اخبار مصر - اميرة ماهر

تحل في 26 ابريل الجاري الذكرى الثلاثين لكارثة “تشيرنوبل” .. أكبر كارثة نووية شهدها العالم لتحيي في الأذهان ضرورة توخى الحذر عند استخدام الطاقة النووية ، واستخلاص الدروس للحيلولة دون تكرار مثل هذه الكوارث في المستقبل من خلال تطبيق أقصى إجراءات الأمان النووي.

كما تجدد هذه المناسبة التزام الأمم المتحدة بـ “عقد الإنعاش والتنمية المستدامة” الذى أعلنته للفترة من 2006 إلى 2016، وخطة عملها بـ”تشيرنوبل”، التى تتضمن إعلان مبادىء تبنته جميع وكالات الأمم المتحدة المشاركة فى جهود الإنعاش، مستهدفة تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز أنماط الحياة الصحية للمجتمعات المتضررة والاعتماد على الذات فى السنوات المتبقية من العقد ، وفي هذه المناسبة تعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة جلسة خاصة في الذكرى 30 للكارثة.

تقع محطة تشرنوبيل (Chernobyl NPP) على بعد 130 كيلو متراً شمال مدينة كييف عاصمة جمهورية أوكرانيا، كما تقع على بعد 15 كيلومتراً شمال مدينة تشرنوبيل.

تم تخطيط هذه المحطة لتشمل 6 مفاعلات لتوليد الكهرباء قدرة كل منها 1000 ميجاوات وبدأ تشغيلها عام 1977 باستخدام ثلاث مفاعلات نووية وفي عام 1983 بدأ تشغيل المفاعل الرابع وكان المفاعلان الخامس والسادس تحت الإنشاء.

الكارثة..

وقعت حادثة محطة تشيرنوبل النووية بسبب خلل وقع فى إحدى المولدات التوربينية عند تجربتها، حيث بدا أن ايقاف النظام لمدة 20 ثانية لاختبار أثر انقطاع الكهرباء هو مجرد اختبار آخر للمعدات الكهربائية ، إلا أن خطأ في التشغيل بعد إغلاق توربينات المياه المستخدمة في تبريد اليورانيوم المستخدم وتوليد الكهرباء أدى إلى ارتفاع حرارة اليورانيوم بالمفاعل الرابع إلى درجة الاشتعال ، وبعد سبع ثوان، أدى ارتفاع درجة الحرارة إلى إحداث موجة انفجار كيميائية، أطلقت بدورها ما يقرب من 520 نويدة من النويدات المشعة الخطرة إلى الغلاف الجوي.

وفي حين أن رئيس الفريق المناوب انتبه إلى الخطر وحاول إغلاق المفاعل مما يجعل أعمدة الجرافيت تنزل في قلب المفاعل وتبطئ من سرعة التفاعل النووي ، إلا أن هذه الطريقة جعلت الحرارة تزداد لوهلة قبل أن تشرع في الانخفاض ، وبما أن المولد كان غير مستقر والدورة الحرارية مشوشة من آثار الاختبار، كان هذا هو العامل الذي أدى إلى اعوجاج أعمدة الجرافيت وعدم إمكانية إسقاطها في قلب المفاعل وجعل الحرارة ترتفع بشكل كبير وتشعل بعض الغازات المتسربة وتتسبب في الكارثة.

أدت قوة الانفجار إلى انتشار التلوث على أ جزاء كبيرة من الاتحاد السوفياتي، التي تتبع ما يعرف الآن بيلاروس وأوكرانيا وروسيا.

ووفقا لتقارير رسيمة، لقى 31 شخصا حتفهم على الفور ، وأصيب أكثر من 2000 آخرين حينها، و تم إجلاء ما يزيد على 100 ألف شخص من المناطق المجاورة خوفا عليهم من الإشعاعات .

إدارة الأزمة

خلال السنوات الأربع من حادثة تشيرنوبيل، قررت السلطات السوفياتية، إلى حد كبير، التعامل مع الآثار الناجمة عن الانفجار على المستوى الوطني.

فبعد ساعات من الحادثة، حثت القراءات الإشعاعية الأولية السلطات إلى رسم دائرة استبعاد نصف قطرها 10 كم حول المفاعل وتعين إخلاء جميع الأشخاص الموجودين في تلك الدائرة خلال بضعة أيام.

