أخبار مصر

تحقيق – د.هند بدارى

حالة من الجدل اثارها الإعلان عن دراسة تطوير نظام تنسيق القبول بالجامعات لطلاب الثانوية العامة خلال الأعوام المقبلة، والبحث عن آلية أو تصور نهائي من خلال اختبارات قدرات وبنوك أسئلة مؤهلة لدخول الجامعة بالتنسيق بين وزارتى التربية والتعليم والتعليم العالى .

موقع أخبار مصر استطلع آراء عدد من الطلاب والمدرسين والخبراء حول هذه التصورات المطروحة لتطوير مستوى التعليم والارتقاء بمهارات الخريجين والى اى مدى تكون قابلة للتطبيق بمجتمعنا بدون تحفظات وما اذا كانت هناك تجارب دولية بمكن الاحتذاء بها ؟

ومن خلال لقاءات مع عينة من الناجحين بالثانوية العامة على ابواب معامل التنسيق الالكترونى تباينت ردود أفعالهم بين التفاؤل ببلورة نظام جديد قد يكون أكثر اكتشافا للمهارات ولا يتوقف فيه مستقبل الطالب على مجموع درجات سنة واحدة وبين التمسك بنظام التنسيق لأنه مازال المعيار الأكثر انصافا للجميع رغم أى تحفظات .

معادلة صعبة

فعلى سبيل المثال أكد محمد طعيمة حاصل على 95.5%بالصف الثالث الثانوى”علمى” بمدرسة حكومية للموقع أنه كان يتمنى الحصول على مجموع أكبر لدخول كلية الطب لانه يعشق المواد المؤهلة لدراستها مثل الاحياء والكيمياء وحصل بها على درجات كبيرة ولكن مجموعه نقص درجات قليلة بسبب مواد اخرى كالعربى والرياضيات .

واقترح أن توضع مسألة المواد المؤهلة فى الاعتبار عند تغيير نظام التنسيق بحيث تكون معادلة بين المجموع الكلى والمواد المؤهلة واختبارات القدرات وفق معايير لاتقبل المجاملة .

كما تخشى منار حلمى حاصلة على 96%علمى علوم ،أن يحرمها التنسيق من دخول الطب مثل والدها وبفارق درجات بسيط لأنها ستضطر لدخول كلية الطب بجامعة خاصة بمصروفات باهظة تصل 80ألف جنيه.

وتساءلت اذا كان ألطألب الذى يرفضه التنسيق بطب الجامعات الحكومية ينجح بطب الجامعة الخاصة.. فما الفارق ؟.ولماذا لا بتم تغيبر نظام التنسيق لمراعاة الموهوبين ؟

بينما تمسكت نيرمين محمود من أوائل مدرستها بمصر الجديدة وحاصلة على 93% بالأدبى بنظام مكتب التنسيق لأنها ترغب فى الالتحاق بالاعلام وربما تفقد حلمها بسبب الاختبارات رغم المجموع الكبير ثم ان الكلية تجرى اختبارات داخلية للاقسام عند تحديد التخصص بالسنة الثالثة .

أما سها حاصلة على 89% علمى ، فتأمل أن تكون اختبارات القدرات والمواد المؤهلة أكثر انصافا لأنها ربما توسع فرص الطلبة الذين يتصدرون المرحلة الثانية بمجاميع عالية ويتساوون فى النهاية بزملائهم فى نهاية المرحلة وربما الأقل منهم ب20 % فى دخول التجارة أوالحقوق .

مخاوف الطلبة

وبالنسبة للطلبة المقبلين على الثانوية العامة ،رفضت منال أحمد طالبة ثانوية عامة بالقسم الادبى فى مدرسة حكومية بالسيدة زينب فكرة إلغاء مكتب التنسيق مؤكدة أنه النظام الوحيد البعيد عن الوساطة والمحسوبية ويجب الابقاء عليه .

وعبرت عن قلقها من تحويل الطلبة الى حقل تجارب ، فهم حاليا يتمرنون على نظام امتحانات البوكليت الذى لم يعتادوا عليه والسنوات القادمة قد يخوضوا تجربة جديدة سواء فى التعليم او الامتحان أو التنسيق .

و يتساءل حسام السيد طالب بالثانوية العامة بمدرسة بعابدين عن طريقة اختيار المواد المؤهلة للكليات فى حالة الغاء قسمى الادبى والعلمى كما سمعنا ، وهل ستكون حسب رغبته أم ستكون مصنفة مسبقا ؟

وأشار الى ضرورة الجمع بين مكتب التنسيق واختبارات القدرات وبلورة آلية عادلة للتقييم منعا للمحسوبية .

