إعداد سميحة عبد الحليم

شبح الانفصال يهدد بانفراط العقد الاوروبي حيث تتفاقم الخلافات يوماً بعد يوم بين الدول الأوروبية، وتكاد تهدد وحدة الاتحاد الأوروبي، بدءاً من أزمة ديون

اليونان الاقتصادية وصولاً إلى موضوع اللاجئين، مروراً بتلويح بريطانيا بالانفصال عن الاتحاد، وفقاً لما سينتج عن الاستفتاء الذي تنوي اجراءه في عام

2017، فضلاً عن توجّه إقليم كاتالونيا في إسبانيا نحو الاستقلال عن المملكة، مع ما سينتجه هذا الأمر من تداعيات اقتصادية وسياسية.

وعلى وقع هذه الانقسامات تحاول كل دولة ايجاد حلول فردية تتناسب مع مصالحها حيال الأزمات التي تعصف بالاتحاد. وكان واضحاً وزير خارجية

لوكسمبورج يان اسلبورن، الذي تتولّى بلاده حالياً الرئاسة الدورية للاتحاد، في تعبيره عن خطر تفكك دول الاتحاد، بقوله إن “الاتحاد الأوروبي من الممكن

أن يتفكك على نحو سريع للغاية، إذا ما أصبح الانغلاق هو القاعدة، وبديلاً من التضامن الداخلي والخارجي”.

في السياق نفسه، يعتبر مراقبون، أن هناك الكثير من الاختلافات بين الدول الأوروبية، تقوّض التفاهمات فيما بينها، ومنها أزمة الديون اليونانية، التي عادت

إلى الواجهة من جديد، إثر خلاف بين وزراء منطقة اليورو في بروكسل. وتتمثل العقبة الرئيسية حالياً، بعدم قدرة المصارف اليونانية على إخراج مالكي

المنازل والشقق منها، إن لم يدفعوا أقساطهم المستحقة، في حين أن الممولين يطالبون بذلك. وهو ما أكد عليه وزير المالية الألماني ، قائلاً إن “المصرف

الأوروبي المركزي، لن يضخّ الأموال في المصارف في دولة لا تسمح قوانينها بإرجاع هذه الأموال إلى أصحابها، لأن القروض المتعثرة هي إحدى المشاكل

الرئيسية التي تواجه المصارف اليونانية، وعلى اليونان إنهاء هذا الأمر”.

الى ذلك يمر الاتحاد الأوروبي بمرحلة مضطربة جسدتها سياسية الشد و الجذب من المملكة المتحدة خلال الآونة الأخيرة.
فمنذ أن وعد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بانه إذا أُعيد انتخابه في 2015 فسيحاول التفاوض على روابط بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي، تلوح

المملكة المتحدة بالانفصال عن الوحدة الأوربية.

وقد بات واضحاً أن أزمة اللاجئين في أوروبا تتصدر كافة الملفات في جميع القمم واللقاءات، بموازاة ارتفاع الأسوار والأسلاك الشائكة على الحدود، حيث

تتم كذلك إعادة إنشاء نقاط المراقبة للحدّ من تدفق اللاجئين. وكانت آخر هذه الإجراءات هي تلك التي قامت بها السويد، على الرغم من وجود اتفاقية “شينغن”

المعمول بها منذ عام 1985، والتي تضمّ حالياً 26 دولة، بينها 22 دولة في الاتحاد الأوروبي.

ويأتي هذا الانقسام نتيجة عجز دول الاتحاد الأوروبي عن احتواء الأزمة مع غياب التضامن بين دوله والاختلاف على توزيع اللاجئين، علماً أن أوروبا

تستقبل حالياً أقلّ من 1 في المائة من عدد سكانها. كما تتعامل بعض الدول مع الاتحاد، كأنه صندوق دعم مالي فقط.

وكانت المجر من أوائل الدول التي جاهرت بموقفها، وعمدت إلى بناء سياج على حدودها مع كرواتيا، بدعمٍ من دول “فيسغراد” (تشيكيا، وسلوفاكيا، وبولندا

والمجر)، في وقتٍ تعمد فيه دول أخرى إلى تسهيل حركة مرور اللاجئين مخافة من تجرّع الكأس المرّة، ولأن العديد منها عانى أساساً من أزمات مادية،

ومنها اليونان وكرواتيا وسلوفينيا.

كل ذلك زاد من تبادل الاتهامات بخرق القوانين الأوروبية، وإعراب كل من رومانيا وبلغاريا وصربيا نيتها في إغلاق حدودها، في حال أقدمت ألمانيا والنمسا

على إغلاق حدودهما، رافضة أن تتحول إلى مناطق عازلة.

وليس بعيداً عن هذا الانقسام، تأتي خطورة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتأثيرها على مكانة الاتحاد، على الرغم من المخاطر التي من الممكن ان

تواجهها البلاد، ومنها إعطاء الذريعة مجدداً للاسكتلنديين للمطالبة بالاستقلال عنها. مع العلم أن لبريطانيا أربعة شروط للبقاء ضمن دول الاتحاد، وهي: إعفاء

بريطانيا من المبادئ التأسيسية للاتحاد، وعدم اعتبار “اليورو” العملة الرسمية للاتحاد الأوروبي، وإقرار نظام “البطاقة الحمراء” لاستعادة القوة من بروكسل

إلى لندن، ومنع هيمنة الدول الأعضاء على الدول الـ9 الواقعة خارج منطقة “اليورو”.

كما يشترط رئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون، انتظار المهاجرين أربع سنوات قبل حصولهم على الرعاية الاجتماعية في لندن، وهو ما يلقَى رفضاً

من دول الاتحاد. بالتالي فإن تبعات خروج لندن من الاتحاد من شأنها أن تؤثر على السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي، كون وجود بريطانيا فيه يعزّز السوق

الاقتصادي الحرّ، لما للندن من أهمية كبيرة لكونها مركزاً مالياً في أوروبا، ومركزاً لصناديق التحوّط المالي وشركات الأسهم الخاصة.

