أخبار مصر - أميرة ماهر

تعيش أوروبا حالة من الخوف والترقب والإستعداد للأسوأ، في أعقاب تفجيرات الثلاثاء في بروكسل ، فيما يجد الكثير من الخبراء أنفسهم أمام معضلة الإجابة على سؤال.. ماذا تريد داعش..

يوم الثلاثاء الماضي اهتزت العاصمة البلجيكية بدوي الانفجارات وسقوط القتلى، وبلغت الحصيلة في مطار بروكسل 14 قتيلًا، وفي مترو الأنفاق كان الانفجار أشد عنفا وسقط عشرين قتيلاً من الضحايا الأبرياء.

وفي أعقاب الهجمات الدامية هدد تنظيم داعش الإرهابى، باستهداف مواقع جديدة فى أوروبا، متحديا حالة الاستفار الامني القصوى في القارة الاوروبية بعد هجمات بروكسل، قائلًا: “رغم حالة التأهب القصوى فى بلادكم قادرون علي الوصول للأهداف الجديدة”.

الرسالة

بعد هجمات 11 سبتمبر، سارعت امريكا وحلفائها إلي شن حروب مدمرة في افغانستان ثم العراق بحجة أنه “من الأفضل مواجهة الإرهاب في أراضيهم وليس أراضينا”.

وتوسعت امريكا والغرب في الحرب عل الارهاب لتشمل قصف باكستان واليمن والصومال لكن الهجمات الارهابية التي ضربت أوروبا على مدار الأعوام القليلة الماضية من فرنسا وبلجيكا إلي بريطانيا وأسبانيا، تظهر الفشل الكامل للإستراتيجية الغربية، بعد ان نقلت داعش وأمثالها من التنظيمات الإرهابية المعركة إلي قلب أوروبا.

فمساحة تمدد هذه التنظيمات تتقلص جغرافيا في سوريا والعراق مع تقدم القوات الحكومية في سوريا والعراق مدعومة بقصف جوي امريكي وروسي.

وحسبما يرى مسؤول غربي فإن هدف داعش الاستراتيجي ربما يكون إجبار الغرب على وقف العمليات العسكرية ضدها ،مضيفا أن داعش ستحاول إستنزاف الغرب على خلفية الحرب في سوريا والعراق، على غرار إستنزاف طالبان للغرب في افغانستان حتى لا يعود هناك مفر من الانسحاب وترك الأرض لداعش.

وفي الشريط الذي بثه التنظيم ظهر مسلح بلجيكى الجنسية يدعى، أبو عبد الله البلجيكي، معربا عن سعادته بما حدث ومتوعدا بالمزيد، فيما قال بلجيكى أخر يتحدث يكّنى بأبو مجاهد البلجيكى: ” اعلموا أن حياة الرفاهية قد انتهت، واليوم انتم دخلتم عصر الحرب، عصر سوف تشاهدون الدماء تسيل فى شوارعكم وما حدث فى بروكسل ما هو إلا بداية كابوسكم”.

ووجه رسالة للمواطنين فى بلاده قائلاً: “قوموا على حكامكم واطلبوا منهم أن يسحبوا طائراتهم وجنودهم من بلاد العراق والشام وسوف تعيشوا فى أمان”.

بؤرة الحريق التي غيرت العالم

قبل 5 سنوات بدات الأزمة السورية لتبدأ مع تصاعد حدتها اكبر موجة نزوح ولجوء منذ الحرب العالمية الثانية فرارا من الحرب الدائرة في هذا البلد ، وبحلول عام 2015، تم تسجيل أكثر من ستة مليون لاجئ سوري في دول الجوار خصوصاً الأردن ولبنان وتركيا والعراق، وعلى الأرجح توجد عشرات الآلاف الأخرى من اللاجئين غير المسجلين، ويقدر عدد من ينتظرون التسجيل بحوالي 227 ألف شخص.

وعبر عشرات الآلاف من السوريين الحدود نحو أوروبا هرباً من الحرب الأهلية السورية، وتم استقبالهم أساسا في ألمانيا والنمسا، بينما علقوا ومنعوا من حرية التنقل في المجر التي بدأت في بناء حاجز بينها وبين صربيا وذلك يبين تباعد السياسات تجاه هذه الأزمة بين دول الاتحاد الأوروبي.

وفي ابريل 2013 برز تنظيم داعش بقوة في الازمة السورية وشكلت مخيمات اللاجئين بيئة مناسبة لتجنيد عناصر وضمها للتنظيم ، وبحسب إستخبارات غربية فإن داعش دربت نحو 400 مقاتل لشن هجمات إرهابية داخل أوروبا في المناطق التي تسيطر عليها، خاصة مدينة الرقة عاصمتها في سوريا.

