إعداد : سميحة عبد الحليم

عادت مدينة حلب الى واجهة الاحداث.. تلك المدينة السورية الأكثر قدما وعراقة بين مدن العالم والتي احترقت  منذ ايام .. حازت حلب لقب الأرض المحروقة  بعد أن باتت بفعل الغارات  خارج التاريخ والجغرافيا‏..‏ حولتها براميل متفجرة تلقي بشكل عشوائي علي المناطق السكنية إلي قطعة من جهنم‏.
ما ادى الى تغيير خريطة الصراع في سوريا وتحديد موازين القوة في المرحلة المقبلة..
ولحلب اهمية رمزية كبيرة بالنسبة الى النظام السوري باعتبارها تشكل معركة حاسمة في انهاء صراعه مع الفصائل المسلحة وفق محللين، في وقت من شأن خسارة الفصائل لحلب ان يوجه ضربة شبه قاضية لها بعد تراجع نفوذها مع تصاعد نفوذ التنظيمات الجهادية.
وحلب ثاني كبرى مدن سوريا مقسمة منذ تموز/يوليو 2012 بين احياء شرقية تسيطر عليها الفصائل المعارضة واحياء غربية تسيطر عليها قوات النظام.

 الجهود الدبلوماسية ..
بموازاة التطورات الميدانية، تكثفت الجهود الدبلوماسية من اجل اعادة احياء اتفاق وقف الاعمال القتالية لا سيما في حلب.

البرلمان العربي..
ففي مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة عقدت لجنة الشئون الخارجية والسياسية والأمن القومي للبرلمان العربي،  اجتماعا لبحث تطورات الأوضاع في مدينة حلب السورية.وكرس الاجتماع الذي عقد على جلستين لبحث آخر التطورات في الملف السوري، خاصة الأوضاع في مدينة حلب، ومعاناة المدنيين هناك جراء المعارك التي تشهدها المدينة. وكان رئيس البرلمان العربي أحمد بن محمد الجروان، قد أصدر بيانا دان فيه عمليات القصف التي تعرضت لها مناطق متفرقة من سورية، لاسيما القصف الذي طال مستشفى في مدينة حلب.

مبعوث الأمم المتحدة ..
وفي برلين، التقي مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دى ميستورا  كلا من وزير الخارجية الالماني فرانك فالتر شتاينماير ووزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت، كما التقي المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات الممثلة لاطياف واسعة من المعارضة السورية رياض حجاب.
وقال مصدر دبلوماسي اوروبي معلقا على هذه المحادثات “نسعى لاعادة تحفيز مختلف الاطراف. وهي فرصة جيدة للاستماع الى المعارضة، وتقديم دعمنا”، مؤكدا ان “الاعمال القتالية في حلب استؤنفت بمبادرة من النظام”.

مجلس الأمن..
فيما عقدت الدول الـ15 الأعضاء فى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اجتماعا لبحث الوضع فى حلب حيث تدور معارك ضارية بين قوات النظام والفصائل المقاتلة.
وتوصلت واشنطن وموسكو إلى اتفاق للعمل مع الاطراف على الارض لتوسيع وقف الاعمال القتالية فى سوريا بحيث يشمل مدينة حلب.
وأثار استهداف المستشفيات فى الأحياء الخاضعة لسيطرة الحكومة والفصائل المقاتلة على حد سواء فى حلب، غضبا دوليا.
واتهمت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا النظام السورى بتأجيج العنف، فيما أشارت روسيا حليفة دمشق، إلى التأكيد على دورالجيش السورى فى مواجهة الجماعات “الإرهابية” فى حلب.