صراع بين جناحى الاتحاد الاوربى الدول الشرقية و الغربية..

شرعت دول أوروبا الشرقية مؤخراً في ممارسة المزيد من الضغوط على دول أوروبا الغربية لإدخال إصلاحات على نظام عمل مؤسسات الاتحاد

الأوروبي، تُقَلص من هيمنة وسيطرة الاتحاد على الدول الأعضاء مقابل تعزيز سلطات المؤسسات والحكومات الوطنية في الدول الأعضاء، حيث تنظر دول

أوروبا الشرقية بزعامة المجر، التي تقودها حكومة فيكتور أوروبان اليمينية المحافظة، إلى الوقت الراهن على أنه فرصة تاريخية لتمرير التعديلات

المطلوبة، بناءً على معطيات جديدة تتمثل في تولي حكومة يمينية محافظة مقاليد الحكم في بولندا، وظهور رغبة لدى رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد

كاميرون، في التعاون مع دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، لتمرير الإصلاحات التي ينادي بها، في اتجاه عودة السيطرة إلى الحكومات

والبرلمانات الوطنية على مقاليد الأمور في بلدانهم مقابل تقليص صلاحيات الاتحاد والمفوضية الأوروبية، كبديل لخروج المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد

الأوروبي.

حكومتا المجر وبولندا عازمتان على عدم تفويت الفرصة المتاحة، لإعادة انتزاع جزء من سلطات الاتحاد الأوروبي لصالح الحكومات والبرلمانات الوطنية

للدول الأعضاء، بالتعاون مع دول أوروبية شرقية أخرى مثل سلوفاكيا والتشيك ودول البلطيق (إستونيا لاتفيا ليتوانيا)، بالتنسيق مع ديفيد كاميرون رئيس

وزراء المملكة المتحدة، حيث ترى هذه الدول أن الاتحاد الأوروبي تعرض مؤخراً لعدة أزمات أدت إلى إضعافه، في إشارة إلى أزمة اليونان المالية ومشكلة

تدفق اللاجئين إلى أوروبا وارتباطها بخطر انتشار الارهاب والتهديدات الإرهابية المحتملة في أوروبا، إضافة إلى تلويح بريطانيا بالخروج من عضوية

الاتحاد الأوروبي، حيث تعتقد هذه الدول أن تلك الأزمات جعلت الظروف مواتية لإدخال إصلاحات على نظام عمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، تساهم في

استرداد جزء من سلطات الحكومات الوطنية وإطلاق أياديها المغلولة في مواجهة سيطرة الاتحاد الأوروبي، واستغلال الضعف النسبي، الذي لحق بدول

أوروبا الغربية، لاسيما ألمانيا وفرنسا، في تمرير الإصلاحات المطلوبة، فيما يرى محللون نمساويون أن المشاكل التي تواجه دول أوروبا الغربية فتحت

الباب على مصرعيه أمام دول أوروبا الشرقية، التي تحاول استغلال هذه الفرصة عن طريق تجميع الجهود ضد نظيراتها الغربية.

التسريبات التي نشرت مؤخراً عن دوائر قريبة الصلة بالحكومة المجرية اليمينية، تكشف النقاب عن هدف حكومة فيكتور أوربان، التي ترغب في تقليص

النزعة الأوروبية وجعل الاتحاد الأوروبي “تجمع يهتم بتعزيز المصالح الاقتصادية للدول الأعضاء مقابل تقليص دور الاتحاد في تقييم أداء وسلوكيات الدول

الأعضاء”، وتعول حكومة المجر لتحقيق هذا الهدف على تعزيز التعاون بين دول مجموعة “فيشجراد”، المكونة من المجر وبولندا وسلوفاكيا والتشيك،

بالتعاون مع رومانيا ودول البلطيق، ويعتقد رئيس وزراء المجر في القوة، التي تتمتع بها هذه الدول في مواجهة دول أوروبا الغربية، التي بدأت تعتريها

مظاهر الضعف بسبب الأزمات المتعددة التي تعاني منها.

واهتمت صحف نمساوية بتصريح جاء على لسان الخبير الإعلامي البولندي اليميني، ايجور يانك، القريب من رئيس حكومة المجر، فيكتور أوربان، أكد فيه

“إذا ما اتحدت دول أوروبا الوسط وتعاونت مع كاميرون تستطيع تغيير الاتحاد الأوروبي”، ويرصد المحللون قضيتين أساسيتين تجمعان رئيس وزراء المجر

فيكتور أوربان اليميني المحافظ ونظيره البريطاني ديفيد كاميرون، رئيس حزب المحافظين، الأولى تستهدف إدخال تعديل يسمح لبرلمانات الدول الأعضاء

بممارسة حق الاعتراض على قرارات الاتحاد الأوروبي “فيتو”، والثانية تطالب بتحديد موعد تعمل فيه جميع الدول الأعضاء في الاتحاد بالعملة الأوروبية

الموحدة “اليورو”.

واهتمت صحف نمساوية بزيارة كاميرون إلى ولاية بافاريا الألمانية، لحضور اجتماع حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي وتقديم الدعم لقيادات الحزب

البافاري، التي نقاشت مع رئيس وزراء بريطانيا، مطالباته بإدخال تعديلات على مؤسسات الاتحاد الأوروبي، حيث أظهر الحزب البافاري تأييده للمطالب،

التي تستعد بريطانيا لطرحها في القمة الأوروبية ، في منتصف شهر فبراير وهي الطلبات التي تركز على تهميش مبدأ تعزيز دمج الدول الأعضاء في

الاتحاد والمطالبة في المقابل بتقوية دور برلمانات الدول الأعضاء والحد من استقبال اللاجئين والمهاجرين، وهي الطلبات التي تأتي متوافقة مع مطالب دول

