اخبار مصر - اميرة ماهر

يبدو ان خريطة العالم ليست راضية عن ملامحها .. بعض الخطوط تريد التغيير لترسم حدودا جديدة فتضيف تفاصيلا أخرى أملا في واقع مختلف ..

خلال الفترة الأخيرة تصاعدت اتجاهات انفصالية في مناطق مختلفة من العالم بدوافع سياسية، أو عرقية، أو دينية، ولعل المشهد الابرز تجري احداثه في كردستان العراق واقليم كتالونيا في اسبانيا..

وتؤكد الدراسات والتحاليل الخاصة بقراءة ظاهرة تصاعد النزعات الانفصالية اليوم على أن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بصدد رسم حدود العالم من جديد، وذلك وفق خطّتين رئيسيتين: الخطة الأولى عبر تغذية الصراعات الطائفية وزرع بذرة الإرهاب في بعض الدول الاستراتيجية، على غرار ما يجري في الشرق الأوسط ، والخطة الثانية تقوم على دعم الحركات الانفصالية واللعب على وتر مبدأ “حق تقرير المصير” على أساس أنه حق ينادي به الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

الإنفصالية

هي حركات سياسية وشعبية للمطالبة بالانفصال والاستقلال عن دولة أو كيان ما من أجل تكوين كيان أو دولة قومية أو دينية أو عرقية وظهرت تلك الحركات نتيجة الإحساس بالتهميش والإهمال من طرف الجزء أو القومية التي تسيطر عن تلك الدولة ولقد اشتدت حدتها في القرن العشرين.

وبحسب القانون الدولي العام لا يمكن أن يتم الانفصال إلا إذا كانت الدولة التي يٌرغب في الانفصال عنها تخرق بشكل كبير حقوق الإنسان أو أن الطرف الراغب في الانفصال مهدد في كيانه.

وعلى عكس حركات التحرر التي تستهدف التحرير من الاستعمار والحصول على استقلالها وممارسة حقها في تقرير مصيرها والاعتراف بشرعية كفاحها تستهدف الحركات الانفصالية وحدة الدولة وسيادتها الإقليمية.

يقوم هذا التوجه الانفصالي على دوافع دينية كما حدث في اليونان الأرثوذكسية عن الدولة العثمانية المسلمة وفي أيرلندا، حيث انفصل الكاثوليك عن البروتستانت وفي باكستان والهند، حيث انفصل المسلمون عن الهندوس.

أو عرقية مثل انفصال بنغلاديش عن باكستان وانفصال ألبانيا عن العثمانيين وجنوب السودان عن السودان وإريتريا عن أثيوبيا، وانقسام دول البينيلوكس وتفككها وأيضا تفكك دول الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا.

أو سياسية مثل تفكك الكونغو واستقلال تايوان عن الصين وتفكك شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين، شيوعية وأخرى رأسمالية، وانفصال النمسا عن ألمانيا وموناكو عن فرنسا وسان مورينو والفاتيكان عن إيطاليا.

اشتدت حدّة النزعة الانفصالية نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين ووصلت ذروتها بعد انفصال كوسوفو عن صربيا سنة 2008 ثم انفصال جنوب السودان عن شماله في 2011؛ واليوم تتغذى هذه الحركات من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تمرّ بها بلادها والعالم.

وقد جلبت هذه الحركات الاستقلال والرخاء للكثير من الشعوب والكيانات وأيضا التطور العلمي والثقافي والنضج السياسي واستقلال الثروات وازدهار الاقتصاد كما جلبت الحرب والدمار والعصبية والحقد للكثير من الشعوب مثل الكروات والألبان والصرب وكذا الارلنديين والإنجليز والباسك و الإسبان.

مبدأ تقرير المصير

تقرير المصير (self-determination) مصطلح في القانون الدولي يعني منح الشعب أو السكان المحليين إمكانية أن يقرروا شكل السلطة التي يريدونها وطريقة تحقيقها بشكل حر.

ويُنسب هذا المصطلح إلى الرئيس الأميركي وودرو ويلسون. كان مبدأ حق تقرير المصير في جوهر اتفاقية فرساي التي وُقعت بعد الحرب العالمية الأولى، وتم بمقتضاه إقامة دول قومية جديدة في أوروبا بعد تفكك الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية والإمبراطورية الألمانية.

