إعداد : سميحة عبد الحليم

شكلت ثورة 23 يوليو 1952 نقطة تحول رئيسة فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر، حيث انتقلت فيها مصر من النظام الملكى الى النظام الجمهورى .

ورغم مرور  64 عاما على الثورة مازالت  تسهم في الجدل الفكري الدائر فى مصر والوطن العربي حتى الآن، لأنها مثلت بداية لمشروع حضاري لا يزال مستمرا, مشروع أضافت إليه ثورتي 25 يناير 2011 ، و 30 يونيو 2013 علامات فارقة عززته وصقلته وجددت فيه العهد بين الجيش والشعب.

من الملكية الى الجمهورية ..

فقد كانت تلك الثورة ثورة ضد الحكم الملكي الفاسد بعد حرب 48 وضياع فلسطين، ثورة بيضاء تنفرد بين جميع الحركات العسكرية التى حدثت في المنطقة بأن تاريخ انتصارها هو”اليوم القومى لمصر” ،وبفضلها أنقذ الجيش المصرى البلاد من حكم ملكي فاسد سيطرت عليه قوى الاحتلال البريطاني والإقطاع والرأسمالية المستغلة التي تحالفت على مقدرات الشعب وحولته إلى فريسة للفقر والمرض والعوز، واكتسبت الثورة تأييدا شعبيا جارفا من ملايين الفلاحين وطبقات الشعب العاملة الذين كانوا يعيشون حياة تتسم بالمرارة والمعاناة.
وشكلت  ثورة يوليو قاعدة دعم لحركات التحرر الوطنى فى كل من افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ، ورفض الأحلاف الدولية فى زمن صراعات الدول الكبرى ..
كل ذلك شكل شهادة كبرى لعظمة الثورة ولمصر ولقائد هذه الثورة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وقد عكست ثورة يوليو “البيضاء” بصدق روح شعب مصر الذى ينبذ العنف ويحترم حق الحياة ،كما كانت ثورة يوليو استجابة تاريخية لمتطلبات عصر تغيرت مفاهيمه الأساسية وبقيت ثوابتها صامدة وخالدة وهى قيم الحرية والعدل والكرامة .
ويرى المؤرخون أن ثورة 23 يوليو تختلف عن غيرها من الثورات لأنها جمعت بين الثورة على الحكام من أبناء أسرة محمد على ، وعلى الوجود البريطانى فى البلاد ، وانهاء مجتمع النصف فى المائة .. فقد كان كل شىء فى مصر يطالب بالثورة وينتظرها بدليل تجاوب الشعب المصرى بجميع طبقاته معها لأنها وضعت حدا لسوء توزيع الثروات والجهل المستشرى فى البلاد .. كما كانت تحكم البلاد ثلاث سلطات .. سلطة الاحتلال البريطانى وسلطة القصر وعلى رأسها الملك ، وسلطة وطنية تمثلها المظاهرات الطلابية والحركات الشعبية.

عوامل نجاح الثورة..

وكان من أهم عوامل نجاح الثورة -كما يرى المراقبون- اعلانها ستة مبادىء عبرت جميعها عن طموحات ومطالب الشعب وهى القضاء على الاستعمار وأعوانه،والقضاء على الأقطاع،والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال ،واقامة عدالة اجتماعية ،واقامة جيش وطنى قوى ، واقامة حياة ديمقراطية سليمة.

وبدأت الثورة خطواتها الأولى بعزل الملك فاروق عن العرش وتنازله لابنه الطفل أحمد فؤاد ، وفى 18 يونيو 1953 أعلنت الثورة الغاء الملكية وقيام أول جمهورية فى التاريخ المصرى وتولى اللواء محمد نجيب رئاسة الجمهورية وحلت الاحزاب السياسية بعد أن عجزت عن المقاومة أمام النظام الجديد.
ثم بدأت الثورة باتخاذ مجموعة من الاجراءات للقضاء على الإقطاع وإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين بإصدار قوانين الإصلاح الزراعي وتمليك الاراضى للفلاحين ليحصد الفلاح ، لأول مرة فى حياته ، مايقوم بزراعته .
ولم تغفل الثورة الدور الرائد لمصر كدولة زراعية حيث بدأت مجموعة من المشروعات منها مشروع مديرية التحرير ..كما جسدت الثورة حلم المصريين فى وطن مرفوع الرأس فوقعت اتفاقية الجلاء فى 20 أكتوبر عام 54 بعد 74 عاما من الاحتلال.

