إعداد : سميحة عبد الحليم

سعيا لإصلاح تحالفات متوترة وربما لتخفيف شعور بالعزلة على المسرح الدولي.،أعلنت تركيا عودة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بعد ست

سنوات من الشقاق ، فى الوقت الذى اعلنت اعتذارها لروسيا عن إسقاط طائرتها الحربية الأمر الذي يفتح الطريق لروسيا لرفع العقوبات

الاقتصادية.هذه التحركات تؤكد مقولة انه”فى عالم السياسة لا توجد صداقة دائمة ولا عداوة مستمرة وإنما مصالح ثابتة تحرك الجميع”.
ومن هذا المنطلق فإن مشاكل تركيا الداخلية وتداعيات تورطها فى الحرب السورية، وما ترتب على ذلك من خلافات مع روسيا، فضلا عن

مواقفها العدائية من دول محورية فى محيطها الاقليمى، كل ذلك تسبب فى خسائر سياسية واقتصادية ومعنوية كثيرة دفعتها دفعا لهذا التغير

المفاجىء.
وكان  رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم  قال بعد أيام من تعيينه  إن تركيا بحاجة إلى “زيادة أصدقائها وتقليل أعدائها” فيما بدا اعترافا

ضمنيا بأن سياسات سلفه تسببت في عزلة للبلد العضو في حلف شمال الأطلسي.

 أنقرة وتل أبيب..

كانت العلاقات قد تدهورت بين أنقرة وتل أبيب مع الهجوم الذي شنته وحدة اسرائيلية مسلحة على السفينة “مافي مرمرة” التي كانت تنقل ضمن
أسطول من ست سفن تنقل مساعدات انسانية تركية، في محاولة لكسر الحصار المفروض على غزة، مما ادى الى مقتل عشرة ناشطين اتراك.
وفي حينه، استدعت تركيا سفيرها من تل أبيب، وعلقت جميع علاقاتها الدفاعية والاستراتيجية مع إسرائيل. كما سحبت تل أبيب سفيرها من
أنقره. ومنذ ذلك، حددت تركيا ثلاثة شروط من أجل معاودة حوارها مع إسرائيل، وهي اعتذار رسمي، وتعويض أسر الضحايا، وفك إسرائيل
حصارها عن قطاع غزة.
وجمدت العلاقات بين البلدين، وإن تكن بقيت ناشطة في المجال الاقتصادي، إذ وصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى 5 مليارات دولار، في عام
2014، وهو مستوى غير مسبوق.
وقدمت اسرائيل اعتذاراتها عام 2013 لكن التوتر عاد مجددا في السنة التالية بسبب هجوم اسرائيلي جديد على قطاع غزة.

بنود الاتفاق..

ومنذ سنة تقريباً، تجددت محاولات رأب الصدع بين الجانبين، وصولاً أخيراً إلى اتفاق يقضي باعادة سفيري البلدين بحلول نهاية تموز ومعاودة
العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين الجانبين.
وينص الاتفاق على:
– توافق اسرائيل على دفع 20 مليون دولار تعويضات لعائلات الضحايا الذين قتلوا وجرحوا في حادث “مافي مرمرة” ، والسماح لتركيا بالتدخل
في الأزمة الانسانية في غزة.
– تسلم تركيا غزة مساعدات إنسانية ومواد أخرى غير عسكرية، والاستثمار في البنى التحتية في المنطقة. وإضافة الى مبان سكنية جديدة، تكمل
تركيا بناء مستشفى في غزة يتسع ل 200 سرير.
– اتخاذ خطوات ملموسة لمعالجة أزمتي الكهرباء والمياه في غزة، بما فيه زيادة حجم هاتين الخدمتين في القطاع وبناء مصانع جديدة للطاقة.
ومن شأن الاتفاق التركي-الاسرائيلي أن يتيح لتركيا اطلاق مشاريع كبيرة في الضفة، الغربية، وخصوصاً في المنطقة الصناعية في جنين.
“حماس” وغزة
وأوضح مسؤول تركي أن الاتفاق لا يشير الى حركة المقاومة الاسلامية “حماس”، ويكتفي بأن تركيا “ستواصل دعمها الدولة الفلسطينية وشعب
فلسطين”، معتبراً أنه يشكل “انتصاراً دبلوماسياً” لتركيا وحظي بدعم الحكومة الفلسطينية و”حماس”.
ومن الواضح أن تركيا تراجعت عن طلب سابق لها بفك الحصار عن القطاع، مقابل السماح لها بادخال مساعدات إنسانية عبر مرفأ أشدود تحت
رقابة اسرائيلية، بدل ارسالها بشكل مباشر الى القطاع.
وأكد رئيس الوزراء الاسرائيلي ان الحصار البحري المفروض على قطاع غزة سيبقى على حاله.
وفيما ستسمح أنقرة ل”حماس” بالاحتفاظ بمقر لها في تركيا، فان حكومة أردوغان قدمت ضمانات بأن هذا المركز لن يستخدم للتخطيط لعمليات
مسلحة ضد اسرائيل. كذلك، نقلت تقارير عن مسؤولين اسرائيليين أن أردوغان وعد باستخدام نفوذه لدى “حماس” في محاولة لضمان اطلاق
أفيرا منغيستو الاثيوبي المولود في اسرائيل الذي يعتقد ذووه أنه محتجز لدى “حماس” منذ أيلول 2014، واعادة جثتي جنديين اسرائيليين قتلا
في الحرب على غزة عام 2014.

