القاهرة - اخبار مصر

يمثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي باستفتاء شعبي حادثة تاريخية نادرة، مرحلة مفصلية فى التأريخ الدولى حيث يمكن ان صورة العالم تتغير بين مرحليتن : مرحلة ما “قبل خروج بريطانيا” وما “بعد خروج بريطانيا”.

ومن الطبيعي أن يمتد تأثير مثل هذه الأحداث التاريخية ليطاول التوازنات الأوروبية ومن ثم الدولية، فضلاً عن تأثيراتها المباشرة على الأسواق والعملات والاقتصاد حول العالم.

ويرى الاقتصادى العالمى محمد العريان، إن النتائج الصادمة لاستفتاء المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبى تثير أسئلة دون اجابة ، وسوف يتسبب عدم اليقين الكبير فى خليط من الاضطرابات السياسية، والتقلبات المالية، والضرر الاقتصادى فى الأسابيع المقبلة، وهذا يترك لنا سبعة دروس من هذا القرار تمتد عواقبها إلى ما وراء بريطانيا.

ومن وجهة نظر “العريان”، فإن قرار الخروج من الاتحاد الأوروبى مرتبط بفترة طويلة من النمو المنخفض، خاصة النمو الذى استفادت منه بعض الفئات أكثر من الأخرى.

وقال الاقتصادي العالمي، فى مقال له على وكالة بلومبرج، إن خروج بريطانيا يندرج تحت قائمة الأشياء غير المتوقعة التى باتت واقعاً، وإذا لم يَفِق الساسة حول العالم بعد قرار بريطانيا التصويت لصالح الخروج، فإن هذه القائمة سوف تطول فى الشهور المقبلة.

وتشمل الدروس السبعة من وجهة نظر العريان:

1- تفككات اجتماعية وسياسية فى كل مكان:

فقرار “الخروج” يتعلق بأكثر من مجرد أغلبية ضئيلة من المواطنين رفضوا اتباع قادتهم السياسيين، وإنما ينبغى أن ينظر إليه على أنه رفض ملحوظ للنخبة السياسية والاقتصادية، وكذلك آراء الخبراء.

2- الحملات المريرة والانقسامية هى الوضع الطبيعى الجديد فى السياسات القومية : وقد غذى هذه الحملات الطاحنة الانقسامات الأوسع فى الدولة، ونتيجة ذلك، ولكثرة هذه الانقسامات، جاء قرار الاستفتاء لصالح الخروج دون تقدير حقيقى لحجم العواقب.

3- الافتراضات التاريخية لم تعد تنطبق على الأحزاب الراسخة:

مثل ما يحدث مع الحزب الجمهورى فى الولايات المتحدة، والذى اتخذ خطوة بعيداً عن التجارة الحرة، أما فى بريطانيا، فقد كان المحافظون، بجانب الأحزاب السياسية الرئيسية الأخرى فى الدولة، الأكثر انقساماً بشأن فوائد أكبر منطقة تجارة حرة فى العالم (منطقة اليورو).

4- الأحزاب الهامشية والمناهضة للقيادة يمكنها تغيير السياسة حتى وإن لم يكن لهم فرصة فى كسب السلطة:

اضطر رئيس الوزراء، ديفيد كاميرون، فى مواجهة خطورة أن يقفز بعض من قاعدة مؤيدى حزبه إلى أحضان حزب الاستقلال البريطاني، إلى التعهد بإجراء استفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبى لكى يضمن إعادة انتخاب حزب المحافظين، ولكنه لم يدرك حجم المقامرة التى كان يتخذها، وهى مقامرة قسمت حزبه، ورداً على نتيجة استفتاء يوم الخميس، أعلن أنه سوف يستقيل.
5- سياسات الأحزاب الهامشية تغذى نفسها بنفسها حتى عبر الحدود:

ويقول “العريان”، إنه على سبيل المثال، تعززت سياسات الغضب فى المملكة المتحدة بعد ظهور دونالد ترامب على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي، ومن المرجح أن تتجرأ الحركات المناهضة للقيادة السياسية والاقتصادية بعد قرار التصويت بالخروج، خاصة أنها كانت تكتسب زخماً منذ فترة عبر معظم أوروبا، أما داخل بريطانيا، فهذا القرار سيؤدى إلى عدم رضا فى اسكتلندا وشمال أيرلندا.