 

مؤشرات اندلاع الثورة وأسبابها..

اندلعت الثورة كنتيجة للنظام الملكي الذي اعتبره البعض فاسدًا ومواليًا للاحتلال البريطاني، وفساد نظام الأحزاب في غياب نظام ديمقراطي سليم بسبب التلاعب في نتائج الانتخابات لصالح أحزاب الأقلية التي حكمت الدولة في ظل حكم الملك الذي كان يحمي عرشه البريطانيون، ومن بين الأمثلة الفاضحة لهذا الفساد كان تدخل الملك في إنهاء الحياة البرلمانية عن طريق تعليق تطبيق الدستور وحل مجلس النواب عدة مرات متتالية، حيث تولى الملك فاروق سلطاته الدستورية في 29 يوليو1937، وهو في الثامنة عشرة من عمره، مبتدئًا عهده بإقالة وزارة الوفد في 29 ديسمبر 1937، وهكذا عصف الملك بإرادة الشعب وبروح الدستور، وعين محمد محمود باشا رئيس حزب الأحرار الدستوريين، وتوالت فيما بعد على الحكم وزارات أحزاب الأقلية، ولم يتح للوفد– وهو حزب الأغلبية- أن ينفرد بالوزارة أكثر من أربع سنوات وعشرة أشهر في مدد متقطعة منذ أن تولى فاروق العرش حتى يناير 1952.

احتلت القوات البريطانية مصر عام 1882م عقب انتكاس الثورة العرابية، فدخلت مصر مرحلة جديدة من التبعية السياسية الكاملة لبريطانيا، وإن ظلت تابعة من الناحية الشكلية للإمبراطورية العثمانية، وعلى أثر ذلك سخرت بريطانيا كل إمكانيات البلاد لخدمتها في الحرب العالمية الأولى بعدما فرضت الحماية عليها، وأسقطت السيادة العثمانية في 28 ديسمبر1914.

كما حققت ثورة الشعب المصري سنة 1919 نتائج إيجابية محدودة، ومن أبرز ملامحها، صدور تصريح 28 فبراير 1922م الذي أعلنت فيه إنجلترا إنهاء الحماية البريطانية على مصر، وأعلن استقلالها الشكلي يوم 15 مارس.

ولعل من أهم معطيات ثورة 1919م إجبار الاستعمار والسراي معًا على وضع الدستور، وهو الذي أصدره الملك فؤاد عام 1923، وكان دستورًا ليبراليًا يكاد يكون منسوخًا من الدستور البلجيكي، وأتيح المجال في ظله لعمل عدد من الأحزاب الليبرالية تلك الفترة، مثل: الحزب الوطني، حزب الوفد، حزب الأحرار الدستوريين، حزب الاتحاد، حزب الشعب، حزب مصر الفتاة، حزب السعديين، حزب الكتلة الوفدية، حزب الفلاح، جبهة مصر.

وانتقلت علاقة مصر وبريطانيا إلى مرحلة أخرى بعدما عقدت معاهدة عام 1936، التي رضيت بها الأحزاب القائمة في ذلك الوقت، وعلى رأسها حزب الوفد، وبذلك أعطت المعاهدة للاحتلال البريطاني صفة الشرعية، بينما لم تحقق السيادة والاستقلال بمعناها الصحيح، واستمر الاحتلال البريطاني لمصر لأكثر من سبعين عامًا، واستمر كذلك منذ ذلك الوقت تدخل بريطانيا المزعج في شئون مصر الداخلية.

ولم يكن هناك أي دليل يلوح في الأفق يشير إلى احتمالية جلاء بريطانيا عن مصر على الرغم من اعترافها بمصر كدولة مستقلة ذات سيادة، إلا أنه لم يتوقف التدخل البريطاني في شئون مصر الداخلية.

