إعداد: سميحة عبد الحليم

تمر العلاقات السعودية اللبنانية بمنعطف حاد بسبب ما سمته المملكة بمواقف لبنانية مناهضة لها على المنابر الإقليمية والدولية، لاسيما من حزب الله، عقب الاعتداء على سفارتها فى طهران، بالتزامن مع تجميد مساعدات عسكرية سعودية إلى لبنان بقيمة 4 مليارات دولار.
وجاءت التصريحات الرسمية الصادرة من لبنان تؤكد على أهمية تلك العلاقات مع السعودية، وظهر ذلك فى تصريح تمام سلام رئيس الوزراء اللبناني، برغبة لبنان فى الحفاظ على العلاقات مع الدول العربية،لاسيما السعودية.

ويبدو ان الأزمة السعودية الإيرانية ألقت بظلالها على الأوضاع الداخلية اللبنانية وموقف لبنان الرافض لـ “إدانة التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي السعودي”؛ وهو الموقف الذي “تعكسه سياسة لبنان الخارجية المحكومة بتوجهات فريق الثامن من آذار الموالي لإيران ونظام بشار الأسد، لذا ليس غريباً امتناع لبنان عن التصويت على قرار وزراء الخارجية العرب، بدعم المملكة العربية السعودية في مواجهة

التدخلات الإيرانية”.

وكان لبنان قد امتنع عن التصويت لصالح قرار وزراء الخارجية العرب، الذي طالب إيران بـ “وقف دعم الميليشيات والأحزاب المسلحة داخل الدول العربية، واعتبار ذلك تهديداً للأمن القومي العربي”. ما أدى إلى وقف السعودية لمساعداتها المالية التي تتجاوز 4 مليارات دولار للجيش والاجهزة الأمنية اللبنانية.

ورفض لبنان، الربط بين حزب الله اللبناني والإرهاب، وذلك في سياق تعليق وزير خارجيته جبران باسيل، على القرار المتضامن مع السعودية ضد الاعتداءات على بعثاتها الدبلوماسية.

يأتي ذلك، رغم تأكيد مجلس وزراء الخارجية العرب على تضامنه “الكامل مع السعودية في مواجهة الأعمال العدائية والاستفزازات الإيرانية”، بحسب البيان الذي استنكر “التدخلات الإيرانية السافرة في الشؤون السعودية”.

وكان الاجتماع قد عُقد على خلفية الأزمة بين طهران والرياض، في أعقاب إعدام رجل الدين الشيعي، نمر النمر، بتهمة “الإرهاب”، مع مجموعة أخرى من المدانين، وما تبعه من هجمات استهدفت السفارة السعودية في طهران، والقنصلية التابعة لها في مدينة مشهد الإيرانية.

وكان “تحالف الثامن من آذار”، قد نشأ بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، (عام 2005) وعقدته أحزاب ذات صلة وثيقة بسوريا أبرزها حزب الله اللبناني.

وعلى جانب آخر يؤكد مسؤلون لبنانيون أن السعودية قدمت الكثير “للبنان الشعب ولبنان الدولة”، وما تقدمه من دعم هي “وشقيقاتها من الدول الخليجية يذهب إلى “موازنة الدولة اللبنانية، لإفادة عامة الشعب اللبناني”.
“بينما لم تقدم إيران أي دعم يُذكر للدولة اللبنانية، لكنها تدعم أحزابا وشخصيات وقوى مسلحة تنفذ سياسات إيرانية في لبنان فى حين يقتصر الدعم الإيراني على الموالين لها ولا يشمل الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية”، حسب تعبير مسؤل لبناني.

من جانبه، قال الخبير السعودي في الشؤون الإيرانية، محمد السلمي، إن بلاده تدرك ما “تؤكده الشواهد والحقائق على أن حزب الله لم يعد دولة داخل دولة، كما هو شائع، إنما هو من يتحكم بالقرار السياسي اللبناني، وهو يمثل ذراعاً من أذرع تنفيذ السياسات الإيرانية الساعية لبناء حاضنة مؤهلة لتجسيد فكرة المشروع الفارسي في المنطقة العربية”.

