إعداد : سميحة عبد الحليم

لم تكن الأزمة الأخيرة بين المؤسسة العسكرية والحكومة فى تركيا هى الأولى من نوعها فى تاريخ الأتراك المعاصر.
فمنذ أن قاد مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة المؤسسة العسكرية للإطاحة بدولة الخلافة عام 1923 وإعلان سقوطها رسميا 1924 ، شهدت تركيا العديد من الانقلابات العسكرية على الحكومات ذات الطابع الإسلامي للحفاظ على المبادئ العلمانية التي أرساها مصطفى كمال أتاتورك في الدستور.
وظلت المؤسسة العسكرية منذ انقلاب أتاتورك لاعبا رئيسيا فى السياسة التركية ،واستطاعت بعض الانقلابات السيطرة على الوضع والوصول لسدة الحكم فيما باءت بعضها بالفشل .

تاريخ الصراع بين التيار الإسلامي وقوات الجيش التركي..
من “مندريس” لـ”أردوغان”

الانقلاب على عدنان مندريس عام 1960

في صباح 27 مايو عام 1960 تحرّك الجيش التركي ليقوم بأول انقلاب عسكري منذ بداية العهد الجمهوري، حيث سيطر على الحكم 38 ضابطا برئاسة الجنرال جمال جورسيل، وأحال الانقلابيون 235 جنرالا وخمسة آلاف ضابط بينهم رئيس هيئة الأركان إلى التقاعد، وتم إعلان الأحكام العرفية، وحاصرت الدبابات مبنى البرلمان وتم وقف نشاط الحزب الديموقراطي واعتُقل رئيس الوزراء عدنان مندريس ورئيس الجمهورية جلال بايار مع عدد من الوزراء وأرسلوا إلى السجن قبل أن يُحكم عليهم بالإعدام في محاكمة صورية، وبالفعل تم تنفيذ حكم الإعدام في مندريس.

– الانقلاب على سليمان ديميريل عام 1971

عُرف انقلاب 1971 عموما بـ”انقلاب المذكرة”، حيث أرسل الجيش مذكرة عسكرية إلى سليمان ديميريل طالبه فيها بالتنحي، وعلى إثر قراءة بيان الجيش عبر الإذاعة فضَّل “ديميريل” الاستقالة على المقاومة، وتحولت تركيا بعدها إلى نظام ما عرف بالثاني عشر من مارس.
وكان قادة الجيش يقومون بإعطاء الأوامر من خلف الكواليس، فقاموا في 19 مارس باختيار نهات إريم لقيادة الحكومة، وهو الأمر الذى قبل به عصمت إينونو، رئيس حزب الشعب، بينما رفضه بولنت أجاويد، الأمين العام للحزب، فاندلعت موجة جديدة من العمليات المسلحة قادها ما يُعرف بـ”جيش التحرير التركي”، وفي 27 أبريل، أُعلنت الأحكام العرفية وتولى فريت ميلين رئاسة الوزراء في أبريل 1972، وأحدث تغييرا بسيطا، وتبعه بعد عام نعيم تالو، الذي كانت وظيفته الرئيسية قيادة البلاد للانتخابات.

– انقلاب كنعان إيفرين عام 1980

في أعقاب هزيمة حزب الشعب لصالح حزب العدالة، دبَّر الجنرال كنعان إيفرين انقلابا جديدا في سبتمبر عام 1980 فعلَّق الدستور وتم إعلان الأحكام العرفية وحظر جميع الأحزاب وحلّها، وإصدار دستور جديد عام 1982 الذي وسّع من سلطات رئيس الجمهورية ويعتبر هذا الدستور أكثر الدساتير في تاريخ تركيا توسيعا للنفوذ العسكري، حيث نص على إنشاء مجلس الأمن القومي التركي بعضوية عدد من المدنيين وأغلبية عسكريين.

جاءت فاتورة انقلاب 1980 باهظة جدا ودموية، حيث كانت محصّلتها: 650 ألف معتقل، وأحكام بالإعدام على 517 شخصا، وإعدام 50، وفصل 30 ألفا من أعمالهم، وتجريد 14 ألف شخص من الجنسية التركية وترحيل 30 ألفا آخرين، ووفاة المئات في ظروف غامضة وتحت التعذيب وحبس عشرات الصحفيين ومنع أكثر من 900 فيلم.