وبعد أسبوع، مع ورود معلومات جديدة حول نطاق الكارثة، عمدت لجنة حكومية تأسست للتعامل مع أعقاب الكارثة على توسيع نطاق الاستبعاد إلى 30 كيلومتراً ، ومع نهاية عام 1986، أُخلي ما يقارب 116 ألف مقيم في 188 مستوطنة بالإضافة إلى 60 ألف رأس ماشية وغيرها من حيوانات المزارع.

وحول تشيرنوبل، أقيمت الحواجز لمنع السيارات الخاصة من المغارة دون تصريح، واستُقدمت الحافلات من خارج المنطقة الملوثة ، وكان لذلك الإجراء أثر في الحد من انتشار التلوث من داخل منطقة الاستبعاد وسهل عمليات الإخلاء التي بدأت اليوم التالي بحوالي 50 ألف مقيم في بريبيات حيث كان يعيش موظفو المفاعل.

وسعت الأمم المتحدة وشركاؤها إلى طرق لتقديم الدعم في حالات الطوارئ، الذي اشتمل على تقييم السلامة النووية والظروف البيئية للمنطقة الملوثة، وتشخيص مختلف الظروف الطبية التي سببتها الحادثة. وركزت الأمم المتحدة على زيادة الوعي لدى سكان المنطقة، وتعليمهم كيفية حماية أنفسهم من النويدات الموجود في البيئة والمنتجات الزراعية.

ويعيش نحو خمسة ملايين نسمة، حالياً، في مناطق من بيلاروس والاتحاد الروسي وأوكرانيا في مناطق صنّفها الاتحاد السوفييتي كمناطق ذات رقابة مشدّدة، لارتفاع نسب التلوّث بالسيزيوم المشع .

وواصلت محطة تشيرنوبيل انتاج الكهرباء حتى ديسمبر 2000 عندما توقف آخر مفاعلاتها عن العمل تحت ضغط الغربيين.

وتعهدت الاسرة الدولية بتمويل غطاء جديد اكثر امانا لتغطية المفاعل بهدف وقف تسرب الاشعاع بدلا من الغطاء الاسمنتي الذي تم بنائه بسرعة خلال ستة اشهر فوق المفاعل المتضرر.

وبعد سنوات من الاخذ والرد، اطلقت في 2010 اول الاعمال لانشاء غرفة عملاقة من الفولاذ الثقيل تزن 25 طنا ويبلغ ارتفاعها 110 امتار لتغطية المفاعل ، وتقدر تكلفته بنحو 2.1 مليار يورو وقد تم تجميعه ويفترض ان يوضع فوق الغطاء القديم ويصبح فاعلا في نهاية 2017.

وتصل مساحة الساتر الجديد والمنطقة المحيطة به إلى مساحة 2600 كيلومتر مربع، ولن يقطن سكان في هذه المنطقة ولن يدخلها سوى من يصرح له بذلك ، وللمقارنة، حجم هذا الصندوق يمكن ان يكفي ليغطي كنيسة نوتردام في باريس.

ويفترض ان يعطي هذا الصندوق الجديد الذي يفترض ان يكون فعالا “لمئة عام على الاقل”، العلماء الوقت لايجاد وسائل لتفكيك وازالة بقايا المفاعل المتضرر وتطهير الموقع ليعود “ارضا خضراء” يوما ما.

الوجه الآخر ..

بعد ثلاثين عاماً من إنفجار المفاعل رقم 4، فإن الأرض القاحلة المهجورة حول محطة تشيرنوبل Chernobyl للطاقة النووية تعد واحدة من أكثر المواطن أهمية للعلماء الذين يدرسون طبيعة الحياة البرية في أوروبا.

ويتزايد في الوقت الحالي عدد علماء الطبيعة الذين يعتقدون بأن الحادث قد نتج عنه فوائد بيئية غير متوقعة، فخلال عشرة أيام من الحادث وبالتحديد في 26 من إبريل عام 1986، تم إجلاء ما يقرب من عدد السكان الحالي البالغ 120 ألف شخص من محيط الموقع بمسافة 30 كيلومتراً.

وعلى إثر ذلك، فقد تركوا وراءهم منطقة بمساحة 1800 ميل مربع على جانبي الحدود الفاصلة ما بين أوكرانيا وروسيا البيضاء، بما في ذلك مدينة تشيرنوبل القديمة التي تعود إلي ما قبل 800 عام وعشرات القرى وحتى القاعدة العسكرية السوفيتية السرية.

ومع بقاء البشر بعيداً عن موقع الحادث، فإن الحيوانات البرية وأنواع مختلفة من الطيور تتجول داخل واحدة من أكبر المحميات البرية في أوروبا والتي نشأت من دون قصد. حيث إزدهرت الخنازير البرية والذئاب إضافةً إلي الغزلان ولا سيما في المناظر الطبيعية للغابات والمراعي.