أوروبا الشرقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، التي أصبحت تسيطر النزعات القومية على سياساتها بعد وصول أحزاب يمينية محافظة إلى سدة الحكم، بدءاً

من حكومة فيكتور أوربان اليمينية في المجر مروراً بحكومة بولندا اليمينية الجديدة وحكومة سلوفاكيا الاشتراكية ذات الطابع المعادي للمهاجرين واللاجئين،

وكذلك حكومة التشيك المعادية للاجئين، وهي الحكومات التي زادت شعبيتها مؤخراً واستفادت بقوة من أزمة تدفق اللاجئين السوريين والعراقيين إلى الدول

الأوروبية، حيث تتبني دول أوروبا الشرقية موقف موحد ضد اللاجئين، وترفض بشكل قاطع ايواء اللاجئين المسلمين أو العمل بنظام محاصصة اللاجئين،

الذي يفرض على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قبول حصص ملزمة تشمل لاجئين مسلمين، وتتبنى سياسة تشييد الأسوار الشائكة في وجه اللاجئين

بالتزامن مع استخدام إجراءات قمعية لمنع اللاجئين من الدخول إلى البلاد.

والأمر اللافت في الصراع الأوروبي الذي بدأت تظهر إرهاصاته على السطح، أنها المحاولة الأولى، في تاريخ الاتحاد الأوروبي، التي تسعى فيها دول

أوروبا الشرقية، الأحدث انضماماً للاتحاد، إلى مزاحمة دول أوروبا الغربية المؤسسة وتتكتل لتغيير معادلة القوة الراسخة داخل الاتحاد الأوروبي، في

مواجهة برلين وباريس وبقية الدول الأعضاء في أوروبا الغربية، ما دفع المفوضية الأوروبية إلى التفكير في استخدام البند السابع من اتفاقية الاتحاد

الأوروبي، الخاص بانتهاك الدول الأعضاء لمعايير وقيم الاتحاد الأوروبي ضد بولندا، بعد أن أقدمت حكومتها اليمينية الجديدة على تنفيذ تغييرات تحد من

سلطات المحكمة الدستورية وتهدد حرية الإعلام، بشكل أزعج قادة الاتحاد الأوروبي ودفع المفوضية الأوروبية إلى الإعلان عن تخصيص جلسة لمناقشة

وضع سيادة القانون في بولندا بعد هذه التعديلات الأخيرة.

ويعتقد محللون أن الحكومات اليمينية المحافظة وكذلك الحكومات الاشتراكية ذات التوجهات المسيحية، في إشارة إلى حكومة سلوفاكيا، نجحت في تعزيز

شعبيتها بشكل كبير مستفيدة من أزمة تدفق اللاجئين السوريين والعراقيين المسلمين إلى الدول الأوروبية والتهديدات الإرهابية ذات الصلة بتنظيم “داعش”

الإرهابي وغيرها من الجماعات الإرهابية، حيث يظهر رؤساء الحكومات في دول أوروبا الشرقية مثل روبرت فيتسو، رئيس وزراء سلوفاكيا، ورئيس

وزراء المجر، فيكتور أوربان، والحكومة اليمينية الجديدة في بولندا العداء تجاه اللاجئين المسلمين، بشكل لا يتفق ومعايير الاتحاد الأوروبي، الذي يدعو

الدول الأعضاء إلى إيواء اللاجئين دون تمييز قائم عن العرق أو الدين، وقبول العمل بنظام محاصصة اللاجئين، الذي يهدف إلى توزيع اللاجئين بشكل عادل

ومحايد على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

كاتالونيا ..

أما استقلال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا، فسيتسبب بخسارة مدريد 8 في المائة من مساحتها، وسيسمح لعدد من القوميات داخل دول الاتحاد الأوروبي في

المطالبة بالاستفتاء من أجل الاستقلال. وسيؤدي هذا إلى صراع بين كل من إسبانيا وفرنسا، الدولتين العضوين في الاتحاد، كون باريس ستُرحّب بانضمام

كاتالونيا إليها، في ظلّ اعتبار الاتحاد الأوروبي الانفصال “شأناً داخلياً إسبانياً”.

واستقلال كاتالونيا إذا تحقق، سيُضاعف من الأزمة الاقتصادية في إسبانيا، التي ستخسر ما نسبته 22 في المائة من صادراتها، وجزءاً كبيراً من الضرائب

التي تجنيها. عدا عن أن برشلونة، إجدى أهم مدن كاتالونيا السياحية، ستصبح عاصمة الإقليم. وهو ما سيُكبّد الاتحاد الأوروبي مصاريف إضافية، عبر تقديم

الدعم والمساعدات والقروض لإسبانيا التي تعاني أساساً.

في المحصلة، يرى خبراء أن هذا التفكك، في حال حصوله، سيتسبب بخسائر سياسية واقتصادية كبيرة، ستظهر بحركة الأسواق المالية والتجارة الداخلية

والخارجية وحرية التنقل، عبر فرض قواعد جديدة للتعامل. كما سيتعثر العديد من قطاعات الإنتاج، وستنهار العملة الموحّدة، ويتعرّض عدد من الدول

الأوروبية، التي تعتمد على قطاع السياحة والخدمات في موازنتها، لكارثة اقتصادية. وسينسحب هذا على الملفات السياسية الكبرى للقارة الأوروبية، ما

يستوجب إعادة اكتشاف ثقافة الشراكة ورسم سياسات موحدة تجنّب الاتحاد الأوروبي مخاطر التفكك.

المملكة المتحدة والاتحاد الأوربي.. صراع بارد من اجل الانفكاك

يرى بعض المحللين ان بريطانيا تحت قيادة كاميرون تسعى لانتهاج سياسة جديدة تتوافق مع التطورات الجديدة على الأصعدة كافة، وذلك باعتماد

إستراتيجية الانفصال لضمان تحقيق مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية والسياسية مستقبلا، ويتضح أن الاتحاد يعتبر بالنسبة لكثير من البريطانيين رحلة لا

تتوقف في اتجاه واحد وينحسر فيه السيادة الوطنية كما أن مصير البلاد تحدده قوة أوروبية عظمى، لذا يتخذ المحافظون في بريطانيا موقفا متشككا بشان

التكامل الأوروبي.

