إعداد : سميحة عبد الحليم

يبدو ان مفاوضات سد النهضة بين مصر والسودان من جانب وإثيوبيا من جانب آخر قد دخلت مرحلة صعبة فى كثير من جوانبها وان إثيوبيا تتصور ان السد أصبح حقيقة واقعة وان على جميع الأطراف ان تقبل الأمر الواقع..
ووصلت محادثات سد النهضة الإثيوبي بين مصر، والسودان، وإثيوبيا إلي مرحلة حرجة بإصرار حكومة أديس أبابا علي مواصلة أعمال البناء، دون انتظار نتائج الدراسات الفنية التي من شأنها تحديد آثار بناء السد علي مصالح دولتي المصب، علي الرغم من أن التقارير والدراسات الفنية الأولية تلمح إلي أن سد النهضة الإثيوبي يحمل في طياته العديد من المخاطر والتداعيات السلبية علي الأمن المائي المصري من ناحية، وعلي أمن إقليم حوض النيل بشكل عام من ناحية أخري.
إذ توجد بعض الاتجاهات لدي مراكز البحوث وبيوت الخبرة تؤكد أن رغبة إثيوبيا في التحكم بمياه النيل يمكن أن تكون مدخلا لإشعال الصراعات بين دول الحوض.
ولا شك ان هناك إحساسا عاما بأن المفاوض المصرى ليس فى أفضل الظروف وان ما بقى لدينا من أوراق يبدو قليلا أمام حالة ارتباك سيطرت على المفاوضات..ان إثيوبيا لا تريد ان تعترف بأن قضية المياه قضية سياسية تتعلق بالأمن القومى المصرى السودانى وان ذلك يلزم الجانب الأثيوبى لتحديد مسبق لكميات تخزين المياه أمام السد وسنوات التخزين وحصة مقنعة لحقوق مصر والسودان من المياه طبقا للاتفاقيات الدولية.. الغريب فى الأمر الآن ان أثيوبيا تعتقد أن اتفاق النوايا الذى تم فى الخرطوم يمثل اعترافا مصريا بإقامة السد ولهذا فإنها لا تعترف بالجانب السياسى فى المفاوضات لأنها تدور حول قضية المياه فقط وليس لها علاقة بالجوانب والحسابات السياسية..
و تبدو المسافة الآن بعيدة جدا بين إثيوبيا ومصر حول سد النهضة خاصة ان معدلات العمل فى السد تسير بخطى سريعة جداً حتى وصل عدد العمال فيه إلى أكثر من 55 ألف عامل وتدفقت أموال كثيرة من جهات أجنبية للمشاركة فى تمويل السد أمام اعتقاد خاطئ بأن مصر وافقت على السد..
الخبراء المصريون فى المياه والسدود يصرون على ان القضية ليست مياه فقط ولكنها قضية حياة أو موت بالنسبة للمصريين فى حين تتصرف أثيوبيا على أساس ان النيل نهر أثيوبى دون النظر إلى حقوق الدول الأخري..
لقد خصصت إثيوبيا اخيراً مليارا ونصف المليار دولار لزيادة الضمانات حول قوة احتمال السد ولكنها لا تتحدث عن معدلات التخزين أو مساحات الأراضى التى ستقوم بزراعتها أو سنوات ملء خزان السد وهى القضايا التى ستحدد فى النهاية ما يصل الى مصر والسودان من المياه فى مواسم الفيضان وفى المواسم العادية..وفى كل يوم تزداد القضية تعقيدا .
وعلي سبيل المثال، أوضح تقرير لخبراء مجموعة حوض النيل بجامعة القاهرة أن سد النهضة مبالغ في حجمه وارتفاعه، كما أن كفاءته في توليد الكهرباء متدنية، ولا تبرر هذا الحجم، وإيراداته المالية من بيع الكهرباء قد لا تغطي تكاليفه، بما يشير إلي أن الهدف من سد النهضة هو تحكم إثيوبيا في مياه النيل، وتدعيم قدرتها علي تنفيذ سلسلة السدود الأخري المزمع إنشاؤها علي النيل الأزرق، وعلي نهري السوباط وعطبرة.

تداعيات إقليمية..

ولسد النهضة تداعيات إقليمية تتمثل في تشجيع بقية دول حوض النيل علي تنفيذ مشاريع السدود الكبري والمتوسطة، وانضمام جنوب السودان إلي اتفاقية عنتيبي، وتنفيذ مشاريع استقطاب فواقد النهر بتمويل ودعم دولي لبيع المياه لمصر، وتوسع السودان في الزراعات علي مياه النيل الأزرق، خصما من حصة مصر المائية.
وليس مستبعدا انضمام السودان لاتفاقية عنتيبي، وتنصله من اتفاقية 1959، ليترتب علي ذلك توتر سياسي متزايد بين مصر، والسودان، وإثيوبيا.

سياسة الأمر الواقع..