الا ان الكلمة في نهاية المطاف بيد الشعب اللبناني، الذي يفترض أن يلعب دوراً في وضع حدّ لانفراد حزب أو طيف بالسلطة، وتوجيه البلد وفق أيديولوجيا مستوردة ضارة بلبنان وشعبه.

وأكد السلمي أنّ “السعودية لن تترك لبنان لقمة سائغة لإيران”، وأنّ السياسة السعودية لا يمكن أن تتخلى عن “دعمها للشعب اللبناني، دون تمييز بين مكوناته، كما أنها لن تعاقب الشعب اللبناني بجريرة السياسات التي تتخذها الحكومة المحسوبة على حزب الله”،واستدرك “لكن كل ذلك لا يلغي احتمالات تبني السعودية ودول الخليج العربي، مساراً يعبر عن “امتعاضها من المواقف السياسية للحكومة اللبنانية، بالتضييق على الأفراد والشركات والاستثمارات المرتبطة بحزب الله”،
وفي معرض رده على خلفيات الموقف الرسمي اللبناني، في اجتماعات وزراء الخارجية العرب، قال الباحث الفلسطيني في الشؤون الاستراتيجية، ماجد عزام: “تحكم السياسة الخارجية اللبنانية جوانب تتعلق بالولاءات الحزبية أو الولاءات الخارجية، لذا ليس هناك أي وجه غرابة في الموقف اللبناني الذي يرسمه وزير الخارجية، الحليف الأوثق لحزب الله اللبناني”.

وحول الأزمة بين السعودية وإيران، وانعكاساتها على مجمل المشهدين الأمني والسياسي اللبناني، توقع عزام، “زيادة حدة الاستقطابات الطائفية، كانعكاس لأزمة العلاقات السعودية الإيرانية إقليميا، واحتمالات التدخل البري السعودي في سوريا، مع واقع استغلال إيران لأذرعها في لبنان لتعقيد الموقف وخلط الأوراق في أغلب الأزمات التي شهدتها المنطقة”.
من جانبه، وصف اللبناني علي نايف شمص، رئيس تيار الولاية، المشهد السياسي اللبناني بـ “متعدد الولاءات”؛ وقال، إن لِلبنان “سياسة متشعبة يقودها تيار يسعى إلى الحوار مع جميع الأطراف” يقوده نبيه بري، رئيس مجلس النواب.
وإلى جانب بري، “هناك تياران متعارضان، تيار الثامن من آذار، الذي يمثله التيار الوطني الحر بقيادة الجنرال ميشيل عون وحليفه حزب الله، وهو تيار يقود السياسة الداخلية والخارجية للبلد”.
أما التيار الثاني، تيار الرابع عشر من آذار، الذي يقوده سعد الحريري، بالتحالف مع أحزاب أخرى، وهو تيار “ضعيف إلى حد ما، أسهم في إضعاف الدور السعودي في لبنان”.

ردود أفعال لبنانية..

استقبلت الأوساط السياسية اللبنانية القرار السعودي بمواقف مختلفة، حيث اتجهت القوى السياسية اللبنانية المؤيدة للسعودية التي تعتبر حليفة لها وأبرزها قوى 14 آذار، إلى خلق تبريرات للخطوة السعودية، حيث أعرب رئيس تيار المستقبل، سعد الحريري، عن تفهمه التام لقرار السعودية، نظرًا لحجم الألم الذي وقع جراء اتخاذ وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، قرار يجافي المصلحة اللبنانية والإجماع العربي في خدمة محاور إقليمية، حسب تعبير الحريري.

وقال رئيس تيار المستقبل: إننا نتطلع إلى قيادة المملكة لتنظر إلى ما يعانيه لبنان بعين الأخ الكبير، ونحن على يقين بأنها لن تتخلى عن شعب لبنان مهما تعاظمت التحديات واشتدت الظروف، وأكد أن لبنان لا يمكن أن يجني من تلك السياسات، التي أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها رعناء، سوى ما نشهده من إجراءات تهدد في الصميم مصالح مئات آلاف اللبنانيين، الذين ينتشرون في مختلف البلدان العربية، ويشكلون طاقة اقتصادية واجتماعية، يريد البعض تدميرها، تنفيذًا لأمر عمليات خارجية.