بينما يرى محللون آخرون ان ما دأبت به الحكومة البريطانية في المدة الأخيرة من مماطلة سياسية تهدف للخروج من الوحدة الأوروبية، او الحصول على

موقع رئيسي في هذا الاتحاد، خصوصا بعد هيمنة القوى الفرنسية والألمانية عليه سياسيا واقتصاديا في الفترة الاخيرة،أظهر مساعي هذه الدولة لإعادة هيمنتها

الدولية، بالإضافة إلى الخوف البريطاني من تدخل الأوروبيين في شؤونهم الداخلية التي يفضلون تسويتها فيما بينهم، دون أن ننسى الأسر الحاكمة التقليدية

في أوروبا التي كانت دائماً تناوئ بريطانيا، وغيرها من الأسباب والدوافع الأخرى، التي قد تمهد لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوربي في المستقبل القريب.

فيما اختلفت الآراء وتعددت الانتقادات بشأن خروج المملكة المتحدة من اتحاد القارة العجوز خلال المدة المقبلة، فقد حذر أغلب المتخصصين من تداعيات

سلبية إذا انسحبت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، فإن مثل هذه الخطوة قد تلحق ضررا بالاقتصاد البريطاني وتخفض الاستثمار من الشركات الدولية.

وعليه فان المعطيات انفة الذكر تطرح العديد من التكهنات حول الضمانات بانفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوروبي وبالتالي يبقى الحسم مبهما حتى اللحظة

الراهنة، وهذا الامر وضع المملكة المتحدة أمام خيارات صعبة وبدائل حالمة.

على بريطانيا ألا تدير ظهرها لاوروبا ..

في سياق متصل حث رئيس المفوضية الاوروبية جوزيه مانويل باروزو بريطانيا على أن تتواصل مع شركائها في الاتحاد الاوروبي بدلا من أن تدير ظهرها

للاتحاد قائلا إنه ينبغي على لندن أن تناضل لمحاولة تغيير الاشياء التي لا تروق لها، ويتخذ الائتلاف الحاكم في بريطانيا والذي يقوده المحافظون موقفا

متشككا بشأن التكامل الاوروبي. ووعد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بأنه إذا إعيد انتخابه في 2015 فسيحاول اعادة التفاوض على روابط بريطانيا مع

الاتحاد الاوروبي الذي يضم 28 دولة وان يعرض على البريطانيين في استفتاء بحلول اواخر 2017 الاختيار بين البقاء او الانسحاب من الاتحاد.

ويزور باروزو بريطانيا قبل انتخابات اوروبية في مايو ايار من المتوقع ان يحقق فيها حزب استقلال المملكة المتحدة المناهض للاتحاد الاوروبي اداء قويا

وفي وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي ان أغلبية ضئيلة من البريطانيين ستصوت لصالح الانسحاب من الاتحاد، وقال باروزو في كلمة القاها في كلية لندن

للاقتصاد “الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله ليس الابتعاد بل التواصل ومعرفة ما الذي يمكننا معا ان نفعله من أجل آداء أفضل… إذا كنتم غير راضين عن

اوروبا كما هي فلتحسنوها”، واستبعد باروزو أي محاولة لتغيير قواعد الاتحاد الاوروبي بشأن حرية انتقال العمال وهو شيء قال كاميرون انه يريد ان يفعله

لمنع مواطني الدول الاعضاء الجدد في الاتحاد من استغلال مزايا الرعاية الاجتماعية في بريطانيا.

وقال باروزو -الذي يستعد للتنحي عن منصبه بعد عشر سنوات على رأس الجهاز التنفيذي للاتحاد الاوروبي- ان مثل هذه المحاولات ستكون كمن يطلق

الرصاص على اوروبا في القدم، واضاف قائلا “لا يمكن ان يكون لدينا سوق موحد بدون حرية انتقال المواطنين الاوروبيين”، وسئل باروزو عن ازمة

الديون السيادية لمنطقة اليورو فقال “الازمة الوجودية لليورو إنتهت” مؤكدا أنه يثق في ان المانيا ستدعم بقاء المنطقة.

هولاند يوجه ضربة لخطط كاميرون ..

من جهته وجه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ضربة الى امال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون باعادة التفاوض على عضوية بريطانيا في الاتحاد

الاوروبي قبل اجراء استفتاء في بريطانيا في 2017 وقال ان هذه المسالة “ليست اولوية”.

وفي قمة بريطانية – فرنسية في قاعدة بريز-نورتون الجوية في اكسفوردشير غرب لندن، اشار هولاند الى انه منفتح على تغيير المعاهدة الخاصة بعضوية

الاتحاد الاوروبي في المستقبل لضمان ان تكون منطقة اليورو “افضل تنسيقا وافضل اندماجا”، الا انه اضاف “نشعر ان مراجعة المعاهدة ليست اولوية في

الوقت الحالي”.

وبضغط من اعضاء حزب المحافظين المتشككين في عضوية بلادهم في الاتحاد الاوروبي وعد كاميرون باعادة التفاوض على عضوية بلادهم في الاتحاد

الاوروبي وطرح اتفاق جديد على الاستفتاء وقال هولاند “احترم تماما” حق بريطانيا في اجراء التصويت، الا انه اضاف “لا نستطيع فرض الخيار البريطاني

على اوروبا”.