فقد أصبحت المنطقة مأوي غير محتمل لحيوانات مثل الوشق ( وهو الحيوان من فصيلة تقع ما بين القط والنمر ) والثور الأميركي بايسون إضافةً إلي عدد متزايد من خيول Przewalski البرية التي أطلقت في المنطقة خلال فترة التسعينيات.

وفي أواخر عام 2014، سجلت كاميرا عالم الأحياء الأوكراني سيرجي غازشاك Sergei Gashchak والذي يعد رائد البحث في التنوع البيولوجي في منطقة تشيرنوبل وجود الدب البني الذي لا يندرج ضمن الحيوانات المهددة بالإنقراض، وإنما لم يظهر في المكان لأكثر من قرن.

لم تكن الحيوانات فقط هي التي عادت لمنطقة تشيرنوبل، فمع إنخفاض مستويات الإشعاع فإن المنطقة شهدت أيضاً عودة للبشر ، حيث تأوي المدينة التاريخية الواقعة علي مسافة عشرة أميال تقريباً من محطة الطاقة النووية نحو ثلاثة آلاف من العمال والعلماء ورجال الشرطة الذين يفرضون حراسة على المكان ويقومون بالحفاظ على المنطقة.
الطاقة النووية واستخداماتها السلمية

تعتبر الطاقة النووية اليوم بديلاً مهمًا عن النفط والغاز بتحوّلها حلمًا لعلماء الطاقة النوويّة قبل الحرب العالمية الثانية، إلى واقع خلال السنوات 1940 – 1945، عندما تمّ بنجاح إختراع وإختبار اول مفاعل نووي او سلاح نووي.

وقد حدث تطوّر هائل في التقنيّة النووية خلال العقود الاربعة الماضية، واصبحت العلوم النووية اساسًا في بعض الابحاث الطبية والزراعية والصناعية.

يرتبط إمتلاك دولة ما للتقنية الضرورية لإنتاج الطاقة النووية إرتباطًا وثيقًا بإمكان إقدام هذه الدولة على إنتاج السلاح النووي، الامر الذي حدا المجتمع الدولي والدول الكبرى على إبرام العديد من المعاهدات في إطار سعيها إلى الحدّ من انتشار الاسلحة النووية، وإلى ممارسة ضغوط كبيرة ووضع العراقيل في وجه الدول الساعية لامتلاك التكنولوجيا النووية على الرغم من ان امتلاك هذه التكنولوجيا يعتبر من الناحية القانونية حقًّا مشروعًا.

تستخدم الطاقة النووية في عدة مجالات يطلق عليها “الاستخدامات السلمية للطاقة النووية” وهي : إنتاج الطاقة الكهربائية ، وفي العام 1954 تمَّ إنشاء اوّل مفاعل نووي لإنتاج الطاقة الكهربائية في الإتحاد السوفياتي سابقًا وفي العام 1956، أُنشئت في بريطانيا اوّل محطّة لتوليد الكهرباء تعمل بالطاقة النووية في اوروبا.

في مجال الطب والصيدلة.. يعد الطبّ النوويّ هو فرع من علم الطبّ، تُستخدم فيه مواد النظائر المشعّة لتحديد المرض ومعالجته.

في مجال الزراعة وإنتاج الغذاء .. دفع إستخدام النظائر المشعّة بالعلوم الزراعية وعلوم الاراضي وفيزيولوجيا النبات اشواطًا كبيرة إلى الامام، ممّا ادى إلى ظهور عصر جديد يمكن ان نسمّيه عصر الزراعة النووية.

في مجال الصناعة .. تستخـدم المصادر والمواد المشعّة على نطاق واسع في التطبيقات الصناعية على المستوى العالمي لإجراء العمليات الصناعية او ضبط جودة المنتجات. وذلك من خلال استخدام المعامل والماكينات التي تعتمد في تشغيلها على نظم الضبط الإشعاعية. ففي صناعة النفط مثلاً تستخدم النظائر المشعّة لتحديد سرعة تدفّق النفط عبر الانابيب وفي صناعة الرقائق تستخدم المصادر المشعّة في ضبط سماكة الرقائق وتعديلها.

يجري حاليا تشغيل حوالى 400 مفاعل نووي في 31 بلدا، منها 65 قيد الانشاء واكثر من ثلثها في الصين.