وأكدت نهى حسين فنانة باتيليه ان نظام اختبارات الفدرات بكلية الفنون الجميلة اكتشف موهبتها وساهم فى تنميتها ولم يكن بابا للوساطة لأن هناك اختبارات حقيقية الى جانب المجموع الكلى والمواد المؤهلة .

واستدركت نهى قائلة ان الامر يختلف بالنسبة للكليات الادبية التى لم تكن تجرى اختبارات وكذلك سيكون أصعب فى التطبيق بالكليات العملية .

اختبارات محايدة

أما محى على طالب بصيدلة الجامعة الالمانبة ،فأكد أن الاختبارات التى دخلها قبل القبول بكليته تتم على الكمببوتر لقياس المهارات والاستعدادات دون تدخل من ألعنصر البشرى .

واضاف ان اجتياز الاختبارات ليست الشرط الوحيد وانما هناك حد أدنى للمجموع ودرجات المواد المؤهلة ،والمنطقى ان المتفوق حاصل على درجات عالية فى مواد التخصص المطلوب.

التأهيل لاختبارات القدرات

واكدت غادة فاروق أم لطالبة منتقلة الى الصف الثالث الثانوى أن اختبارات القدرات ستزيد أعباء الاسرة لانها تحتاج مذاكرة وتأهيل الى جانب الدراسة وهذا قد يضطر الطلبة الى الدراسة بالصيف وتحمل مصروفات كورسات التأهيل من سنة أولى ثانوى وربما من الاعدادى .

ونبهت الى انه لا يمكن تغيير نظام التنسيق من العام المقبل لان الطلبة لم تتهيأ له والمفروض تغيير نظام التعليم من اولى ثانوى قبل اقرار نظام التنسيق الجديد .

وتابعت اذا تقدم الطالب المتفوق الى الكلية التى يرغب فيها ورسب فى امتحانات القدرات ..ماذا يفعل ؟، هل من حقه إعادة الاختبار أم لابد من التقدم لاختبارات كلية اخرى أو جامعة مختلفة ؟ وهل هذه الاختبارات ستكون برسوم ؟

أما الدكتور ناجى مصطفى أخصائى أمراض نساء واب لطالب ثانوى ،فقال إنه دخل الطب بحوالى 70% لأنه حتى 1954، كان الطالب يذهب إلى الكلية ومعه ملف أوراق نجاحه ويقدم به فى أى كلية ..طب أو هندسة أو علوم أو حقوق ، والكلية تقوم بعمل الاختبارات للطلبة المتقدمين وتقبل الطلبة الحاصلين على الدرجات الأعلى على حسب احتياجاتها.

وأضاف الطبيب أن وقتها كانت هناك شفافية فى الاختيار بعيدا عن الوساطة والاعتبارات الشخصية، مؤكدا أنه من الممكن أن يسقط ابن رئيس الجامعة في الاختبارات، وحاليا مازال مكتب التنسيق الجهة الموضوعية البعيدة عن المجاملات .

الابقاء على مكتب التنسيق

فى حين أكد محمد حبيب مفتش أحياء على المعاش ان الغاء مكتب التنسيق يحتاج آلية علمية محايدة لقياس القدرات الى جانب المواد المؤهلة حتى لا نظلم طالبا متفوقا بحجة مؤشرات القدرات الظاهرية .

وأضاف أن مشروع “المواد المؤهلة “ليس اقتراحا جديدا بل سبق مناقشته وتأجيله ويعتمد على 4 تخصصات الاول: “العلوم الأساسية والطبية” ومن خلاله يدرس الطالب أحياء وكمياء و“العلوم الهندسية والحاسبات” ليدرس الطالب الرياضيات والفيزياء و “الاداب والفنون” حيث يدرس الطالب الفلسفة والاجتماع ثم ”إدارة الاعمال والقانون ” ويدرس الطالب من خلاله مهارات الاتصال والاقتصاد.

كما حذرمن أن إلغاء مكتب التنسيق قديفتح الباب للوساطة والمحسوبية فى تقرير مصير ومستقبل الطلاب حتى المتفوقين .

وترى ابتهال محمود مدرسة جغرافيا بمدرسة ثانوية انه فى كل الاحوال لايجوز الغاء مكتب التنسيق ولا نظام التنسيق الالكترونى لانه آلية مهمة وناجحة لترتيب وتصنيف وتوزيع الطلاب على الجامعات والمعاهد وانما يمكن عدم الاكتفاء به .

وأشارت لامكانية التغيير فى السيستم باضافة خانات للمواد المؤهلة واختبارات القدرات عند التقدم للكليات .

تطوير المنظومة أولا

وعلى مستوى الخبراء ،يرى د.جابر نصار رئيس جامعة القاهرة أن منظومة التعليم بالكامل تحتاج إلى تطوير، ولا يصلح إلغاء التنسيق ونحن على نفس نظام التقويم والامتحانات الحالي.