موقف حزب الله ..

من جانبه، أرجع حزب الله القرار السعودي إلى الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها المملكة؛ بسبب حجم النفقات الضخمة لعدوانها على اليمن، وانخفاض أسعار النفط في السوق العالمية، وأشار الحزب إلى أن القرار السعودي بوقف المساعدات المالية للجيش والقوى الأمنية لم يفاجئ أحدًا على الإطلاق في لبنان، وأكد أن قرار السعودية يكشف مجددًا زيف ادعاءاتها الباطلة في مكافحة الإرهاب، من بينها، حسب ما كان يفترض، خطوة دعم الجيش اللبناني، كما رفض الحزب تحميله المسؤولية بسبب مواقفه السياسية والإعلامية في دعم اليمن وشعب البحرين، وسواه من الشعوب التي تكتوي بنار الإرهاب السعودي(على حد زعمه)

أما وزير الدفاع اللبناني، سمير مقبل، فقد قلل من أهمية الدعم السعودي لقواته من الأساس، حيث قال: إن القرار السعودي بإلغاء الهبة العسكرية لن يؤثر على الجيش، والمؤسسة العسكرية ستتدبر أمرها من خلال قرار مجلس النواب الأخير بشأن تسليح الجيش، والهبات من الدول الأخرى.

تصعيد لبنانى للأزمة..

وفي تصعيد للأزمة، استقال وزير العدل اللبناني، أشرف ريفي، من منصبه، مطالبًا الحكومة بتقديم اعتذار للمملكة العربية السعودية.

وقال ريفي: “وصل عبث حزب الله بالدولة إلى مستويات خطيرة، ويجب على الحكومة تقديم استقالتها قبل أن تتحول إلى أداة بيد الحزب”.

وأوضح ريفي أن استقالته جاءت بسبب ممارسات حزب الله وحلفائه، خاصة تعطيل إحالة قضية الوزير السابق، ميشال سماحة، للقضاء المدني والإساءة للمملكة العربية السعودية من خلال امتناع وزير خارجية لبنان، جبران باسيل، عن التصويت على قراري الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بإدانة الهجوم على سفارة السعودية في طهران ، وقنصليتها.

واتفق خبراء الشئون السياسية والدولية على أن ما يدور في الوقت الحالي بين المملكة السعودية ولبنان هي “حرب بالوكالة”، مؤكدين أن المشهد سوف يتطور إلى حرب إقليمية في وقت قريب.

وقال طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، إن الأزمة تطورت بين السعودية ولبنان بسبب تدخل “حزب الله” ومحاولته استغلال الأموال، التي ترسلها “الرياض” بهدف تقوية الجيش اللبناني، في إمداد مليشياته المشاركة في الحرب الأهلية بسوريا، ومساندة نظام الرئيس، بشار الأسد، الذي تعارضه المملكة العربية السعودية ، بالأسلحة والعتاد العسكري.

وأضاف فهمي، أن القرار سوف يكون له تداعيات مؤلمة على الداخل اللبناني، مشيرًا إلى أنه يؤدي إلى انشقاقات داخل الحكومة اللبنانية ما بين منحاز للسعودية وأخر لإيران، خاصةً أن بيروت تعاني من فراغ سياسي ووزاري ورئاسي.

وأوضح فهمي أن حرب “تكسير العظام” اشتعلت بين المملكة السعودية وإيران، مؤكدًا أن لبنان – في الوقت الحالي- مسرح الحرب بين الدولتين.

وأشار فهمي إلى أن تطور الأزمة الحالية بين الرياض وطهران يعد بداية لحرب إقليمية، قائلًا إنه سيتم خلال هذه الحرب استغلال جهات أخرى مثل حركة “حماس” وعدد من الجهات اللبنانية واليمنية.

ومن جانبه، قال عبد الخبير عطا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة أسيوط، إن الأزمة الحالية بين المملكة العربية السعودية وحزب الله ستسفر عن انشقاق في الجانب اللبناني ما بين مؤيد للرياض وأخر معارض.

