إعداد: سميحة عبد الحليم

رغم توقيع الفرقاء الليبيين الاتفاق السياسي بالصخيرات المغربية، برعاية من الأمم المتحدة، لتشكيل المجلس الرئاسي، تمهيدا لإنجاز حكومة التوافق الوطني في غضون شهر من التوقيع بقيادة فايز السراج، ورغم مباركة المجتمع الدولي لهذا الاتفاق، بمن فيه دول الجوار الليبي، إلا أن المخاطر التي تحدق بهذا البلد العربي ما تزال قائمة، وتطل برأسها لتجعل من مستقبل ليبيا رغم كل التفاؤل الذي أفرزه الاتفاق الأخير، غامضا وتحفه الكثير من المخاطر.

وتذهب التحليلات والتقارير، بما فيها تلك التي أطلقها معهد كارينجي للسلام بواشنطن، و مركز “المعهد الملكي للخدمات المتحدة” في لندن ، إلى توقع الأسوأ في الحالة الليبية، نظرا لتشابك المصالح وتعقيدات الأزمة وتنوع الأطراف المتصارعة، داخليا واقليميا ودوليا، مع بروز مخاوف جدية، من أن الاتفاق الأخير ربما يكون طريقا لفتح المجال أمام حكومة ثالثة في البلاد، غير تلك التي ظلت تتصارعان في طرابلس وطبرق.

أسباب المخاوف..

ومن أهم أسباب هذه المخاوف، حول التحديات التي يواجهها الاتفاق السياسي، الذي ينص على تشكيل حكومة وفاق وطني، تقود مرحلة انتقالية تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية في حدود عامين كحد أقصى، وتوسيع المجلس الرئاسي ليتكوّن من تسعة اشخاص، (رئيس وخمسة نواب وثلاثة وزراء دولة)، هو كثرة الميليشيات المسلحة ذات الولاءات السياسية والقبلية المتضاربة، ورفض أجزاء أساسية من البرلمان المعترف به دوليا ومن المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، وتغلغل الجماعات المتطرفة في البلاد بداية من أنصار الشريعة وصولا الى داعش، وبقاء أنصار القذافي الذين يمثلون ثقلا قبليا كبيرا خارج المعادلة، وتضارب مصالح القوى الاقليمية، مع وجود أطماع دولية واضحة في ما يخص التدخل العسكري البري، بالنظر إلى وجود منابع النفط التي تسيل لعاب الكثيرين من القوى الغربية والشرقية.

تحدي الشرعية..

فرغم إعلان أطراف وقعت اتفاق الصخيرات أن أكثر من 50 فصيلا وميليشيا مسلحة، قد قبلت بمخرجات هذا الاتفاق، إلا أن ميليشيات أخرى لم تقبل به ، على اعتبار أن الميليشيات جميعا لم تشارك في صياغة الاتفاق، في صورة عاكسة بالضبط عن رفض رئيسي البرلمانين في طرابلس وطبرق ، نوري أبو سهمين، و عقيلة صالح، اللذان يصران على أنهما مصدر الشرعية في أي اتفاق سياسي .

وبدا واضحا، أن هذه المشكلة، رغم محاولة المجتمع الدولي تجاوزها، تحت وطأة الضغط الذي فرضه تمدد داعش في البلاد، إلا أنها مشكلة كبيرة واساسية، حيث يصر الجانبان ، أبو سهمين وعقيلة صالح، على أن من وقعوا اتفاق الصخيرات لا يمثلون إلا أنفسهم .

وهو الموقف نفسه الذي زادت عليه دار الافتاء الليبية، التي يترأسها الشيخ الغرياني صاحب النفوذ والسطوة الدينية الواسعة، عندما اعتبرت الاتفاق أنه “أمر غير معتد به شرعا” إذ ان الموقعين لا يملكون “ولاية شرعية” وليسوا مخولين بالتوقيع، وأن من شارك في مفاوضات الصخيرات والتوقيع على الاتفاقية، من غير أعضاء المؤتمر الوطني العام في طرابلس، والبرلمان الليبي في طبرق، ليست لهم ولاية أصلا، ولا يمثلون أحدا شرعا.