وفيما بعد كان هذا المبدأ أساس المطالب المناهضة للاستعمار، بمعنى الدعوة إلى إلغاء السيطرة الأوروبية الاستعمارية على أفريقيا وآسيا.

وأكد الباحث السياسي جوبيتر ندياي أن مبدأ تقرير المصير “منفذ” تستعمله القوى الكبرى لتقسيم الدول وتفتيتها وفق مصالح خاصة.

لكن في مقابل هذا المبدأ يوجد مبدأ آخر أكثر عقلانية وأمنا على الدولة المعنية وعلى العالم بأسره، وهو مبدأ “الحكم الذاتي”.

مبدأ الحكم الذاتي

الحكم الذاتي نظام سياسي وإداري واقتصادي يحصل فيه إقليم أو أقاليم من دولة على صلاحيات واسعة لتدبير شؤونها بما في ذلك انتخاب الحاكم والتمثيل في مجلس منتخب يضمن مصالح الأقاليم على قدم المساواة.

ونماذج الحكم الذاتي في العالم كثيرة ومتعددة. وحجم الصلاحيات التي تتمتع بها الولايات والأقاليم موضوع الحكم الذاتي يختلف من حالة إلى أخرى، ويخضع إلى التطور.

أحدث مثال لهذا النوع من الحلّ لمواجهة الخطط الانفصالية الهدّامة، أشادت دول كثيرة في العالم وجهات تعمل تحت مظلّة الأمم المتحدة بالمبادرة التي طرحها المغرب لإنهاء نزاع الصحراء المغربية والتي تمنح منطقة الصحراء حكما ذاتيا موسعا مع الاحتفاظ برموز السيادة المغربية.

كردستان وكتالونيا

قد يبدو للوهلة الأولى أن استفتاء كردستان يتشابه مع استفتاء كتالونيا ولكن في الحقيقة فإن التشابهات لا تعدو عن كونها محاولة إقليمين لتأسيس دولة مستقلة وفي المضمون فإن الاختلافات أكثر بكثير.

وعلى الرغم من كون الإقليمين يشتركان في وجود أقلية إثنية تحاول الاستقلال إلا أن الكتالونيين في الحقيقية غير موزعين في عدة دول، بل هم أغلبية سكان كتالونيا وليس لهم وطن آخر.

أما الأكراد والذين يبلغ عددهم 30 مليونًا فهم موزعون على سوريا والعراق وتركيا وإيران، وهو ما يعني صعوبة إنشاء دولة موحدة لهم، وإن كان أكراد العراق حالهم أفضل بكثير من الأكراد في باقي الدول.

وفيما يخص تأسيس الدولة .. فرغم المعارضة الإسبانية للاستفتاء الكتالوني إلا أن برلمان برشلونة كان يناقش ويعد من فترة طويلة قوانين تخص الانفصال عن مدريد، ووضع آلية للانفصال وترتيبه اقتصاديا وسياسيا.

ولكن البرلمان الكردي لم يضع أي قوانين تخص الانفصال عن العراق أو شكل الدولة الكردية إذا تم إعلانها، بل إن حكومة أربيل دعت الحكومة العراقية للتفاوض بلا شرط بعد الاستفتاء وهو ما ترفضه بغداد تماما لعدم الاعتراف بشرعية الاستفتاء.

جغرافيا .. حتى الآن لا توجد مناطق متنازع عليها بين مدريد وبرشلونة، وكل ما هناك هو قيام الدولة الكتالونية نفسها.

ولكن في العراق هناك مناطق متنازع عليها مثل كركوك وغيرها من المناطق التي يسكنها خليط من السكان العرب والأكراد وحتى التركمان.

في شمال العراق، انتهى الاستفتاء الذي نظمته حكومة إقليم كردستان إلى موافقة 92 % من المصوتين الذين بلغ عددهم 4.5 مليون مشارك (بنسبة مشاركة في الاستفتاء تصل إلى 72 %) على الانفصال وتأسيس جمهورية مستقلة.

وفي شمال إسبانيا، انتهى الاستفتاء الذي نظمته حكومة إقليم كتالونيا وشارك به ما يقرب من 42.5 % من الناخبات والناخبين المسجلين في الإقليم (شارك 2.2 مليون من إجمالي 5.3 مليون ناخب مسجل) إلى موافقة 90 في المائة على الانفصال وتأسيس جمهورية مستقلة.