بالرغم من الاتفاقيات السابقة والقواعد التى تحكم العلاقات بين الدول المتشاركة فى أى نهر دولي الا انه ولمدة اربعة اعوام
فهناك تجاهل ومماطلة وإطالة أمد التفاوض وتعنت من الجانب الاثيوبى وعلى الجانب الاخر هناك تأخر من الجانب المصرى للجوء إلى الأمم المتحدة والتحكيم الدولي. فالأنهار الدولية التى تشترك فى الانتفاع بها أكثر من دولة محكومة بالقانون والأعراف الدولية.

وربما يكون التطور الوحيد فى الموقف الإثيوبى هو الانتقال من التصريحات العدائية التى تفيد بأن بناء سد النهضة هو عمل من أعمال السيادة ولا علاقة لأى دولة به وأنهم يفعلون ما فعلته مصر عندما بنت السد العالي، إلى تصريحات أكثر ليونة حول التشاور مع مصر والسودان. لكن التصريحات اللينة تتحول إلى نوع من المراوغة الطويلة الأجل طالما أنها لا تقترن بالتوقيع على اتفاقيات تحفظ الحقوق التاريخية للشركاء فى النهر وتخضع تنفيذ السد وفترة ملء خزانه أو بحيرته لاعتبارات مصالح وحقوق هؤلاء الشركاء.

مقارنة بين السد العالى وسد النهضة ..

والحقيقة أن الحديث عن أى تشابه بين سد النهضة والسد العالى لا يتسم بأى قدر من الوجاهة العلمية والقانونية كما يرى المختصون . فمصر عندما قامت ببناء السد العالى كانت تنقذ مياها تذهب سدى إلى البحر المتوسط لأنها دولة المصب ولا يوجد بعدها دول أخرى على مجرى النهر يمكن أن تتأثر ببناء السد.
أما إثيوبيا فهى دولة منبع وأى تصرف لها على روافد النيل يؤثر على دولتى المجرى الأوسط والمصب أى السودان ومصر، وبالتالى لا يحق لها القيام بأى أعمال على روافد النهر تؤثر فى حجم المياه المتدفقة منها إلا بالتشاور مع الدول التالية لها على مجرى النيل وروافده أى مصر والسودان. كما أن مصر أقدمت على بناء السد العالى لأنها كانت فى أمس الحاجة لكل قطرة مياه إضافية لدرجة أنها ظلت حتى تسعينيات القرن العشرين تقترض 4 مليارات متر مكعب من حصة السودان حيث كانت الأخيرة لا تستخدمها لأنها فائضة عن حاجتها قبل أن تبدأ فى استخدامها لخدمة التوسع الزراعى.

الوضع المائى فى مصر وإثيوبيا..

تبلغ احتياجات مصر من المياه فى الوقت الراهن أكثر من 70 مليار متر مكعب. ولا يتوافر لدى مصر مياه نقية متجددة من نهر النيل سوى حصتها البالغة 55.5 مليار متر مكعب.
وتضطر مصر لاستخدام مياه الصرف بعد معالجتها وتنقيتها، وهى مياه تظل أقل نوعية ولها آثار جانبية على التربة. كما تضطر لنزح كميات كبيرة من خزان المياه الجوفية المتجددة وغير المتجددة بصورة مرهقة لذلك الخزان ويمكن أن تصيب أجزاء منه بالتملح سريعا رغم أنه من المفترض أن يحفظ ذلك الخزان كاحتياطى استراتيجي. أى أن كل قطرة مياه تحصل عليها مصر من حصتها وحقوقها التاريخية فى مياه النيل تساوى حياة وترتبت عليها بالفعل حياة البشر والزرع والماشية.

وبالمقابل فإن إثيوبيا لديها مصادر مياه داخلية متجددة تبلغ 122 مليار متر مكعب استخدمت منها نحو 5.6 مليار متر مكعب فقط عام 2013 حسب بيانات البنك الدولى فى تقريره عن مؤشرات التنمية فى العالم (2015).
ويتدفق منها نحو 75 مليار متر مكعب إلى مصر والسودان عبر أنهار السوباط والنيل الأزرق وعطبرة ليتبقى نحو 41.4 مليار متر مكعب قابلة للاستخدام ولا يتم استخدامها فعليا فى إثيوبيا. وأكثر من ثلث تلك المياه عبارة عن إيرادات نهرى جوبا وشبيلى اللذان يتدفقان من إثيوبيا إلى الصومال وتنتهى مياههما إلى المحيط الهندى حيث لا يستخدم منها سوى جزء محدود. أما الجزء الباقى من المياه الفائضة فهو موجود فى إثيوبيا من خلال عدد كبير من الأنهار الصغيرة والمتوسطة، فضلا عن المخزون الهائل من المياه الجوفية المتجددة التى تغذيها الأمطار الموسمية الغزيرة التى تسقط على إثيوبيا فى الفترة من مايو حتى أكتوبر سنويا والتى تبلغ أقصى مستويات غزارتها خلال شهور الصيف.

وهذا يعنى بوضوح أن إثيوبيا لا تحتاج إلى مياه النيل. بل إنها يمكن أن تزيد رصيدها من المياه بإقامة مشروع لإنقاذ مياه النيل من التبدد فى منطقة مستنقعات مشار على نهر البارو وهو الرافد الرئيسى لنهر السوباط. وفى تلك المستنقعات تضيع أربعة مليارات متر مكعب يمكن إنقاذها.