لكن هناك أيضا معسكرات تدريب في العراق وبعض الجمهوريات الاسلامية في الكتلة السوفيتية السابقة.

كما أن هناك عناصر من داعش تتحرك بين تركيا والأردن لتجنيد سوريين من مخيمات إيواء اللاجئين بهدف إرسالهم لاحقا إلي أوروبا.

ويظل الخيار الأسهل، خصوصا فيما يتعلق بضمان حرية الحركة والتنقل داخل أوروبا، هو تجنيد الشباب المسلم من أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين من المغرب العربي.

وأشار تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” ديسمبر الماضي، إلى أن عدد المقاتلين الذين إلتحقوا بصفوف تنظيم “داعش”، من دول أوروبا الغربية زاد إلى أكثر من الضعف منذ العام 2014، بينما ظلت الأعداد القادمة من أميركا الشمالية ثابتة بالإضافة إلى أن العدد القادم من روسيا وآسيا الوسطى زاد بنسبة 300 في المائة.

وعلى مدى أكثر من عام، فشلت الجهود الدولية في وقف تدفق المقاتلين الأجانب إلى سورية والعراق، فيما تضاعفت أعداد المسلحين الذين انضموا إلى “داعش “وغيره من الجماعات المتشددة.

وأفاد التقرير الذي أعدته مؤسسة للاستشارات الأمنية ، بأن نحو 31 ألف شخصاً من 86 بلداً على الأقل، سافروا إلى الشرق الأوسط للالتحاق بالتنظيم المتشدد، بينما كان العدد في يونيو العام الماضي، 12 ألف شخصاً من 81 دولة.

وقالت الصحيفة إن التقرير يدعم اتجاه، لاحظه مشرعو القوانين والمسؤولون في أجهزة الاستخبارات والمحللون، تسعى فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها لسد فجوة تدفق المقاتلين الأجانب، ونشر قوات عسكرية كبيرة لمواجهة توسع «داعش».

وأشار تقرير «لجنة الأمن القومي» الذي صدر في سبتمبر العام الماضي، إلى أنه منذ العام 2011، سافر نحو 30 ألف مقاتل أجنبي، من بينهم 250 أميركي، إلى سوريا والعراق للالتحاق بـ” داعش” وغيرها من الجماعات المتشددة.

وأفاد الخبير في شؤون الإرهاب في جامعة أوكسفورد البريطانية سكوت أتران، بأن المجندين ينضمون الى التنظيم بسبب أنهم يرون فيه نداءً الى المجد والمغامرة ووسيلة ليصبحوا أبطالاً، مشيراً إلى سمة في التنظيم تُسمّى “الجذب الثوري” وتشبه ما كان موجوداً في الثورات الفرنسية والبلشفية في روسيا.

 

لماذا بروكسل 

بعد هجمات باريس في نوفمبر الماضي، كتب كلينت واتس الخبير الأمريكي في قضايا الإرهاب عن ما أسماه “قمة جبل الثلج” للمؤامرات الإرهابية، موضحا أنه في كل مؤامرة يظهر فقط رأس متطرف أساسي، لكن الواقع أن هذا الرأس يخفي شبكة واسعة من المساعدين والمتعاونين والمتعاطفين الذين لا يظهرون للعيان.

ويعتقد واتس ان المتورطين في هجمات بروكسل، تورطوا أيضا في هجمات باريس وأن هناك مجموعات منهم كامنة في مكان ما تجهز ربما لهجوم جديد لا يعرف عنها أحدا شيئا.

وعبر بلجيكا تم التخطيط وتنفيذ هجمات إرهابية هزت أوروبا من بينها الهجوم على مجلة “تشارلي ابدو” وهجمات باريس الإرهابية قبل نحو ثلاثة أشهر.

فلماذا بلجيكا بالذات وكيف أصبحت بروكسل عاصمة التطرف والجهاديين في أوروبا.. هناك الكثير من العوامل المتشابكة من بينها:

أولا: غالبية المهاجرين من المغرب العربي إلى بلجيكا، وهولندا أيضا، هاجروا من مناطق ريفية شمال المغرب. وبحكم التكوين الريفي يغلب على غالبيتهم الطابع المحافظ دينيا وثقافيا واجتماعيا.

ونقلت جريدة ” الاهرام” ما قالته سلمى قدوري، وهى ناشطة بلجيكية من أصول مغربية حول قضايا التعايش والإدماج في أوروبا من أن الكثير من المهاجرين الأوائل كانوا يذهبون وهم يحملون توجهات محافظة على الصعيد الديني والثقافي، وكانت هذه التوجهات تزداد محافظة في أوروبا لا العكس بسبب الخوف من تغيير الهوية الثقافية والدينية يتجه الناس للمزيد من المحافظة خوفا من فقدان جذورهم” وتدريجيا باتت بروكسل هى محطة القادمين من المناطق الريفية من المغرب تحديدا وكانت أحياء بأكملها تجر بعضها البعض للهجرة وتدريجيا بات هناك مغرب صغير في بروكسل.