واعتبر رئيس الحكومة في طرابلس، خليف الغويل، الذي التقى ليلة موافقة مجلس الأمن بالاجماع على اتفاق الصخيرات، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن كل ما سيتمخض عن اتفاق الصخيرات “ليس شرعيا”، ولا يمكن لأحد أن يفرضه علينا، وهو ما عبر عنه أيضا صراحة رئيس مجلس النواب المعترف به دوليا عقيلة صالح ، من كون اتفاق الصخيرات ولد ميتا، لكونه يجسد حلولا أعد لها سلفا.

وكان لافتا أن الرافضين لهذا الاتفاق، من بين الأطراف الأساسية في طرابلس وطبرق، لم ينتظرا طويلا لعقد اجتماعات بينهما، بداية في مالطا، كما تسربت أخبار عن وجود مفاوضات أيضا في سلطنة عمان، ما قد يؤدي إلى توقيع اتفاق مواز مستقبلا، ينتهي بالاتفاق على حكومة وحدة ثانية، يقول أصحابها أنها منبثقة من الداخل، بينما حكومة السراج، هي نتيجة توافقات دولية.

تحدي داعش

وفي غياب إجماع وطني حول الاتفاق السياسي للسلام، تجد السلطة التنفيذية الليبية المقبلة، بقيادة فايز السراج، نفسها في مواجهة معضلة القدرة على الحركة والتأثير، في الداخل الليبي، والحركية الاقتصادية المتوقفة في البلاد، وبخاصة في مواجهة خطر تنظيم داعش الذي استولى بالكامل على إحدى أهم المدن الليبية على الاطلاق وهي مدينة سرت الاستراتيجية.

فلقد استغل التنظيم الارهابي داعش، طوال الوقت الماضي، الخلافات الكبيرة بين طبرق وطرابلس، وتناحرهما سياسيا وعسكريا لكي يتسرب ويسيطر على تلك المدينة الهامة، التي كان يعتبرها القذافي تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية السياسية بعد طرابلس، ولا يبدو أن الاتفاق سيغير اشياء كبيرة في المعادلة، حيث تبقى الأطراف المتصارعة متوجسة من بعضها البعض، طالما أن أركان الدولة الليبية لم تستقر بعد.

وما يجعل محاربة داعش أمرا حتميا ليس كمطلب دولي وحسب، أنه بات يتمدد بشكل مرعب ، وقد وصلت طلائعه بالفعل إلى أطراف بنغازي ودرنة، وهمه الأكبر في حركته المحسوبة هذه، هو السيطرة على الهلال النفطي الأهم في القارة الإفريقية بين اجدابيا وراس لانوف إلى غاية ضواحي سرت، وهي المهمة التي يدركها الغرب تماما، ويضع حولها أكثر من خط أحمر.

وقد حاولت قوات فجر ليبيا الداعمة لحكومة طرابلس قبل الآن التصدي لداعش في سرت، إلا أنها فشلت في مهمتها، بعد أن تعرضت لخسائر كبيرة، حيث واجهت مقاومة كبيرة دفعتها إلى التراجع، الأمر الذي شجع التنظيم المتطرف إلى حد تهديد مدينة مصراتة، معقل قوات فجر ليبيا الضاربة، ما أجبرها على الانكفاء والاكتفاء بالدفاع عن المدينة التي عجزت قوات القذافي خلال الثورة على اسقاطها.

في المقابل، لم يكن لقوات الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، الوقت ولا القدرة للتوجه إلى سرت، خاصة وأن عوامل موضوعية حالت دون ذلك، منها الانشغال بمقاتلة قوات مجلس ثورى بنغازي مع مجموعات أخرى من الميليشيات مثل أنصار الشريعة، وقد امتدت تلك الاشتباكات حتى الى مدينة اجدابيا وباقي مدن الشرق، بينما لم تكن الطريق سالكة للوصول الى سرت، لأن الهلال النفطي تحت سيطرة ميليشيات برقة شبه الانفصالية.

وهذه الوضعية الكارثية هي التي دفعت المجتمع الدولي إلى المسارعة بانجاز اتفاق الصخيرات، على الرغم من بعض المآخذ من هنا وهناك عليه، باعتباره الحل الوحيد المتاح لايجاد حكومة معترف بها دوليا، تحظى بدعم خارجي وتزويد بالسلاح لمواجهة خطر داعش، والدفع بأعداء الأمس في خندق واحد من أجل الحفاظ على ليبيا .

لكن كيف يمكن الوصول الى نتيجة أن الحرب على داعش يجب أن تكون حربا ليبية كما يقول كوبلر ؟ أي من دون تدخل أجنبي، هذا ما لا يعرفه الليبيون لحد الساعة، ولا حتى المجتمع الدولي نفسه.

تحدي الجيش ..

كما أن التحدي الأبرز الآخر، هم تحدي بناء الجيش الليبي، حيث توجد قيادة أركان في طبرق وأخرى في طرابلس، وكلا منها تدعي الشرعية، على الرغم من أن معظم الليبيين والمجتمع الدولي يعترفون بشرعية قيادة خليفة حفتر لقيادة الجيش.
هذه النقطة بالذات، ظلت حولها خلافات كبيرة خلال المفاوضات التي قادتها الأمم المتحدة، حيث اصرت قوات فجر ليبيا على استبعاد خليفة حفتر من قيادة الجيش بشكل كامل، واتهمته اتهامات خطيرة، بينما كان الطرف الآخر يصر على شرعيته، محتجا بأن البرلمان المعترف به دوليا هو من منح له تلك الصفة.

وحاولت الأمم المتحدة ايجاد صيغة توافقية، بعد الاقرار بالمجلس الرئاسي الذي تخول له الصلاحيات الأمنية والعسكرية، في انتظار أن تفصل حكومة التوافق في قيادة الجيش، وهي نقطة برأي الكثيرين، بقدر ما أجلت الخلاف الأكبر، بقدر ما هي خطيرة، قد تتسبب في تفجير جديد للوضع إذا ما تم تعيين شخصية لا تحظى بالتوافق.

ولن يكون تكوين الجيش الليبي، الذي انفرط عقده بعد سقوط القذافي سنة 2011، عملية سهلة، بل هي العملية الأكثر صعوبة من تكوين حكومة انقاذ وطني نفسها، على اعتبار أن الجيش والمخابرات ستخضع بشكل أو بآخر لنوع من المحاصصة السياسية والقبلية، شديدة التعقيد والمليئة بالمخاطر.

تحدي مقر الحكومة ..

وكما هي اشكالية المقر العام للقيادة العامة للجيش الليبي، مشكلة في غضون الشهور الأولى من الاتفاق، فإن مشكلة مقر حكومة التوافق أيضا، تطرح نفسها بقوة خاصة وأن الأطراف المعارضة للاتفاق تعهدوا بمنع حكومة السيد فايز السراج، من دخول طرابلس.

ويمكن هنا أن نصوغ تهديدات رئيس الحكومة في طرابلس خليف الغويل، التي أكد فيها أن الشعب الليبي لن يسمح لحكومة السراج من دخول العاصمة، غير أن إعلان أطراف أخرى موافقة الكثير من الجماعات المسلحة في طرابلس لهذا الاتفاق، يعني أن حرب شوارع قد تكون محتملة في العاصمة طرابلس لتثبيت هذا الأمر.

وقد استشعرت الأمم المتحدة هذه الاشكالية ، حيث أعلن رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، مارتن كوبلر، بعد توقيع اتفاق الصخيرات، أن بعثته تجري اتصالات مع مسؤولين أمنيين في طرابلس، بهدف التوصل إلى اتفاق يسمح لحكومة الوفاق الوطني بمباشرة مهامها في العاصمة.

تحدي التدخل الأجنبي..

ويبقى تحدي التدخل الأجنبي، واحدا من أخطر التحديات التي تواجهها ليبيا حاليا، خاصة وأن المجتمع الدولي دفع باتفاق الصخيرات بهذه السرعة، في محاولة لايجاد غطاء لشرعنة هذا التدخل، والذي يبدو أن فرنسا ستكون رأس الحربة فيه.

ونقلت صحيفة لوفيجارو الفرنسية من مصادر عسكرية موثوقة، أن باريس طلبت من دول الجوار الليبي، ومنها الجزائر، المساعدة في التدخل البري في ليبيا، بهدف القضاء على داعش، وقد حددت تلك المصادر موعد التدخل البري الفرنسي قبل ربيع 2016، بعد أن حصلت على موافقة نهائية من إيطاليا.
وقالت الصحيفة، أن فرنسا تنتظر موافقة دول الجوار، وخاصة الجزائر ومصر وتونس، بالاضافة إلى بريطانيا.

ولعل مخاطر هذا التحدي لن تتوقف عند حدود ليبيا وحدها، التي قد تجد بعض الأطراف الداخلية أن هذا التدخل هو تدخل استعماري تحت يافطة محاربة الارهاب، بل سوف تكون تداعياته كبيرة، كما يقول جل المحللين، على الوضع الأمني في مجمل المنطقة، وخاصة على دول الجوار التي تمتلك حدودا مشتركة مع ليبيا.