وترتيبا على ذلك فإن حسن النيات يفترض أن تقوم إثيوبيا باستقامة وبشكل مباشر لا يحتمل المراوغة أو التأجيل بتوقيع اتفاق بعدم المساس بأى قطرة من حصة مصر من مياه النيل. وهذا الحق مدعوم باتفاقات سابقة مع إثيوبيا يمكن الاستناد إليها فى اى تحكيم دولي. أما الأمر الثانى والذى يخص سد النهضة فيتعلق بحجم خزان السد، وفترة ملء هذا الخزان.

الاتفاقيات الدولية تضمن حقوق مصر عند التحكيم..

بالنسبة لحقوق مصر فى مياه النيل وبالتحديد فى المياه المتدفقة من المنابع الإثيوبية، فإن مصر لديها اتفاقات تضمن تلك الحقوق. وكانت بريطانيا التى احتلت مصر عام 1882، قد وقعت فى 15 أبريل عام 1891، بروتوكولا مع إيطاليا التى كانت تحتل إريتريا، تعهدت فيه إيطاليا بعدم إقامة أى منشآت لأغراض الرى على نهر عطبرة. وهو نهر ينبع رافداه الكبيران «نهر ستيت وبحر السلام» من إثيوبيا ويبلغ إيراده المائى نحو 13 مليار متر مكعب يصل منها نحو 11.5 مليار متر مكعب عند أسوان. وهو نهر موسمى الجريان ويكون قويا فى موسم فيضانه الصيفى ولون مياهه قاتم لكثرة الطمى الذى يحتويه وهو السبب فى تسميته «عطبرة» التى تعنى الأسود. أما فى موسم الجفاف فإنه يكاد يكون نهرا ميتا أو واديا جافا لأنه ليس له منبع يرفده بمياه دائمة.

كما وقعت بريطانيا اتفاقية مع اثيوبيا فى 15 مايو عام 1902. تعهد فيها منليك الثانى ملك اثيوبيا بألا يقوم بإنشاء أو يسمح بإنشاء أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها الحد من تدفق المياه منها إلى مصر والسودان إلا بعد الرجوع والاتفاق مع حكومتى بريطانيا ومصر.

وفى ديسمبر عام 1906، وقعت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا اتفاقا فى لندن بشأن الحبشة (إثيوبيا)، تضمن فى البند الرابع منه، موافقة الدول الثلاث على العمل معا لتأمين مصالح بريطانيا العظمى ومصر فى حوض النيل، وعلى الأخص تأمين وصول مياه النيل الأزرق وروافده إلى مصر.

وفى 7 مايو عام 1929 وافق المندوب السامى البريطانى على المذكرة التى أرسلها رئيس وزراء مصر محمد محمود باشا بشأن مياه النيل، وبذلك أصبحت اتفاقية مياه النيل سارية منذ ذلك التاريخ، علما بأن موافقة وتوقيع الجانب البريطانى على تلك الاتفاقية كان نيابة عن الإدارات الحكومية البريطانية القائمة فى كل من السودان وأوغندا وكينيا وتنجانيقا (اتحدت تنجانيقا مع جزير زنجبار وكونتا اتحاد تنزانيا الحالي).

اتفاقية عام 1929 ..

وأهم ما تنص عليه اتفاقية عام 1929 هو تحديد حق مصر المكتسب من مياه النيل أى حصتها السنوية بمقدار 48 مليار متر مكعب، كما أكدت الاتفاقية على أن لمصر نصيبا فى كل زيادة تطرأ مستقبلا على موارد النهر فى حالة القيام بمشروعات جديدة فوق النيل أو روافده الاستوائية أو الإثيوبية.

وطبقا لقاعدة «الاستخلاف» فى العلاقات الدولية، فإن مصر ورثت تلك الاتفاقيات من دولة الاحتلال (بريطانيا) بعد إزاحة احتلالها البغيض لمصر، ومن بينها الاتفاقيات الخاصة بضمان تدفق الروافد الإثيوبية لنهر النيل إلى السودان ومصر دون أى انتقاص من إيراداتها المائية. وكانت مصر قد أضافت لحصتها نحو 7.5 مليار متر مكعب لتصبح 55.5 مليار متر مكعب بعد بناء السد العالى وإنقاذ مياه الفيضان التى كانت تتبدد فى البحر، بينما حصل السودان وفقا للاتفاق الذى وقعته مصر والسودان فى 8 نوفمبر 1959 على 14.5 مليار متر مكعب من ذلك المشروع الذى تكفلت مصر وحدها بكل تكاليفه، بما فى ذلك التعويضات التى قُدمت لأهل النوبة السودانية، لتصبح الحصة السودانية 18.5 مليار متر مكعب.