نظرة تحليلية ..

في ضوء هذا الاتفاق، بقي ثمة سؤالان يتعلقان بتوقيته وقدرته على الصمود.
فمنذ حادث “مافي مرمرة” لم تبد تركيا حماسة كبيرة لإصلاح العلاقات ، ومراراً تم الحديث عن مصالحة قريبة من دون أن يحصل ذلك.
ويقول الخبراء  إنه مع اندلاع انتفاضات الربيع العربي، أملت تركيا في الاضطلاع بدور قيادي في العالمين العربي والإسلامي، وظنت أن
تحسين علاقاتها مع إسرائيل، لن يخدم ذلك الهدف. ومع الاضطرابات السياسية الداخلية من احتجاجات حديقة جيزي وغيرها ، رأى عدد من
أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم أن استعادة العلاقات مع إسرائيل سيكون له آثار على السياسات الداخلية. ومن جانبها، اعتمدت إسرائيل
سياسة ردود الأفعال، إذ حاولت حيناً التواصل مع تركيا، وشجبت في أحيان أخرى الخطاب التركي المعادي لإسرائيل والسامية.
ولكن الوضع تغير ، وأدت تطورات جديدة إلى دفع تركيا للتقارب مع إسرائيل. ومن أهم تلك التطورات، الأزمة في العلاقات التركية ـ الروسية.

ومع تزايد أثر الحرب في سوريا على تركيا، ومنها أزمة اللاجئين والهجمات الإرهابية، أدركت تركيا أنها بحاجة لتعزيز قدراتها الاستخباراتية،
وبإمكان إسرائيل تقديم تلك المساعدة.
ويشير الخبراء إلى سعي إسرائيل أيضاً إلى سوق تصدر إليه غازها الطبيعي، وهو أمر لم يخفه وزير الطاقة الإسرائيلي الذي قال مؤخراً: “تمثل
تركيا سوقاً كبيرة للغاز ” هم بحاجة إلى غازنا، ونحن بحاجة إلى هذا السوق”.
وفي نفس الوقت، يحاول الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تقوية موقع بلاده الاستراتيجي الإقليمي، وتعزيز فرصه الاقتصادية، ولا بد أنه
يعتقد أن التقارب مع إسرائيل سيحقق له هدفه.
وفي تقديرالخبراء  أيضاً أن التقارب الاسرائيلي-التركي سيؤدي إلى تعزيز مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية في المنطقة. كما سيساهم في
اتخاذ مواقف أكثر تماسكاً حيال الأزمة السورية، وفي الحرب ضد داعش.
ويقول الدبلوماسي  أوزدم سانبرك الذي مثل تركيا في لجنة التحقيق الدولية في خصوص حادث “مافي مرمرة” أن التقارب سيحمل استقراراً الى
المنطقة، ويفتح الطريق لاتفاقات على تصدير الغاز الطبيعي في أنابيب عبر تركيا. موضحا أن “تركيا تريد انهاء العزلة التي تضر
بمصالحها..فتركيا تدرك تماماً أنها لا تستطيع الافادة من مواردها من الغاز الطبيعي إلا إذا تعاونت مع اسرائيل، ومع مرور الوقت تتزايد
خسائرها”.