بحسب شبكة CNN فإن نتيجة استفتاء كردستان غير ملزمة قانونًا أي أنه حتى مع النتيجة التي تؤيد الانفصال عن العراق فإن هذا لا يعني الانفصال فورًا بل هو مجرد تعبير شعبي عن الرغبة في الانفصال.

أما استفتاء كتالونيا فهو أصدره البرلمان الكتالوني ويلزم بالانفصال عن إسبانيا في خلال 48 ساعة من إعلان نتيجة الاستفتاء إذا جاءت لصالح الانفصال.

قوبل الاستفتاء في الدولتين بالرفض من قبل الحكومات التي لجأت الى تقويضه ونزع الشرعية عنها.. فأعلن البرلمان العراقي عدم اعترافه باستفتاء كردستان عملية ونتائج، وشدد رئيس الوزراء العراقي على طبيعته غير الملزمة.

وأعلنت الحكومة الإسبانية أن إجراء استفتاء الانفصال في كتالونيا يمثل عملا مخالفا للدستور والقانون، وذلك بعد أن أصدرت المحكمة الدستورية حكما يقضي بعدم شرعية الاستفتاء.

وبينما هددت حكومة بغداد بفرض عقوبات على كردستان ووضعت بعضها محل التنفيذ كمنع رحلات الطيران من وإلى الإقليم، استخدمت حكومة مدريد القوة المفرطة لأجهزتها الأمنية لتعويق إجراء الاستفتاء والحيلولة دون مشاركة أغلبية المسجلين من ناخبات وناخبين.

في العراق كما في إسبانيا، تعارض القوى الإقليمية والدولية المساعي الانفصالية.. فالمنتمون للقومية الكردية يتوزعون في الشرق الأوسط على العراق وتركيا وسوريا وإيران، وحكومات الدول الأربع ترفض تأسيس دولة كردية مستقلة في شمال العراق.

عربيا .. تعارض الدول ذات الثقل مثل السعودية والإمارات ومصر استقلال كردستان..

ودوليا، تعارض الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الحليف الخارجي الأهم لأكراد العراق، الانفصال ويتبعها في ذلك الاتحاد الأوروبي ويلتقي موقف الغرب مع موقف القوتين الدوليتين الأخريين الصين وروسيا.

أما التأييد الإسرائيلي لاستقلال كردستان وحق الشعب الكردي في تقرير المصير فهو تعبيرعن رغبة قوية في تفتيت الدول العربية لكي يستقر وضعها .

أما فيما يخص كتالونيا، فيصطف الاتحاد الأوروبي مع حكومة مدريد ويعتبر إجراء استفتاء الانفصال عملا يخرج عن إطار الشرعية.

نعم أدانت المفوضية الأوروبية في بروكسل عنف الأجهزة الأمنية الإسبانية ودعت حكومة مدريد للحوار مع حكومة إقليم كتالونيا، إلا أنها أصرت على عدم اعتدادها بالاستفتاء المخالف للدستور والقانون.

ويتوافق الموقف الأمريكي مع موقف الاتحاد الأوروبي، بينما لم تعلن الصين وروسيا موقفا بشأن كتالونيا.

على من سيأتي الدور

لا يستبعد أن تؤدي مطالب الاستفتاء في كردستان وكاتالونيا إلى فتح شهية أقليات أخرى للمطالبة بالاستقلال أوالانفصال .. فإلى جانب كردستان العراق هناك مناطق أخرى في دول عربية مختلفة تطالب بالاستقلال أو الانفصال، مثل الصحراء الغربية المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو وجنوب اليمن الذي يرغب في تأسيس دولة منفصلة عن الشمال وليبيا أيضا التي يتهددها التقسيم منذ مدة ليست بالبسيطة، وكان إقليم دارفور الذي يعيش حربا أهلية، قد شهد تنظيم استفتاء السنة الماضية بإشراف أممي، وأدى إلى فوز البقاء مع شمال السودان، وفي المناطق الناطقة بالإنجليزية في الكاميرون يريدون إقامة دولة منفصلة تحت اسم “أمبازونيا”..