وترتيبا على الاتفاقيات المشار إليها آنفا فإن حصة مصر من مياه النيل ومن الروافد الإثيوبية محمية باتفاقات دولية تعزز موقف مصر لدى أى لجوء للتحكيم الدولى وللأمم المتحدة. كما أن استخدام مصر لكل قطرة من حصتها من مياه النيل، بل واضطرارها للنزح الجائر من مخزون المياه الجوفية، واضطرارها لاستخدام مياه الصرف المعالج المتدنية النوعية يعزز موقفها فى اى تحكيم دولي. وتشكل إيرادات النيل الأزرق عند أسوان نحو 57% من إجمالى الإيراد السنوى لنهر النيل عند أسوان، ونحو 86.5% من حصة مصر الصافية من مياه النيل (بعد خصم فواقد البخر)، ونحو 65% من مجموع حصتى مصر والسودان الصافيتين من إيراد النيل عند أسوان بعد خصم فواقد البخر.
أما الأمر الثانى المتعلق بسد النهضة فإن مصر تتفهم تماما حاجة إثيوبيا لاستغلال مساقط المياه على النيل الأزرق لتوليد الكهرباء، شرط ألا يمس ذلك حقوق مصر فى مياه النهر. وعدم المساس هذا يتطلب قبول اثيوبيا بحجم تخزين أقل ومدة أطول لملء خزان أو بحيرة سد النهضة. وهذا الأمر يمكن ترتيبه فنيا من خلال قياس الكمية المحتجزة سنويا كنسبة لا تزيد على 10% من رصيد المخزون الفائض عن الاستخدام السنوي. وذلك المخزون الفائض تراكم كاحتياطى استراتيجى أو كبنك مركزى للمياه فى السنوات التى زاد إيراد النيل فيها عن المتوسط المقدر عند أسوان بنحو 84 مليار متر مكعب. وربما يكون من الأكثر ملاءمة أن يتم ملء خزان تبلغ طاقته الاستيعابية 50 مليار متر مكعب بدلا من 74 مليار متر مكعب وفقا للمخطط الراهن. وهذا الملء التدريجى يحتاج عشر سنوات على الأقل حتى لا يضر بالمصالح الحيوية لمصر. كما أنه لو جاءت إيرادات النيل فى أى عام اقل من المتوسط فإن ذلك سيستدعى تخفيض أو إيقاف احتجاز أى مياه جديدة فى بحيرة سد النهضة بصورة مؤقتة.

مفاوضات الفرصة الأخيرة ..

ومن وجهة نظر المختصين فانه يجب أن تكون المفاوضات المصرية مع إثيوبيا والسودان فرصة أخيرة ونهائية للحل الودى لقضية سد النهضة، وبعدها لابد لمصر أن تلجأ فورا لخيار التحكيم الدولى وتفعيل كل الخيارات التى تحمى مصالح مصر وحياة شعبها. لقد اهتمت مصر دائما بعدالة توزيع مياه النيل، واقتطعت من لحمها الحى لتمول بناء مشروعات لإنقاذ مياه النيل من التبدد فى المستنقعات أو البحر. ولو فعلت باقى دول حوض النيل الأمر نفسه يمكن مضاعفة الإيرادات المائية لنهر النيل وتوزيعها بشكل عادل وكاف للجميع. واستندت مصر إلى الاستخدام التاريخى الفعلى للمياه وارتباط حياة البشر والزرع والماشية بهذا الاستخدام، وليس مجرد التدفق التاريخى للمياه. إنها باختصار تتبنى منطقا عادلا تماما فى هذا الشأن.

وكانت بعض التصريحات الغريبة وغير المنطقية قد ترددت عن تصريح أحد المسئولين الإثيوبيين بأن مصر أضعف من أن تدخل فى مواجهة مع إثيوبيا بسبب سد النهضة. وحسنا فعلت إثيوبيا بنفى تلك التصريحات المنسوبة لمسئوليها لأنها غير لائقة ولا تمت لحقائق الواقع بصلة.

مصر وإثيوبيا.. حقائق الجغرافيا والاقتصاد

من باب التذكير بحقائق الجغرافيا والاقتصاد فإن إثيوبيا هى دولة داخلية لا تملك حدودا بحرية، وهى نقطة ضعف جغرافية خطيرة لأى دولة. وتتحكم جيبوتى واريتريا والصومال فى المنافذ البحرية التى تربط إثيوبيا بالعالم. وإثيوبيا اسمها التاريخى هو «الحبشة» ومعناها الخليط نتيجة وجود عدد كبير من القبائل والأعراق فيها. وبلغ عدد سكانها عام 2014 نحو 97 مليون نسمة.