6- لم تعد الأسواق المالية، و”حكمة الأكثرية” التى تقودها، أفضل فى التنبؤ بالنتائج السياسية من معظم الناس:

قبيل تصويت يوم الخميس، ارتاح المتداولون لفكرة أن معسكر “البقاء” سوف يهيمن، وكانت النتيجة صعوداً استمر لعدة أيام فى الجنيه الإسترلينى والأسهم، ثم سُحقت هذه المكاسب لاحقاً بطريقة وحشية.

7- تمت إضافة “خروج بريطانيا” إلى قائمة الأشياء التى لم تكن لتخطر على البال، ولكنها أصبحت واقعاً:

تحدث أشياء غريبة عندما تعيش الاقتصادات المتقدمة لفترات طويلة فى «وضع طبيعى جديد» من النمو المتباطئ، وعدم المساواة المتزايدة، وهذه الأشياء أيضاً مثل أسعار الفائدة الاسمية السلبية، وصعود دونالد ترامب كمرشح رئاسى محتمل عن الحزب الجمهوري، وإذا لم يُفِق الساسة حول العالم بعد قرار بريطانيا التصويت لصالح الخروج، فإن قائمة الأشياء غير المتوقعة سوف تطول فى الشهور المقبلة.

وفي فيديو صغير نشره “العريان” على حسابه الرسمي على موقع الشبكة الاجتماعية “فيسبوك” وصف الخطوة البريطانية بالصيحة قائلا “هذه صيحة لإيقاظ سياسيينا”.

ويضيف “هناك الكثير لنتابعه في الأيام المقبلة، وهناك رسالة شديدة الأهمية، رغم أنها ليست جديدة، فهي لم تكن قط أوضح من الآن، مرة أخرى، يظهر الانقسام بين ما تريده المؤسسة السياسية والخبراء من الشعب، وبين ما ترغب به أغلبية هذا الشعب”.

ويتابع الاقتصادي العالمي “هذا انعكاس للإحباط من النمو المتدني وتصاعد عدم المساواة، وإن لم يقم سياسيونا بخطوات نحو نمو أكثر ارتفاعاً وشمولاً، فستصبح الخيارات غير المحتملة، مثلما كان خروج بريطانيا، واقعاً”.

العريان اعتبر أن ما شهدته بريطانيا اليوم بتصويتها لمغادرة الاتحاد الأوروبي هو حدثٌ تاريخي في غاية الأهمية، ستكون له تبعات سياسية ومالية واقتصادية واجتماعية ضخمة. قائلاً: “إن أردنا أن نصوغ الوضع ببساطة: لقد أنتجت كماً ضخماً من عدم اليقين المؤسسي، علاوة على الهشاشة الاقتصادية وتدفق رؤوس الأموال إلى الاقتصاد العالمي”.

وتوقع العريان أن يعاني حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا أثناء محاولته إعادة توحيد وحكم دولة الكثير من الضغوط من اسكتلندا وأيرلندا الشمالية، محذراً الاتحاد الأوروبي بقوله: “عليه أيضاً أن يقلق من تأثير الدومينو”.

وعلى الصعيد المالي، يرى العريان أن المستثمرين الغاضبين سيحاولون حماية صفقاتهم في مرحلة لا تتوافر فيها السيولة بسهولة، متوقعاً تضرر الناتج الإجمالي المحلي بشدة لكل من المملكة المتحدة وأوروبا، بينما سيعتمد انتشار هذا الضرر لباقي العالم على التقلبات المالية بشكل جزئي.