التطورات الميدانية..
وبرغم الجهود الدبلوماسية المكثفة لاعادة احياء اتفاق وقف الاعمال القتالية في البلاد.، دارت معارك عنيفة في مدينة حلب في شمال سوريا في وقت تجددت الغارات والاشتباكات قرب العاصمة دمشق .وتشهد مدينة حلب فى الايام الاخيرة تصعيدا عسكريا اسفر عن مقتل مئات المدنيين بينهم اطفال ، وتستهدف الطائرات
الحربية السورية الاحياء الشرقية، فترد الفصائل المعارضة المسلحة بقصف الاحياء الغربية الواقعة تحت سيطرة قوات النظام بالقذائف الصاروخية.
وفرضت الولايات المتحدة وروسيا “نظام تهدئة” في الغوطة الشرقية وريف اللاذقية (غرب) الشمالي  وكان الهدف منه تثبيت اتفاق وقف الاعمال القتالية المعمول به في سوريا منذ نهاية شباط/فبراير. لكنه انهار نهاية نيسان/ابريل في مدينة حلب .الا ان الغارات اشتدت قبيل تنفيذ الهدنة .ثم تم اختراق الهدنة .

 هدنة في حلب.. بضمانة أميركية ـ روسية..

اتفقت روسيا والولايات المتحدة على توسيع اتفاق الهدنة في سوريا ليشمل حلب، التي استطاع الجيش السوري بعد معارك ضارية مع مجموعات مسلحة، تقودها «النصرة»، استرداد جميع المواقع التي انسحب منها.
وسبق الاتفاق الروسي – الأميركي، ربط المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا هدنة حلب بمفاوضات جنيف. وقال دي ميستورا، خلال اجتماع مع وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير والفرنسي جان مارك ايرولت في باريس ومنسق «الهيئة العليا للمفاوضات» رياض حجاب في برلين، إن الحل البديل من نجاح المفاوضات لإعلان الهدنة سيكون كارثياً، لأننا يمكن أن نرى 400 ألف شخص يتحركون باتجاه الحدود التركية.وأعلن أنه لا يزال «يؤمن بعملية جنيف، ولكن يجب أن نرى  أن وقف الأعمال القتالية بدأ تنفيذه مجددا، معتبراً أن «المحك هو حلب».
وجدد وزير الخارجية الفرنسى تحميل النظام السوري مسؤولية تجدد المواجهات، فيما شدد وزير الخارجية الألماني  على أنه لن يكون هناك عودة إلى جنيف إذا لم يُحترم وقف إطلاق النار في حلب وحولها.
ودعا ايرولت لاجتماع  في باريس بمشاركة 10 دول، بينها السعودية وقطر والإمارات وتركيا. وقال يجب تسوية كل شيء للعودة إلى مسار الهدنة.
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، أن واشنطن وموسكو اتفقتا على توسيع اتفاق وقف الأعمال العدائية ليشمل حلب، مضيفة أن أميركا تتوقع أن تضغط روسيا على الرئيس بشار الأسد للالتزام بالترتيب الجديد، وأميركا ستقوم بدورها مع المعارضة.
وقالت الخارجية في بيان لها منذ أن بدأ سريان الهدنة لاحظنا تراجعاً عاماً للعنف في هذه المناطق، رغم أن هناك معلومات تتحدث عن استمرار المعارك في بعض الأماكن.
وأعلنت الخارجية الأميركية أن موسكو وواشنطن ستنسقان لتعزيز سبل مراقبة الترتيبات الجديدة. وقال المتحدث باسم الخارجية  لا يزال هدفنا، مثلما كان دائماً، هو التوصل لاتفاق واحد لوقف الأعمال القتالية يغطي سوريا كلها، وليس سلسلة من اتفاقات الهدنة المحلية. لا يمكن تبرير الهجمات ضد المدنيين، وهذا الأمر يجب أن يتوقف فورا. مشيرا إلى انه سيتم أيضاً تمديد الهدنة في الغوطة الشرقية في دمشق لمدة 48 ساعة.

وكانت اشتباكات قد اندلعت عند أطراف حلب بين القوات السورية ومجموعات إسلامية، تقودها «جبهة النصرة»، اثر هجوم شنه المسلحون على الأحياء الغربية. واستطاعت القوات السورية استرداد المواقع التي خسرتها على جبهة جمعية الزهراء والفاميلي هاوس.
وفي الغوطة الشرقية في ريف دمشق، تجددت الغارات والاشتباكات مع انتهاء المهلة المحددة لاتفاق التهدئة  وذكر «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، في بيان، «استهدفت 22 غارة جوية على الأقل الغوطة الشرقية، وتحديدا أطراف بلدتي شبعا ودير العصافير، ترافقت مع اشتباكات عنيفة بين القوات السورية والمسلحين».