وتقول قدوري:”هناك أحياء ومناطق بأكملها هى أسميا جزء من بلجيكا لكن فعليا كأنها تنتمي لعالم أخر كأن هناك جدارا فاصلا”.

 

ثانيا: ارتفاع معدلات البطالة في بلجيكا، خاصة بين أبناء الجيل الثاني من المهاجرين من المغرب العربي الذين هاجروا منذ الحرب العالمية الثانية للعمل في قطاعات الصلب والفحم لتغطية نقص اليد العاملة في أوروبا بعد الحرب. وتوجد أعلى معدلات بطالة في منطقة “مولينبيك”، حى الطبقة العاملة في بروكسل الذي بات يعرف بـ”عاصمة الجهاد” في أوروبا، إذ تصل نسبة البطالة في المنطقة إلي 31%، فيما المتوسط من 20% إلي 25%. ويعيش في هذه المنطقة الصغيرة نحو 90 ألف نسمة، 30% منهم من أصول غير بلجيكية. والكثير من الشباب المسلم في المنطقة يعاني من التهميش والتمييز ما يجعله هدفا سهلا للإستقطاب والتجنيد. وأبرز دليل على هذا أن الرأس اللوجستيكي المدبر لهجمات باريس صلاح عبد السلام وشقيقه إبراهيم عبد السلام ولدا وعاشا كل حياتهما في منطقة “مولينبيك”.

ثالثا: بلجيكا في قلب منطقة شنجن ما يعني سهولة أكبر في حرية الإنتقال. ويقول ريتشارد ويتمان زميل زائر في “مركز تشاثاوم هاوس” للدراسات في لندن:”بروكسل هي العاصمة الدبلوماسية والعسكرية لأوروبا. فهناك المؤسسات الأوروبية، لكن هناك أيضا حلف شمال الأطلنطي ومؤسسات أوروبية أخرى. إذا كان هناك أي مدينة مشابهة لواشنطن في أوروبا، فهي بروكسل”.

رابعا: بروكسل معروفة بتجارة الأسلحة غير الشرعية. ففي الهجوم على مجلة تشارلي ابدو الساخرة في يناير الماضي، اشترى الإرهابيون الاسلحة التي أستخدمت في الهجوم من بروكسل.

خامسا: بسبب الطبيعة الكوزموبوليتنية لبروكسل والتعدد العرقي واللغوي الهائل فيها بسبب وجود موظفي المؤسسات الاوروبية وحلف الناتو، تعد بروكسل مكانا مثاليا للإختفاء والتماهي، إذ إن تعدد ألوان البشرة والتعدد اللغوي والديني هو سمة المكان ولا يعد أمرا لافتا للإنتباه أو مثيرا للشكوك.

سادسا: تأثير العراق وسوريا التي أدت إلي تجنيد آلاف الجهاديين من كل مكان في العالم تقريبا. لكن بلجيكا كانت نقطة رخوة أكثر من غيرها. ووفقا للمركز الدولي لدراسات التطرف والعنف السياسي، فإن متطرفين خرجوا من بروكسل أكثر من أي مدينة أوروبية أخرى نسبة إلي عدد السكان. وهناك نحو 450 بلجيكي غادروا البلاد للقتال في العراق وسوريا.

سابعا: أزمة هوية إذ يتحدث غالبية الأئمة في بلجيكا اللغة الفرنسية، فيجد الشباب المسلم في الجزء الشمالي من بلجيكا الذي يتحدث الهولندية أن الملجأ الوحيد لمعرفة الدين هو الأنترنت، ما يجعلهم يقعون فريسة الأفكار المتطرفة. ومنظمة مثل “الشريعة من أجل بلجيكا” أستغلت هذا الفراغ وقامت بتجنيد عناصر قريبة أو محسوبة على داعش. ويقدر المسؤولون البلجيكيون أن نحو 10% من البلجيكيين الذين سافروا للقتال في سوريا لهم صلات بـ”الشريعة من أجل بلجيكا”.

يرتبط بهذا أن المسلمين الآتين من المغرب العربي لم يجدوا أمامهم لتعلم الإسلام في الدول الأوروبية التي هاجوا إليها، سوي أئمة ودعاة يروجون لأفكار متشددة.

وزاد الوضع تعقيدا أن تجربة دمج السكان المسلمين مع باقي السكان في فرنسا وبلجيكا وبلاد أوروبية أخرى لم شهد دوما نجاحا بسبب التصادم بين الحكومات الأوروبية والجاليات الإسلامية حول قوانين من بينها منع النقاب في الأماكن العامة الذي طبقته فرنسا وبلجيكا.