ووفقا لبيانات البنك الدولى فى تقريره عن مؤشرات التنمية فى العالم (2015)، بلغ الناتج القومى الإجمالى لإثيوبيا نحو 53.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 273.1 مليار دولار لمصر. وبلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى فى إثيوبيا نحو 550 دولارا، مقارنة بنحو 3050 دولارا للفرد فى مصر عام 2014. ولو تم احتساب الناتج القومى طبقا لتعادل القوى الشرائية فإنه بلغ فى إثيوبيا نحو 144.4 مليار دولار عام 2014، مقارنة بنحو 919.2 مليار دولار لمصر فى العام نفسه. وبلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى طبقا لتعادل القوى الشرائية نحو 1490 دولار فى إثيوبيا، مقارنة بنحو 10260 دولارا فى مصر. وبلغت تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر لإثيوبيا نحو 1.2 مليار دولار عام 2014 مقارنة بنحو 4.8 مليار دولار لمصر رغم الظروف التى تمر بها. وبلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة فى إثيوبيا نحو 7.3 مليار دولار فى إثيوبيا، مقارنة بنحو 87.9 مليار دولار فى مصر.وتبلغ الديون الخارجية لإثيوبيا نحو 12.6 مليار دولار تعادل نحو 26.8% من الناتج القومى الإثيوبى عام 2013، فى حين تبلغ الديون الخارجية لمصر نحو 44.4 مليار دولار تعادل 16.7% من الناتج القومى الإجمالى لمصر فى العام نفسه. وأكثر من ثلاثة أرباع سكان إثيوبيا تحت خط الفقر، مقارنة بنحو 27 % فى مصر. وتحقق إثيوبيا واحدا من أفضل معدلات النمو فى الوقت الراهن حيث بلغ معدل النمو الحقيقى لناتجها المحلى الإجمالى نحو 10.5% سنويا فى المتوسط من عام 2007 حتى عام 2014، مقارنة بنحو 4% سنويا فى المتوسط بالنسبة لمصر فى الفترة نفسها التى مرت مصر خلالها بثورة يناير وما تلاها.

الترشيد والتنمية ..

ويرى المختصين انه بغض النظر عن مسار التفاوض أو التحكيم مع إثيوبيا فإن مصر يجب أن تبدأ فورا فى ترشيد استهلاك المياه داخليا والتحول إلى الرى بالتنقيط والرش للمحاصيل التى يمكن استخدام هاتين الطريقتين لريها، مع إعادة هيكلة التركيب المحصولى لتقليل المساحات المزروعة بالمحاصيل الشرهة للمياه. كما أن هناك ضرورة لطرح خطة شاملة لتطوير الإيرادات المائية لنهر النيل فى منابعة الاستوائية بالتعاون مع أوغندا وتنزانيا وكينيا وجنوب وشمال السودان، والبدء فى تنفيذ ما يمكن تنفيذه منها وبالذات فى أوغندا حيث يفقد النيل 20 مليار متر مكعب فى مستنقعات وبحيرة كيوجا، وكذلك جنوب السودان حيث يفقد النيل نحو 17.5 مليار متر مكعب فى مستنقعات بحر الجبل ونهر النعام فى جنوب السودان، ونحو 15 مليار متر مكعب فى حوض بحر الغزال. وكل تلك المياه المفقودة يمكن أن تكون موضوعا لمشروعات كبرى لتطوير الإيرادات المائية لنهر النيل . وتلك المشروعات ضرورية لمصر وباقى دول الحوض لأن احتياجات تلك الدول وضمنها مصر أكبر كثيرا من حصصها الراهنة من مياه النيل.

تسلسل لمسار مباحثات سد النهضة..

لجأت مصر إلي الخيار التفاوضي، حيث بدأت المباحثات بتشكيل لجنة ثلاثية دولية لتقييم الدراسات الإثيوبية للسد. وانتهت اللجنة بتقرير نهائي في 31 مايو 2013، أي بعد نحو عامين من تاريخ الموافقة علي تشكيلها، وأوصت في تقريرها بإعادة واستكمال الدراسات الإنشائية، والهيدرولوجية، والبيئية، والاقتصادية، والاجتماعية.

توقفت اجتماعات اللجنة الثلاثية بعد المؤتمر الإعلامي للرئيس الأسبق الدكتور محمد مرسي ونخبته السياسية. غير أنها عندما استؤنفت مرة ثانية، لم تلبث أن توقفت مجددا في يناير 2014 بسبب عدم موافقة إثيوبيا علي المطلب المصري بضرورة وجود خبراء دوليين ضمن اللجنة المشرفة علي الدراسات لضمان الحيادية.

وجاء بيان مالابو، علي هامش القمة الإفريقية في غينيا الاستوائية في يونيو 2014، بحضور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي هيلا ماريام ديسالين، والذي نص علي:

– احترام مبادئ الحوار والتعاون كأساس لتحقيق المكاسب المشتركة وتجنب الإضرارببعضهم بعضا.

– أولوية إقامة مشروعات إقليمية لتنمية الموارد المالية لسد الطلب المتزايد علي المياه، ومواجهة نقص المياه.

– احترام مبادئ القانون الدولي.

– الاستئناف الفوري لعمل اللجنة الثلاثية حول سد النهضة بهدف تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية، واحترام نتائج الدراسات المزمع إجراؤها خلال مختلف مراحل مشروع السد.

– تلتزم الحكومة الإثيوبية بتجنب أي ضرر محتمل من سد النهضة علي استخدامات مصر من المياه.

– تلتزم الحكومة المصرية بالحوار البناء مع إثيوبيا، والذي يأخذ احتياجاتها التنموية وتطلعات شعب إثيوبيا في الحسبان.

– تلتزم الدولتان بالعمل في إطار اللجنة الثلاثية بحسن النية، وفي إطار التوافق.