على جانب آخر، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن موسكو سحبت نحو 30 طائرة من سوريا، بما في ذلك كل طائراتها الهجومية من طراز «سوخوي 25».

 وسياسيا..  اتهم الرئيس بشار الاسد”العديد من الدول الغربية والاقليمية” بانها تواصل “دعم الارهابيين سرا وعلنا على حد قوله وتوفر الغطاء لهم بالرغم من الجهود الرامية الى وقف القتال ودعم الحل السياسي فى سوريا”.

جدير بالذكر  ان النظام السوري يتلقى مساندة من روسيا وحزب الله اللبناني وايران في حين يقوم التحالف الدولي بقيادة واشنطن التي تدعم فصائل المعارضة بضرب اهداف لتنظيم داعش المسؤول عن ارتكاب فظاعات في سوريا والعراق واعتداءات دامية في الغرب.

معركة حلب حشد لها النظام السوري قوات من حزب الله ومليشيات شيعية عراقية وأفغانية وباكستانية, فضلا عن تشكيلات إيرانية من اللواء65 وتشكيلات الحرس الثوري في ريف حلب الجنوبي, في حين جاء النظام بمنصات صواريخه من جميع أنحاء سوريا ونشرها حول حلب.

ولم يهنأ سكان هذه المدينة باتفاق الهدنة لفترة طويلة اذ تجددت اعمال العنف فيها خلال الايام القليلة الماضية، لتعود الامور الى ما كانت عليه منذ العام 2012.

 نبذة عن حلب..

حلب هي إحدي أكثر المحافظات السورية سكانا, يبلغ سكانها نحو خمسة ملايين نسمة. تقع في أقصي الشمال السوري علي مقربة من الحدود التركية،  وتبعد عن دمشق حوالي355 كيلومترا تقريبا. تنقسم محافظة حلب بحسب التقسيم الإداري إلي ثماني مناطق وتعد أهم مركز صناعي في سوريا, إضافة إلي أهميتها التجارية والزراعية, وهي من أقدم وأشهر مدن العالم.
يعود تاريخها إلي نحو سبعة آلاف عام, وكانت عاصمة للدولة العمورية الواسعة( يمحاض) التي وجدت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قبل الميلاد, ومنذ ذلك التاريخ ظلت مدينة حلب تلعب أدوارا مهمة في التاريخ الإنساني.
في العهد المسيحي أصبحت حلب أبرشية, وأقيمت فيها كاتدرائية ما زالت قائمة حتي اليوم, ثم فتحها المسلمون عام636 للميلاد(16 للهجرة) علي يد الصحابيين الجليلين أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد, وازدهرت في العهد الإسلامي, وكانت من أهم المدن في الفترة الأموية.
وبلغت ذروة ازدهارها في فترة الدولة الحمدانية حيث كانت عاصمة لها وقبلة لعلمائها وشعرائها, وشهدت المدينة حينئذ ازدهارا كبيرا في مجالات العلم والطب والأدب, ومنها أيضا قاد سيف الدولة معاركه الكثيرة ضد الروم, وقد خلد تلك الفترة وما حفلت به من مآثر وأمجاد عدد من أبرز شعراء العرب, وعلي رأسهم أبو الطيب المتنبي وأبو فراس الحمداني.
وتعود أهميتها الإستراتيجية لكونها نقطة وصل رئيسة بين الشرق والغرب, كما ظلت طيلة عهودها الغابرة مركزا سياسيا واقتصاديا ودينيا وحيويا مهما بسبب توسطها بين العالمين الشرقي والغربي. وفضلا عن كونها نقطة التقاء حضاري وثقافي بين الشرق والغرب, كانت أيضا ملتقي للقوافل التجارية ومفتاحا للمبادلات التجارية بين الطرفين.