شكوك..

ومع ذلك، من السابق لأوانه القول إن أنقرة واسرائيل ستعودان الحليفين الاستراتيجيين الوثيقين.
وتقول مجلة الايكونومست إن ثمة شكوكاً عالقة بين الجانبين، إذ تثير الصلات التي أقامها مقربون من أردوغان ورؤساء الاجهزة الاستخباراتية
التركية مع المخابرات الايرانية، قلق الاستخبارات الاسرائيلية.
وكان مسؤول اسرائيلي صرح أخيراً بأنه من الصعب تصور عودة العلاقات الى مستواها السابق، وقت لا يزال أردوغان في رئاسة البلاد.

لمحة عن تاريخ العلاقات التركية الإسرائيلية..

كانت تركيا حليفة اقليمية كبرى لاسرائيل حتى بداية العقد الثاني من الالفية الثالثة. ، لكن العلاقات بينهما تدهورت تدريجيا قبل ان تنخفض بشكل
كبير في 2010 على اثر الهجوم الذي شنته وحدة اسرائيلية مسلحة على السفينة “مافي مرمرة” التي كانت تنقل مساعدات انسانية تركية في
محاولة لكسر الحصار المفروض على غزة، ما ادى الى مقتل عشرة اتراك.
وكانت السفينة ضمن اسطول دولي من ست سفن محملة بمساعدة انسانية لكسر الحصار الذي تفرضه اسرائيل على قطاع غزة.
وقدمت اسرائيل اعتذاراتها في 2013 لكن التوتر عاد مجددا في السنة التالية بسبب هجوم اسرائيلي جديد على قطاع غزة.
ولطمأنة الفلسطينيين، اجرى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اتصالا هاتفيا مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ليضعه في صورة
الاتفاق.، كما التقى اردوغان رئيس المكتب السياسي لحركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة خالد مشعل الذي يقيم في الدوحة.

شروط لتطبيع العلاقات..

كانت قد وضعت ثلاثة شروط لتطبيع العلاقات مع اسرائيل هي اعتذار علني عن الهجوم وتعويضات مالية للضحايا ورفع الحصار عن قطاع
غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس.
وتمت تلبية الطلبين الاولين جزئيا وبقي رفع الحصار العائق الرئيسي امام التوصل الى اتفاق. لكن تم التوصل الى تسوية جزئية حول هذا
الموضوع ايضا.
و قالت انقرة ان تركيا سترسل مساعدات الى غزة عبر ميناء اشدود الاسرائيلي، بدلا من ارسالها بشكل مباشر الى القطاع. وذكرت صحيفة
حرييت التركية ان اسرائيل ستسمح ببناء مشفى ومعمل جديد للكهرباء ومحطة تحلية لمياه الشرب في القطاع.
وتعهدت تركيا ايضا بمنع حماس الاسلامية من تنفيذ اي انشطة ضد اسرائيل على ارضها، كما ذكرت صحيفة هارتس الاسرائيلية موضحة
ان الحركة ستواصل العمل من تركيا لاهداف دبلوماسية.
وتعرض نتانياهو لضغوطات في اسرائيل لعدم الموافقة على الاتفاق ما لم يتضمن ضغوطا على حماس لتسليم جثتي جنديين اسرائيليين قتلا
في الحرب على غزة في 2014 واسرائيليين اثنين آخرين يعتقد انهما على قيد الحياة ومحتجزين لدى حماس.
واكد مسؤول اسرائيلي ان اردوغان وافق على توجيه تعلميات “لكافة الوكالات التركية المعنية للمساعدة في حل قضية الاسرائيليين
المفقودين”.

 انعكاسات على الاقتصاد الاسرائيلي..

من جانبه اكد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو على ان الاقتصاد الاسرائيلي سيستفيد بصورة كبيرة من الاتفاق.
وصرح نتانياهو امام صحافيين  “اعتقد انها خطوة مهمة ان نقوم بتطبيع علاقاتنا”.
واكد نتانياهو ان اسرائيل التي ستباشر استغلال احتياطات من الغاز في البحر المتوسط تبحث عن منافذ لتصريف انتاجها.