كما وضعت خطط لبناء 173 مفاعلا اخر حتى العام 2030، مع حوالى 10 دول وافدة حديثا على القطاع بحسب بيانات الرابطة العالمية للطاقة النووية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة ارتفاع مساهمة النووي في انتاج الكهرباء من 11% اليوم الى 18% في 2050، عبر استثمار متوقع بقيمة 4400 مليار دولار.

هذا النمو سيتم خصوصا في الدول الناشئة التي تشهد حاجات متزايدة من الكهرباء وتبدي اهتماما بهذه التكنولوجيا الكفيلة بانتاج كميات كبيرة من الكهرباء.

توليد الكهرباء من المحطات النووية

تعتمد فكرة التوربينات البخارية على تحويل الطاقة الموجودة في البخار إلى طاقة تدير التوربين ومن تم تدير المولد و الاختلاف بين الانواع المختلفة لتوليد الكهرباء يكمن في كيفية الحصول على البخار حيث مند القدم وحتى الآن نستخدم الوقود الاحفوري (كالفحم او الغاز او السولار) ، وأضيفت الطاقة النووية في الحصول على الحرارة التي تنتج البخار الذي بدورة يدير التوربين.

تعرف الطاقة النووية لى انها الطاقة الموجودة داخل الذرة أي في ( النواة ) حيت توجد البروتونات والنيترونات المرتبطة بقوة كبيرة مع بعض وعند انقسام نواة احدى الذرات التي تحتوي على جزئيات كثيرة مثل (U235 ) إلى أكثر من نواة لعناصر أخرى ينتج من هذا الانقسام طاقة هائلة وهي الطاقة النووية أو ردة الفعل النووي (Nuclear Reaction)، هذه الطاقة هي التي تستخدم في إنتاج البخار الذي يدير التوربين البخاري المرتبط بالمفاعل النووي.

تنقسم المحطات النووية إلى نوعان حسب نوع التفاعل النووي هما: محطات التفاعل الانشطاري ( Fission) ، محطات التفاعل الاندماجي (Fusion ).

يقصد بالتفاعل الانشطاري – هو انقسام نواة ذرة ثقيلة مثل (U235) إلى اكثر من نواة داخل المفاعل النووي تنتج عنه كمية كبيرة من الطاقة على هيئة حرارة تستخدم في إنتاج البخار الذي يدير التوربين ومن تم المولد ، فيما ان المقصود بالاندماج النووي – هو عكس الانشطار النووي حيث تندمج نواتا عنصرين خفيفين كلا منهما مع الآخر ينتج عن هذا الاندماج فقد جزء من كتلتيهما الذي يتحول إلى طاقة تتحرر منهما.

من أهم واشهر العناصر القابلة للاندماج الهيدروجين الثقيل المعروف باسم ديتيريوم (Deuterium) المحتوي على هيدروجين عادي + نيوترون كذلك الهيدروجين الأثقل المسمى تريتيوم ( (Tritiumالمحتوي على الهيدروجين + 2 نيوترون.

وتكمن المشكلة في توليد الطاقة الكهربائية عن طريق محطات أو مفاعلات الاندماج النووي في معضلة حصر الحرارة الناتجة عن الاندماجات المتتالية التي تصل إلى عشرة آلاف درجة مئوية وأكثر التي تسبب في صهر أي عنصر مستخدم للاندماج وتبخيره وينتج عن هذه العملية سحابة ملتهبة من النوى والإلكترونات يطلق عليها اسم البلازما (Plasma) وهي قادرة على صهر أي وعاء يحوي مادة التفاعل.

تطور مفاعلات الطاقة النووية

بدأ تصميم وبناء الجيل الأول من المفاعلات النووية في بداية عام 1950، وأستمر حتى عام 1970، وكان متوسط قدرات هذا الجيل من المفاعلات 200 ميجاوات كهربى، أما الجيل الثانى من المفاعلات، فقد بدأ تصميمه وبناءه بداية من عام 1970 وأستمر حتى عام 1990، وهو تطوير للجيل الأول، مع زيادة قدرات هذه المفاعلات، والتى تراوحت ما بين 600 ميجاوات الى 1000 ميجاوات، ومع منظومة آمان ذات مستويات عالية.

