الأهرام اليومي- د. رأفت محمود

على الرغم من التصريحات العديدة والتي تحفظت أو عارضت استفتاء كردستان العراق سواء من دول إقليمية أو دول كبرى بالإضافة إلى الرفض العراقى لها والاشكاليات القانونية المتعلقة به إلا إنه تم إجراء الاستفتاء فى موعده، اصرار يشير إلى نية وجدت فرصتها مما يُنبئ بأن المنطقة قادمة إلى لحظة توقعها الكثيرون وبالأخص بعد أحداث ما أطلق عليه الربيع العربى وما توارد حول الاجندة الخفية لتغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة أو ما أطلق عليه سايكس- بيكو الجديدة.

القضية الكردية توضح أن تدبير الماضى تظهر تأثيراته حاليا فالأكراد كانوا ضمن مخطط وضعه الحلفاء المنتصرون بعد الحرب العالمية الأولى بإقامة دولة كردية فى المنطقة تمهيدا لوجود كيانات تتنازع بعد المعاناة من الإمبراطورية العثمانية والتى تشاركت دول الحلفاء فى تقسيم تركتها بعد معاهدة سيفر 1920، لينتج بعدها ثلاث حروب داخل العراق وبوادر انفجار كتلة جغرافية كبيرة تضم أربع دول (العراق – سوريا – تركيا – ايران)، فأمال تكوين الدولة الكردية تستقطع من دول تم تحديد جغرافيتها بعد اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة عام 1916 هاجس يؤرق صناع القرار داخل هذه الدول والتي تحتوى على تجمعات كردية داخلها ولما له من تداعيات قد تطول دول المنطقة بأثرها يدعم ذلك حالة من عدم اليقين من مخططات الدول الكبرى تجاه المنطقة.

فدروس التاريخ تُعلمنا كيف تتصرف الدول الكبرى في مثل هذه الأحداث، فتصريحاتها في الأغلب ليست الموقف النهائي لها، حتى لو كانت رفض الاستفتاء ونتائجه مثلا، فمآسي الماضي تشير إلى ذلك، مثلا وفق اتفاقية سايكس بيكو تم وضع لواء الأسكندرونه السوري الأصل ليتبع ولاية حلب وليقع تحت ولاية فرنسا صاحبة الانتداب على سوريا ولبنان حينئذ بمعنى أن الأتفاقية أعتبرته سوريا، إلا إنه تم تسليمه لتركيا حتى تضمن دول المحور انضمام تركيا لها، أيضا قامت بريطانيا فى ذلك الوقت فى عام 1925 بالمساهمة فى استيلاء إيران على إقليم الأحواز العربى حيث دعمت بريطانيا فى البداية الحاكم العربى للإقليم وعندما وجدت أن مصالحها تتجه إلى دعم الدولة الإيرانية لمواجهة المد الشيوعي بعد قيام الثورة الشيوعية فقامت بالمساهمة فى استيلاء إيران على الإقليم ونقضت كل عهودها لحاكم الأحواز العربى، وكذلك ما تم من دعم لفكرة الاخوان المسلمين القائمة على عدم الاعتراف بالأوطان وحدود الدول لتكون شوكة في ظهر دول المنطقة.

فواقع الجغرافيا السياسية الحالي للمنطقة يشير إلى أكثر من خطوة أكراد العراق والتي تقوم على تغيير الحدود وشكل الدول فقد ظهر في المنطقة ما يطلق عليه تغيير هوية الدول مثل المشروع الذى تبنته تركيا لعودة مجدها القديم في المنطقة برعاية جماعة الإخوان المسلمين ودعم تغيير النظم السياسية بها بنمط يدين بالولاء للدولة التركية، وكذلك ما تقوم به إيران في المنطقة فنموذج اليمن وما قامت به في العراق ولبنان وحاليا في سوريا وحديث الهلال الشيعي حاضر بقوة، فالبوادر تشير إلى أن المنطقة قادمة بلا شك إلى تغير في شكل الخريطة الجغرافية لها قد تكون الأعنف منذ عقود فحدود الدول أغلبها رُسمت بالدم والنار والحلقات الأضعف حاليا هي التي تبادر بالإعلان عن أهدافها مثلما يحدث حاليا في كردستان العراق، وبالتالي فإن خطوة أكراد العراق سيتبعها بلا شك خطوة أخرى من أكراد سوريا الحلقة الأخرى التي استفادت من الحرب الأهلية السورية الدائرة منذ سنوات وقويت شوكتهم وبدأوا يفرضون سيطرتهم على أراضيهم مما حفز السلطات السورية بالإعلان عن حزمة من الحوافز لهم تشمل الحكم الذاتي، بالإضافة إلى محاولات الجار التركي للحد من المكتسبات الكردية في سوريا والتوجس من الدعم الأمريكي لهم والذى يسير على نهج تم تجربته سابقا وهو الاعتماد على كيان له هوية مغايرة وتقويته حتى يكون شوكة في ظهر الجميع، فقد حدث هذا سابقا مع كرد العراق.

وبالتالي فإن التمهيد الذى يتم حاليا فى سوريا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية تجاه اكراد سوريا حيث الحماية والتسليح لهم، ومراجعة ما قامت به الولايات المتحدة بعد حرب الخليج الثانية بتشكيل منطقة حظر طيران فى شمال العراق أدت إلى فقد السلطة المركزية العراقية زمام سيطرتها على مقاليد الحكم الذاتى للأكراد وصولا إلى لحظة الاستفتاء التى نتحدث بشأنها، والأمر لا يحتاج إلى تذكير بالتغير الأكبر في الخريطة الجغرافية للمنطقة بوجود إسرائيل والخديعة الكبرى التى تمت بشأنها، كل هذا يوضح ما يتم تدبيره فى الغرف المغلقة.

فقد دارت أحاديث كثيرة حول وجود سايكس بيكو جديدة يتم تخطيطها للعالم العربى وظهرت خرائط تحدد شكل الدول فى منطقتنا بعد إعادة تشكيلها، ويبدو أنها ليست أحاديث بل واقع سيُرى قريباً يدعمه سلوك بعض دول المنطقة تجاه قضايا مصيرية.