاق علاجاً ذهب بعينيه كما يقول هو عن نفسه في كتاب “الايام” فكان طه حسين قد فقد بصره بسبب “الجهل والتخلف” فكانت كلمات صديق والده بعد ذلك بأن طه لا يصلح إلاّ ان يكون مقرئا للقرآن عند المقابر ويتصدق عليه الناس جعلته يصاب بصدمة عنيفة ويشعر بألم دفين داخله ربما هذا ما رسب ما يمكن تسميته الاكتئاب فكان طفلاً انطوائياً لا يتكلم مع أحد ولا يشاطر أحداً اللعب.

كان دائماً جاداً لحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنوات واصر على ان يحضر الدروس التي تلقى في القرية حتى برز بين أقرانه من المبصرين بحفظه وادراكه لما يلقى عليهم من دروس.

الالتحاق بجامعة الأزهر

بدأت رحلته الكبرى عندما غادر القاهرة متوجها الى الازهر طلباً للعلم وهو في قرابة الرابعة عشر من عمره وفي عام 1908 بدأت ملامح شخصية طه حسين المتمردة في الظهور حيث بدأ يتبرم بمحاضرات معظم شيوخ الازهر الاتباعيين فاقتصر على حضور بعضها فقط مثل درس الشيخ بخيت ودروس الادب ولذلك لم يقتصر اهتمامه على تعليم الأزهر وحسب فقد اتجه للأدب فحفظ مقالات الحريري وطائفة من خطب الإمام ومقامات بديع الزمان الهمزاني واتفق هو والشيخ المرصفي في بغضهما لشيوخ الأزهر وحبّهما الراسخ لحرية خالصة وأخذ عن المرصفي حبه للنقد وحريته.

ahmad-lutfi-al-sayyid

كون هو وصاحبيه أحمد حسن الزيات ومحمود الزناتي جماعة ذاع نقدها للأزهر وفضّلوا الكتب القديمة على الكتب الأزهرية ويقرأون دواوين الشعر وتتلمذ حينها على يد الإمام محمد عبده الذي علمه التمرد على طرائق الاتباعيين من مشايخ الأزهر إلى أن انتهى به الحال إلى وداع الأزهر ليبدأ مرحلة أخرى من حياته فقد تم طرده من الأزهر بسبب كثرة انتقاداته ولم يعد إليها إلاّ بواسطة من أحد كبار الشيوخ !

دخوله الجامعة المصرية

في العام ذاته فتحت الجامعة المصرية أبوابها فترك الأزهر والتحق بها وسمع دروس احمد زكي في الحضارة الاسلامية واحمد كمال في الحضارة المصرية القديمة ودروس الجغرافيا والتاريخ واللغات السامية والفلك والادب والفلسفة على يدأساتذة مصريين وأجانب فكان دخوله للجامعة المصرية بداية مرحلة جديدة في تلقي العلوم وتثقيف النفس وتوضيح الرؤية وتحديد الهدف !

20122014111054

انتهى طه حسين فى هذه الفترة من اعداد رسالته للحصول على درجة الدكتوراه “وكانت عن أبي العلاء” ونوقشت الرسالة فى الخامس عشر من شهر مايو 1914 ليحصل بها على أول درجة دكتوراه تمنحها الجامعة المصرية لأحد طلابها والتى احدثت عند طبعها فى كتاب ضجة هائلة ومواقف متعارضة وصلت إلى حد مطالبة أحد النواب فى البرلمان بحرمان طه حسين من درجته الجامعية لأنه ألف كتابا فيه الكثير من علامات التنوير فقالوا أن ما فيه كان “الإلحاد والكفر” علما بأنه كان أول كتاب قدم الى الجامعة المصرية واول رسالة دكتوراه منحتها الجامعة المصرية لأحد طلابها .

images

لم يكتف طه حسين حينذاك بتدخل سعد زغلول رئيس الجمعية التشريعية بالبرلمان آنذاك لاقناع هذا النائب بالعدول عن مطالبه بل رد على خصومه وقتها بقوة وبشجاعة في أن كل ما كتبوه عنــه لم يجد فيه شيئا يستحق الرد عليه كما وصفهم حينها بانهم يلجأون إلى طرق معوجة فى الفهم ومناهج قديمــة فى التفكير !!

pic_141449590513934669571719746793sze400

دفعه طموحه واجتهاده لاتمام دراساته العليا في باريس وبالرغم من اعتراضات مجلس البعثات الكثيرة الا انه اعاد تقديم طلبه ثلاث مرات ونجح في نهاية المطاف في الحصول على الموافقة ليرحل نحو تحقيق حلم جديد هو الحصول على الدكتوراه من فرنسا “بلاد الخواجات”

رحلته لبلاد الجن والملائكة

اذا كانت الرحلة الاولى ذات الاثر العميق في حياة طه حسين وفكره وهي انتقاله من قريته المنسية في صعيد مصر الى القاهرة … فإن الرحلة الاخرى الاكثر تأثيراً وكانت الى فرنسا في عام 1914 حيث التحق هناك بجامعة “مونبلييه” لكي يبعد عن باريس أحد ميادين الحرب العالمية الاولى في ذلك الوقت … وهناك في مونبلييه درس اللغة الفرنسية وعلم النفس والادب والتاريخ ولأسباب مالية أعادت الجامعة المصرية مبعوثيها في العام التالي 1915 ولكن في نهاية العام عاد طه حسين الى بعثته ولكن الى باريس هذه المرة حيث التحق بكلية الاداب بجامعة باريس وتلقى دروسه في التاريخ ثم في الاجتماع.

taha 2014-635526273977371288-737_main

أعد رسالة اخرى على يد عالم الاجتماع الشهير “اميل دوركايم” وكانت عن موضوع “الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون” حيث اكملها مع “بوجليه” بعد وفاة دوركايم وناقشها وحصل بها على درجة الدكتوراه في عام 1919م ثم حصل في العام ذاته على دبلوم الدراسات العليا في اللغة اللاتينية .