وأضاف عطا، أن إيران تستغل حزب الله في إشعال الأزمات بينها وبين السعودية، مؤكدًا أن لبنان سوف يصبح ملعب لـ”الحرب بالوكالة” بين الرياض وطهران.

وكانت المملكة العربية السعودية أوقفت مساعداتها لتسليح الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي نظرا للمواقف اللبنانية التي لا تنسجم مع العلاقات الأخوية بين البلدين.وأضافت أنه في ظل هذه الحقائق، فإن المملكة أجرت مراجعة شاملة لعلاقاتها مع الجمهورية اللبنانية بما يتناسب مع هذه المواقف ويحمي مصالح المملكة,

تصعيد خليجى ..

وفى تصعيد من الجانب السعودى والخليجى اصدرت السعودية والامارات والبحرين تحذيرات بشأن السفر إلى لبنان
وحثت السعودية والبحرين مواطنيهما على مغادرة لبنان. وقررت الإمارات منع السفر إليه مع تخفيض بعثتها الدبلوماسية في بيروت إلى الحد الأدنى.
يأتي ذلك بعد أيام قليلة من قرار السعودية ،وطالبت وزارة الخارجية السعوديين “عدم السفر إلى لبنان حرصا على سلامتهم”.وكذا فعلت وزارة الخارجية البحرينية، التي طلبت من البحرينيين “مغادرة لبنان فورا مع توخي أقصى درجات الحيطة والحذر”،وأعلنت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في الإمارات أنها “رفعت حالة التحذير من السفر الى لبنان الى منع السفر إليه.”
وكان مسؤول سعودي قد قال في معرض إعلانه عن وقف برنامج المساعدات إن الرياض لاحظت “مواقف لبنانية معادية ناتجة عن هيمنة حزب الله على الدولة اللبنانية.”

يذكر ان الخلاف في لبنان بين حزب الله وحركة امل الشيعيتين والقوى الاخرى التي تدور في فلكهما من جهة، وتيار المستقبل والقوات اللبنانية وغيرها من القوى المناوئة لحزب الله من جهة اخرى ليس وليد هذه اللحظة الراهنة، بل يعود الى المرحلة التي سبقت اغتيال رئيس وزراء الاسبق رفيق الحريري قبل اكثر من 10 سنوات. وتعمق هذا الخلاف بسبب الازمة السورية حيث يقاتل حزب الله الى جانب النظام في سوريا بينما المعارضة السورية تحظى بالدعم السعودي الكامل.

الحريري يناشد السعودية عدم التخلي عن لبنان..

من جانبه ناشد زعيم تيار المستقبل في لبنان سعد الحريري الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز عدمَ التخلي عن لبنان والاستمرارَ في دعمه واحتضانه، ودعا كل اللبنانيين للتوقيع على وثيقة التضامن مع الإجماع العربي والوفاء للدول العربية التي عرضها في مؤتمر صحفي عقده للتعليق على قرار السعودية وقف مساعداتها للجيش اللبناني.

واعتبر الحريري هذه الوثيقة بمثابة مدخل نحو تصحيح دور لبنان وحماية انتمائه العربي، وقال إن لبنان “سيبقى وفيا لعروبته وأشقائه ولن يسمح بسقوطه في الهاوية الإيرانية”.مضيفا “لن نسمح بتسليم لبنان لمشروع الفتنة وتقسيم المنطقة”،وأكد الحريري أن الأصوات التي قال إنها تهجمت على قادة الخليج هي أصوات شاذة ولا تنطق باسم لبنان ولا تمثل اللبنانيين، حسب وصفه.و”هي أصوات من انقلب على العروبة ومن خرج عن الإجماع الوطني”، مؤكدا أنه لن يعطي الفرصة لهؤلاء للاستيلاء على لبنان مهما بلغت التحديات.
مشيرا إلى أن تاريخ السعودية ودول الخليج العربي مع لبنان “معروف وواضح، فهي دول مدت أياديها البيضاء للبنان بالخير والسلام والإعمار والأمان، ولم تقاتل بشباب لبنان وطوائفه في حروب الآخرين.
واعتبر الحريري أن خروج الدبلوماسية اللبنانية عن الإجماع العربي خطيئة يدفع ثمنها لبنان وشعبه والمؤسسات العسكرية والأمنية، وفق تعبيره.وشدد على أن خروج البعض عن حدود الأخلاق والمصلحة الوطنية في مخاطبة الدول الشقيقة جريمة سياسية بحق الدولة ومصالح اللبنانيين، على حد قوله.