ولكن كاميرون تجاهل تصريحات هولاند واعرب عن تفاؤله في تحقيق التغيير الذي يريده مؤكدا على ان لا شيء يوقفه من اجراء الاستفتاء في حال اعادة

انتخابه وقال في مؤتمر صحافي مشترك مع هولاند “موقفي لا يزال بكل تاكيد اننا نريد ان نرى هذه التغييرات، ونريد اعادة التفاوض .. الذي يشمل عناصر

تغيير المعاهدة”، وفي اول قمة بينهما منذ انتخاب هولاند في 2012، سعى الزعيمان الى التأكيد على اهدافهما الاوروبية المشتركة خاصة تحسين النمو

الاقتصادي وخلق الوظائف.
من جهتها أبلغت بريطانيا شركاءها في الاتحاد الاوروبي ان معاهدات الاتحاد “لا تفى بالغرض” وانه يتعين إصلاحها وإلا فانها ستنسحب من الاتحاد، وقال

وزير المالية البريطاني جورج اوزوبورن انه يتعين تغيير معاهدات الاتحاد الاوروبي لحماية الدول الأعضاء التي لا تستخدم اليورو مثل بريطانيا، وتأتي

تعليقات اوزوبورن التي أدلى بها في مؤتمر في لندن بعد ان اتهم جوزيه مانويل باروزو رئيس المفوضية الاوروبية دولا مثل بريطانيا التي تشكك في حرية

قواعد الحركة في الاتحاد بتبني “فكرة شوفينية ضيقة للحماية”.

وقال اوزوبورن -وهو حليف وثيق لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون- ان المعاهدات التي تنظم كيفية إدارة شؤون الاتحاد الاوروبي “لا تفي

بالغرض” ويتعين إصلاحها، واضاف قائلا “توفير حماية قانونية مناسبة لحقوق غير الأعضاء في اليورو … ضرورية تماما للحفاظ على السوق الموحدة

وتجعل من الممكن لبريطانيا ان تبقى في الاتحاد الاوروبي”، “إذا لم يكن بوسعنا ان نحمي المصالح الجماعية للدول غير الأعضاء في منطقة اليورو عندئذ

فانها ستضطر للاختيار بين الانضمام الي اليورو -وهو ما لن تفعله المملكة المتحدة- أو مغادرة الاتحاد الاوروبي”، وقال اوزوبورن ان مسعى لتوثيق التكامل

بين الدول الثماني عشرة التي تستخدم العملة الموحدة يضع ضغوطا على البنيان المؤسسي للاتحاد الاوروبي.

عواقب وخيمة ..

وتوقع مركز الاصلاح الاوروبي الذي مقره لندن ان بريطانيا ستجد صعوبة في الحفاظ على التجارة مع الدول الاخرى الاعضاء بالاتحاد الاوروبي -والتي

تشكل الآن 54 بالمئة من تجارة السلع- إذا انسحبت من الاتحاد، وحذر وزير المالية البريطاني جورج اوزوبورن مؤخرا الاتحاد الاوروبي من انه يتعين عليه

ان يجري اصلاحات إذا كان يريد ان تبقى بريطانيا عضوا قائلا ان الاتحاد يواجه إنحدارا إذا قاوم التغيير.

استطلاع للرأي..

كشف استطلاع للرأي، أن معظم البريطانيين سيصوتون لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، مما يجعل بريطانيا البلد الأكثر تشككا في أوروبا بين الدول

الأعضاء الـ28 في الاتحاد.وفيما يسعى رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، إلى الحصول على صفقة من زعماء الاتحاد الآخرين قبل استفتاء قد يدعو

إليه في يونيو المقبل، أظهر استطلاع رفضا متزايدا للاتحاد الاوروبي داخل بريطانيا.
وقال 43 % من الناخبين البريطانيين إنهم يريدون أن تترك بريطانيا الاتحاد الاوروبي في حين يؤيد 36% البقاء، بينما لم يحسم 21% من الناخبين موقفهم.
وأشار الاستطلاع إلى أن الاستفتاء ليس محسوما مثلما يعتقد بعض الساسة، ما دام خمس الناخبين لم يحسموا موقفهم بعد،ويرى المتابعون في انسحاب

بريطانيا المحتمل هزة للاتحاد الأوروبي، بالنظر إلى تجريده من ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا وإحدى أهم قوتيه العسكريتين.

العمل لإيجاد حلول ترضي جميع الأطراف..

اتفق قادة الاتحاد الأوروبي على العمل لإيجاد حلول ترضي جميع الأطراف بشأن مقترحات بريطانيا لتعديل المعاهدات الأوروبية، مؤكدين أن ذلك سيكون

في القمة القادمة المقررة في 18 و19 من فبراير (شباط) وتطالب بريطانيا استثناء المملكة المتحدة من أي اتحاد أو اندماج سياسي كبير للاتحاد الأوروبي

مستقبلا، ومنع مواطني الاتحاد الأوروبي من الاستفادة من أي ضمانات اجتماعية في بريطانيا لمدة أربع سنوات متتالية، وكذلك حماية المركز المالي

لبريطانيا في وقت يتوجه فيه الاتحاد الأوروبي نحو اندماج نقدي ومالي أكبر، وإعطاء دور أكبر للبرلمانات المحلية في عملية اتخاذ القرار الأوروبي،

والإقرار بأن اليورو ليست «العملة الوحيدة» للاتحاد، وإلا فإن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون سيدعم التصويت بـ«لا» في استفتاء تجريه بلاده

حول البقاء في الاتحاد الأوروبي.
وتعاني بريطانيا من ارتفاع النفقات على خدمة المهاجرين واللاجئين، وتهميش دورها فيما يخص السياسة النقدية، حيث إنها غير مشتركة في اتحاد «عملة»

اليورو.
ووافقت بريطانيا على استقبال 20 ألف لاجئ من مخيمات في الدول المجاورة لسوريا، لكنها غير مشاركة في البرنامج الرسمي لاستقبال القادمين بشكل

مستقل على أراضيها.. ووفقا لكاميرون فإن «أزمة المهاجرين التي تجتاح أوروبا، يمكن أن تقود بريطانيا إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء

المقبل».
كما أن الاتحاد النقدي الذي رفضت بريطانيا الدخول فيه، أصبح هو محور اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يشكل حساسية كبيرة لدى الدول

غير الأعضاء في منطقة اليورو، وعلى رأسها بريطانيا.

المكاسب والخسائر..

على الجهة الأخرى، يعتبر الاتحاد الأوروبي هذه المطالب «تنازلات يصعب الموافقة عليها»، فهي تعني إعادة النظر فيما تم الاتفاق عليه سابقا، ويعطي مزايا

خاصة لبريطانيا على حساب أعضائه من الدول الأخرى، ويبقى السؤال ما الخسائر والمكاسب المحتملة لخروج خامس أكبر اقتصاد في العالم، والثاني

أوروبيا من منطقة اليورو؟ حتى الآن لا توجد دراسة دقيقة وموحدة حول المكاسب والخسائر، ولكن التقديرات تشير إلى أن أكبر المكاسب التي يمكن جنيها

هي «مطالب لندن الحالية من الاتحاد الأوروبي»، بينما تتركز الخسائر في تدهور العلاقات التجارية بين إنجلترا والاتحاد الأوروبي، وخسارة إنجلترا ميزة

تنافسية كبيرة في قدرتها على جذب الاستثمارات كونها عضوا في الاتحاد.
و أظهر بحث طلبته مجموعة ضغط تمثل البنوك ومديري الأموال أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يمكن أن يؤدي إلى تدمير موقف لندن بوصفها

المركز المالي الوحيد لمنافسة نيويورك وإلى عزل الاقتصاد البريطاني، وفقا للمجموعة التي تضم بنوك «غولدمان ساكس» و«سيتي» و«جيه بي مورغان».
وتهيمن لندن على سوق الصرف الأجنبي التي يبلغ حجمها خمسة تريليونات دولار يوميا، وتتعامل مع كم من الدولارات يزيد مرتين عن الولايات المتحدة،

وكم من اليورو يزيد أكثر من مرتين عن منطقة اليورو بأكملها.
وحذرت جماعة الضغط من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيحرمها من التأثير، وسيجعلها أقل جاذبية للمستثمرين وعرضة للوائح التنظيمية التي

ليس للندن تأثير عليها.
وذكرت صحيفة «صنداي تايمز» أن الكثير من مديري أكبر الصناديق التي يوجد مقرها في لندن، يعدون خططا لنقل أرصدة يبلغ حجمها تريليونات الجنيهات

وآلاف الوظائف إلى خارج بريطانيا؛ إذا صوتت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وقالت الصحيفة إن مديري الصناديق قد يُضطرون للرحيل بسبب

قوانين الاتحاد الأوروبي التي تسمح فقط ببيع منتجات الاستثمار في الاتحاد، عندما يكون المقر الأوروبي الرئيسي للصندوق موجودا في دولة عضو.
هذا بينما أظهرت دراسة أخرى، أعدتها مؤسسة «برتلسمان ستيفتونغ» الألمانية أن السيناريو الأفضل، في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام

2018، هو أن تتمكن بريطانيا من الفوز بوضع مشابه لسويسرا وأن تعقد اتفاقية تجارة مع شركائها السابقين في الاتحاد الأوروبي..
أما السيناريو الأسوأ، فهو أن تفشل بريطانيا في ذلك وتفقد مزايا اتفاقيات التجارة الحرة، وتخسر ميزة النفاذ السهل للأسواق الأوروبية، حينها ستبلغ الخسارة

في الناتج المحلي الإجمالي لكل فرد بين 0.6 إلى 3 في المائة، وسيكلف هذا السيناريو الأسوأ اقتصاد المملكة المتحدة 224 مليار جنيه إسترليني حسب ما جاء

في الدراسة، في الوقت الذي يقترب فيه حجم الاقتصاد البريطاني من 3 تريليونات دولار.
كما أعلن معهد «أوبن يوروب» البحثي أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى خسارة دائمة تبلغ 2.2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي

للبلاد بحلول عام 2030. كما أن هذه التكاليف لا يمكن تعويضها فقط من خلال إبرام اتفاقية للتجارة الحرة مع شركائها السابقين.
وحذرت بعض الشركات الكبرى، ومنها عملاقا السيارات «بي إم دبليو» و«فورد»، رئيس الوزراء من الخروج من الاتحاد، باعتبار أنه سيأتي بعواقب

هدامة بالنسبة للاقتصاد البريطاني، وتخشى 60 في المائة من الشركات البريطانية من أضرار محتملة على مشاريعها نتيجة الخروج النهائي من الاتحاد

الأوروبي.
هذا بالإضافة إلى أن بريطانيا ستجد نفسها مرغمة على مراجعة الكثير من التشريعات التي أقرتها لتنفيذ قرارات على مستوى الاتحاد الأوروبي، وهو ما

سيشكل عبئا اقتصاديا كبيرا يصعب التكهن بتكاليفه، بالإضافة إلى أن حالة عدم اليقين التي فرضها كاميرون بطرح فكرة «إعادة التفاوض» أو «الانسحاب»

ستترك آثارا اقتصادية كبيرة في الاقتصاد البريطاني، وفي الاتحاد الأوروبي ككل، حيث ستعاني الدول الأخرى في الاتحاد من خسائر اقتصادية أيضا.
ولوحت مؤسسة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية بأن بريطانيا تواجه احتمالا متزايدا بفقدان التصنيف الممتاز AAA، بسبب إجراء استفتاء على

عضويتها في الاتحاد الأوروبي.وقالت: «ستاندرد آند بورز»، وهي مؤسسة التصنيف الائتماني الكبرى الوحيدة التي ما زالت تمنح بريطانيا التصنيف

الممتاز، إنها خفضت توقعاتها لتصنيف ديون الحكومة البريطانية إلى «سلبية» من «مستقرة». وأضافت في بيان لها أن «قرار حكومة المملكة المتحدة

إجراء استفتاء بشأن عضوية الاتحاد الأوروبي يشير إلى أن عملية صنع السياسة الاقتصادية قد تكون مهددة بالتأثر بالسياسات الحزبية بدرجة أكبر مما

توقعناه في السابق».