وفي أوروبا مضي نصف قرن عما أفرزته الحرب العالمية الثانية، وبعد النزعة القومية والحقبة الاستعمارية للشعوب، تغير وجه العالم، ولكن حركات مختلفة الأشكال وذات نزعات قومية وعرقية موؤودة، أضحت تتحدى الفكرة الحديثة لوحدة الدولة الوطنية، وهي تنشط بدرجات متفاوتة، وجميعها تعمل في اتجاهات مختلفة.

ففي إقليم كاتالونيا الاسباني منعت حكومة مدريد استفتاء استقلال الإقليم يوم الأحد، وتدخلت الشرطة لتحول دون تنيظمه، وأصابت المئات من انصار الاستقلال بجروح.

إقليم الباسك
ويتطلع العديد من الكاتالونيين أيضا إلى منطقة الباسك في إسبانيا، إذ أن الحكومة المركزية في مدريد تجمع ضرائب من مختلف المناطق الإسبانية وتقوم بتوزيعها على المناطق الإسبانية الأخرى، باستثناء إقليم الباسك. ويتمتع إقليم الباسك بمجلس نيابي خاص به وتتكفل مؤسساته المحلية بتحصيل الضرائب الأساسية، ويحظى بدرجة عالية من الاستقلالية الذاتيةِ تسمحُ له بالحكم والإدارة المباشرين في مجالاتٍ مثل: المالية وتحصيل الضرائب والصناعة وتنشيط الاقتصاد والبحوث والمستحدثات والنقل والإسكان والبيئة والتعليم والصحة والأمن العام.

تدير دولة الباسك الأسبانية الإيرادات الضريبية من تلقاء نفسها وتدفع مبلغا صغيرا فقط إلى مدريد لكن إقليم الباسك الإسباني أضعف اقتصاديا من كاتالونيا.

وعلى الرغم من أن القومية الباسكية ولغة الباسك قد قمعت أيضا تحت حكم ديكتاتورية فرانكو، إلا أن أقلية صغيرة من القوميين الباسكيين تنشط في أنحاء الإقليم.

وقد قتلت منظمة ايتا الباسكية اكثر من 800 شخص على مدار 50 عاما لبلوغ هدف انفصالها عن مدريد. وفي عام 2011، تعهدت منظمة إيتا بالتخلي عن العنف.

إسكتلندا
رغم ان عمر الاتحاد بين اسكتلندا وبقية المملكة المتحدة يبلغ حوالي 300 عاما، إلا أن الاسكتلنديين ظلوا يسعون جاهدين من أجل المزيد من الحكم الذاتي منذ فترة طويلة. ويطالب الحزب الوطني الاسكتلندي بالحكم الذاتي الكامل حيث أن لديهم بالفعل برلمان خاص بهم.

وفي عام 2014، وافقت لندن على تنظيم استفتاء مستقل من أجل تحديد مصير الاتحاد، حيث صوتت غالبية الاسكتلنديين ضد الانفصال.

إلا أن نتائج البريكست البريطاني عام 2016، وما تبعه من مطالبة بريطانيا بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، أثار النزاع مجددا بين إسكتلندا الراغبة بالبقاء في الاتحاد الأوروبي وبين بقية المناطق البريطانية الراغبة بالانفصال.

وهناك توجه في الإقليم لإجراء استفتاء ثان لتحديد مصير الروابط المستقبلية.

في الانتخابات البرلمانية البلجيكية الأخيرة لعام 2014، أصبح التحالف الفلمنكي الجديد برئاسة بارت دي فيفر Bart De Wever في المناطق الفلمنكية “مقاطعة فلانديرز”.

وقد وجدت بلجيكا نفسها منذ استقلالها عن هولندا سنة 1830 مقسمة اجتماعيا وسياسيا، بين القومية الفلامنكية (القريبة إلى الهولندية) واللاتينية، التي تتحدث باللغة الفرنسية.

ويعتقد السياسي البلجيكي بارت دي فيفر أن بلجيكا بشكلها الحالي مآلها إلى الزوال، وهو يريد الانفصال، وتكوين مقاطعة مستقلة.

وإذا تم الانفصال فإن بلجيكا ستفقد أكثر من نصف سكانها، وستكون القضية الرئيسية ماهية وضع العاصمة بروكسل، والتي هي مقر الاتحاد الأوروبي، ومقر الناتو.

بادانيا
هي حركة انفصالية بشمال إيطاليا تأسست عام 1989 وسميت برابطة الشمال لاستقلال بادانيا ، وهي حركة اقتصادية بحتة.