يعترف مسئولون وخبراء أمنيون أن هناك صعوبة متزايدة في تتبع ووقف الهجمات الإرهابية المحتملة في أوروبا، وذلك بسبب تغيير داعش لطريقة عمل الخلايا التي تتبع لها أو تدين لها بالولاء.

إذ لم تعد داعش تعتمد على خلايا منفصلة لكل منها هدف أو مهمة معينة، بل باتت تعتمد على عدد من الخلايا المتشابكة التي تتحرك بحرية داخل أوروبا، وتنسق فيها بينها وتتكامل فيما بينها.

بمعني أخر أنها خلايا سائلة تتحرك بكثير من المرونة بحسب الأوضاع على الأرض، وتركت لها قيادات داعش في سوريا حرية إتخاذ القرار حول مواعيد وأماكن شن الهجمات بحسب التطورات على الأرض.

 

أسوأ الهجمات في أوروبا خلال 12 عاما

الاعتداءات الدامية التي استهدفت بروكسل الثلاثاء، وتبناها تنظيم “داعش”، وقعت في أعقاب سلسلة من الهجمات في أوروبا منذ انفجارات مدريد في 2004 حتى هجمات باريس في نوفمبر الماضي..

*11  مارس 2004 / إسبانيا .. انفجار حوالي 10 قنابل على متن أربعة قطارات في العاصمة مدريد وضواحيها.

وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل 191 شخصا وحوالي 2000 جريح. وهذا الاعتداء كان الأعنف في أوروبا الغربية منذ اعتداء لوكربي باسكتلندا في 1988، والذي استهدف طائرة تجارية وأسفر عن 270 قتيلا.

* 7 يونيو 2005 / بريطانيا  ..  .. أربعة اعتداءات انتحارية منسقة في ساعة الذروة في ثلاث قاطرات للمترو وفي حافلة بلندن، أسفرت عن 56 قتيلا و700 جريح.

* 11 إلى 19 مارس 2012 / فرنسا

بلجيكا .. من 11 إلى 15 مارس، قتل محمد مراح ثلاثة عسكريين بالرصاص في تولوز ومونتوبان.

وفي 19 مارس، قتل ثلاثة أطفال ومدرسا في معهد اوزار هتوراه في تولوز ، وقتلته الشرطة بعد تطويق شقته لمدة 32 ساعة.

* 24 مايو 2014 / بلجيكا .. المتحف اليهودي أطلق رجل النار في بهو المتحف اليهودي في بروكسل، وتسبب في مقتل أربعة أشخاص، منهم زوجان إسرائيليان.
واعتقل المنفذ الفرنسي-الجزائري مهدي نموش في جنوب فرنسا وسلم إلى بلجيكا.

* 7 الى 9 يناير 2015 /فرنسا – الدنمارك .. استهدفت اعتداءات إرهابية مقر صحيفة شارلي إيبدو الساخرة، حيث قتل 12 شخصا، بالإضافة إلى شرطية فرنسية وأربعة أشخاص داخل متجر لليهود وقد قتلت الشرطة المعتدين.

* 14 فبراير 2015 / الدنمارك – فرنسا .. أطلق عمر الحسين، الدنماركي من أصل فلسطيني، النار من سلاح أوتوماتيكي في مركز ثقافي كان يعقد فيه مؤتمر حول موضوع “الفن، التجديف والحرية”.

وقتل المهاجم المخرج الدنماركي فين نورجارد، وأصاب ثلاثة من عناصر الشرطة وتمكن من الفرار.

وفي مساء اليوم نفسه، قتل يهوديا يدعى دان اوزان أمام كنيس، وأصاب أيضا اثنين من عناصر الشرطة ، وقُتل بعد ساعات خلال تبادل لإطلاق النار مع الشرطة.

* 13 نوفمبر 2015 /فرنسا .. تعرضت البلاد لأسوأ الهجمات في تاريخها.

وقد وقعت اعتداءات باريس في قاعة الحفلات بمسرح باتاكلان، وفي عدد من الحانات والمطاعم في وسط العاصمة، وقرب “ستاد دو فرانس” في ضاحية سان دوني.

وأسفرت الهجمات عن مقتل 130 شخصا وأكثر من 350 جريحا.

* 12 يناير 2016 / جاكرتا ، وفي 13 يناير 2016 / إسطنبول بسقوط 100 قتيل ، وفي 15 يناير/ بوركينا فاسو بهجوم في العاصمة أوجادوجو.

تى المساجد استهدفت، ففي 29 يناير تم قتل المصلين في السعودية في مسجد بالأحساء.

وفي 18 فبراير تفجير آخر في أنقرة راح ضحيته 26 قتيلًا و61 جريحاً.