  ميزان الربح والخسارة بين تركيا وإسرائيل..

يقول الخبراء ان هناك أهمية إستراتيجية عليا للعلاقة الوثيقة بين إسرائيل وتركيا. فخلافا للماضي لم تعد تركيا بحاجة إلى إسرائيل على اعتبار
أنها جسر للغرب، ومكانة إسرائيل  في أوروبا وإلى درجة كبيرة في الولايات المتحدة، لا تستطيع منحها الأهمية التي كانت لها في هذا المجال
في السابق.

لكن تركيا مثل إسرائيل كما يقول الخبراء تبحث عن أصدقاء جدد في المنطقة بعد الانكسار العميق الذي حل بها.
وتوجد للدولتين مصالح مشتركة، إضافة إلى التجارة المتبادلة بالغاز. فالدولتان مهددتان من الحرب في سوريا، وهما تهتمان جدا بمستقبلها، وهما
قريبتان بقدر معين من الخطر من مواقع «داعش». وما زال مبكرا الحديث عن تعاون عسكري بين الدولتين، لكن التنسيق السياسي
والإستراتيجي أمر ممكن بالتأكيد ـ وفي المدى القريب.حسب المححللين

جاء اتفاق المصالحة بين إسرائيل وتركيا متأخرا ست سنوات. وقد كان يمكن أن تتم المصالحة بعد بضعة أيام من الحادثة التي قتل فيها الجيش
الإسرائيلي تسعة مواطنين أتراك على سفينة «مرمرة».وبعد الصدام مباشرة، طلبت تركيا فقط الاعتذار ودفع التعويضات. ورفع الحصار عن
قطاع غزة لم يكن شرطا أساسيا حيث بسببه تأجل الاتفاق ست سنوات. إسرائيل وافقت على دفع التعويضات وفي ما بعد وبوساطة الرئيس باراك
أوباما قام نتنياهو بالاعتذار. لقد كانت هذه فرصة لرفع الحصار عن غزة والتوصل إلى ما تم التوصل إليه في الاتفاق الحالي على الأقل، لأن
إنشاء محطة لتوليد الكهرباء وإقامة مستشفى وموقع لتحلية المياه، وأيضا تقديم المساعدات عن طريق ميناء أسدود، كل ذلك لا يعني رفع
الحصار ولا يعطي حرية الحركة بين غزة والضفة الغربية أو الأردن، ولم تكن إسرائيل ستظهر كمن تنازلت. من الصحيح القول إن تركيا
تنازلت في هذا الموضوع، وتنازلت عن طلب رفع الحصار بشكل كامل، لكن التنازل التركي ليس إنجازا إسرائيليا.

حماس وتركيا ..

مازال البند الذي يقول إن تركيا لن تسمح لحماس بالقيام بأي نشاط عسكري على أراضيها،  يترك لحماس إمكانية بقاء تمثيل لها في تركيا وإدارة
العلاقات السياسية مع الدول والمنظمات الأخرى، لا سيما من أجل تجنيد الأموال التي تحصل عليها حماس.
ومن غير المؤكد أن تنجح تركيا في إقناع حماس بإدارة مفاوضات من خلالها لإعادة الجنود المفقودين، لأنه قبل الاتفاق تم الطلب من تركيا
الحصول على معلومات من ممثلي حماس ولكن بدون جدوى. وستستمر حماس في رؤية موضوع المفقودين ورقة مساومة مع إسرائيل وليس
هدية تُمنح لتركيا مقابل التوقيع على اتفاق المصالحة مع إسرائيل، خصوصا أن إعادة المفقودين، حسب منطق إسرائيل أيضا، ليس شرطا من
شروط الاتفاق، حتى لا يبدو وكأن اسرائيل تقوم بالتفاوض مع حماس. ويمكن القول وبمستوى عال من اليقين إنه إذا اقترحت حماس مفاوضات
كهذه، مباشرة أو غير مباشرة، فإن إسرائيل ستوافق.حسبما يرى الخبراء

لكن من الخطأ قياس ميزان الربح والخسارة للاتفاق من خلال رؤية حماس أو حسب المعيار المالي، نحو 80 مليون شيكل تقوم إسرائيل بدفعها
لصندوق خاص كتعويض لعائلات القتلى. فهناك  أهمية استراتيجية عليا للعلاقة الوثيقة بين إسرائيل وتركيا. وفي مقابل الفترة الطويلة حتى
قضية مرمرة، بما في ذلك فترة أردوغان، التي كانت فيها تركيا بحاجة إلى إسرائيل كرأس جسر للولايات المتحدة، لم تعد تركيا بحاجة إلى هذه
الخدمات. فمكانة إسرائيل  في الاتحاد الأوروبي وإلى درجة كبيرة في الولايات المتحدة أيضا، لا تمنحها الأهمية نفسها التي كانت لها في السابق.