وتؤكد تلك المخاوف أن تنظيم داعش المتمركز في سرت والساحل الليبي، سوف يذوب بعدها في الصحراء الشاسعة، وسوف ينتقل عناصره الى تونس ومصر والجزائر وغيرها من دول المنطقة، وان الارهاب ربما سيتوسع بشكل غير مسبوق، لأن التواجد الأجنبي يخدم فكرة داعش عن وجود احتلال صليبي يجب مقاومته.

وبالمحصلة، فإن هذه التحديات مجتمعة، تذكر بتحذيرات مثيرة للانتباه، أطلقها قبل مدة القيادي الليبي السابق ، أحمد قذاف الدم، والتي توقع فيها سيناريوهات كارثية على ليبيا بعد اتفاق الصخيرات، لعل أبرزها السيناريو العراقي والافغاني، ما يؤكد أن اتفاق الصخيرات الهش” بتوصيف الأمم المتحدة نفسها، بحاجة ماسة إلى دعائم صلبة بمستوى هذه التحديات.

قراءة تحليلية ..

يرى المحللون السياسيون ان اتفاق الصخيرات يوحد ظاهريا السلطات المتنافسة، إلا أنه إذا تشابكت المواقف وتحولت إلى صراعات على الأرض، فأن القرار المهم يظل بيد الميليشيات المسلحة وليس حكومة التوافق.

فليبيا الغارقة في الفوضى منذ إطاحة حلف شمال الأطلنطي (ناتو) بالنظام الليبي وتصفية زعيمه القائد معمر القذافي في اكتوبر 2011، تشهد فوضى أمنية ونزاعا على السلطة تسببا بانقسام البلاد.
ليبيا بها حاليا برلمانان وحكومتان، ويعمل مجلس النواب المنتخب وحكومته المعترف بها دوليا في شرق ليبيا منذ عام 2014، بينما استولى المؤتمر الوطني العام وحكومته على العاصمة طرابلس بمساندة تحالف مليشيات مسلحة تحت مُسمى عملية “فجر ليبيا” وظلت تدير معظم مناطق الغرب والجنوب الليبي.

ويتطلع المجتمع الدولي إلى انهاء النزاع في ليبيا عبر توحيد السلطتين في حكومة واحدة تلقى مساندة دولية، حيث رعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أونسميل) بتاريخ 17 ديسمبر 2015 توقيع اتفاق سياسي بين الطرفين المتنافسين يُمهد الطريق لإنهاء الصراع بين الحكومتين المتنافستين والتوصل إلى تشكيل حكومة توافقية تكون أهلا لاتخاذ ما يلزم من اجراءات لازمة لمواجهة خطر التطرف الإسلامي الذي وجد موطئ قدم له في بعض المدن الليبية، ومكافحة الهجرة غير النظامية.

إلا أنه من المرجح ان الاتفاق السياسي الموقّع بين الطرفين المتنافسين في الصخيرات المغربية بتاريخ 17 ديسمبر 2015 برعاية السيد مارتن كوبلر الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، لن يصمد طويلا على أرض الواقع لأن الموقعين عليه لا يمتلكون سلطة على معظم الميليشيات المسلحة وخاصةً منها تلك المتفرعة عن تنظيم القاعدة الإرهابي مثل الجماعة الليبية المقاتلة وأنصار الشريعة وتنظيم الدولة الإسلامية وما يُسمى مجالس شورى الثوار، التي رفضت هذا الاتفاق الذي وُقِع وسط تحفظات كبرى عبّر عنها الرافضون لبنوده وأولهم رئيسا مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام اللذان صرحا بأنهما لم يخولا احد بتمثيلهما ولم يفوضا احد بالتوقيع على اتفاق الصخيرات، ووصفا حكومة التوافق المُتمخّضة عنه بأنها لم تكن نتاج حوار ليبي ليبي، وأيدهما في ذلك الشيخ المتطرف المفتي الصادق الغرياني – رأس الهرم لدار الإفتاء الليبية بطرابلس – التي اعتبرت الاتفاق “غير معتد به شرعا” لأن الموقعين لا يملكون “ولاية شرعية” حسب تعبيره.