صناعات عريقة..
اشتهرت حلب بصناعاتها العريقة المعروفة منذ القدم كصناعات النسيج وحلج القطن وصناعة صابون الغار وصناعات زيت الزيتون والصناعات الغذائية, كما تشتهر بأنواع كثيرة من المنتجات والصناعات التقليدية إضافة إلي الصناعات الحديثة المتطورة بكل أنواعها.وتطورت هذه الصناعات في العصر الحديث لتشمل الأجهزة الكهربائية بأنواعها والمعدات والآلات الصناعية وصناعة هياكل السيارات وقطع الغيار والسيراميك والملابس الجاهزة والبلاستيك والصناعات الكيميائية والمشغولات الذهبية.

حلب في تصنيف اليونسكو..
صنفتها منظمة اليونسكو ضمن المدن التاريخية لاحتوائها علي أكثر من150 من عيون الآثار التاريخية لمختلف الحضارات الإنسانية التي عاشت في المدينة وتعاقبت علي حكمها حتي اليوم.
اشتهرت مدينة حلب بأسواقها المتنوعة التي سميت بأسماء الحرف والصناعات, مثل سوق العطارين وسوق الحدادين وسوق النحاسين, كما عرفت أيضا بمساجدها وكنائسها, ومن أهم مساجدها وجوامعها الجامع الكبير الذي بني في العهد الأموي. كما تعرف المدينة أيضا بأسوارها وأبوابها وقلاعها العظيمة, وتعد قلعة حلب من أهم معالمها التاريخية, ومن أهم القلاع في العالم, وتقع وسط المدينة علي ارتفاع عشرات الأمتار عن مستوي بقية المدينة, واحتفظت القلعة طيلة الفترات التاريخية بأهمية عسكرية وإستراتيجية كبيرة.

البراميل المتفجرة..

البراميل المتفجرة هي سلاح بدائي لكنه ذو أثر تدميري شديد الفتك رخيص التكلفة, شاع إثر استخدام النظام السوري له في مواجهته للثورة الشعبية التي اندلعت ضده. تشمل مكونات البراميل المتفجرة قوالب معدنية أو إسمنتية مزودة بمروحة دفع في الخلف وبصاعق ميكانيكي في المقدمة, ولها روافع علي أطرافها تعين علي وضعها في الطائرة التي ستلقيها- تبعا لقانون السقوط الحر- علي المكان المستهدف.
تحمل هذه البراميل ما بين200 و300 كيلوجرام من مادة تي أن تي المتفجرة, وتضاف إليها مواد نفطية تساعد في  اندلاع الحرائق عند إصابة الهدف, وقصاصات معدنية مثل المسامير وقطع الخردة المستخدمة في صناعة السيارات, لتكون بمثابة شظايا تحدث أضرارا مادية في البشر والمباني, خاصة إذا كان القصف مباغتا.
ومن خصائص البراميل المتفجرة أنها لا يتطلب أي توجيه تقني, ويتم إلقاؤها من المروحيات علي المناطق السكنية المكتظة, لتـحدث دمارا كبيرا وضغطا هائلا مصحوبا بكتل كبيرة من اللهب داخل دائرة قطرها250 مترا دون أي دقة  في إصابة الأهداف.
استخدام هذه البراميل كان فكرة سوفيتية قديمة مستقاة من قنابل تسميFAB)) وظهرت في العراق عام2014, حيث بدأت الحكومة العراقية إلقاء البراميل المتفجرة علي الأحياء السكنية في المناطق الخارجة عن سيطرتها و يرصد المراقبون1673 برميلا متفجرا ألقاها سلاح الجو النظامي علي مختلف المحافظات السورية حتي بداية2014   لكونه سلاحا بدائيا رخيصا, ولقدرته علي إحداث الدمار بأوسع نطاق تطبيقا لإستراتيجية الأرض المحروقة.
وتؤكد الإحصائيات مقتل ما لا يقل عن2748 شخصا منذ بدء الثورة ودمار وتضرر نحو5400 مبني حتي مطلع  عام2014, جراء إسقاط طائرات النظام للبراميل المتفجرة عشوائيا.
ويصف حقوقيون هذه الأسلحة- التي لم يسلط الضوء عليها كثيرا لندرة استخدامها في الحروب النظامية- بأنها شديدة العشوائية ولا تصيب أهدافا عسكرية محددة, ونسبة97% من ضحاياها مدنيون.