أعقب ذلك البيان جولة محادثات بالخرطوم في أغسطس 2014، بعد ثمانية أشهر من الانقطاع، تم خلالها الاتفاق علي آلية لتنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية بشأن سد النهضة. ووقع الجانبان البيان الختامي برعاية سودانية، والذي نص علي تشكيل لجنة خبراء رباعية من الدول الثلاث، بجانب الاستعانة بشركة استشارية دولية لإجراء الدراستين الإضافيتين للسد. وأقر البيان اختيار خبراء دوليين لحسم أي خلاف قد يظهر إبان النتائج النهائية في فترة أقصاها أسبوعان، واتفقت اللجنة علي خريطة طريق لإنجاز الدراسات الهيدرولوجية، والاقتصادية، والاجتماعية في ستة أشهر تنتهي في أول مارس 2015

لم يحدث أي تقدم في اجتماعات اللجنة بعد ذلك، وحتي انتهاء الوقت المحدد لخريطة الطريق. فجاء إعلان المبادئ بين رئيسي مصر والسودان، ورئيس وزراء إثيوبيا، في 23 مارس 2015 بالخرطوم، لدفع المسار الفني للمحادثات.
لكن الإعلان تضمن اعترافا مصريا – سودانيا بالسد، ولم يتعرض لسعته التخزينية، ونص علي حق إثيوبيا في استخدام مياه السد في توليد الكهرباء، والأغراض التنموية الأخري، ولم ينص علي الالتزام بجميع الاتفاقيات التاريخية السابقة، ومبدأ الإخطار المسبق.

ورغم أن إعلان المبادئ حدد فترة 15 شهرا للانتهاء من الدراسات والتوافق حول سنوات التخزين، وسياسات التشغيل، فإنه لم يحدد موعدا لبدء الدراسات وهو لب المشكلة الحالية.

تم الاتفاق بعدها علي إسناد الدراسات إلي شركتين فرنسية بنسبة 70 من الأعمال، وهولندية بنسبة 30، بالرغم من أن الأخيرة ذات خبرات أكبر وأعرق في مجال الدراسات المطلوبة. ولم تتقدم الشركتان بعرضهما المشترك حتي الآن، بل أعلنت الشركة الهولندية انسحابها من الدراسات بسبب مماطلة الجانب الإثيوبي.

وفي هذه الحالة، يصبح البديل الأول هو إسناد الدراسات للشركة الفرنسية بمفردها. ولكن هذه الشركة تعمل في العديد من المشاريع الإثيوبية، الأمر الذي قد يؤثر في حيادية النتائج التي ستتوصل إليها. وقد سبق أن رفضت مصر هذا الطرح أثناء الاجتماعات. أما البديل الثاني، فهو إعادة طرح الدراسات لمكاتب استشارية دولية، مما قد يستغرق عاما آخر من الإجراءات الإدارية، وربما أكثر علي نحو قد يتيح لإثيوبيا استكمال السد قبل انتهاء الدراسات.

أسانيد المفاوض المصري..

استمر نهج مصر التفاوضي مستندا إلي مجموعة من الثوابت الحاكمة، أهمها الاتفاقيات الدولية، والحقوق التاريخية، ومبدأ الإخطار المسبق، داعيا إلي توسيع أطر التعاون وتكامل الأهداف، مع التعبير في الوقت نفسه عن المخاوف بشأن التأثيرات السلبية للسد في الأمن المائي المصري.

ومن أبرز الاتفاقيات التي يستند إليها المفاوض المصري بشأن سد النهضة ما يأتي:

بروتوكول روما 15 أبريل 1891: بين بريطانيا، وإيطاليا التي كانت تحتل إريتريا في ذلك الوقت، وقد تعهدت إيطاليا في المادة الثالثة من الاتفاقية بعدم إقامة أية منشآت لأغراض الري علي نهر عطبرة يمكن أن تؤثر في تدفقات مياه نهر النيل إلي الدول الأخري.

اتفاقية أديس أبابا 15 مايو 1902: وقعتها بريطانيا نيابة عن مصر وإثيوبيا، وأهم ما فيها المادة الثالثة التي تنص علي: “أن الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني يعد بألا يبني أو يسمح ببناء أي أعمال علي النيل الأزرق، وبحيرة تانا، أو السوباط، من شأنها أن تعترض سريان مياه النيل، إلا بموافقة الحكومة البريطانية والحكومة السودانية مقدما”.

اتفاقية لندن 13 ديسمبر 1906: جري توقيعها بين كل من بريطانيا -نيابة عن مصر والكونغو- وفرنسا وإيطاليا. وينص البند الرابع منها علي أن تعمل هذه الدول معا علي تأمين دخول مياه النيلين الأزرق والأبيض وروافدهما، وتتعهد بعدم إجراء أية إشغالات عليهما، من شأنها أن تنقص من كمية المياه المتجهة نحو النيل الرئيسي.

اتفاقية روما 1925: وهي عبارة عن مجموعة خطابات متبادلة بين بريطانيا وإيطاليا في 1925، وتعترف فيها إيطاليا بالحقوق المائية المكتسبة لمصر والسودان في مياه النيلين الأزرق والأبيض وروافدهما، وتتعهد بعدم إجراء أي إشغالات عليهما من شأنها أن تنقص من كمية المياه المتجهة نحو النيل الرئيسي.