البحث عن أصدقاء جدد..

ويقول الخبراء ان تركيا، مثل إسرائيل، تبحث عن أصدقاء جدد وإضافيين في المنطقة بعد الشرخ العميق الذي حطم مبدأ «صفر مشاكل مع
الجيران» الذي سعت إلى تحقيقه. بعد سنة من قضية الأسطول قطعت علاقاتها مع سوريا، تحطمت العلاقات مع مصر في تموز/يوليو 2013،
بعد أن رفض أردوغان الاعتراف بشرعية الرئيس السيسي، ولكن حتى قبل ذلك طرق مبارك كل باب في وجه تركيا. أما دول الخليج، بما فيها
السعودية، فقد رأت فيها خصما ودولة غير مرغوب فيها، حتى قرر الملك سلمان ملك السعودية في بداية هذه السنة ضمها إلى التحالف السني

ضد إيران، وروسيا تبذل كل جهد مستطاع كي تهين تركيا وتمس بها بعد إسقاط الطائرة الروسية.

صحيح أنه ليس لإسرائيل مكانة يمكنها أن تصالح بين تركيا ومصر أو روسيا، مثلما لا يمكن لتركيا أن تقرب السعودية من إسرائيل، ولكن
للدولتين مصلحة مشتركة تتجاوز رغبة إسرائيل في بيع الغاز إلى تركيا والجهد التركي لتنويع مصادر توريد الغاز وبشكل خاص تخفيف تعلقها
بروسيا. كلتاهما مهددتان من الحرب في سوريا، لكلتيهما مصلحة كبيرة في التأثير على مستقبلها، كلتاهما قريبتان بقدر خطير من قواعد
«داعش» ولكلتيهما توجد أسهم في السياسة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط.

ومن السابق لأوانه الحديث عن التعاون العسكري بين الدولتين، ولكن التنسيق السياسي والإستراتيجي، الثنائي ومتعدد الأطراف، بمشاركة
الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ممكن بالتأكيد وفي زمن قريب نسبيا. وبالتالي فمن المهم أن نتذكر أن هذا ليس اتفاق سلام بين دولتين
معاديتين، بل هو اتفاق لإعادة بناء ورفع مستوى العلاقات بين الدولتين والشعبين، اللذين شهدا فترات من العلاقات الممتازة. وحتى لو جاء هذا
متأخرا فهو ضروري جدا.

قفزة نوعية في العلاقات بين روسيا وتركيا

كان الكرملين رد على اسقاط الطائرة الروسية بفرض عقوبات تجارية على أنقرة، بينها تجميد العمل في أنبوب للغاز لنقل الغاز الروسي الى
اوروبا عبر تركيا وتوجيه السياح الروس بتجنب المنتجعات التركية.،وقال بوتين إن هذه الاجراءات لن تعلق الا إذا قدم أردوغان شخصياً
اعتذاراً لتركيا.،ولئن لم يصدر اي شيء  في شأن العقوبات، قال بيان الكرملين أن أردوغان أبدى جهوزيته للقيام بكل ما هو ضروري لمعاودة
العلاقات التقليدية الودية بين تركيا وروسيا، وأيضاً للعمل على محاربة الارهاب معاً.