أما عن الدول الأوروبية، فقد أعلن «دويتشه بنك» الألماني أنه بدأ استعدادات أولية لاحتمالية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويعد هذا البنك الألماني

ثاني أكبر البنوك في منطقة اليورو من حيث الأصول، وله نشاط كبير في بريطانيا.
وتؤكد صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية أن أضرار الخروج من الاتحاد ستمتد لتطال الاتحاد الأوروبي كذلك، لأن المملكة المتحدة هي أكبر شريك تجاري

لمنطقة اليورو، وتشكِل 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بأسرها.
بينما توضح دراسة منظمة «برتلسمان ستيفتونغ» البحثية الألمانية أن «الاقتصاد الألماني سوف يتكبد خسائر تتراوح قيمتها ما بين 6.2 مليار جنيه إسترليني

و41 مليار إسترليني (نحو 9.3 إلى 61.5 مليار دولار)، إذا ما خرجت بريطانيا بالفعل من تحت عباءة الاتحاد الأوروبي، لكن آيرلندا ولوكسمبورغ وبلجيكا

ومالطة وقبرص سوف تواجه كلها خسائر تزيد على المتوسط.
ورغم المجهود المبذول في صياغة هذه التقديرات؛ فإنها تعتبر جزئية وغير مكتملة الدقة، ولكن بنك إنجلترا يدرس حاليا المخاطر الاقتصادية التي قد تنجم

عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقد تؤثر الدراسة التي يجريها المصرف المركزي البريطاني بشكل كبير على المناقشات الجارية حول مستقبل

العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وكان يفترض أن تبقى سرية؛ لكن بعض العناصر فيها أرسلت عرضا إلى صحيفة «الغارديان».
هذا بينما حذرت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستين لاجارد، من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وأثره على الاقتصاد البريطاني، معربة عن أمنيتها

في بقاء البلاد عضوا في التكتل الأوروبي. وأكد صندوق النقد الدولي على أن الاقتصاد البريطاني أدى بشكل قوي وحقق تقدما كبيرا في آخر تقييم له، ورغم

ذلك تحذر لاجارد من آفاق تصويت البريطانيين في الاستفتاء القادم على عضوية الاتحاد الأوروبي، قائلة: «إن عدم اليقين المرتبط بنتائج الاستفتاء على

عضوية الاتحاد الأوروبي قد يغير تلك النظرة».وقالت لاجارد، خلال مؤتمر صحافي إنها «تأمل جدا جدا» في عدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي،

مضيفة أن «اليقين دائما أفضل من عدم اليقين». كما أشار الصندوق إلى الخطر الذي سيتعرض له الناس المثقلون بالديون من خلال كونهم عرضة «لصدمات

الدخل وسعر الفائدة»، وتعرب المنظمة عن قلقها أيضا من ارتفاع أسعار المنازل ومن العجز في الميزان الجاري، وهو مقياس لموقف التجارة والاستثمار في

المملكة المتحدة مع بقية العالم، والذي لا يزال كبيرا عند 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من التحسن الذي حدث مؤخرا.وصرحت

لاجارد أن مسؤولي الصندوق سيدرسون مميزات وعيوب وتكاليف العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي مع نشر نتائج التقرير الذي يقيم كامل مخاطر

الخروج من الاتحاد.

ومن الواضح أن الشعب الإنجليزي قد تأثر بهذه البيانات الاقتصادية السلبية، فقد ذكر مسح أجراه مركز «بيو» للأبحاث أن نسبة تأييد البريطانيين للبقاء في

الاتحاد الأوروبي ارتفعت إلى 55 في المائة، بعد أن كانت 50 في المائة قبل عام، و46 في المائة في 2013.
وأضاف أن 36 في المائة من البريطانيين يرغبون في الخروج من الاتحاد الآن. كما يتضح أن نسبة تأييد البقاء في الاتحاد الأوروبي تزداد بين البريطانيين

الشبان.

على الجانب الآخر، يقول معارضو البقاء في الاتحاد الأوروبي إن بريطانيا ستكون في وضع أفضل فيما يتعلق بالتجارة مع العالم من خارج الاتحاد

الأوروبي، خاصة أن مصادر نمو الاقتصاد العالمي الآن تأتي من الدول الناشئة وليس من الاتحاد، ثم إنهم يرون أن الاقتصاد الخامس في العالم يمكنه العيش

خارج الاتحاد الأوروبي، وأنه ينبغي على أوروبا أن تكون سوقًا مشتركة وليس بلدًا مشتركا، فيحتفظون بالمكاسب الاقتصادية دون تحمل مشاكل المهاجرين.

وترى بريطانيا أن قوانين الاتحاد الأوروبي هي السبب في تدفق المهاجرين إليها، هؤلاء الذين أثروا على مستوى المعيشة والنسيج الاجتماعي، وتشير الأرقام

الصادرة أخيرًا عن «لندن سكوول أوف إيكونوميكس» إلى أن عدد المهاجرين غير الشرعيين يناهز 863 ألف مهاجر في المملكة المتحدة، وهم يشكلون عبئًا

ماديا على الخدمات العامة كالتعليم والصحة تبلغ قيمته 3.67 مليارات جنيه إسترليني سنويًّا.
وطالبت بريطانيا بوضع آلية للتحكم في حركة المهاجرين الوافدين إلى المملكة المتحدة من بلدان أوروبا والسيطرة على الحدود البريطانية، إلا أن مطالبها لم

تنفذ.

وما بين خسائر أو مكاسب البقاء أو الرحيل، يصعب التكهن بنتيجة الاستفتاء، ولكن من المرجح أن تبقى ورقة الاستفتاء وسيلة ضغط جيدة في يد البريطانيين

عندما تعود المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي .

أسباب خروج بريطانيا..