إطار تعاون يوليو 1993: وقع في القاهرة في أول يوليو 1993 بين كل من الرئيس المصري آنذاك محمد حسني مبارك، ورئيس الوزراء الإثيوبي -في هذا التوقيت- ميليس زيناوي، وينص علي عدم قيام أي من الدولتين بعمل أي نشاط يتعلق بمياه النيل قد يسبب ضررا بمصالح الدولة الأخري.

اتفاقيتان بين مصر والسودان:

اتفاقية 1929: وقد جاءت الاتفاقية بين مصر وبريطانيا -التي كانت تنوب عن السودان، وأوغندا، وتنزانيا- متناغمة مع جميع الاتفاقيات السابقة، فقد نصت علي ألا تقام بغير اتفاق مسبق مع الحكومة المصرية أية أعمال ري أو كهرومائية، أو أية إجراءات أخري علي النيل وفروعه، أو علي البحيرات التي ينبع منها.

اتفاقية 1959: وقعت هذه الاتفاقية في 5 نوفمبر 1959 بين مصر والسودان، وجاءت مكملة لاتفاقية عام 1929، وليست مُلغية لها، حيث تشمل الضبط الكامل لمياه النيل الواصلة لكل من مصر والسودان، في ظل المتغيرات الجديدة التي ظهرت علي الساحة آنذاك، وهي الرغبة في إنشاء السد العالي، ومشروعات أعالي النيل لزيادة إيراد النهر، وإقامة عدد من الخزانات في أسوان.

وقد حددت لأول مرة اتفاقية نوفمبر 1959 بين مصر والسودان كمية المياه بـ 55.5 مليار متر مكعب سنويا لمصر، و18.5 مليار للسودان.

اتفاقية 1991: بين كل من مصر وأوغندا، التي وقعها الرئيس الأسبق مبارك، والرئيس الأوغندي موسيفيني، حيث أكدت أوغندا في تلك الاتفاقية احترامها لما ورد في اتفاقية 1953 التي وقعتها بريطانيا نيابة عنها، وهو ما يعد اعترافا ضمنيا باتفاقية 1929. كما نصت الاتفاقية علي أن السياسة التنظيمية المائية لبحيرة فيكتوريا يجب أن تناقش وتراجع بين كل من مصر وأوغندا داخل الحدود الآمنة بما لا يؤثر في احتياجات مصر المائية.

وعليه، فإن موقف المفاوض المصري يجب أن ينطلق من أمرين، أولهما: التمسك الذي لا يتزحزح بالاتفاقيات الدولية الخاصة بنهر النيل التي تدعم الحقوق التاريخية والمكتسبة لمصر في مياهه، ثانيهما: إن كان ثمة تغيير بخصوص إيراد النيل، فإنه يكون بالنسبة للموارد الجديدة التي تشمل زيادة موارده عن طريق منع هدر مياهه، أو القيام بإصلاحات أو مشروعات تزيد من موارده، مع الأخذ في الحسبان القواعد القانونية الدولية واجبة الاتباع في تحديد حصص الدول الواقعة علي مجري النيل لمواجهة أي أزمات أو نزاعات، ومنع حدوثها بين دول حوض النيل، وإقامة هيئة مخصصة للإشراف، والرقابة، والتنسيق في مجالات استخدامات مياه نهر النيل، بما يحقق المنفعة المتبادلة بالتشاور مع الدول الأخري في حوض النيل، وعدم الإضرار بغيرها، وعدم التعسف في استخدام الحق، كما نصت علي ذلك قواعد هلسنكي، وأقرتها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لعام .1997

التحديات التي تواجه المفاوض المصري..

يواجه المفاوض المصري مجموعة من التحديات التي تؤثر في قوة موقفه، وتجعله باستمرار تحت ضغط خلال المحادثات، أهمها:

1- الموقف السوداني الأكثر قربا إلي الجانب الإثيوبي، حيث بات واضحا أن الحكومة السودانية تنأي بنفسها عن الموقف المصري، وتري أن سد النهضة في مصلحتها، لأنه يحد من تراكم الطمي، ويحسن من قدرتها علي التحكم في فيضانات النيل، فضلا عن تخطيطها لشراء الكهرباء التي سيولدها السد لتغطية احتياجاتها من الطاقة.

2- فقدان مصر النفوذ الذي مارسته لفترة طويلة علي القوي المانحة التقليدية، مثل البنك الدولي، وبنك التنمية الإفريقي، لمنع تمويل السد، بعد إعلان المبادئ الذي وقعه الرئيس المصري مع نظيره السوداني، ورئيس الوزراء الإثيوبي، والذي احتوي علي اعتراف ضمني بالسد، حيث قدمت مصر والسودان شهادة الميلاد الحقيقية للسد الإثيوبي، الذي كان يعاني مشكلات الاعتراف والشرعية.