– الانقلاب الأبيض على حكومة نجم الدين أربكان عام 1997

بعد وفاة تورغوت أوزال عام 1993 في ظروف غامضة، وصل حزب الرفاة وحليفه “الطريق القويم” إلى السلطة ليصبح الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان رئيسا للوزراء -أول رجل ذي توجه إسلامي صريح يصل إلى السلطة- وهو الأمر الذي أغضب العلمانيين ودعاهم إلى تحريك الأذرع العسكرية ضد الحكومة المنتخبة.
وفي 28 فبراير 1997 اجتمع مجلس الأمن القومي وقرّر أنه يجب وقف تجربة أربكان الآن وليس غدا عبر انقلاب لا تتدخل فيه الدبابات، وطلب منه التوقيع على مجموعة من الطلبات (18 طلبا) التي رأى قيادات الجيش أنها يجب أن تتم من أجل المحافظة على النظام العلماني في تركيا الذي يحاول أربكان أن يغيره، كان الحوار واضحا وصريحا إما أن تقبل بهذه القرارات وتوقع عليها وإما أن ترحل، ورغم قبول أربكان بطلبات العسكر وأغلبها قرارات تتعلق بتقييد التعليم الديني وإغلاق مدارس القرآن الكريم، إلا أن هذا الأمر لم يفعل شيئا سوى أن يؤجل الانقلاب لثلاثة أشهر أخرى فقط.
وتم حظر حزب الرفاة بحكم قضائي وفقا لقانون 1982 بتهمة السعي لتطبيق الشريعة وإقامة النظام الرجعي، وتم إيداع أربكان في السجن مع مجموعة من قادة حزبه منهم رجب طيب أردوغان، وحرمان بعضهم من العمل السياسي لمدة 5-10 سنوات.

الانقلابات العسكرية الفاشلة (التمرد العسكري) ..

1957 – 1958: قام مجموعة من الضباط بمحاولة انقلاب على الحكومة، وفشلت عملية الانقلاب وتم القبض على جميع المتمردين وكان عددهم تسع اشخاص وتمت محاكمتهم.

22 فبراير 1962: قام قائد مدرسة القوات الحربية طلعت عيدمير وزملائه بمحاولة انقلاب على من قام بانقلاب 27 أيار1960 وتم اعتقالهم جميعاً. سبب الانقلاب أن الانقابيون كانوا معترضين على الاعتقالات التعسفية التي كانت تحدث في انقلاب 27 أيار عام 1960.

20مايو 1963: قام مجموعة من الضباط بالانقلاب على الانقلابين الذي انقلبوا بتاريخ 27 أيار 1960، وباءت محاولاتهم بالفشل.

20 مايو 1969: قام مجموعة من الضباط والعساكر بمحاولة انقلاب على الحكومة وباءت بالفشل.

9 مارس 1971: قام مجموعة من الضباط والعساكر بمحاولة انقلاب على رئيس الجمهورية بقيادة “جودت سنواي” وفشلت أيضاً.

الانقلاب العسكري التركي المزعوم 1993
كان انقلابًا يزعم أنه تم تنظيمه وتنفيذه من قبل عناصر بالجيش التركي من خلال وسائل سرية. على الرغم من أن أوائل التسعينيات كانت فترة من العنف الشديد في تركيا بسبب الصراع الكردي التركي، فقد شهد عام 1993 سلسلة من الوفيات المشبوهة – كوفاة الرئيس تورغوت أوزال، وكذلك وفاة عدد من الشخصيات العسكرية الرائدة التي دعمت جهوده للسلام، ومن الصحفيين القائمين بالتحقيق في الجيش التركي. ولا سيما في سياق محاكمات إرغينكون من 2008 فصاعدًا
وما يتعلق بها من تحقيقات “الدولة العميقة” التركية والتحقيقات في الوفيات المشبوهة في هذه الفترة، كانت هناك مطالبات متكررة بعمل “انقلاب سري” يهدف إلى منع التوصل إلى تسوية سلمية (وحماية العلاقات السرية بين الجيش التركي، وأجهزة الاستخبارات بما فيها منظمة استخبارات جاندارما  وعمليات مكافحة حرب العصابات، والقوات الكردية بما فيها

حزب الله الكردي، والمافيا التركية).