و في أعقاب امتثال الرئيس رجب طيب اردوغان لشروط موسكو حول عودة العلاقات بين البلدين،سجلت  العلاقات بين روسيا وتركيا قفزة
نوعية في العلاقات بينهما  وأولها اعتذاره عن إسقاط المقاتلة الروسية في نوفمبر الماضي،واعلنت موسكو بدء تسيير رحلات طائراتها إلى مطار
“اتاتورك” في اسطنبول الذي لم يضمد جراحه بعد من جراء العملية الارهابية الاخيرة، فيما من المتوقع ان تستانف روسيا رحلاتها السياحية الى
المنتجعات التركية في غضون اسبوعين حسب المصادر الروسية الرسمية.
وبدأت  موسكو  في خطوات حثيثة مسيرة تطبيع العلاقات الروسية التركية صوب ما كانت عليه الحال قبل ذلك الحادث بلقاء جمع وزيري
خارجية البلدين سيرجى لافروف ومولود جاويش اوغلي في سوتشي اسفر عن تفاهم بشان العمل في الفترة المقبلة على مختلف الاصعدة؛ ومنها
التعاون السياسي والعسكري للتوصل الى تسوية سياسية في سوريا.. قالت المصادر إن تركيا على استعداد لتقديم تنازلات كثيرة بشأنها.
وجاء اعلان الرئيس بوتين عن رفع القيود على السياحة والعلاقات الاقتصادية والتجارية مع تركيا ليكشف عن بدء مرحلة جديدة يمكن ان يتوجها
اللقاء المرتقب للرئيسين بوتين واردوغان على هامش قمة العشرين المقرر عقدها في الصين في سبتمبر المقبل..
بل وربما قبل ذلك حسبما أعلن وزيرا خارجية البلدين فى لقائهما الأخير. وكان الرئيسان تبادلا الحديث لاول مرة منذ 24 نوفمبر تاريخ اسقاط
المقاتلة الروسية، بعد تكرار رفض الرئيس بوتين لكل مبادرات وطلبات نظيره التركي حول اللقاء معه في باريس، او حتى الرد على مكالماته
الهاتفية المتكررة منذ نهاية العام الماضي، ما يشير إلى أن الجانبين وكأنما كانا ينتظران اللحظة المناسبة لذلك، والتي جاءت في اعقاب
التفجيرات الارهابية التي ضربت مطار اتاتورك.

شروط موسكو الثلاثة..

على أن الخطوات التي سبقت ذلك- وكانت المقدمة المناسبة لانطلاق قطار عودة العلاقات- تبدو اليوم في حاجة إلى تفسير قد يجده البعض في
الرسالة التي بعث بها اردوغان لنظيره الروسي لتهنئته بالعيد القومي لروسيا واعرب فيها عن امله في عودة العلاقات الطبيعية بين البلدين.

وكانت روسيا قد استبقت التكهنات بعودة العلاقات بتأكيد أن رسالة التهنئة “اجراء بروتوكولي”، وان روسيا تنتظر تنفيذ شروطها لعودة
العلاقات، واوجزتها في ثلاثة شروط، اولها: الاعتذار الواضح والصريح من جانب تركيا، والثاني: دفع التعويضات عن القاذفة الروسية “سو24”
التي اسقطتها تركيا في 24 نوفمبر 2015 فوق الاراضي السورية وتقدر بقرابة 30 مليون دولار، وعن مقتل الطيار اوليج بيشكوف، وزميله

الذي استشهد لدى محاولة انقاذه. اما الشرط الثالث والاخير فيتمثل في تسليم او محاكمة المواطن التركي الب ارسلان جيليك الذي كان تفاخر امام
عدسات التليفزيون بانه قتل الطيار الروسي لدى محاولة هبوطه بالمظلة بعد اسقاط طائرته.

ورغما عن عدم حدوث ذلك، فإن موسكو بادرت بدعوة انقرة للمشاركة في مؤتمر وزراء خارجية بلدان منظمة التعاون الاقتصادي لحوض البحر الاسود المقرر عقدها في سوتشي، وقال نائب وزير خارجيتها فاسيلي نيبيزنيا انه لا يستبعد عقد مباحثات ثنائية معه على هامش الاجتماع، وهو ما تحقق بالفعل. وقد سارع بعض المراقبين إلى التنبؤ باحتمالات طى صفحة الخلافات بين تركيا وروسيا لاسباب كثيرة، منها ما تكبده الجانب التركي من خسائر سياسية واقتصادية ومعنوية كثيرة، في نفس الوقت الذي لقي فيه الجانب الروسي ايضا الكثير من المتاعب على ضوء استمرار العقوبات الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة وحلفائها في الاتحاد الاوروبي، فضلا عن الحاجة الى دور تركيا من اجل تسوية
الازمة السورية، وفك ارتباطها بالتنظيمات الارهابية.