التبادل التجاري اللبناني مع دول الخليج..

يناهز حجم التبادل التجاري بين بيروت والرياض 800 مليون دولار، منها 300 مليون دولار تدخل ضمن صادرات لبنان إلى المملكة في مقابل استيراد بقيمة 450 مليونا، وتلي السوق السعودية من حيث الأهمية الاقتصادية، كل من: أسواق الإمارات فالكويت وقطر، إضافة إلى البحرين ثم عمان»، اما الاستثمارات اللبنانية في الإمارات،فمن المؤكد أنها ستتأثر، كون الموقف الإماراتي- السعودي موحد»، بعدما أصبح موقف لبنان خارج الإجماع العربي .

ويتركزالوجود اللبناني في كل من الرياض وجدة والخبر، وعلى الرغم من مماطلة اللبنانيين في تسجيل أسمائهم في السفارات بشكل يصعب من إعطاء البيانات الرقمية الدقيقة، إلا أن التحويلات الخليجية السنوية تناهز ستة مليارات دولار من أصل ثمانية مليارات يحولها المقيمون في الخارج ككل»
وتأتي الإمارات والكويت في المرتبتين الثانية والثالثة لجهة احتضان اللبنانيين، تليهما قطر والبحرين وعمان.

علاقات تاريخية ..

ترجع العلاقات بين البلدين إلى عام 1952، حيث بدأت بزيارة رسمية لكميل شمعون، أول رئيس للبنان، للمملكة العربية السعودية والتي استقبلها الملك عبد العزيز آل سعود بحفاوة كبيرة، حيث كان العاهل السعودي أول المبادرين في الاستعانة بالخبرات اللبنانية قبل استقلال لبنان، واستعان بالخبراء والمستشارين أصحاب الفكر والرأي وحسن الإدارة، وكان اللبناني فؤاد حمزة بين هؤلاء المستشارين الذين أمضوا عقودًا من العمل السياسي السعودي.

وفي 1976، وبمبادرة سعودية كويتية، انعقد مؤتمر قمة سداسي في الرياض، شارك فيه زعماء السعودية ومصر وسوريا والكويت ولبنان، بالإضافة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وكان الهدف المباشر له معالجة أحداث الحرب الأهلية الجارية في لبنان آنذاك.

وتوصلت القمة إلى وقف إطلاق النار ووقف القتال في كل الأراضي اللبنانية، وتشكيل قوات ردع عربية في حدود 30 ألف فرد، تعمل داخل لبنان وتحت إمرة رئيس الجمهورية لفرض الالتزام بوقف إطلاق النار وإنهاء الاقتتال والفصل بين القوات المتحاربة والإشراف على انسحاب وعودة المسلحين إلى المواقع التي كانوا فيها قبل 13 أبريل/ نيسان 1975، ومتابعة جمع الأسلحة الثقيلة، ومساعدة السلطة اللبنانية على تسلم وحماية المرافق والمؤسسات العامة.

وفي عام 1989 جاء اتفاق الطائف، وهو اجتماع استثنائي لمجلس النواب اللبناني في مدينة الطائف بالسعودية، حيث تم إقرار وثيقة الوفاق الوطني، والتي أكدت هوية لبنان العربية وجاءت بعدد من الإصلاحات في النظام السياسي اللبناني، وهو الذي أصبح فيما بعد دستورا جديدًا للجمهورية اللبنانية.

لكن الدعم السعودي لهذه العلاقة تعدى البعد السياسي، فاقتصاديا قامت المملكة بدعم لبنان بأكثر من 12 مليار دولار، ويتمثل ذلك الدعم في منح ومساعدات وقروض ميسرة بالإضافة إلى الكثير من المعونات العسكرية والتنموية.