وتنادي تلك الحركة باستقلال الشمال الإيطالي وبخاصة كل من مناطق ( لومباردي، أوستا، بيدمونت، ليغوريا، فينيتو وإميليا رومانيا) والتي تحتوي على تجمع رأس المال، والأذرع الاقتصادية مثل البنوك والمؤسسات. و

يعتقد الشماليون أن وسط وجنوب البلاد يبددون المال الذي يكتسبونه بشق الأنفس. وفي فترة التسعينات أراد حزب ليجا نورد الانفصال الكامل.

وقد اصبح التوتر السياسي اكثر ميلا إلى الهدوء حاليا، إلا أن القلق ما زال يراود بقية المناطق الإيطالية لتركز رأس المال في الشمال، بدلا من تركزه في العاصمة روما.

جنوب تيرول
في جنوب تيرول بإيطاليا تلعب العوامل الاقتصادية والسياسية والتاريخية والثقافية جميعها، من أجل الانفصال عن إيطاليا. وقبل الحرب العالمية الأولى، كانت تنتمي هذه المنطقة إلى النمسا والمجر، لكنها أصبحت جزءا من إيطاليا، في نهاية الصراع على الهيمنة على هذه المنطقة الهامة ، ويتحدث 70% من الذين يعيشون في جنوب تيرول اللغة الألمانية .

ويطالب سكان هذا الإقليم بالاستقلال عن إيطاليا منذ استعمارها، إلا أن الحزب المحلي فشل في التحول إلى حركة سياسية قوية يمكنها أن تأخذ خطوة مثل إجراء استفتاء.

واكتسبت المنطقة المزيد من الأهمية وذلك بسبب العائدات الاقتصادية الجيدة، خاصة بعد تراكم الديون على إيطاليا، والتي تعتبر الدولة صاحبة الأكثر مديونية أوروبيا بعد اليونان، مما ادى الى اثارة مخاوف سكان تيرول من تأثرهم اقتصاديا بتلك الديون.

كورسيكا
تتمتع هذه الجزيرة المتوسطية بوضع خاص حيث تعتبر هي الوحيدة فى فرنسا من خارج أقاليم ما وراء البحار التي تحظى بمزيد من السلطات بعيدا عن السلطات الفرنسية.

وقد حاولت فرنسا التخلص من اللغة الكورسيكية في المدارس والحياة العامة في الجزيرة، إلا أنها فشلت. وبعد عقود من الصراع أعلنت المنظمة المسلحة السرية “جبهة التحرير الوطنى فى كورسيكا”، في يونيو 2014 التخلي عن السلاح من أجل تعزيز العملية السياسية.

لكن احتمالات الصراع ما زالت قائمة. وتخشى السلطات الفرنسية من مطالبة أقاليم فرنسية أخرى مثل بريتانى او الالزاس بالانفصال، وهو ما تعتبره خطرا على وحدة البلاد.

بافاريا
قليل من البافاريين يرغبون حقا في اقامة دولة خاصة بهم، وتحمل الولاية اسم Freistaat أي ” ولاية بافاريا الحرة” في الوثائق الرسمية. وتعتبر منطقة بافاريا الإقليم الألماني الوحيد الذي لديه حزب يمثله في البرلمان، حيث يتحالف الحزب “الاتحاد المسيحي الاجتماعي” مع حزب “الاتحاد المسيحي الديمقراطي” الذي تقوده المستشارة أنجيلا ميركل.

وإذا أرادت الولاية الانفصال عن ألمانيا فإنها تستطيع الاعتماد على نفسها، إذ أنها تملك اقتصادا قويا. كما أنها الولاية الأكبر مساحة ضمن الولايات الألمانية، وبعدد سكان يفوق 13 مليونا، أي أكثر من عدد سكان دول مثل السويد أو البرتغال.

وقد ظهرت بعض البوادر الانفصالية السياسية مثل ما نادى به السياسي من “الحزب المسيحي الاجتماعي” فيلفريد شارناغيل والذي أصدر كتابا عام 2012 بعنوان “بافاريا تستطيع العيش وحدها”، إلا أنه لغاية اليوم لم تظهر حركات سياسية كبيرة تتبنى هذا النهج.

وفي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ظهرت في الخارطة الأوروبية دولتان جديدتان معلنتان من طرف واحد، هما جمهوريتا دونيتسك ولوغانسك الشعبيتان في جنوب شرق أوكرانيا، واللتان رفض سكانهما انقلابا في كييف بداية عام 2014 وتخوضان صراعا ضد الجيش الأوكراني من أجل استقلالهما.

أمبازونيا

بالانتقال الى قارة افريقيا ..نجد ان المطالب بالاستقلال ترجع في الأساس إلي أن القارة الإفريقية تقطنها جماعات وعرقيات مختلفة في معظم الأحيان تتعقد مصالحها فتلجأ إلي المطالبة بالاستقلال عن نظام حكم معين‏.‏

احدث تلك المطالبات تجري الآن في المناطق الناطقة بالإنجليزية في الكاميرون حيث يريدون إقامة دولة منفصلة تحت اسم “أمبازونيا” .

ويعود انقسام الكاميرون إلى نهاية الحرب العالمية الأولى عندما قسمت عصبة الأمم الكاميرون، المستعمرة الألمانية السابقة، بين فرنسا وبريطانيا المنتصرتين في الحرب ، وكانت المنطقة الناطقة بالإنجليزية قد انضمت للكاميرون الفرنسي بعد استفتاء عام 1961.

ومنذ فبراير عام 2008 تصاعدت الأصوات في المناطق الناطقة بالإنجليزية مطالبة بالاستقلال تحت اسم أمبازونيا، وذلك في ظل ما وصفوه بالحرمان الاقتصادي والتهميش.

بيافرا 

حاول سكان إقليم بيافرا الإنفصال عن نيجيريا وتكوين دولة مستقلة خاصة بعرقية الإيبو في 30 مايو 1967 وحتى 15 يناير 1970.

وقد حصلت الجمهورية الانفصالية على اعتراف عدد قليل من الدول و هم هايتي و الجابون و كوت ديفوار و تنزانيا و زامبيا .

وقد دعمت إسرائيل الإنفصاليين بإمدادهم بالأسلحة السوفييتية الصنع التي استولت عليها من العرب وكذلك دعمت البرتغال الإنفصاليين نكاية في نيجيريا الداعمة لإستقلال المستعمرات البرتغالية في أفريقيا.

وكانت جزيرتي ساتومي و برنسيب البرتغالية قاعدة للامدات الانسانية للدولة وكانت معظم مكاتب التمثيل الخارجي لجمهورية بيافرا توجد في لشبونة وكذلك تم طبع العملة المحلية لبيافرا في لشبونة.

نجاحات واخفاقات

إندونيسيا‏..‏

اذا نظرنا لى قارة آسيا .. نجد الحركات الانفصالية في إندونيسيا مثالا صارخا حيث شملت الحركات الانفصالية والنزاعات العرقية والدينية مناطق تمتد من أقصي الشرق حيث جزر الملوك الي أقصي الغرب حيث منطقة أتشيه‏,‏ ولم يقف الأمر عند حد سقوط الآلاف من القتلي والجرحي‏,‏ بل بلغ حد نجاح احدي هذه الحركات في تحقيق الاستقلال كما هي الحال بالنسبة لاقليم تيمور الشرقية رغم ان تعداد سكانه لا يصل الي المليون نسمة‏,‏ فبعد سقوط سوهارتو عام‏ 1998‏ بادرت المقاومة التيمورية إلي تصعيد مطلبها بالانفصال‏,‏ وبالفعل أذعنت جاكرتا للضغوط الدولية المكثفة إلي أن أعلن الاستقلال الرسمي في مايو‏2002.‏

اما‏’‏ أتشيه‏’‏ فهي احدي ابرز مناطق الاضطراب الانفصالي النزعة في البلاد وهذا الاقليم‏,‏ الواقع في شمال جزيرة سومطرة‏,‏ كان قد تمتع تاريخيا بما يسمي‏’‏ بالمنطقة الخاصة‏’‏ وهو وضع منحته إياه السلطة المركزية في جاكرتا نظرا لموقفه في التصدي للاستعمار الهولندي‏,‏ ويعني هذا المصطلح الحصول علي الحكم الذاتي فيما يتعلق بالدين والتعليم والعادات الاجتماعية‏,‏ حيث ينتمي اهله الي المسلمين‏’‏ السانتري‏’‏ الذين يتم تمييزهم عن المسلمين‏’‏ البانجان‏’‏ الذين يشكلون اغلبية مسلمي اندونيسيا‏ بيد ان وضع‏‏ المنطقة الخاصة‏‏ لم يمارس علي ارض الواقع‏,‏ كما ان الحياة المعيشية في هذا الاقليم المتميز بثرواته الوافرة ظلت صعبة علي معظم ابنائه‏,‏ حيث مازالوا يعيشون تحت خط الفقر‏,‏ وكان هذا السبب الأهم في تفشي النزعة الانفصالية بينهم‏.