ولم تكن التفسيرات تقتصر على العلاقات الثنائية وحسب، بل الى حاجة الجانبين- ومعهما الكثير من بلدان المنطقة- الى سرعة تجاوز المصاعب التي تتناثر على طريق تسوية الازمة السورية، وضرورة فك الارتباط الذي طالما جمع بين تركيا وعدد من التنظيمات الارهابية، وهو ما سبق وتصدر قائمة الاتهامات الروسية لانقرة ابان تصاعد الازمة التي نشبت بين الجانبين. وكان الرئيس فلاديمير بوتين كشف النقاب عن المراسلات والاتصالات التي جرت مؤخرا بين انقرة وموسكو حين قال انه بحث مع نظيره التركي رفع القيود المفروضة على حركة السياحة الروسية إلى تركيا مع ضرورة اتخاذ الاجراءات الامنية اللازمة، مؤكدا انه سيكلف الحكومة الروسية ببدء الاتصالات مع الجانب التركي لبحث عودة التعاون الثنائي المتبادل المنفعة بين البلدين في مجالات التجارة والصناعة وغيرهما من المجالات.

وقد جاءت تعليمات الرئيس بوتين باتخاذ ما يلزم على طريق سرعة عودة العلاقات مع تركيا على غير ما توقع عدد من كبار ممثلي الدولة والحكومة، ومنهم دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الرئيس بوتين الذي كان اشار الى ان “تطبيع” العلاقات الروسية التركية سيستغرق وقتاً، وانه يجب عدم تصور أن نصل الى تطبيع كل شىء خلال بضعة أيام. وبغض النظر عن الجدل الذي انخرط فيه كثيرون ومنهم رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم حول حقيقة اعتذار او اسف الرئيس اردوغان والتعويضات التي التزم بها، فان الواقع يقول بامتثال الجانب التركي لكل شروط موسكو بما فيها محاكمة المواطن التركي الذي تورط في اغتيال طيار المقاتلة الروسية اوليج بيشكوف لدى محاولته الهبوط بالمظلة في اعقاب اسقاط طائرته.

وعلى ذلك يتضح  حقيقة اسباب التحول الذي طرأ على مواقف الرئيس اردوغان ومنها المشاكل الداخلية والخارجية التي يواجهها، بما في ذلك التوتر الذي يشوب علاقات بلاده مع الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الاوروبي، فضلا عن الخسائر الاقتصادية الهائلة التي تكبدتها تركيا من جراء العقوبات التي فرضتها موسكو في اعقاب الحادث.
ومن المعروف ان روسيا كانت الشريك الثاني الاكبر لتركيا بعد الاتحاد الاوروبي حيث كان حجم التبادل التجاري وفق اخر الاحصائيات يبلغ 33 مليار دولار، في الوقت الذي كان الجانبان اتفقا فيه على رفع هذا الرقم حتى مائة مليار دولار بحلول عام 2023، الى جانب الخسائر التي تكبدها قطاعها السياحى نتيجة توقف حركة السياحة الروسية التي كانت تقدر بقرابة الخمسة ملايين سائح سنويا.
ومن المشروعات التى تاثرت بقرار موسكو كان مشروع المحطة النووية بمفاعلاتها الاربعة، الى جانب مشروع “السيل الجنوبي” لنقل الغاز الى تركيا ومنها الى اوروبا بقدرة تقترب من 63 مليار متر مكعب كانت كافية لتحويل تركيا الى احد اكبر المراكز الاقليمية لتوزيع الطاقة.

وتأتي المصالحة بين الدولتين اللتين كانتا تعتبران حتى وقت قريب حليفتين طبيعيتين وعملتا معاً لمواجهة إيران وسوريا، وسط آمال باستثمار حقول الغاز في المتوسط والمخاوف المشتركة من تنامي الاخطار الأمنية في المنطقة، وتحديداً التهديد الجهادي المتفاقم في سوريا.
وسواء كان الاعتذار التركي لموسكو نتيجة جانبية لهذه المصالحة، وخصوصاً بعد الود الملحوظ بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، أم لا، قد يؤسس هذان التطوران لدينامية جديدة في المنطقة .