ووصف الكثير من السياسيين اللبنانيين العلاقة بين البلدين بالعميقة والمثمرة منذ عقود، حيث يقول محمد البعلبكي، نقيب الصحفيين اللبنانيين السابق في تصريحات سابقة إن “العلاقات اللبنانية – السعودية ارتكزت على قول الملك المؤسس، عبد العزيز آل سعود، بشكل صريح وعلني لأبنائه لبنان وطنكم الثاني”.

وبنيت العلاقات السعودية اللبنانية على أساس روحية هذه الكلمة، وما تزال مستمرة حتى اليوم، لهذا التزم أبناء الملك عبد العزيز آل سعود الذين تعاقبوا على تولي المسؤوليات من بعده، بهذا التوجه الصادر عن والدهم.

وطوال تاريخها الممتد منذ تأسيس المملكة العربية السعودية حتى اليوم، لم تعرف العلاقات اللبنانية-السعودية أيّة شائبة، إلا أن تنامي النفوذ الإيراني متمثلا في “حزب الله” ومواقفه المعادية للصف العربي يهدد صفو هذه العلاقات.

ويلاحظ إضافة إلى العلاقات الدبلوماسية والرسمية المستمرة منذ زمن، فإن السعودية تبدي دائماً اهتماماً مباشراً بكل شأن لبناني، فما من أزمة تمر بها هذه البلاد، إلاّ وكانت السعودية بجانبها، تضع كل إمكانياتها لمساعدتها لإيجاد مخارج لأزماتها واطمئنان لمستقبل شعبها.

ويتجلى ذلك واضحا في عدة مواقف تاريخية للسعودية، أبرزها استقبال اللبنانيين وتأمين فرص العمل لهم، والمحاولات المستمرة لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية ودعم لبنان بشكل مستمر في المحافل الإقليمية والدولية، واستضافة ورعاية اتفاق الطائف وأخيرا دعم المملكة الكامل في عمليات إعادة البناء والإعمار في لبنان.

العلاقات الاقتصادية..

بلغ حجم الاستثمارات السعودية في لبنان في عام 2010 نحو 16 مليار ريال، وتمثل نحو 40 في المئة من الاستثمارات العربية، في حين بلغ حجم التبادلات التجارية بين البلدين نحو 2.790 مليار ريال .
يقيم في المملكة أعداداً كبيرة من العمالة اللبنانية التي تتجاوز 300 ألف شخص، والتي تعد أكبر جالية عربية مستثمرة داخل المملكة، كما أن المستثمرين اللبنانيين فيها يتجاوزون 600 مستثمر، تتركز غالب استثماراتهم في أعمال المقاولات، والإنشاءات، والديكورات، وبعض الصناعات.
قام البلدان بإنشاء مجلس الأعمال السعودي اللبناني، الذي يُعنى بالتنسيق الاقتصادي والتجاري بين البلدين على المستوى الحكومي من جهة، وعلى مستوى التجار والمستثمرين من جهة أخرى، كان من أبرز نتائج هذا المجلس هو تدشين الملتقى الاقتصادي السعودي اللبناني، الذي يقام بشكل سنوي.
هذا بالإضافة لوجود هيئة تنمية العلاقات الاقتصادية اللبنانية السعودية، ومجلس العمل والاستثمار اللبناني في السعودية.

واستنادا لما سبق، رأى مراقبون أن الوعي السياسي اللبناني كفيل بردع أي محاولات للتأثير على استقلالية لبنان والتأثير على تحالفاته، لاسيما مع المملكة العربية السعودية، مرجحين في الوقت نفسه أن تعود العلاقات إلى طبيعتها، خصوصا بعد بيان موقف القوى اللبنانية، على غرار قوى “14 آذار” التي أكدت أن لبنان جزء لا يجتزأ من الكيان العربي.

وشدد البيان على أن “هذه الدول التي فتحت لنا أبوابها جميعًا في كل المراحل الصعبة وكانت أفضل سند لنا، لم تحتل يومًا شبرًا من أرضنا اللبنانية، ولم تسهم يومًا في أي تسليح لغير الشرعية اللبنانية، أرسلنا إليها خيرة شبابنا، وأعطتنا في المقابل أفضل فرص النجاح والخير”، في إشارة إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج.