القاهرة -أ ش أ

رغم ما أدى إليه اكتشاف (البنسلين) كأول مضاد حيوي من استخدام العديد من المضادات الحيوية واكتشاف الكثير من العقاقير الأخرى, إلا أنه لا يزال أكثر هذه العقاقير انتشارا حتى اليوم, وترجع أهميته في أنه ما زال يستخدم لأغراض طبية كثيرة, وفي علاج معظم الأمراض مثل الزهري والسيلان والحمى القرمزية والدفتيريا والتهابات المفاصل والالتهاب الرئوي وتسمم الدم وأمراض العظام والسل و”الغرغرينة” وغيرها.

والفضل في هذا الاكتشاف الذي خرج للنور في مثل هذا اليوم “15 سبتمبر” من العام 1929 يرجع للبريطاني ألكسندر فليمنج الذي انشغل بعد تخرجه في المدرسة الطبية في لندن في دراسات التعقيم, وعندما التحق بالجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى, كان مهتما بالجروح والعدوى, ولاحظ أن الكثير من المطهرات تؤذى خلايا الجسم أكثر مما تؤذيها الميكروبات نفسها, مما جعله يبحث عن مادة تقضى على البكتيريا, وفي نفس الوقت لا تؤذى خلايا الجسم.

وفي عام 1922 وبعد نهاية الحرب, ذهب فليمنج إلى معمله ليستكمل دراساته واهتدى إلى مادة أطلق عليها اسم “ليسوزيم”, وهذه المادة التي يفرزها الجسم الإنساني هي خليط من اللعاب و الدموع, وهي لا تؤذى خلايا الجسم, وتقضى على بعض الميكروبات, و لكنها لا تقضى على الميكروبات الضارة بالإنسان, ولم يكن هذا الاكتشاف شيئا عظيما على الرغم من طرافته.

أما الاكتشاف العظيم لفليمنج فقد حدث في عام 1928 , عندما تعرضت إحدى مزارع البكتيريا للهواء وتسممت, ولاحظ فليمنج أن البكتيريا تذوب حول الفطريات في المزرعة التي أعدها في المعمل, واستنتج من ذلك أن البكتيريا تفرز مادة حول الفطريات, وأن هذه المادة قاتلة للبكتيريا العنقودية, وليست سامة للإنسان أو الحيوان وأطلق عليها اسم “البنسلين” أي “العقار المستخلص من العفونة”.

وفي عام 1929 نشرت نتائج أبحاث فليمنج ولم تلفت النظر أول الأمر, رغم إعلانه أن هذا الاكتشاف من الممكن أن تكون له فوائد طبية خطيرة, ولم يستطع فليمنج أن يبتكر طريقة لاستخلاص هذه المادة أو تنقيتها, وظل هذا العقار السحري لمدة عشر سنوات دون أن يستفيد منه أحد.

وفي عام 1930 قرأ اثنان من الباحثين البريطانيين هما هوارد فلورى وارنست تشين, ما كتبه فليمنج عن اكتشافه الخطير, وأعاد الاثنان نفس التجارب و جربا هذه المادة على حيوانات المعمل, و في عام 1941 استخدما “البنسلين” على المرضى, وأثبتت تجاربهما أن هذا العقار الجديد في غاية الأهمية.

وبمساعدة من حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا تسابقت الشركات الطبية على استخلاص مادة البنسلين بكميات كبيرة, وتوصلت هذه الشركات إلى طرق أسهل لاستخلاص المادة السحرية وإنتاجها وطرحها في الأسواق.

وكان أول إنسان يستخدم “البنسلين” هو رجل شرطة بريطانى عام 1941, وكان يعاني تسمما في الدم, ولكنه توفى لعدم وجود كميات كافية من العقار في ذلك الوقت, كما تم استخدامه في علاج جرحى الحرب العالمية الثانية, وفي عام 1944 أصبح في متناول المدنيين في بريطانيا والولايات المتحدة, وعندما انتهت الحرب في عام 1945 أصبح “البنسلين” في خدمة الجميع.