واضاف انه لابد من تغيير نمط العملية التعليمية من التلقين للتعلم وتطوير نظام الامتحانات قبل تغيير نظام التنسيق أما اذا اقتصر الامر على اعادة توزيع الطلاب على الكليات ،فلن يحدث التطوير المنشود .

واكد د. نصار أن إصلاح التعليم فى مصر يحتاج إلى حلول جذرية ،وأن حل مشاكل التعليم يتطلب الانفتاح على تجارب الدول الأخرى ٬ وتنمية ملكات النقد والتحليل والتقويم وتأهيل المعلمين للمنظومة الجديدة .

نظام عادل ولكن

ويتفق معه د.علاء حميد نائب  رئيس نادى أعضاء هيئة التدريس بجامعة عين شمس قائلا إن نظام التنسيق بالمجموع بغض النظر عن عيوبه يعتبر نظاما عادلا ولكن لا مانع من التطوير بشروط ان يتم بشكل تدريجى لتطوير المنظومة التعليمية وادخال مقررات للقدرات بها من المرحلة الابتدائية أو على الاقل الاهتمام بالانشطة .

وأكمل : “تغيير المنظومة ليس من أولى ثانوي، قد تكون المنظومة كلها تحتاج لتغيير من أولى ابتدائي أو من رياض الأطفال ..فضلا عن اعداد الاسر والمدارس لاكتشاف القدرات وتنميتها منذ الصغر حتى نتمكن من وضع مقاييس لاكتشافها باختبارات القدرات للقبول بالجامعة” .

واضاف ان تغيير نظام التنسيق يحتاج الى تغيير ثقافة المجتمع وتهيئة الطلاب والاهالى وان يسهم الاعلام فى تغيير مفهوم كليات للقمة واخرى للقاع لان المجموع ليس مقياسا للذكاء ولا مؤشرا لنوعية الدراسة ولا دليل على النجاح فى الجامعة أوالحياة العملية ولا يعنى ان المتفوقين اقدر على خدمة المجتمع بدليل مثلا ان العالم المصرى د.أحمد زويل خريج علوم اسكندرية وليس طب وتفوق وحاز جائزة نوبل فى الفيزياء ومثله الكثيرون.

تجارب الدول المتقدمة

أما د.محمود عمرو أستاذ السموم والأمراض المهنية بقصر العينى ،فيؤيد التغيير فى اسلوب التعليم بحيث نتخلص من الحشو الزائد فى المناهج والمواد التى لاترتبط بالتخصص وتدريب الطالب فى المرحلة قبل الجامعية على التفكير والابداع ثم تطوير اسلوب القبول بالجامعة بالاستفادة من تجارب الدول الناجحة مع الاحتفاظ بمكتب التنسيق بحيث يكون مجموع الدرجات له النسبة الاكبر من التقييم الى جانب اختبارات القبول التحريرية والشفهية .

وأشار الى أن دراسة الطب بأمريكا لاتشترط المجموع العالى ولا التقدم لمكتب التنسيق ولكن المتقدم يخضع لاختبارات على أعلى مستوى لقبوله وهناك دول مثل ألمانيا تتيح لمن يفقد فرصة الالتحاق بسبب درجة أن يتدرب سنة فى مستشفى واذا أثبت كفاءة يلتحق بكلية الطب العام القادم ويحقق حلمه .

وردا على سؤال عن تفوق أوائل الثانوية العامة بكلية الطب ، أكد د.محمود عمرو أنه ليس بالضرورة أن يصبحوا أوائل دفعات الطب ليس لأنهم غيرأذكياء أو تفوقوا بالحفظ فى الثانوية وانما لأن هناك ظروف وعومل بيئية متغيرة تتدخل فى استمرار التفوق من عدمه ، فعلى سبيل المثال طالب القاهرة الذى تم قبوله بطب طنطا أو أسيوط وانتقل من وسط أسرته بالقاهرة للاقامة والدراسة بالمدينة الجامعية باسيوط ربما تصادفه صعوبات أو ظروف جديدة تقلل من فرص تفوقه .

تقويم التجربة المصرية

وأكد د.عمروأن كلية الطب تجرى اختبارات عند التخصص بعد الامتياز وعادة تكون مؤشرا حقيقيا للاستعداد ويمكن تشكيل لجنة محترفين لاختبار طالب الثانوى المتقدم للطب لاختباره تحريريا وشفهيا دون الافصاح عن أعضاء اللجنة لضمان الشفافية والحد من المجاملات بحيث توازن اللجنة بين مجموع درجاته ونتيجة اختباراته ، فهناك من يحصل على مجموع أعلى ودرجات أقل فى الاختبارات والعكس .