ورغم أن مجلس الأمن الدولي قد أصدر بتاريخ 24 ديسمبر 2015 قراره القاضي بتأييد الاتفاق السياسي الليبي الموقع بين الطرفين المتنافسين ويدعو كافة الدول إلى مساعدة حكومة التوافق (برئاسة السيد فايز السراج) في مجالات متعددة بينها المجال الأمني والعسكري، إلا أنه وفي ظل هذه المواقف المتشددة لبعض الفاعلين السياسيين في ليبيا يبدو أن الطريق سيكون شاقا أمام اتفاق الصخيرات الذي بدأ يصطدم بحقيقة الواقع السياسي المنفلت في ليبيا، وافضل دليل على ذلك هو ما صرّح به السيد عبدالقادر حويلي – نائب رئيس لجنة الحوار المجتمعي بالمؤتمر الوطني العام – الذي قال أن المؤتمر الوطني العام صوَّت بالإجماع على أن الأعضاء الموجودين بالصخيرات، لا يمثلون المؤتمر، بما فيهم نائب رئيس المؤتمر” مضيفاً أن “هناك قوة تعارض هذا الاتفاق، وقوة تؤيده، وبالتالي فإن جاءت الحكومة إلى طرابلس سيكون هناك تنازع وتناحر.. وأنهم سيواجهون الحكومة المنبثقة عن هذا الاتفاق بالسلاح.”

إذاً لماذا كل هذا الاستعجال الدولي او بالأحرى الغربي لتأييد اتفاق الصخيرات؟ حتماً ليس لصالح الليبيين فالغرب الأورو- اميركي لا ينظر الى المسألة الليبية إلا من خلال نظرة لمصالحه وليس غير ذلك، يريد حكومة ليبية تمنحه صك تدخله المرتقب في ليبيا من اجل ضرب تنظيم الدولة الإسلامية، وإيقاف السيل المتدفق من اللاجئين إلى أوروبا عبر الشواطئ الليبية، كذلك إعادة تزويد أوروبا بالنفط الليبي وعودة شركات النفط والغاز الاوروبية كـ إيني الايطالية وتوتال الفرنسية وريبسول الاسبانية وغيرها للعمل بأمان في ليبيا.

ايطاليا التي رعت مع الولايات المتحدة مؤتمرا عُقد بالعاصمة روما يوم 13 ديسمبر 2015 للتحضير لمساندة اتفاق الصخيرات، أبدت قلقها من تنامي قوة تنظيم داعش والتهديد الذي يشكله على مصالحها الاقتصادية في ليبيا وخصوصا النفطية، اعلنت استعدادها لقيادة قوة لحفظ السلام على الأرض الليبية.
كما صرّح دبلوماسي فرنسي من جهته قبل توقيع الاتفاق قائلا “نريد التأكد من عدم سقوط الثروات النفطية بين ايدي الارهابيين.. وان لم يطبق الاتفاق ينبغي ان نضمن امننا كما علينا التفكير في العبر الواجب استخلاصها”. كذلك صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية السيد جون كيربي “ان الولايات المتحدة مصممة على ان تقدم لحكومة الوحدة دعما سياسيا كاملا ومساعدة تقنية واقتصادية وامنية وكذلك لمكافحة الارهاب”. كذلك قال السيد مايكل فالون وزير الدفاع البريطاني “أنه بعد توقيع الأطراف الليبية على الاتفاق يمكن للمجتمع الدولي العمل مع جبهة ليبية موحدة ضد داعش”.

كما تتوقع بريطانيا وحلفاؤها، ومن بينهم ايطاليا وفرنسا والولايات المتحدة، أن توجه لهم الحكومة الليبية الوليدة دعوة للمساعدة. حيث قال مصدر في وزارة الخارجية البريطانية: “إذا قال الليبيون نريد دعمكم، فإن فريقا من الجيشين البريطاني والإيطالي سيقوم في غضون بضعة أسابيع بعملية استكشاف أولية”.
ايضاً بدوره رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس قال “نحن نعيش مع التهديد الإرهابي.. لدينا عدو مشترك هو تنظيم داعش ينبغي أن نهزمه وندمره في العراق وسوريا وربما غدا في ليبيا”.

كما سبق أن اكد الأمين العام لحلف ناتو السيد ينس ستولتنبرغ مطلع شهر ديسمبر 2015 استعداد الحلف لـ”مساعدة” حكومة وحدة وطنية في ليبيا ان طلبت منه ذلك.