نتيجة الدروس المستفادة من حادثة محطة “ثرى مايل أيلاند” بأمريكا عام 1979، وحادثة محطة “تشرنوبيل” بأوكرانيا عام 1986، وحادثة محطة “فوكوشيما” فى اليابان فى 11 مارس عام 2011، وكذا من خبرات 60 عام فى تشغيل وصيانة المفاعلات النووية، والتى انطوت على وجود عيوب وقصور فى نظم الآمان والتحكم، استدعى ذلك ضرورة تحديث التصميمات الخاصة بالمحطة النووية وخاصة نظم الآمان، وأدى ذلك الى تصميم الجيل الثالث من المفاعلات النووية بداية من عام 1990، وفى عام 1996 كانت بداية تشغيل محطة Kashiwazaki فى اليابان، فهى أول محطة يتم تشغيلها من الجيل الثالث، وهى ذات قدرة كهربية مقدارها1356 ميجاوات، وهى من نوع الماء الخفيف المغلى Advanced Boiling Water Reactor-ABWR.

التطوير الذى ادخل على تصميم المفاعلات النووية، هو فى مجالات تكنولوجيا الوقود، والكفاءة الحرارية، والبناء بنظام تركيب الوحدات سابقة التجهيز Modular، وأنظمة الأمان (ولا سيما استخدام الأنظمة السلببية Passive، بدلا من الأنظمة الإيجابية Active)، وكذا التصميم القياسى الموحد.

وقد أسس تصميم الجيل الثالث من المفاعلات على الملامح الرئيسية التالية: • تصميم قياسى موحد لكل نوع من المفاعلات، للإسراع وتسهيل عمليات إستخراج التراخيص، والتى بدورها تؤدى ايضا الى خفض تكلفة رأس المال وتقليل وقت البناء.
• بناء تصميمى بسيط وأكثر متانة، يتيح سهولة التشغيل والصيانة، وتقليل مشاكل التشغيل، • إتاحية عالية، وزيادة عمر المحطة الى 60 عام، • تقليل فرص حدوث حوادث إنصهار قلب المفاعل 1×10-5.
• فترة سماح كبيرة لتشغيل المحطة تحت السيطرة الآلية، لمدة 72 ساعة فى الفترة التى تلى إيقاف تشغيل المحطة، بحيث لا تحتاج الى تدخل المشغل.
• تأثير ضئيل على البيئة، • مقاومة الأضرار الجسيمة، والتى من شأنها أن تسمح بإنتشار المواد المشعة جراء أصطدام الطائرات بالوعاء الحاوى.
•ارتفاع معدلات احتراق الوقود النووى، مما يتيح استخدام الوقود بفاعلية أكثر، وتقليل كمية النفايات.

ومن أهم النقاط المضافة للجيل الثالث ، هو إضافة الحلول التكنولوجية المتمثلة فى استخدام نظم الأمان السلبية والتى لها تأثير إيجابى على آمان المحطة النووية.
هذه الحلول السلبية تعمل ذاتيا، ولا تستخدم أى تحكم ايجابى (يعمل بالطاقة الكهربية أو الميكانيكية) أو تدخل من المشغل، وذلك من أجل زيادة الأمان، والنظم السلبية تستخدم الخواص (الظواهر) الطبيعية مثل الجاذبية الأرضية والمواد المقاومة لدرجات حرارة عالية، وكذا انتقال الحرارة بالحمل الحرارى الطبيعى.

مفاعلات الجيل الثالث من مفاعلات الماء الخفيف المضغوط والمغلى، يتم تسويقها حاليا فى السوق العالمى من خلال ستة مصادر وهى : شركة “آريفا” الفرنسية Areva، لديها المفاعل .EPR ، شركة وستنجهاوس الأمريكية، لديها المفاعل AP-1000. ، شركة جنرال اليكتريك الأمريكية مع شركة هيتاشى اليابانية، لديها المفاعل .ABWR ، شركة KEPCO الكورية الجنوبية، لديها المفاعل APR-1400. ، شركة روس آتوم Rosatom الروسية، لديها المفاعل VVER-1000 . ، شركة CGNPG الصينية، لديهم المفاعل ACPR-1000.

ويوجد نحو 60 مفاعلا أو يزيد تحت الإنشاء في العديد من دول العالم من مفاعلات الجيل الثالث والجيل الثالث “+” ، التي ستظل تهيمن وتسيطر على السوق العالمى لإنشاء وتشغيل محطات الطاقة النووية خلال السنوات الأربعين القادمة.