كان فكري ساغلار، عضو سابق في اللجنة البرلمانية التي حققت في فضيحة سوسورلوك التي بدأت تسليط الضوء لأول مرة على الدولة العميقة التركية، واحدًا ممن قدّم مثل هذه المطالبات، واصفًا إياها بـ “انقلاب عسكري سري”. وصف سيمدين ساقيق، زعيم سابق لحزب العمال الكردستاني ، جماعة مرتبطة بمنظمة إرغينكون تسمى جماعة العمل الشرقية، بأنها مسؤولة عن عدة اغتيالات منها اغتيال القائد العام لقوات الدرك التركي، أشرف بتليس (17 فبراير)، والرئيس تورغوت أوزال (17 أبريل)، والجنرال باهتيار أيدين (22 أكتوبر) ، واللواء السابق سيم إرسيفر (4 نوفمبر). وبالإضافة إلى اغتيال الشخصيات الرئيسية التي تدعم عملية السلام، حدثت عدة مجازر يدعى أنها جزء من “إستراتيجية التوتر”. ومن بين هذه المجازر، كمين حزب العمال الكردستاني في 24 مايو 1993، ومجزرة سيواس، ومجزرة باسباغلار في
بداية شهر يوليو.

الانقلاب العسكري الذي كان من المفترض ان ينفذعام 2004.. في عام 2007 تم القبض على مذكرات الضابط “اوزدن اورنك” وكان قد وجد فيها محاولة انقلاب على حكومة رجب طيب اردوغان ووجد فيها خطط لضربات عسكرية، وكان فيها أيضاً أسماء أربعة ضباط رفيعي المستوى متعاونين معه.
قائد الأركان حيلمي اوزكوك هو من أفشل هذه العملية الانقلابية والى الأن تتم محاكمتهم بتهمة الانقلاب على الحكومة الشرعية.

المطرقة 2009..
خطة انقلاب عسكري مزعومة لجماعات علمانية في الجيش التركي قيل أن التخطيط له بدأ في 2003 م.
أول ما ظهرت التقارير عن خطة الانقلاب في جريدة طرف ذات التوجه الليبرالي التي قالت أنها اكتشفت وثائق فيها تفاصيل خطة لتفجير مسجدين في اسطنبول واتهام اليونان بإسقاط طائرة تركية فوق بحر إيجه بهدف خلق البلبلة وتبرير الانقلاب العسكري.
قال العسكريون أن هذه الخطة نوقشت لكنها كانت أحد السيناريوهات التدريبية للجيش ضمن سيمينار عسكري. وتم محاكمة جميع من قامو بمحاولة الانقلاب.

خلال السنتين 2010 و2011 تم اعتقال أكثر من 350 شخصاً بتهمة التآمر على الدولة، أغلب هؤلاء من كبار العسكريين العاملين والمتقاعدين. وحكم على ثلاثة جنرالات بالسجن المؤبد مع تخفيضه إلى 20 سنة، وعلى المتهمين الآخرين بفترات أقصر، وأخلي سبيل 34 من أصل 365 متهماً.

 محاولة انقلاب 2013..

شهدت تركيا في عام 2013، وقبل تولي أردوغان رئاسة الحكومة، محاولة انقلاب كلّفت خزينة الدولة 120 مليار دولار، وتمت السيطرة عليها، وبعد تولّي أردوغان رئاسة الجمهورية اتخذ إجراءات لإحباط أي محاولة انقلاب على الحكم.

 محاولة انقلاب يوليو 2016..

وكانت محاولة الانقلاب الاخيرة والتى استغرقت عدة ساعات نفذه مجموعة معروفة باسم “الحركة الموازية”، أعلنت سيطرتها على الدولة، وسيطرتها على التليفزيون الرسمي، وأصدرت الأحكام العرفية.
حيث قام بعض العناصر في الجيش التركي  بمحاولة انقلاب عسكري على النظام الحالي وجرى ذلك مساء 15- 16 يوليو من العام الحالي.