كان الاقتصاد المصري يقوم على الإنتاج الزراعي فقط، وخاصة القطن، كما انتشرت البطالة، وانخفضت الأجور ومستويات المعيشة، وسيطر الأجانب على الاقتصاد القومي المتمثل في شركات التأمين العملاقة، والتجارة الخارجية والبنوك، فقد تأثر الاقتصاد المصري إثر انقطاع الملاحة التجارية بعدما قامت الحرب العالمية الثانية، وأصبح على مصر أن تصل إلى الاكتفاء الذاتي، فأرغم الفلاحون على ترك زراعة القطن، ووضعت لهم تشريعات معينة لكي يزرعوا مساحات بذاتها بالمواد الغذائية التي تستهلك داخليًا، فلا تعود للفلاح بثمرة مجزية، وقد تحولت الرأسمالية المصرية هذه الفترة فصارت احتكارية متصلة بالمصالح الأجنبية، وممعنة في الاستغلال والإثراء على حساب الجماهير، ودفعتها المصالح إلى تمتين ارتباطها بالقصر والإقطاع.

وكان الاقتصاد المصري قبل ثورة 23 يوليو يعتمد أساسًا على الزراعة التي يكفي إنتاجها معظم احتياجات الغذاء اللازم للشعب المصري في إطار أنماط الاستهلاك القائمة آنذاك، والتي كانت بطبيعة الحال تعكس انخفاض مستوى دخل الفرد، كذلك انخفاض مستوى المعيشة للغالبية العظمى من الشعب.

وقد وصف الاقتصاد المصري في تلك الفترة بأنه اقتصاد راكد، تمييزًا له عن الاقتصاد النامي، ومعنى ذلك أن القدرة الإنتاجية أو الطاقة الإنتاجية لا تزيد بمقدار يتماشى مع الزيادة في عدد السكان.

وانقسم المجتمع المصري في فترة ما قبل تولي الملك فاروق وبعد توليه للحكم إلى طبقتين منفصلتين تمامًا، الأولى قليلة العدد؛ وكانت تتكون من الزعماء الإقطاعيين، وسيطرتها على ثروات الدولة، بينما تكونت الطبقة الثانية من الأغلبية الساحقة التي ضمت الفلاحين، والحرفيين، وتجار التجزئة، والعمال، وتتمتع بحقوق ملكية محدودة، ودخول منخفضة،

كما ظلت الحريات في البلاد زمن وزارات الأقلية مكبوتة بسبب الأحكام العرفية، وفرض الرقابة على الصحف، لدرجة عرضت الشعب للضغط العنيف من جانب الطبقة الحاكمة، وازدادت موجة الغلاء باطراد حيث أثقل الغلاء الذي لا عهد لمصر بمثله كواهل الشباب، وسد أمام طموحاتهم الطريق، فلم تكن هنالك قوانين تحمي العامل أو تؤمنه، بل إن كثيرين من خريجي الجامعة، كانوا لا يجدون وظيفة إلا بصعوبة بالغة، وبمرتب يبلغ نحو عشرة جنيهات شهريًا.

وفشلت أحزاب الأقلية في قيادة الدولة، وزاد شعور المصريين المعادي لسياسة بريطانيا مع استمرار الحرب العالمية الثانية، حتى بلغت أزمة التموين حدًا أشاع القلق والسخط، وأطلق المظاهرات في شوارع القاهرة، وأجبر بريطانيا على الاقتناع بضرورة رفع الحظر الذي فرضته على السراي ضد حكم حزب الوفد، وإثر تلكؤ الملك فاروق في الاستجابة لاستمرائه الحكم في ظل حكومات ضعيفة تابعة، فقد قام السفير البريطاني بتقديم إنذار في 4 فبراير 1942 يخير الملك بين التنازل عن العرش أو تشكيل وزارة وفدية، فقبل الملك الحل الثاني.

وقد عانت مصر برغم عدم اشتراكها الفعلي أو الرسمي في الحرب العالمية الثانية ويلات ونكبات وضيقًا ليس مثله ضيق، مثلما أصابت المجتمع المصري في أخلاقياته وعلاقاته الاجتماعية وقيمه، فأعقب الحرب نوع من الشعور بنفعية الحياة والأثرة لدى البعض، وازداد الساسة فسادًا والحكام انحرافًا وكثر الوسطاء والمرتشون واللاهثون وراء الثروة،

وتدخل رجال الحاشية في كل شيء، وأقدم الملك على تصرفات شخصية آذى بها المشاعر العامة، مما جعل الاستياء يعم مختلف أنحاء البلاد، وأخذت عوامل السخط ضد الاستعمار والسراي والمصالح الاحتكارية ومظاهر الفساد الذي ساد الحياة العامة، وبدأ الشعب المصري يضغط تدريجيًا بقوة، وتجلى ذلك في المظاهرات المتكررة حينًا، وفي كتابات الأحرار في الصحف والمجلات وحملاتهم المتكررة على الحكومة والسياسة الاستعمارية حينًا آخر، وأخذت تظهر في الميدان جماعات تتجسد فيها تلك المعاني، وان اختلفت اتجاهاتها وتباينت أساليبها ووسائلها.

مراحل النضال الوطني..
بدأت مرحلة جديدة من مراحل النضال الوطني في مصر ضد الاستعمار مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، تكللت بإنهاء الرقابة على الصحف في 9 يونيو1945، كما جرى إلغاء الأحكام العرفية في 14 أكتوبر من نفس العام، وتبدت مظاهر هذه المرحلة بوضوح في مطالبات بعض الساسة المصريين –مثل النحاس والنقراشي- الساعية إلى جلاء القوات البريطانية، وتعددت أنشطة الجماهير في تنظيم المظاهرات واحتدام المصادمات مع الجيش في القاهرة واتساع المقاومة الشعبية إلى مختلف المدن، ووصلت ذروتها إلى حد تعطيل الحياة في القاهرة وتقديم شهداء من الشعب المصري في هذه المواجهات.

شغلت قضية الاستقلال الحياة السياسية بصورة عامة حيث كانت مصر تموج بعوامل السخط والثورة، فالقضية الوطنية معلقة، ولم يحدث أي نجاح في حلها بما يحقق الأماني الوطنية والقومية، وجنود الحلفاء يملؤون شوارع القاهرة، والسياسة المصرية تتخبط بين مسايرة البريطانيين ومداهنة الأماني الوطنية.

حمل النقراشي، رئيس الوزراء، القضية المصرية إلى نيويورك في 22 يوليو1947 لعرضها على مجلس الأمن، إلا أن تلك الجهود باءت بالفشل حيث حصلت مصر على تأييد مطالبها بجلاء الانجليز عنها، من خلال أصوات ثلاثة مندوبين فقط، وهم المندوب السوري والسوفيتي والبولندي، من سبتمبر1947 وبداية سنة 1948، فانفجرت المظاهرات الشعبية،

وزادت إضرابات العمال زيادة ملحوظة في سبتمبر1947، وتوالت مظاهر الحراك الشعبي الناقم، وأصبحت أبرز مظاهر الحياة، حيث شغلت المدة الزمنية أواخر تلك السنة حتى بداية سنة 1948.

تزامنت حالة الاحتقان التي يعاني منها المجتمع المصري بسبب قضية الاستقلال الوطني وتدهور الأوضاع الاقتصادية ومصادرة الحريات مع قضية فلسطين التي قامت بريطانيا بعرضها على الأمم المتحدة، وانتهت إلى إصدار قرار التقسيم في 29 نوفمبر1947. وكان قرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين قرارًا جائرًا، إذ بلغ عدد اليهود في سنة 1947 اقل من ثلث سكان فلسطين، وكان عُشر هؤلاء هم وحدهم جزء من السكان الأصليين المنتمين إلى البلاد، أما بقية السكان اليهود، فكانوا من اليهود المهاجرين واغلبهم من أصل بولندي وروسي ومن أوروبا الشرقية.