وتعد دول “أمريكا” و”اليابان” و”روسيا” و”فرنسا” و”الصين” و”كوريا الجنوبية” و”الهند” و”كندا”، هم الدول الفاعلة والرئيسية فى مجال تكنولوجيا محطات الطاقة النووية ، ودول العالم جميعا فى احتياج الى زيادة التعاون بين هذه الدول لتلبية احتياجات زيادة عدد السكان واحتياجات التنمية العالمية، فإن متطلبات الطاقة من المحطات النووية تقدر بحوالى 850 جيجاوات حتى عام 2050، ومن المتوقع أن يزداد الطلب لإستخدام اليورانيوم والثوريوم فى تشغيل محطات الطاقة النووية.
إجراءات السلامة في المنشآت النووية

عنصر الأمان النووي هو أحد التحديات الرئيسة أمام أي دولة راغبة في تطوير برنامج نووي للاستفادة من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

والأمان النووي وفقاً لتعريف الوكالة الدولية للطاقة الذرية يشمل: (الإجراءات التي تُتَّخذ لمنع الحوادث النووية والإشعاعية أو للحدّ من عواقبها، ويشمل ذلك محطات الطاقة النووية، فضلاً عن سائر المرافق النووية، ونقل واستخدام وتخزين المواد النووية للأغراض الطيبة والطاقة).

وتُعتبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي المنظمة العالمية القائمة على نشر المعلومات ووضع المبادئ التوجيهية والمعايير في ميدان السلامة النووية، وتقدم كذلك للدول التوصيات بشأن طرق تحسين سلامة المفاعلات وتجنّب خطر وقوع أي حوادث في هذا المجال.

ويُعدّ حادث (تشرنوبيل) عام 1986 منقطة تحوّل مهمة في الجهود الدولية القائمة على توفير أكبر قدر ممكن من الأمان النووي، فمنذ وقوع هذا الحادث عكفت الوكالة الدولية للطاقة النووية على تكثيف التعاون الدولي لتحقيق السلامة من مخاطر الإشعاعات النووية، وأقرّت بعض الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، مثل اتفاقية السلامة من الإشعاعات النووية، إضافة إلى مجموعة إجراءات أخرى تهدف إلى مراقبة النشاطات والمنشآت النووية فيما بين الدول، وتبادل المعلومات حول كيفية تحقيق السلامة من تسرب الإشعاعات النووية.

وفي عام 1989، تأسست الجمعية العالمية للعاملين بالمواد النووية (WANO) لتتبنى أساليب عالمية للسلامة في الاستخدامات النووية. وتخضع في الوقت الحالي معظم المفاعلات النووية للطاقة في العالم لنظام جمعية (WANO) الذي يشكّل ضمانة للتقيد بمعايير السلامة والأمان الصارمة بموجب ما أوصت به الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتشدد الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مجموعة من الإجراءات ـــ أو بالأحرى التوصيات ــ فيما يتعلق بالأمان أو السلامة النووية، وذلك بغية الاستفادة من فوائد الطاقة النووية وجوانبها الإيجابية في شتى المجالات مع خفض المخاطر الناجمة عنها إلى الحد المقبول، وتتمثل في:
(1) توفير البنية التحتية اللازمة للنهوض بمتطلبات الأمان النووي، بما يشمله ذلك من توفير جميع المعدات والتجهيزات الفنية اللازمة للأمان النووي، وتوفير الخبرات البشرية الملمة بإجراءات الحماية والسلامة النووية، ووجوب وجود تنظيم إداري فعّال داخل كل منشأة نووية ينهض بمهمة تنظيم تلك الخبرات البشرية على أفضل نحو ممكن.

(2) بناء وتكوين كادر وطني علمي وفني ومهني متخصص في شؤون الطاقة النووية والاستخدامات السلمية وحماية البيئة من أضرار التعرُّض للإشعاعات، والعمل على صقلهم بالتدريب من خلال ربطهم في برامج تدريبية في مختلف العلوم والتقنيات النووية التي تنظمها الهيئات الدولية المتخصصة أو يمكن منحها من دول نووية متقدمة، على أن تضم هذه الهيئة كوكبة من أفضل الكوادر العلمية والفنية من ذوي الكفاءات، وفي مختلف الجامعات والمرافق الحكومية المناظرة ذات الصلة بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية (كوزارات: النفط والكهرباء والصحة والزراعة والصناعة … إلخ).

(3) توفير إجراءات محددة لضمان أمن وسلامة المفاعل النووي بدءاً من عمليات التصميم الهندسية والإنشاء والاختيار وانتهاءً بالتشغيل العادي والطارئ للمفاعل، ومن أبرز تلك الإجراءات:
(أ) ضمان نوعية مكونات المنشآت الكهرونووية وفقاً لمواصفات التصميم الهندسي والتقني المقررة.
(ب) تصميم أجهزة سلام ذات كفاءة عالية، وتملك جاهزية دائمة ومتنوعة الأدوار لمواجهة ظروف التشغيل الشاذة.
(جـ) تصميم أنظمة سلام للوقاية من الحوادث الكبرى بعيدة الاحتمال؛ كفقد سائل التبريد الأولي والأخطاء البشرية والأحداث الطبيعية الحادة: (زلازل، وأعاصير، وفيضانات)، وغيرها من إجراءات أمن وسلامة أخرى تتخذ لضمان سلامة وأمن المفاعل النووي.