استطاع الانقلابيون السيطرة على هيئة الأركان التركية ومقر التلفزيون التركي في انقرة، وبعض النقاط في مطار أتاتورك الدولي بإسطنبول وحاصروا البرلمان وقصفوه بالمروحيات وأعلن منع التجول والاحكام العرفية.
كما ظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمكالمة هاتفية عبر السكايب دعا فيها أبناء الشعب التركي المؤمنين بالديمقراطية بالنزول إلى الميادين لمواجهة الانقلابين، وخرجت مظاهرات حاشدة في اغلب المدن التركية ضد الانقلاب.
الا ان محاولة الانقلابيون قد باءت بالفشل واعلنت الحكومة سيطرتها على الوضع داخل البلاد، وتم القاء القبض على عدد كبير من المنشقين داخل الجيش، واسفرت تلك الأحداث عن مقتل 161 شخصا، وإصابة 1440، واعتقال 2863 عسكريا.
وكانت من توابع الانقلاب، حرائق في البلاد، وشغب، ومظاهرات، وفوضي عارمة، انتهت إلى الفشل والقبض على حزمة من القضاه ورجال الساسة والمعارضة المحركة للانقلاب.

نظرة تحليلية ..فى السياسة التركية
عدم فهم التاريخ يؤدي إلى سوء التعامل مع الجغرافيا في تركيا

يقف بعض المراقبين في حيرة من أمرهم إزاء السياسة التركية وما تحمله من تناقضات ومجازفات بلغت حد التهوّر وعدم التريّث في ما يمكن أن ينجرّ عنها من تبعات في الداخل والخارج، فالسياسة الحالية تغضب العلمانيين وتفتح الباب لجحافل التطرف والإرهاب على حد سواء، كما أنّ الانتقام الواضح من الإرث الأتاتوركي، قائم على صورة مغلوطة سوّقها الكماليون عن أسلافهم العثمانيين.

ومنذ العام 2002، ألغى أردوغان بشكل مقصود وممنهج إرث الفكر الأتاتوركي ممثلا في الأيديولوجيا الثورية العلمانية التي سادت في تركيا منذ القرن العشرين، والتي سميت باسم مؤسس الدولة مصطفى كمال أتاتورك، حيث كانت ثورة أردوغان المضادة “شبه ديمقراطية”، كما يصفها محللون.
فعلى الرغم من أن منتقديه يلومونه لكونه استبداديا، تمكن أردوغان من جذب دعم شعبي قوي بفعل مؤشرات تنموية واقتصادية، لسياسته، وبرز ذلك من خلال التأثير الذي أحدثته أربعة انتصارات انتخابية منذ العام 2002، مما خلق منعطفا في النظام السياسي التركي.
وفي الوقت الذي أنشأ فيه أتاتورك جدارا فاصلا إلى حد كبير بين الدين والحكومة، وصنّف تركيا كدولة غربية، أضفى أردوغان الطابع الإسلامي على سياسة البلاد ونظام التعليم فيها، كما على سياستها الخارجية، وأفضى ميل أردوغان لمشاهدة العالم من خلال الانتقام من الفكر الكمالي إلى تحول أنقرة في وقت لاحق نحو منطقة الشرق الأوسط،، حيث أصبحت تركيا طرفا في ما يحدث على الساحة السورية وفي المنطقة ككل، وترجم ذلك من خلال دعمها للجماعات الإسلامية المتطرفة مثل جماعة”أحرار الشام” التي ترتبط بـ”تنظيم القاعدة”.
وعلى الصعيد الداخلي، فإن ثورة أردوغان المضادة لم تكتف بجعل الإسلام السياسي مركزا ومنطلقا ومقياسا لتحديد الخصوم والحلفاء، بل تجاوزت ذلك نحو التمحور حول شخص أردوغان الذي ظل رئيسا للوزراء أكثر من عشـر سنوات، قبل انتقالـه إلى منصب الرئاسة في العام 2014، ويصفه منتقدوه بأنه أصبح متسلطا أكثر فأكثر مع تقدمه في العمر، فها هو يسعى للإحاطة بكل مفاصل الدولة، فضلا عن استحواذه على مؤسسة الرئاسة، ويترأس من حين لآخر اجتماعات مجلس الوزراء في قصره، كما يحرص على أن تكون اللجنة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية زاخرة بحلفائه، وهي نزعة ـ بلا شك ـ تذكّر بشخصنة الدولة لدى غريمه التاريخي كمال أتاتورك.
ويصف أحد المحللين السياسة التركية بأنها تبدو سريالية ومعقدة، ففي أعقاب التغييرات التي طرأت على نظام التعليم العلماني في البلاد، يُجبر عدد متزايد من الطلاب على الدراسة في المدارس الثانوية الإسلامية، وفي الآونة الأخيرة، أُدخل حفيد الحاخام الأكبر لتركيا مدرسة ثانوية إسلامية، إلى جانب العديد من المسيحيين في امتحانات شهادة الثانوية العامة التي تديرها الحكومة.