3- عدم اعتراف إثيوبيا بغالبية الاتفاقيات الموقعة بدعوي أنها تمت تحت سلطة الاستعمار، وتبنيها لمعايير ومبادئ قانونية جديدة تتجاوز النظام القانوني القائم، حيث تعترض تماما علي مبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة، أو مبدأ الإخطار المسبق، في حالة القيام بأي مشروعات تنموية مائية في دول أعالي النيل، وتتحدث عن الاستخدام المنصف للمياه، كما جاء في اتفاقية عنتيبي التي ترفضها مصر، بدلا من الحديث عن الحقوق التاريخية.

4- مسارعة إثيوبيا في بناء السد، حيث من المقرر الانتهاء منه، وبدء التشغيل التجريبي في 2017، بما قد يضع المفاوض المصري أمام أمر واقع يضعف من موقفه التفاوضي.

5- الدعم الدولي والإقليمي لإثيوبيا في بناء السد، إما بتقديم التمويل اللازم، أو بالمساعدة الفنية، حيث بات السلوك الإثيوبي -خاصة بعد زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لأديس أبابا في يوليو 2015- يعبر عن واقع تغير ميزان القوي الإقليمي لمصلحة إثيوبيا.

البدائل المتاحة..

أمام المفاوض المصري مجموعة من البدائل يمكنه اللجوء إليها، حال فشل المفاوضات مع الجانب الإثيوبي، وهي النتيجة الأكثر احتمالا، إذا ما أصرت أديس أبابا علي موقفها من تعطيل إجراء الدراسات الفنية، والاستمرار في بناء السد، أبرزها ما يأتي:

1- السعي إلي دفع المفاوضات في المسار السياسي، من خلال مبادرة يقودها رئيس الجمهورية، يدعو خلالها كلا من رئيس الوزراء الإثيوبي، والرئيس السوداني إلي قمة ثلاثية بغرض وضع حد للخلافات بين أعضاء الفريق التفاوضي، وإعطاء دفعة للمفاوضات من ناحية المسار الفني، وتكليف الخبراء الدوليين، أعضاء اللجنة الثلاثية الدولية الذين وافقت عليهم الدول الثلاث من قبل عام 2012، باستكمال الدراسات الهيدرولوجية، والبيئية، والإنشائية للسد. ويتم عرض نتائج الدراسات علي وزراء الخارجية والري في الدول الثلاث للتوافق حول النتائج والتوصيات، والتوصل إلي اتفاق نهائي لحل هذه الأزمة.

2- اللجوء إلي أدوات القانون الدولي المتعارف عليها في حل النزاعات الدولية، كالمساعي الحميدة، والوساطة، والتوفيق، والتحكيم الدولي. وعلي الرغم من أن هذه الأدوات تتطلب موافقة الطرفين، وحيث إنه من المتوقع رفض إثيوبيا لأي منها، فإن سعي مصر الجاد لاستخدام أي من هذه الطرق المتبعة دوليا بحسبانها، دولة ساعية للسلام، وحريصة علي الحفاظ عليه، سيفضح نيات إثيوبيا الحقيقية أمام المجتمع الدولي من وراء بناء السد، ويضع المفاوض الإثيوبي تحت ضغط وحرج دائمين خلال جولات المفاوضات.

3- اللجوء إلي مجلس السلم والأمن الإفريقي للبحث عن تسوية إفريقية للأزمة علي أساس أنها تهدد الأمن الإقليمي في منطقة حوض النيل، وتسهم في إشعال الصراعات علي المياه، إذا ما لجأت باقي دول المنابع لتقليد إثيوبيا في بناء السدود.

4- التحرك في مسارات متوازية دولية لإثبات ضرر السد المدمر علي كافة أوجه الحياة في مصر، بيئيا، وزراعيا، وأمنيا، واقتصاديا، والاستعانة بآراء الجمعيات المدافعة عن البيئة، والأخري المدافعة عن السلام وحقوق الإنسان، والتدليل علي ذلك بتقارير معتمدة من منظمة الزراعة والغذاء العالمي (الفاو) لبيان أثر ذلك علي الأمن الغذائي في مصر، من أجل خلق رأي عام عالمي داعم للموقف المصري.

5- اللجوء إلي محكمة العدل الدولية، استنادا إلي الاتفاقيات الدولية المعنية بمياه الأنهار الدولية، وعلي رأسها الاتفاقية التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة عام 1997، الخاصة باستخدامات النهر دوليا، لطلب الفتوي بأحقية مصر في حصتها التاريخية الثابتة من مياه النهر، استنادا إلي المواثيق الدولية، من خلال إحدي المؤسسات الدولية المعترف بها، كجامعة الدول العربية، أو الاتحاد الإفريقي، أو “الفاو”.

6- التوجه إلي مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يلزم إثيوبيا بوقف أعمال البناء في السد لحين إتمام الدراسات الفنية، حتي لا يؤدي التوتر الذي خلفته الأزمة إلي اشتعال الصراع، بما يهدد السلم والأمن الدوليين.

وعلي الرغم من أن هذه البدائل قد لا تمثل رادعا كافيا لإثيوبيا للتوقف عن استمرار البناء في سد النهضة، فإن لجوء مصر إليها يحفظ لها اتخاذ ما تراه مناسبا من تدابير للحفاظ علي حقوقها في مياه النهر، وحماية نفسها من خطر وجودي يهددها.