عارضت الأحزاب والتنظيمات السياسية المصرية قرار التقسيم ودعت بعضها إلى الكفاح المسلح ضد الصهيونية، وكان تيار التطوع يزداد تدفقًا من الشارع المصري، بالاتساق مع مقررات مجلس جامعة الدول العربية الذي كان قد عقد اجتماعًا في لبنان بين 7-15 أكتوبر 1947 أي قبل صدور قرار التقسيم، وقضى ذلك الاجتماع بحشد جيوش الدول العربية على حدود فلسطين، وتقديم السلاح إلى عرب فلسطين، وتدريب الشباب وتعبئتهم للمعركة المقبلة في المناطق المتاخمة لليهود، فضلا عن إنشاء قيادة عربية تتولى الأمر، ورصد مبلغ من المال يوضع تحت تصرفها لا يقل عن مليون جنيه.

اتخذت الحكومة المصرية -حكومة النقراشي- قرارها بدخول الحرب بثقة عالية في إحراز النصر، حيث رد النقراشي في جلسة البرلمان على أحد المعترضين –إسماعيل صدقي- بأنها نزهة للجيش، ولم يكن الملك فاروق اقل تحمسًا للقتال من غيره، بل أنه بادر بتحريك الجيش قبل موافقة البرلمان عن طريق إعطاء الأوامر لمحمد حيدر وزير الدفاع دون علم رئيس الوزراء، ودخل الجيش المصري أرض فلسطين يوم 15 مايو 1948، وصحب دخول المعركة عدة إجراءات، كالأحكام العرفية، والاعتقالات للمناضلين، والرقابة على الصحف، وتقييد الاجتماعات العامة وبذلك وجهت ضربة للحريات الشعبية.

انتهت حرب فلسطين بهزيمة الدول العربية، وعانى الجيش والسياسية المصرية من تداعياتها حيث ترتب على الهزيمة رد فعل قوي خارج الجيش وداخله، ولعل أبرز تلك المظاهر لجوء بعض فصائل الحركة السياسية في مصر-كالإخوان المسلمين- إلى أعمال الإرهاب والاغتيالات واستخدام العنف ضد الخصوم، وحرق المحال التي يمتلكها يهود في مصر.

تركزت النقمة الشعبية في مصر على الملك، واشتد السخط على حاشيته وعلى أحزاب الأقلية أيضًا التي صادرت الحريات وانتهزت فرصة حرب فلسطين وحوادث إرهاب الإخوان المسلمين لترد عليها بإرهاب مماثل لم تشهده مصر من فترة بعيدة، وقد وفرت تلك الأجواء فرصة لانتصار حزب الوفد بانتخابات مجلس النواب التي جرت في 3 يناير 1950 حيث حصل على 228 مقعدًا من مجموع 319.

وأدت حرب فلسطين ومواجهة الخطر المشترك وإدراك ما يحيط بالجيش والمجتمع من فساد ورشوة وانحلال إلى خلق رابطة فكرية مشتركة بين عدد من الضباط ذوي الميول الوطنية النابعة من اتجاهات سياسية مختلفة. هذه النواة خرجت من حرب فلسطين وهي غير مرتبطة بتنظيم موحد، ولم يكن لهم حديث إلا ما تركت الهزيمة في نفوسهم من مأساة.

ولعب البكباشي جمال عبد الناصر بشكل شخصي دورًا رئيسيًا بارزًا في تجميع الضباط من مختلف الاتجاهات السياسية.شكلت لجنة تأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار في أواخر سنة 1949 مؤلفة من خمسة ضباط: جمال عبد الناصر وحسين إبراهيم وخالد محيي الدين وكمال الدين حسين وعبد المنعم عبد الرءوف.

ولم يكن أطلق على هذه اللجنة اسم “الضباط الأحرار”، كما أنه لم يكتمل الشكل التنظيمي إلا مع مطلع سنة 1950 عندما زاد عدد اللجنة التأسيسية بانضمام كل من: صلاح سالم وعبد اللطيف البغدادي وعبد الحكيم عامر وأنور السادات وجمال سالم، وتم في ذلك الوقت انتخاب جمال عبد الناصر رئيسًا للجنة التنفيذية.

وصدر أول منشور للتنظيم في فبراير 1950 بتوقيع “الضباط الأحرار”، وهنا كان قد بدأ يأخذ شكلًا تنظيميًا منفصلًا عن القوى السياسية خارج الجيش، واستمر صدور المنشورات بتوقيع “الضباط الأحرار”، وكانت تصل الضباط عن طريق عناوينهم المنزلية أو في الوحدات العسكرية بالبريد، وأحيانًا توزع باليد داخل المعسكرات بطريقة سرية.

وعندما بدأ تساؤل الضباط عن البرنامج الذي يرتبطون به، أعدت الأهداف الستة وصدرت في منشور وتم إعدادها من قبل: أحمد فؤاد وخالد محيي الدين، ووافق عليها جمال عبد الناصر.

أهداف الثورة الستة، هي:

1. القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين.
2. القضاء على الإقطاع.
3. القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.
4. إقامة عدالة اجتماعية.
5. إقامة جيش وطني.
6. إقامة حياة ديمقراطية سليمة.

مبادئ الثورة ..

وجهت ثورة 23 يوليو مسارها وحقل عملها إلى بناء مجتمع جديد يتلخص في ستة مبادئ كما يلي:

المبدأ الأول: وضع نهاية للاحتلال البريطاني وأعوانه من المصريين الخائنين عن طريق التصدي للقوات البريطانية المرابطة في منطقة قناة السويس.

المبدأ الثاني: القضاء على الإقطاع.

المبدأ الثالث: القضاء على الرأسمالية والاحتكار الشخصي.

المبدأ الرابع: تحقيق العدالة اجتماعية بين طبقات الشعب.

المبدأ الخامس: بناء جيش قومي قوي يستطيع التصدي للمؤامرات الأجنبية التي تهدف إلى إعاقة القوة العسكرية المصرية، كما يعمل هذا الجيش كدرع في مواجهة معارضي الثورة داخل الدولة.

المبدأ السادس: وضع نظام ديمقراطي سليم لمواجهة التشويه السياسي الذي حاول أن يمحو معالم الوحدة الوطنية.

سياسة 23 يوليو الخارجية..

رسمت ثورة 23 يوليو سياستها الخارجية في كتاب “فلسفة الثورة”، الذي أصدره الرئيس جمال عبدالناصر مقترحًا ثلاثة ميادين يجب أن تدخل فيهم مصر:الميدان العربي ،الميدان الأفريقي ،الميدان الإسلامي.

 سقوط دستور 1923..

بعد ثورة يوليو 1952 صدر أول إعلان دستوري في 10 ديسمبر سنة 1952 أعلن فيه باسم الشعب سقوط دستور سنة 1923، جاء في الإعلان “أنه أصبح لزاما أن نغير الأوضاع التي كادت تودي بالبلاد والتي كان يساندها ذلك الدستور المليء بالثغرات”، وشُرع في 13 يناير 1953 في تكوين لجنة لوضع مشروع دستور جديد على أن تراعي الحكومة في أثناء تلك الفترة الانتقالية المبادئ الدستورية العامة، في 15 يناير سنة 1953 حددت فترة الانتقال بثلاث سنوات، وفى 10 فبراير سنة 1953 صدر إعلان دستوري ثان متضمنا أحكام الدستور المؤقت للحكم خلال فترة الانتقال، وفي 18 يونيو 1953 ألغيت الملكية في مصر وأعلن النظام الجمهوري.

قانون الإصلاح الزراعي..

بدأت بذور المشروع الاجتماعي لثورة 23 يوليو في الأسابيع الأولى للثورة، فخلال الشهرين الأولين أصدرت إجراءين مهمين، الأول: قانون الإصلاح الزراعي، والثاني: إلغاء الألقاب المدنية، وحاز الإجراء الأول على الاهتمام الأكبر للمراقبين والمحللين وقتها وفيما بعد أيضًا، وقد كان ولا يزال الاهتمام بقانون الإصلاح الزراعي اهتمامًا واجبًا لأنه مس عصب المسألة الاجتماعية في مصر، أما الإجراء الثاني، فلم يحظ بكثير من الاهتمام رغم أهميته الرمزية حضاريًا وسياسيًا. وجاء الإصلاح الزراعي إدراكًا من الثورة منذ يومها الأول أن مسألة الأرض تمثل بحق مفتاح أي تحول اجتماعي حقيقي في الريف بل في مصر كلها.

تأميم قناة السويس.

في 26 يوليو عام 1956، ألقى جمال عبد الناصر خطابا في الإسكندرية أعلن فيه تأميم شركة قناة السويس كوسيلة لتمويل مشروع سد أسوان في ضوء انسحاب القوات البريطانية الأمريكية، ووسط حديثه، ندد ناصر بالإمبريالية البريطانية في مصر والسيطرة البريطانية على أرباح شركة القناة، وتمسك بحق الشعب المصري في السيادة على الممر المائي، خاصة أن 120.000 مصري قد مات في سبيل إنشائه.

اتفاقية الجلاء..

“الجلاء” هي الكلمة التي يشار بها إلى خروج آخر جندي إنجليزي من مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر في 19 أكتوبر سنة 1954، وخروج قوات الاحتلال البريطاني من مصر بعد استعمار استمر 73 عامًا وتسعة أشهر وسبعة أيام، يعيد إلى الذاكرة صورا من نضال الشعب المصري وتضحياته التي تعيش في وجدان المواطنين.
بناء حركة قومية عربية..

العروبة في مفهومها المعاصر هي الإيمان بأن الشعب العربي شعب واحد تجمعه اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافيا والمصالح وبأن دولة عربية واحدة ستقوم لتجمع العرب ضمن حدودها من المحيط إلى الخليج، وهذا كان أهم الإنجازات التي قامت بها ثورة يوليو على المستويين العربي والإفريقي.

يعتبر بناء السد العالي الدرع الواقي لمصر من فيضانات النيل، كما يعد من اعظم ما أنجزته ثورة 23 يوليو.
واتجه التفكير إلى إنشاء السد الضخم على النيل لتخزين المياه في السنوات ذات الإيراد العالي من المياه لاستخدامها في السنوات ذات الإيراد المنخفض، فكان إنشاء السد العالي أول مشروع للتخزين المستمر على مستوى دول الحوض يتم تنفيذه داخل الحدود المصرية، حمي السد العالي مصر من كوارث الجفاف والمجاعات نتيجة للفيضانات المتعاقبة شحيحة الإيراد في الفترة من 1979 إلى 1987 حيث تم سحب ما يقرب من 70 مليار متر مكعب من المخزون ببحيرة السد العالي “بحيرة ناصر”، لتعويض العجز السنوي في الإيراد الطبيعي لنهر النيل.

حمي السد العالي مصر من أخطار الفيضانات العالية التي حدثت في الفترة من 1964 إلى 2002، فلولا وجود السد العالي لهلك الحرث والنسل ولتكبدت الدولة نفقات طائلة في مقاومة هذه الفيضانات وإزالة آثارها المدمرة.

كما أن السد العالي له دور مهم في التنمية الزراعية والصناعية منها:

– استصلاح الأراضي وزيادة الرقعة الزراعية.
– تحويل الري الحوضي إلى ري مستديم وزيادة الإنتاج الزراعي.
– التوسع في زراعة الأرز.
– توليد طاقة كهربائية تستخدم في إدارة المصانع وإنارة المدن والقرى.
– ضمان التشغيل الكامل المنتظم لمحطة خزان أسوان بتوفير منسوب ثابت على مدى السنة.
– تنمية الثروة الاقتصادية.
– زيادة الثروة السمكية عن طريق بحيرة السد العالي.
– تحسين الملاحة النهرية طوال العام.

إنجازات ثقافية..