ويرى محللون أنّ أسلمة تركيا فضلا عن تورط أنقرة في الحالة السورية، من عوامل تعرض البلاد لمخاطر جسيمة.
ووفقا لتقرير صادر عن “معهد السياسة والاستراتيجية العالمية” عبر ما يزيد على 2000 مواطن تركي الحدود للقتال في صفوف داعش. وفي الأشهر العشرة الماضية شن التنظيم الكثير من الهجمات الدموية.

ويرى المحللون السياسيون ان سياسة أتاتورك التى جردت المجتمع من ثقافته الإسلامية بشكل قسري وفج، هي التي أنتجت ثورة مضادة يتزعمها من كانوا في الأمس تلاميذ على مقاعد مدرسة أتاتورك، على الرغم من أن تركيا تشهد أسوأ التهديدات من تنظيم الدولة الإسلامية.

ويوثق التاريخ أنّ كمال أتاتورك كان قبل تزعمه للثورة العلمانية مواطنا عاديا من الطبقة المتوسطة، ومن الذين تلقوا التعليم العلماني في المدارس الحكومية العثمانية، وعندما كان شابا عاش أتاتورك في الإمبراطورية التي كانت تشمل بالفعل عددا هائلا من القوانين والمحاكم والمؤسسات العلمانية، بما في ذلك البرلمان، كما كانت تميل إلى اعتبار نفسها جزءا من نظام الدولة الأوروبية.

ودأبت الثورات على أن تصوّر الأنظمة السياسية التي أطاحت بها على أنها عديمة الفائدة تماما وذلك من أجل أن تجد مبررا لنفسها، لذلك صوّر أتاتورك في ثورته العثمانيين بشكل مختلف تماما. فقد رسم أتاتورك والنخبة من الكماليين صورة للعثمانيين الذين يعتمدون المنهج الغربي كونهم جماعة من المتخلفين والمتعصّبين والمتحجّرين.

ويتمحور الفكر الكمالي حول تسويق نفسه كحالة علمانية تقدمية ذات طبيعة خاصة، وعلى مدى 80 عاما أصبحت تركيا إحدى الدول ذات الأغلبية المسلمة والأكثر علمانية والأكثر أيديولوجية، ومثل هذه الأفكار حول العثمانيين ـ في نظر الدارسين ـ كانت تعلَّم وتلقّن لأجيال من التلاميذ والمواطنين بمن فيهم أردوغان، والذي أصبحت هذه الأفكار جزءا من شخصيته وفعلت فعلها في نفسيته ذات النزوع الانتقامي.

وتهدف الثورات المضادة إلى إعادة النظام السياسي إلى وضعه السابق، وهذا ما يقوم به أردوغان في تركيا.
فالثورة المضادة التي يشنها ، تركز على جعل الإسلام محور السياسة التركية، وترى دور السياسة الخارجية للبلاد باعتبارها معادية للغرب بشكل أساسي. فأردوغان يعتقد أن هذه هي الطريقة التي سيعيد بواسطتها النظام العثماني.

وتكمن المفارقة هنا في أنه بينما يحاول إحياء الإمبراطورية العثمانية ما قبل أتاتورك، يسعى أردوغان في الواقع إلى إحياء صورة العثمانيين كما صوّرها وأراد أن يعلّمه إياها الكماليون.

ويذكر أن مجتمع العثمانيين لم يكن بالصورة الكاريكاتيرية التي رسمها الكماليون، فقد كانت الإمبراطورية العثمانية تقدم نفسها كقوة أوروبية وأضفت على نفسها الطابع الغربي إلى حد كبير، لدرجة أنها بحلول القرن التاسع عشر، وفّرت التعليم للمرأة وأدارت المحاكم العلمانية، وعلّمت طلابها، بمن فيهم أتاتورك، إبعاد الدين عن السياسة.

أما في السياسة الخارجية، فكان هاجس العثمانيين أن يكونوا قوّة أوروبية مسلمة، حتى في الوقت الذي كانت قوتهم تضعف في القرن التاسع عشر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن آخر خليفة عثماني نفاه أتاتورك، أي السلطان عبدالمجيد الثاني، كان رساما معروفا برسمه للعريّ كما تذكر وثائق ومصادر عديدة.