واضاف أنه يمكن أبضا الأحذ بمواد التخصص كالأحياء والكيمياء والفيزياء واللعة الانجليزية مع فتح الباب للتظلمات واعادة الاختبارات لمن يرسب من المتفوقين مع استمرارية تقويم التجربة لتدارك أى قصور .

الدراسة بالخارج

واتفق معه الخبير أحمد جمال الشافعى مدير مركز للتنمية البشرية والبحوث قائلا إن نظام التنسيق بالخارج غير موجود لأن دخول الجامعة يرجع الي مهارة ورغبة الطالب علي حسب الميول الشخصية لتنميتها واستثمارها وليس علي نظام التنسبق بالمجموع فقط .

وأضاف أن التعليم فى أمريكا ليس به مجاميع ولا تنسيق وانما اختبارات قدرات مثل كليات الفنون الجميلة والتربية .

واشار الى رغبة كثير من طلبة الثانوية العامة فى السفر للدراسة بجامعات روسيا وامريكا لأن الالتحاق بها بدون تنسيق وبتكاليف أقل من كثير من الجامعات الخاصة بمصر ،فالطالب لو درس مثلا صيدلة او طب بجامعة خاصة داخل مصر بيصرف فوق ٩٠ ألف جنيه بالسنة للحصول علي شهادة أما خارج مصر لاتتعدى نفقاته ٤٥ ألف جنيه .

ويرى أن التغيير الشامل يكون وفقا لمواد مؤهلة، وذلك بأن يقوم الطالب بدراسة مواد معينة تؤهله للكلية على أن تكون نسبة الدرجات 70% من التقييم مقابل 30% للاختبارات .

مافيا الدروس

اما د. خالد رمزى الاستاذ بكلية الهندسة بجامعة قناة السويس، فقال : أولا أنا أتمنى تغيير نظام الثانوية العامة الحالي لما له من مساوئ كثيرة منها انه ليس من العدل ان يتم تقييم الطلاب في سنه دراسية واحد فقط ويتم عليها تحديد مستقبل هذا الطالب بل مستقبل عائلته بالكامل مما يؤدي إلى تكوين حالة من الرعب والهلع عند الطلاب وقد تحدث ظروف طارئة علي اي طالب اثناء الامتحانات وتمنعه من التركيز والحل في الامتحانات وعند ظهور النتيجة تحدث كوارث عديدة منها انتحار بعض الطلاب وهروبهم من منازلهم .

واشار الى ان النظام الحالي للثانوية العامة صنع لنا اباطرة من مافيا الدروس الخصوصية التي تستنزف ميزانية كل البيوت المصرية.. وغيرها من المشاكل الكثيرة… لذلك فانني اري ضرورة تغير ذلك وعمل نظام جديد لها.

واقترح د.رامز ان يتم تغيير ثقافة المجتمع المصري تجاه الثانوية العامة وانه لا يوجد كليات تسمي كليات قمة وكليات قاع.. فيجب ان يقوم الطالب بدراسة الكلية التي يحبها لكي يبدع فيها من خلال عمل اختبارات قدرات وتأهيل للطالب قبل أن يدخل اي كلية وخصوصا الكليات العملية.

تصورات تحت الدراسة

وفى السياق ، أعلن د.خالد عبد الغفار وزير التعليم العالى أنه لا تغيير فى قواعد تنسيق القبول بالجامعات لهذا العام وانه حتى فى التصورات المقترحة للتطوير لن يتم الغاء مكتب التنسيق ولكن جارى دراسة التحول الى نظام اختبارات القبول بالتنسيق مع وزارةالتربية والتعليم ولكن ليس قبل 3 سنوات لتطوير نمط التعليم ونظام الامتحانات أولا من الاعدادية واولى ثانوى وتهيئة الطلبة والمجتمع ووضع مقاييس منصفة للتقييم .

واعتبر ان انخفاض المجاميع نسبيا عن العام الماضى واختفاء ظاهرة ال100 % مؤشر نجاح لان المجموع ليس مقياسا للنبوغ ولابد من الابتعاد عن الضغوط وفكرة تحقيق مجموع كبير للالتحاق بالكليات.

واكد ضرورة التحول من التلقين الى التعلم والابداع ، فكثير من المتفوقين يتعثرون فى الطب والهندسة لانهم دخلوها للمجموع المرتفع وليس لأنها الدراسة الأنسب لقدراتهم .

وأخيرا ..أى تغيير فى نظام تنسيق القبول بالجامعات يتطلب دراسة وافية واطلاع على تجارب ناجحة لدول لها ظروف وثقافات مشابهة لأنه لن يحسم مستقبل الطلاب فقط وانما سيتحكم فى عدد ومستوى الخريجين وتوازن تخصصاتهم ومدى قدرتهم على خدمة المجتمع بمختلف الميادين.