ومن ثم، تشكّل اعتبارات السلامة وتقنيات السلامة الهندسية أحد أهم المعايير ذات الصلة بالأمان النووي، فعلى سبيل المثال، نتجت حادثة مفاعل (تشرنوبيل) من أن هذا النوع من المفاعلات لم يكن يتضمن في الأسس التصميمية له وجود مبنى حاوي لقلب المفاعل، والذي يعمل على احتواء المواد المشعة في حال وقوع حادث نووي لقلب المفاعل، والذي قد ينتج للعديد من الأسباب مثل فقدان سوائل التبريد وبالتالي منع انتقالها إلى البيئة وانتشارها.

(4) إنشاء لجان وطنية تنظم القواعد التي تحكم جميع الممارسات التي تتضمن إشعاعات مؤينة أو مصادر مشعة، وأن تتولى تلك اللجان مهمة نشر الوعي بالمخاطر النووية ونشر ثقافة الأمان بين العاملين بالإشعاعات أو المواد المشعة على كافة المستويات، ومراقبة تنفيذ جميع القياسات النووية اللازمة لتحقيق الحماية المطلوبة، والإشراف على وضع خطط مسبقة وفعّالة في حالة حدوث طوارئ معروفة مسبقاً للعاملين؛ وذلك بوضع تصورات لحوادث مختلفة محتملة بناءً على الخبرة المتوفرة.

(5) وضع كشوفات دقيقة تتضمن معلومات تفصيلية ـــ كمية ونوعية ــ حول جميع المواد التي تستخدم داخل المنشأة النووية، ومراجعة تلك الكشوفات بشكل دوري ومنظم كي لا تتعرّض للسرقة أو التهريب إلى الخارج، ويمكن في هذا السياق الرجوع إلى (خطة العمل لسلامة وأمن المصادر الإشعاعية) التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتطبيق ما بها من أحكام وقواعد في هذا الشأن، وتُعدّ تلك العملية من أهم متطلبات الأمان النووي وأضخمها في الوقت ذاته، سواء من الناحية المالية أو اللوجستية.

(6) تفعيل عمل هيئات الطاقة الذرية الوطنية في كل دولة، وتوسيع اختصاصاتها وصلاحياتها وكادرها الفني والعلمي والإداري، واعتماد الموازنة المالية وما يفي ويكفي لتنفيذ المهام والاختصاصات المنوطة بها، وبخاصة ما يتعلق بحماية البيئة والسكان والوطن من أي احتمالات التعرٌُّض لإشعاعات ومواد نووية مشعة.

(7) بناء قاعدة بيانات للمعلومات النووية والاستخدامات السلمية ونتائج الدراسات والبحوث الجيولوجية والفيزيائية والكيميائة .. وغيرها من المعلومات ذات العلاقة بشؤون الطاقة النووية، على أن تنشأ داخل هيئات الطاقة الذرية الوطنية دوائر متعددة تكون ذات اختصاصات علمية وفنية، كدائرة المواد المشعة وتتضمن شعب أكثر دقة في التخصص، وتسمى كل شعبة باسم العنصر المشع الذي تتخصص في متابعة كافة متعلقاته وجوانبه، ودائرة الوقاية الزراعية، ودائرة الوقاية الغذائية، ودائرة الوقاية الطبية، ودائرة المختبرات، ودائرة المخلفات النووية، ودائرة المسح الجيولوجي، ودائرة التوعية الثقافية والإعلامية، ودائرة البحوث والدراسات الاستراتيجية النووية، وغيرها من الدوائر اللازمة.

(8) السعي نحو المشاركة الفاعلة في أنشطة التعاون العلمي والتكنولوجي مع الهيئات الدولية، كالهيئة العربية للطاقة الذرية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهيئات رسمية تابعة لبلدان نووية، وذلك لإقامة البنى الارتكازية الأساسية لبرنامج الاستخدامات النووية السلمية وحماية البيئة من أضرار التعرُّض للإشعاعات.

(9) تنظيم دورات تدريبية حول إجراءات السلامة والأمن النوويين في محطات توليد الطاقة الكهربائية التي تعمل بالوقود النووي، وأن تقوم الجهات المختصة بالطاقة النووية بتنظيم هذه الدورات بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتستهدف مثل هذه الدورات مساعدة خبراء الأمان النووي في البلد المعني على تنمية خبراتهم في مجال السلامة النووية وتأمين محطات توليد الكهرباء ووضع أفضل شروط سلامة ممكنة في المحطات الجديدة.