سوريا.. الطائفية ومخاطر التقسيم
نظرة تحليلية .. لا منتصر ولا مهزوم

يرى المحللون السياسيون انه فى ظل تركيبة سكانية بالغة التعقيد كان طبيعا أن يصبح الوضع في سوريا طائفيا بامتياز حيث فتحت الباب علي مصراعيه لمقاتلين من نحو30 دولة يقاتل بعضهم بعضا حتي آخر قطرة دم..النتيجة لا منتصر ولا مهزوم..

دخول حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني علي الخط منذ اللحظات الأولي لتوفير الدعم والإسناد لنظام الأسد,أكسب المعركة لونا طائفيا شيعيا وأشعل نيران كراهية وعداوات طائفية لن تنطفئ بسهولة.

ويشكل المسلمون السنة اغلبية سكان حلب، معظمهم عرب مع بعض الاكراد والتركمان، كما تسكن المدينة اكبر جالية مسيحية في سوريا بمن فيهم العديد من الارمن اضافة الى جاليات شيعية وعلوية.

 تقارير المخابرات الأمريكية..سوريا المقسمة

حسب تقارير للمخابرات الأمريكية كشف عنها النقاب مؤخرا فإن ايران وحزب الله شكلا شبكة من الميليشيات داخل سوريا للحفاظ علي مصالحهما وحمايتها إذا سقط الأسد, عبر مسارين: الأول دعم النظام والثاني تحضير المسرح إذا تفسخت سوريا إلي جيوب عرقية وطائفية منفصلة. وهنا تنقل صحيفة واشنطن بوست عن مسئول رفيع بالإدارة الأمريكية أن إيران تساند ميليشيات قوامها50 ألف مقاتل داخل سوريا حاليا بهدف دعم النظام السوري, مع تأكيد الحصول علي قوة داخل سوريا تكون موضع ثقة ويمكن الاعتماد عليها فيما بعد.
وذكرت الصحيفة أن تفكك سوريا علي أساس ديني وقبلي يثير قلق الحكومات المجاورة والإدارة الأمريكية, خصوصا أن القتال يستمر ولا مؤشر علي حل سياسي أو نصر عسكري لقوات النظام أو المعارضة.
يكمن الخطر في أن كل لاعب داخل سوريا لديه طرف خارجي يدعمه, فالأكراد علي سبيل المثال لديهم مناطقهم في شمال شرق البلاد. هناك أيضا الأقليات المسيحية التي اختارت دعم الأسد خوفا من وصول الإسلاميين للسلطة, بالإضافة إلي700 ألف من الدروز.
وفي سوريا المقسمة سيكون حلفاء إيران الطبيعيون هم الشيعة والعلويون من طائفة الأسد الذين يتمركزون قرب الحدود السورية اللبنانية ومدينة اللاذقية.

السيناريو الإسرائيلي..

في عام1982, سربت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية دراسات عن ضرورة بلقنة المنطقة العربية  علي غرار تقسيم وتفجير الصراعات في منطقة البلقان وتقسيمها علي أساس عرقي وطائفي..
وكانت سوريا بحكم تركيبتها السكانية التي يغلب عليها البعد الطائفي هي النموذج المطروح للتطبيق, وذلك حتي تتفرد  إسرائيل وربما معها تركيا في مرحلة من المراحل بقيادة المنطقة والهيمنة علي مقدراتها, بعد أن تغرق دولها في أتون  حروب داخلية لا نهاية لها.
وقد تراجع الحديث الإسرائيلي علنا عن مخطط البلقنة لبعض الوقت, لكنه عاد مجددا للظهور مع وجود بيئة خصبة وظروف مواتية, تمثلت في الثورة علي نظام الأسد ومحاولات الدفع في اتجاه حصر الثورة في البعد الطائفي والصراع بين الأغلبية السنية والأقلية العلوية الشيعية الحاكمة.
وأخيرا عادت الدراسات الإسرائيلية لتكشف عن مخطط تقسيم سوريا إلي دولتين, الأولي علوية والثانية سنية للحيلولة  دون صعود السنة لسدة الحكم, وذلك حسبما يقول مركز سيكور ميموكاد للدراسات في إسرائيل.
وترجع الدراسة التحرك علي هذا الصعيد لفشل القوي الدولية في الاتفاق علي التدخل العسكري في سوريا بسبب الجوار مع إسرائيل. ويكشف المخطط عن تقسيم سوريا لدولتين علوية في الغرب وسنية في الشرق, محذرة من الوقوف إلي جانب ما أسمته بالإسلام الراديكالي, تحت دعوي مساندة ثورات الربيع العربي.
هنا يظهر واحد من السيناريوهات المحتملة كما تقول واشنطن بوست يتبقي من نظام الأسد- سواء بقي الرئيس السوري في الحكم أم لا- مجرد ملاذ ساحلي شيعي حول اللاذقية مرتبط بطهران..

أما أسوأ السيناريوهات فيدور حول تمركز النظام السوري بكامله في شمال غرب البلاد لتبقي له وحدة مسلحة قوية داخل سوريا لديها الكثير من التركيبة الحالية, ليصبح الأمر أشبه بما حدث للبنان خلال حقبة سبعينيات القرن الماضي, حيث تفككت إلي مكونات عرقية, وكما حدث للعراق, ليكون من الصعب للغاية إعادة توحيد سوريا كدولة مرة أخري.

تاريخ من الدم ..فى حلب

ليست هذه أول مجزرة تتعرض لها حلب المدينة السورية العريقة, سواءا منذ انطلاق الثورة ضد نظام الرئيس بشار الأسد في العام2011 أو علي مر تاريخها.
ففى 1260 سقطت حلب في يد التتار, وأباح هولاكو المدينة لجنوده لمدة7 أيام, فقتلوا الكثير من أهلها وسبوا العديد من النساء والأطفال, كما نهبوا القصور والممتلكات, وبعد أن انتهوا قاموا بحرقها.
وفى 1798 كان صراع الإنكشارية مع طائفة الأشراف في العام1798, حيث استطاع الإنكشارية قتل الكثير منهم بعدما ضمنوا لهم خروجهم آمنين من مسجد الأطروش. كما تذكر موسوعة المعارف البريطانية وقوع مجزرة في حلب في العام1814 علي يد الإنكشارية, إلا أن تفاصيلها مبهمة.
وفى 1850تتحدث الوثائق عما تسميه قومة حلب, وهي مجزرة وقعت في16 أكتوبر من عام1850 ضمن أحداث فتنة  طائفية بين المسلمين والمسيحيين القاطنين في حي الصليبة والجديدة بحلب, والتي نتج عنها مقتل14 ألف شخصا ونهب بيوت وكنائس.
وشهدت مدينة حلب عام  1980 العديد من المجازر التي وقعت علي يد النظام بهدف القضاء علي جماعة الإخوان المسلمين, كان أهمها مجزرة حي المشارقة التي أسفرت عن مقتل100 شخص. بالإضافة إلي مجزرة سوق الأحد التي وقعت يوم13 يوليو1980 وراح ضحيتها أكثر من192 قتيلا, ومجزرة بستان القصر في12 أغسطس من نفس العام  وحصدت35 قتيلا من المدنيين.

وحديثا ..تعرضت حلب عقب انضمامها للمدن المؤيدة للثورة ضد الأسد للعديد من المجازر, كانت بدايتها في منتصف العام2012, بعد دخول الجيش الحر إليها, وسيطرته علي الجزء الشرقي من المدينة.