– إنشاء الهيئة العامة لقصور الثقافة والمراكز الثقافية.
– إنشاء أكاديمية تضم المعاهد العليا للمسرح والسينما والنقد والباليه والأوبرا والموسيقى والفنون الشعبيةـ رعاية الآثار والمتاحف ودعم المؤسسات الثقافية.

إنجازات تعليمية..

– قرار مجانية التعليم العام والعالي.
– مضاعفة ميزانية التعليم العالي.
– إضافة عشر جامعات في جميع أنحاء البلاد.
– إنشاء مراكز البحث العلمي وتطوير المستشفيات التعليمية.

إنجازات اقتصادية واجتماعية..

– القضاء على الإقطاع.
– مصرت وأممت التجارة والصناعة.
– إلغاء الطبقات بين الشعب المصري.
– قضت على السيطرة الرأسمالية في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي.

الإنجازات العربية..

– توحيد الجهود العربية وحشد الطاقات لصالح حركات التحرر العربية.
– أكدت أن قوة العرب في توحدهم.
– أقامت تجربة عربية في الوحدة بين مصر وسوريا في فبراير 1958.
– عقد اتفاق ثلاثي بين مصر والسعودية وسوريا ثم انضمام اليمن.
– الدفاع عن حق الصومال في تقرير مصيره .
– ساهمت في استقلال الكويت .
– قامت بدعم الثورة العراقية.
– أصبحت مصر قطب القوة في العالم العربي.
– ساعدت مصر اليمن الجنوبي في ثورته ضد المحتل .
– ساندت الشعب الليبي في ثورته ضد الاحتلال .
– دعمت حركة التحرر في تونس والمغرب حتى الاستقلال.

الإنجازات العالمية..

لعبت دورًا رائدًا مع يوغسلافيا ومع الهند في تشكيل حركة عدم الانحياز .

وقعت صفقة الأسلحة الشرقية عام 1955 والتي اعتبرت نقطة تحول كسرت احتكار السلاح العالمي ـ دعت إلى عقد أول

مؤتمر لتضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية في القاهرة عام 1958.

أمّا على صعيد مواجهة التحدّي الصهيوني، فقد وضعت قيادة “ثورة يوليو” منهاجاً واضحاً لهذه المواجهة، خاصّةً بعد حرب عام 67، يقوم على:

–  بناء جبهةٍ داخليةٍ متينة لا تستنزفها صراعات طائفية أو عرقية ولا تلهيها معارك فئوية ثانوية عن المعركة الرئيسة ضدّ العدوّ الصهيوني، ومن خلال إعدادٍ للوطن عسكرياً واقتصادياً بشكلٍ يتناسب ومستلزمات الصراع المفتوح مع العدوّ.
–  وضع أهدافٍ سياسيةٍ مرحلية لا تقبل التنازلات أو التفريط بحقوق الوطن والأمَّة معاً، ورفض الحلول المنفردة أو غير العادلة أو غير الشاملة لكلّ الجبهات العربية مع إسرائيل.
–  العمل وفْقَ مقولة “ما أُخِذ بالقوّة لا يُسترّدّ بغير القوّة” وأنّ العمل في الساحات الدبلوماسية الدولية لا يجب أن يعيق الاستعدادات الكاملة لحربٍ عسكريةٍ تحرّر الأرض وتعيد الحقَّ المغتصَب.
–  وقف الصراعات العربية/العربية، وبناء تضامنٍ عربي فعّال يضع الخطوط الحمراء لمنع انزلاق أيّ طرفٍ عربي في تسويةٍ ناقصةٍ ومنفردة، كما يؤمّن هذا التضامن العربي الدعم السياسي والمالي والعسكري اللازم في معارك المواجهة مع العدوّ الإسرائيلي.

ولازالت  ثورة يوليو موجودة ومبادئها مازالت قائمة وأحلامها مازالت ملهمة، ولكن بفكر جديد وصياغة جديدة ومنهج جديد يرتكز على تعدد الرؤى وحرية الإبداع تحت رايات الديمقراطية التى أصبحت الآن متاحة فى ظل ثورة 25 يناير2011 ،ولاحقا ثورة 30 يونية.