(10) بالنظر إلى أن إدارة النفايات تعتبر أحد مصادر القلق البارزة لدى العامة ـــ رغم أن إحدى مميزات الطاقة النووية مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى هي الحجم الصغير للنفايات التي تنتجها ـــ فإن الإدارة الآمنة للمخلفات تتطلب موارد مالية كافية وأنظمة كافية للسيطرة على جميع المصادر الإشعاعية، أما فيما يتعلق بالإدارة والتخلص النهائي من النفايات عالية المستوى الإشعاعي، فإن هناك حاجة لاتخاذ قرارات ببناء مستودعات نهائية لتخزينها، ويوافق الخبراء على أن الحلول الفنية موجودة للتخلص الآمن والدائم من النفايات النووية، ولكن الجمهور لن يقتنع بأن مسألة النفايات قد تم حلها إلاّ إذا لمس ثمار الحلول على أرض الواقع.

في دائرة الخطر
اعترف خبراء السلامة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بأن إجراءات السلامة في أغلب المنشآت النووية حول العالم، قد تطورت على نحو لا تخطئه العين، لكنهم يدقون في المقابل، ناقوس الخطر فيما يتصل ببعض المفاعلات النووية، التي تقدمت في السن وقد لا تصمد أمام الزلازل المدمرة.

يدخل في نطاق هذه المحطات النووية المسنة، 11 مفاعلا من طراز RBMK التي بناها الاتحاد السوفيتي، وهي محطات ذرية من الجيل الثاني أنشئت في وقت مبكر على شاكلة “تشيرنوبل”.

وعلى الرغم مما يشاع من أخطاء التصميم الفادحة في هياكلها، لا تزال هذه المفاعلات تولد الكهرباء على نطاق واسع، في الدول المنبثقة عن تفكك كتلة الاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن الماضي.

يظهر على خارطة الوكالة الدولية للطاقة النووية، نحو 50 مفاعلا ضمن ما يعرف “المفاعلات الحساسة”، إما لأنها مهلهلة أو لوجودها في مناطق معرضة لكوارث طبيعية.

وتدخل ضمن هذه الفئة، المحطة النووية “متسامور” الواقعة على بعد 32 كيلومترا فقط عن يريفان عاصمة أرمينيا، وتعتبر المفاعل الأكثر خطورة في العالم.

وتثير المحطة مخاوف الجارة تركيا لوجودها على بعد 16 كيلومترا فقط عن حدودها، وخشية أنقرة من تسرب إشعاعي محتمل لاعتمادها على تكنولوجيا قديمة جدا، فضلا عن تعرضها لزلزال قوي ضرب المنطقة عام 1988، وأودى بحياة 25 ألف شخص وأدى إلى إغلاق المحطة عام 1989 لكنها عادت للعمل في 1995.

وهنا يطرح الخبراء سؤالا مقلقا: هل يتوجب إغلاق هذه المحطات النووية؟ يرى البعض أن السؤال منطقي وشرعي، فيما لا تقبل بعض الحكومات ومنها روسيا وأرمينيا حتى مجرد طرح الموضوع للنقاش.

وفي ظل توجه الدول النامية نحو توليد الكهرباء من الطاقة النووية النظيفة، تزداد مشاريع بناء محطات ذرية، في وقت يواجه قطاع الطاقة النووية تحديات على مستويي السلامة والقدرة التنافسية ويتوقع ان تسهم الاستثمارات في اطالة حياة المنشآت العاملة حاليا في تنشيط كبير للصناعة ، واجمالا قدرت الرابطة العالمية للطاقة النووية تمديد اجل 250 مفاعلا فيما سيتوقف تشغيل 150 مفاعلا في غضون 40 عاما.

وعالميا تظل الطاقة النووية هى البديل الوحيد المتاح لتغذية الحمل الأساسى فهى تستطيع توليد كميات كبيرة من الكهرباء ذات تكلفة رخيصة بالاضافة الى كونها طاقة نظيفة وآمنة، كما تعتبر المحطات النووية مشروعات استثمارىة، فالعائد من بيع الكهرباء يستطيع ان يغطى تكاليف المحطة النووية خلال سنوات قليلة، كما أن تكاليف المحطة النووية يمكن تغطيتها من فارق سعر الوقود النووى عن سعر الوقود الأحفورى (غاز أو بترول).