حرب استنزاف..
فعندما اندلعت الاحتجاجات المناوءة للحكومة السورية في طول البلاد وعرضها في آذار / مارس 2011، عملت السلطات المستحيل لمنع هذه الاحتجاجات من الوصول الى حلب. وساعد تهديد الحكومة بالرد بعنف ووحشية على اي احتجاجات على بقاء المظاهرات في المناطق البعيدة من مركز المدينة وفي جامعتها.
ولكن، وبتحول الاحتجاجات الى حرب حقيقية، انجرفت حلب في التيار.
وفي شباط / فبراير 2012، هز حلب انفجاران استهدفا مقري الاستخبارات العسكرية والشرطة واسفرا عن سقوط 28 قتيلا.
ثم بدأت وتيرة الاشتباكات بين المتمردين المسلحين والقوات الحكومية تزداد في المناطق المجاورة من محافظة حلب.وبدأت المعركة من اجل السيطرة على حلب نفسها في اواسط تموز / يوليو 2012 حقق خلالها المتمردون نجاحات سريعة وسيطروا على عدد من الاحياء الموالية للمعارضة في شمال شرقي المدينة وجنوبيها وغربيها.
وما ان شارف شهر يوليو على الانتهاء حتى انتشر القتال الى قلب المدينة القديم ووصل الى اسوار المدينة القديمة التي تعدها منظمة اليونسكو موقعا للتراث العالمي.
وفي ايلول / سبتمبر 2012، ادت الاشتباكات الى اندلاع حريق كبير اتى على سوق المدينة القديم، وفي نيسان / ابريل 2013، هدمت مئذنة الجامع الكبير الذي يعود تاريخه الى القرن الحادي عشر الميلادي.

وفي غضون بضعة اشهر تحولت معركة حلب الى حرب استنزاف يتبادل فيها الطرفان السيطرة على الاراضي بشكل مستمر.
ولم يتمكن المتمردون من الحصول على الاسلحة الثقيلة التي يحتاجون اليها لدحر الجيش الحكومي الافضل تجهيزا وتسليحا، بينما عانى الاخير من قطع خطوط امدادته واضطراره الى تركيز موارده على العاصمة دمشق التي شن المتمردون قربها هجوما كبيرا في تموز / يوليو 2012 ايضا.

ومنذ نهاية عام 2013، تشن الحكومة حملة جوية شرسة على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في حلب تستخدم فيها البراميل المتفجرة. وسمحت هذه الحملة للقوات الحكومية بتحقيق بعض التقدم.

كما ابتليت القوات المتمردة في حلب بالصراعات بين تنظيم “داعش” من جهة وغيرها من الحركات الجهادية من جهة اخرى.
وكانت منظمة العفو الدولية حذرت العام الماضي من ان الحياة في حلب اصبحت “لا تطاق” بالنسبة لسكانها المدنيين، متهمة الحكومة السورية والمتمردين على حد سواء باقتراف جرائم حرب.

وكان من شأن التدخل الروسي عام 2015 لنصرة حكومة الرئيس الأسد ان يهدد حالة الجمود التي سيطرت على الموقف العسكري بالزوال.وفيما تقول موسكو إنها لا تستهدف الا الجهاديين، يتهمها العديدون في الغرب بمهاجمة كل معارضي الرئيس الاسد.
ومنذ تدخل الروس عسكريا في الحرب، تمكنت القوات السورية من تحقيق تقدم على عدة جبهات.
وفي شباط / فبراير من هذا العام 2016، تمكنت القوات السورية من استرداد عدة مدن الواقعة الى الشمال من حلب وهي الآن تهدد بمحاصرة المتمردين.

المبادرات الدولية للحل في سوريا..