أولاً: الهجرة الأوروبية إلى بريطانيا قد تكون أحد أهم أسباب الصراخ البريطاني في وجه بروكسل، فالأرقام الرسمية تتحدث عن تدفق 286 ألف أوروبي إلى

سوق العمل البريطاني واستفادتهم من نظام الإعانات الاجتماعية ــ أمر يقلق لندن للغاية. لذا، يسعى كاميرون إلى تعديل القواعد المرتبطة بالهجرة

وبالمخصصات التي يفترض أن يحصل عليها المواطنون الأوروبيون في بريطانيا. لكنه يُقابَل برفض أوروبي، لأن بند حرية تنقل الأفراد في الاتفاقية

الأوروبية يُعَدّ واحداً من أهم بنود النادي الأوروبي.

غير أن الضجيج والتذمر البريطاني من العمالة الأوروبية يراه آخرون مبالغاً فيه، إذ لفتت دراسة أعدتها جامعة لندن «UCL » إلى أن ضرائب العمال

الأوروبيين مدت الخزينة البريطانية بـ25 مليار جنيه استرليني خلال إحدى عشرة سنة، فضلاً عن أن نحو 45 في المئة من الأوروبيين هم أقل طلباً للاستفادة

من الإعانات الاجتماعية من البريطانيين أنفسهم.

ثانياً: الاتحاد الأوروبي، كغيره من المنظمات الأوروبية، يفرض رسوماً على الدول المنضمة إليه، كل بحسب قوة اقتصاده وتعافيه. لكن بريطانيا التي تعتمد

سياسة تقشفية بسبب العجز في موازنتها، تتذمر من الرسوم الأوروبية التي تثقل كاهل خزينتها التي يجب عليها دفع نحو 55 مليون جنيه إسترليني يومياً.

ثالثاً: المشككون البريطانيون يرون أن نظام الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى الديموقراطية المعمول بها في النظام البريطاني، ويستشهدون بالصلاحيات الواسعة

للمفوضية الأوروبية غير المنتخبة التي يحق لها وضع مشاريع قوانين على البرلمان الأوروبي المنتخب مباشرة من الشعوب الأوروبية.

رابعاً: في ظل التحديات الجيوسياسية التي تحيط بدول الاتحاد الأوروبي، تختمر في أذهان قادة الاتحاد فكرة إنشاء قوة عسكرية أوروبية موحدة، وقد عبّر

رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، عن ذلك صراحة بداية العام الحالي، ودعا إلى إنشاء جيش مشترك للاتحاد الأوروبي للتصدي لروسيا وغيرها

من التهديدات، فضلاً عن استعادة وضع الكتلة في السياسة الخارجية على مستوى العالم. لكن بريطانيا التي تمثل إلى جانب فرنسا أكبر قوتين عسكريتين في

الكتلة تشعر بالقلق حيال إعطاء دور عسكري أكبر للاتحاد الأوروبي، خشية أن يقوّض ذلك دور حلف شمال الأطلسي.

خامساً: التحرر من القيود المفروضة على السيادة البريطانية. فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يحرر الجسم القضائي من أحكام القيود القانونية، ولا

سيما المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بحيث تصبح أحكامها غير ملزمة للمحكمة العليا البريطانية.

سادساً: أزمة اللاجئين التي بدأت تهد كاهل الحكومة البريطانية وتشكل عبئاً كبيراً عليها، حيث حذر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في تصريح

لصحيفة الإندبندنت من أن أزمة اللاجئين قد تكون سببا أساسياً في انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي بل قد تسرع به، وحذر من أن الهجرة الأوروبية

وأزمة اللاجئين قد تدفع بريطانيا صوب باب الخروج من الاتحاد.

اذاً، الوضع في بريطانيا لا يبشر بالخير، وتكمن الخطورة في المسار الذي سيسلكه كاميرون في مقاربة أزمة العلاقة مع أوروبا، فهو في موقف لا يحسد

عليه: إما التلاعب بما يراه مصلحة قومية لبريطانيا لإرضاء رغبات صقور حزب المحافظين المشككين بأوروبا، فيُفقد بلاده فرصة حجز مقعد أساسي في

بروكسل وتعريض بريطانيا لخسائر اقتصادية فادحة، حيث تشير التوقعات إلى أن الخسائر قد تكون أكبر بالنسبة إلى بريطانيا من خسائر الاتحاد الأوروبي،

أو أن يتعرض للإطاحة من صقور حزبه على غرار ما حصل لمصير سلفيه، رئيسي الوزراء مارجريت تاتشر والسير جون ميجور، في حال تبنيه البقاء في

النادي الأوروبي. ويبقى السؤال بريطانيا الى أين؟

مفترق طرق..

وتقف بريطانيا أمام مفترق طرق صعب جداً، وكل شيء وارد في علاقتها مع بروكسل؛ فالتحدي الأوروبي فرض نفسه بقوة على المشهد السياسي البريطاني،

خصوصاً بعد فوز حزب المحافظين في الانتخابات البرلمانية وتبنيه قضية الاستفتاء الشعبي حول البقاء في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه.
رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي يتعرض لضغوط كبيرة داخل صفوف حزبه لمغادرة الكتلة الأوروبية، وضع نصب عينيه في الوقت المتاح له قبل موعد

الاستفتاء مسألة إقناع الزعماء الأوروبيين بإجراء تعديلات على المعاهدة الأوروبية.

لكن يبدو أن حسابات الحقل البريطاني قد لا تتوافق مع الاتحاد الأوروبي في ظل «الفيتو» الفرنسي والألماني الرافض لإجراء اي تعديل على اتفاقية لشبونة.
كل المؤشرات تدل على أن التوجه العام لدى البريطانيين هو التحرر من القيود الأوروبية المفروضة على «بلاد الضباب»، لكن في الوقت نفسه تبقى

الحسابات الاقتصادية والسياسية حاضرة في رجحان الخيار الإنجليزي.