ومن القضايا أيضا التي لها تاريخ طويل مشكلة الصحراء الغربية وقد ظهرت تلك القضية علي السطح منذ انسحاب إسبانيا من هذه الصحراء في‏28‏ فبراير عام‏1976‏ بعد احتلال دام ثلاثة أرباع قرن‏,‏ حيث تم التوقيع علي اتفاقية في مدريد عاصمة إسبانيا في‏14 ‏نوفمبر عام ‏1975‏ بين كل من إسبانيا والمغرب وموريتانيا تنازلت بموجبها إسبانيا عن الصحراء للدولتين‏.‏

ولكن الجبهة الشعبية لتحرير البوليساريو أعلنت رفضها لهذه الاتفاقية وطعنت فيها‏، وبذلك خرجت إسبانيا من النزاع علي الكيان الصحراوي لتبقي الصراعات بين المغرب وموريتانيا وجبهة البوليساريو‏.‏

وقد أعلنت المغرب موقفها من هذه الصحراء حيث تعتبرها امتدادا بشريا وجغرافيا طبيعيا لحدودها ولا تقبل المساومة بشأنها‏.‏

واندلع أكثر من مرة نزاع مسلح بسبب تلك المشكلة التي فشلت منظمة الوحدة الافريقية‏,‏ ومن بعدها الاتحاد الافريقي في ايجاد حل لها‏‏ وتدخلت الأمم المتحدة فى القضية علي أمل تسويتها منذ عام‏1991‏ دون حل جذري‏.‏

جنوب السودان من أكبر الأمثلة التي كانت سببا في الحرب في هذه المنطقة التي تعد من أطول الحروب الأهلية في إفريقيا والعالم في العصر الحديث‏.‏

لقد استمرت تلك الحرب نحو نصف قرن من الزمان وخلفت نحو مليوني قتيل وأضعاف هذا العدد من اللاجئين والمشردين والنازحين‏.‏

ولاشك أن الاستعمار الغربي كان له أبعد الأثر في تفاقم المشكلة‏,‏ حيث عمل علي زيادة الانقسام بين شمال السودان وجنوبه‏.‏

والتفاهم لم يأت إلا منذ سنوات قليلة باتفاقية “ماتشاكوس” الشهيرة التي تنص علي حق شعب جنوب السودان في ممارسة حق تقرير المصير بوسيلة ديمقراطية هي الاستفتاء خلال ست سنوات انتقالية‏.‏

كما اتفق الطرفان في ماتشاكوس علي أن تكون أولويتهما هي تحقيق الوحدة‏.‏ وحصل اتفاق علي تقاسم السلطة والحكم‏.‏ وما حدث يعد بطبيعة الأحوال خطوة مهمة علي طريق تحقيق الاستقرار في السودان‏.‏

حقوق الأقليات تحارب شبح الانفصال

يرى باحثون انه إذا لم يتم منح الأقليات الموجودة في بلدان كثيرة حول العالم حقوقها الكاملة فليس من المستبعد أن تلجأ هي أيضا إلى التلويح بشعار الانفصال”.

لذا فإن احتواء واحترام الدول وضمانها حقوق ومصالح كل مواطنيها بغضّ النظر عن انتماءاتهم المختلفة، سيكون من شأنه معالجة الاسباب التي قد تدفع اقلية معينة من اللجوء لخيار الانفصال.

وينبغي في حالة حدوث “انفصال” اقليم ما في دولة ما الا يتحول الامر الى حالة من الغضب والقطيعة ومنع السفر والتواصل والتجارة ، تنتهي الى توترات وحروب ، بلتحويله الى اندماج مرة أخرى وقطع الطريق امام التدخلات الخارجية التي ترحب ببث الفرقة والتشرذم خاصة في المنطقة العربية.