شريكة حياته

تعرف الدكتور طه حسين على السيدة سوزان عندما كانت تقرأ مقطعا من شعر رايسين فأحب نغمات صوتها وعشق طريقة إلقائها وتعلق قلبه بهذا الطائر الأجنبي الذى حط فى في أعشاش قلبه الحزينة متذكرا قول بشار بن برد والاذن تعشق قبل العين أحيانا ..

gggggggggggggggggggggggg

وقد قال لها : مع هذا الرجل يمكن ان تثقى بانه سيظل معك إلى الأبد وسوف تسعدى ابدا ” فتزوجته فى التاسع من اغسطس1917 وفعلاً ربما تعيش المراة مع رجل أعمى أحبها بقلبه قبل أن يراها بعينيه أجمل واسعد أيامها بدلاً من أن تتزوج رجل لديه عينين يرى بهما كل نساء الدنيا فيهفو قلبه لتلك وتتعلق روحه بأخرى .. فكيف وهي تتزوج من دكتور وأديب ورجل لديه الإصرار على قهر الإعاقة التي ولدت لتكون سبباً في دخوله التاريخ الأدبي من أوسع أبوابه !

ولان السيدة سوزان كان لها الأثر العظيم فى حياته بعد ذلك فقد قال الدكتور طه حسين عن يوم لقائه بها “ كأنه تلك الشمس التى اقبلت فى ذلك اليوم من ايام الربيع فجلت عن المدينة ما كان قد اطبق عليها من ذلك السحاب الذى كان بعضه يركب بعضا والذى كان يعصف ويقصف حتى ملأ المدينة أو كاد يملؤها اشفاقا وروعا واذ المدينة تصبح كلها اشراقا ونوراً “ .

ooooooooooooooooooooo

هذا الشاب الذي جاء من قريته فقيراً كان يتناثر الأكل على ملابسه عندما يأكل وكان هندامه يعرف كيف يعتني به فجاءت سوزان التي غيرت حياته كاملة وأصبح ممتناً لها حتى عندما كانت نائمة أشار إليها وقال لابنته : إن هذه المرأة جعلت من أبيك إنسانا آخر!

وذكرت سوزان في كتابها بأن طه حسين كان يعاني من نوبات كآبة فعندما تأتي هذه النوبات ينعزل ولا يقابل أحداً ولا يتكلم ولا يأكل وكانت زوجته تعرف بحكم معرفتها من بلدها بأن هذا يسمى اكتئاباً لكنها خشيت من طه ان يعالج من هذا الاكتئاب حتى لا تجرحه، حيث كان شديد الحساسية بسبب اعاقته البصرية فيلم ترد ان تزيد الأمر عليه.

2014-01-04_00261

أزمات في انتظار عودته لمصر

في عام 1919 عاد طه حسين الى مصر فعين استاذاً للتاريخ اليوناني والروماني واستمر كذلك حتى عام 1925 حيث تحولت الجامعة المصرية في ذلك العام الى جامعة حكومية وعين طه حسين استاذا لتاريخ الأدب العربى بكلية الآداب .

371568

رغم تمرده على الكثير من آراء أساتذته الا ان معركة طه حسين الاولى والكبرى من اجل التنوير واحترام العقل تفجرت في عام 1926 عندما اصدر كتابه ” في الشعر الجاهلي” الذي احدث ضجة هائلة بدأت سياسية قبل ان تكون ادبية كما رفعت دعوى قضائية ضد طه حسين فأمرت النيابة بسحب الكتاب من منافذ البيع واوقفت توزيعه… ونشبت معارك حامية على صفحات الصحف بين مؤيدين ومعارضين لهذا الكتاب.

ولأن حياته الوظيفية كانت دائماً جزءاً من الحياة السياسية في مصر صعوداً وهبوطاً فقد كان تسلم حزب الوفد للحكم في 1942 ايذاناً بتغير آخر في حياته الوظيفية حيث انتدبه نجيب الهلالي آنذاك مستشاراً فنياً له ثم مديراً لجامعة الاسكندرية حتى احيل على التقاعد في 1944 واستمر كذلك حتى 1950 عندما عين لاول مرة وزيراً للمعارف في الحكومة الوفدية التي استمرت حتى 1952 وهو يوم احراق القاهرة حيث تم حل الحكومة.

عبد الناصر يكرم طه حسين

منح الزعيم جمال عبد الناصر طه حسين “قلادة النيل” عام 1965 في احتفالية كبرى وهي أرفع وسام مصري تمنحه الدولة و”جائزة الدولة التقديرية” في الآداب سنة 1958.

انصرف طه حسين حتى وفاته الى الانتاج الفكري والنشاط في العديد من المجامع العلمية التي كان عضواً بها داخل مصر وخارجها وظل طه حسين على جذريته بعد أن انصرف إلى الإنتاج الفكري وظل يكتب في عهد الثورة المصرية إلى أن توفي عبد الناصر وقامت حرب أكتوبر التي توفي بعد قيامها عام 1973