تعددت المبادرات الدولية بشأن التسوية السياسية للصراع في سوريا دون أن تسفر أيا منها عن التوصل لحل سياسى، ومن ثم فإن بقاء الصراع واستمراره حتى تتبلور وتنضج عوامل التسوية السياسية أصبح -أمرا واقعا – يعكسه تعامل القوى الكبرى مع الأزمة.
ولعل تطور مبادرات التسوية لم يكن يعبر عن نمط واحد من أنماط التعامل الدولي مع الأزمة السورية منذ اندلاعها  بل كان معبرا عن تغير متصاعد في مواقف تلك الدول من مسببات الصراع وفي مقدمتها معضلة بقاء نظام بشار الأسد من عدمها، بدءا من المطالبة بتخليه عن السلطة ونهاية بقبول بقائه في أى مرحلة انتقالية محتملة تحت مبررات اعتباره شريكا في محاربة الإرهاب، وعدم توفر البديل بالنظر إلى تشتت المعارضة وتشرذمها واختلاف مرجعيتها الإقليمية، بالإضافة إلى انقسام رؤيتها السياسية حول عملية الانتقال السياسي نفسها.

داعش ..
ولعل اول التغيرات يتعلق بتمدد وانتشار تنظيم “داعش”  داخل الأراضي السورية منذ مايو 2014، وسيطرته على مساحات واسعة فيها وتحديدا محافظة الرقة وتدميره لمدينة تدمر الأثرية، بالإضافة لتمدده في مناطق تمركزه في العراق وبالقرب من الحدود السورية مما شكل جسرا بريا للتواصل بين عناصر التنظيم في العراق وسوريا، الأمر الذى رفع من أسهم الاختيار الأمريكي الأوروبي بين تداعيات استمرار بقاء بشار الأسد في السلطة، وبين تداعيات تمدد داعش وصولا إلى فكرة أن محاربة الأخير لن تأتي بثمارها إلا بإشراك النظام، أى أصبح ثمة شبه إجماع دولي على أن الإطاحة بنظام الأسد لا يجب أن يقابلها انتصار التنظيمات المتطرفة وتحديدا داعش وجبهة النُصرة.

تغير مواقف القوى الدولية ..

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التغير الملحوظ في مواقف القوى الدولية بدأ فعليا منذ العام الماضى وتحديدا في أكتوبر 2015، وأن هذا التغير جاء نتيجة لعدة مستجدات  طرأت على الصراع السورى.
منها..  تحول مجريات الصراع على الأرض بدءا من نهاية عام 2015 وحتى الآن لصالح النظام بعد التدخل الروسي العسكري المباشر في الصراع ، الأمر الذى أوجد فرضية جديدة تقوم على صعوبة هزيمة نظام الأسد عسكريا، ومن ثم قبول باقي القوى الدولية بالتدخل الروسي من باب إمكانية التوصل إلى حل سياسي، وهو ما حاولت روسيا الدفع به عند إعلان انسحابها العسكري الجزئي، وممارسة نوع من الضغط على بشار الأسد لحمله على إبداء مرونة في أي عملية تفاوضية جديدة.
وفيما يتعلق بالتغيرات التى طرأت على موقف الدول الأوروبية من الصراع في سوريا، والتى بدأت تحديدا منذ سبتمبر 2015 ، يمكن القول أن مواقف تلك الدول لم تكن على وتيرة واحدة، وتباينت فيما بينها على مدار سنوات الصراع.
أن ثمة تعدد في المبادرات السياسية والمؤتمرات والقرارات الأممية بشأن كيفية حل الصراع في سوريا، لكنها تظل مجرد نصوص غير قابلة للتنفيذ لتعارض ملفات القوى الإقليمية حتى هذه اللحظة فيما يتعلق بهذا الصراع. فعلى الرغم من التحول في الموقف الدولي الذي يتقدمه حالة التوافق الأمريكية الروسية  وحالة التقبل الأوروبى لوجود الأسد ضمن المرحلة الانتقالية القادمة، أى أن هناك إعادة صياغة للمواقف الدولية تجاه النزاع في سوريا، بينما لاتزال المواقف الإقليمية متعارضة إلى حد كبير، خاصة تلك المؤيدة للمعارضة والتى ترى أن نظام بشار الأسد هو أكبر الرابحين حتى هذه اللحظة من تطور مسار الصراع وتفاعلات القائمين عليه.