ولتأكيد ذلك، أشاد ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني، بتوقيع الاتفاق السياسي الليبي في مدينة الصخيرات بالمغرب، ووصفه بخطوة هامة تُمهد الطريق أمام تشكيل حكومة وطنية موحدة. وأضاف كاميرون: “هذا الاتفاق يعني أنه باستطاعة المجتمع الدولي الآن العمل مع حكومة موحدة في ليبيا في مكافحة داعش ومهربي المهاجرين”.
وكذلك قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس “بعد هذه الخطوات يمكن للحكومة الليبية الجديدة مقاتلة داعش بمساعدتنا..”. معلوم ان فرنسا أقامت قاعدة على بعد 75 كيلومترا من الحدود الجنوبية لليبيا لتشكل قوة لمكافحة الإرهاب، وان الجيش الفرنسي سبق وان استخدم طائرات استطلاع ونفذ عمليات مخابراتية في مناطق ليبية يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا.

ويطرح المراقبون سؤالا .. هل ليبيا على وشك تدخل عسكري أجنبي جديد تقوده إيطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات الاميركية.. وما هي تلك الظروف السياسية التي ستسمح بذلك ..

حسبما جاء على لسان مارك بييريني السفير السابق للاتحاد الأوروبي في تونس وطرابلس، انه بعد توقيع الطرفين المتنافسين على اتفاق الصخيرات برعاية الأمم المتحدة “يمكن تصور ان نداء للمساعدة سيوجه يوما الى الغربيين” لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا.

من جانبها، ترجح صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية حدوث تدخل عسكري خارجي قريب في ليبيا، وترى أنه قبل أن تتدخل بريطانيا فى ليبيا عسكريا ــ دون التفكير كثيرا فى النتائج ــ على غرار تدخلها في ليبيا عام 2011، فإن على ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني، الإجابة على عدة أسئلة، أولها هو ما إذا كانت حكومة الوحدة المقترحة حقيقة أو «سراب صحراء»، ناجما عن تفكير دبلوماسى تواق.

وقد نقلت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية عن ناطق باسم الحكومة البريطانية إن القوات البريطانية سيتم إرسالها بناءً على طلب من حكومة الوحدة الليبية.
وذكرت صحيفة «ديلي ميل» أن القوات البريطانية ستكون جزءًا من مهمة أوروبية بقيادة إيطاليا، وبمشاركة الولايات المتحدة وفرنسا لإرسال ستة آلاف جندي إلى ليبيا. وأضافت أن القوات الخاصة البريطانية، بالتعاون مع قوات دول الاتحاد الأوروبي قد تعمل على تنفيذ عمليات عسكرية لاستهداف شبكات تهريب البشر من السواحل الليبية إلى أوروبا.

وفسرت صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية الضغوط الأورو- اميركية لتشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا إلى ثلاث أسباب، حددتها فى وصول تنظيم داعش لسواحل ليبيا وتداخله المتنامى مع أنشطة التنظيم فى سوريا والعراق، وبروز ليبيا كطريق أساسية لتهريب المهاجرين إلى أوروبا، وأهمية احتياطيات النفط الواسعة، وأهمية صناديق الثروة السيادية التى تقدر بأكثر من 100 مليار دولار.

كما أوردت صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية، إن التقارير الكثيرة الواردة من ليبيا، تدعو صاحب القرار إلى المضي قدماً في خطط الإعداد لعملية عسكرية واسعة في ليبيا، بسبب تمدد تنظيم الدولة الإسلامية على الحدود الجنوبية لأوروبا أولاً، وتزايد عدد الإرهابيين القادمين من دول المنطقة ولكن أيضاً من العراق وسوريا ومن اليمن والسودان، إلى جانب الاضطرابات والتهديدات التي يُشكلها طوارق جنوب ليبيا وشمال مالي والنيجر.

وأضافت الصحيفة «لوفيجارو»، أن قيادة الأركان الفرنسية التي اشتهرت بتكتمها وصمتها المنهجي، لم تستطع السيطرة على المؤشرات الكثيرة التي بدأت في التسرب حول الإعداد لتدخل عسكري قريب. وأكدت الصحيفة، أن الطلعات الجوية التي تكاثرت في سماء ليبيا، تؤيد هذا التكهن، ولكنها أيضاً تؤيد فكرة التدخل بعد التأكد من تعاظم خطرالتنظيم في ليبيا، وتزايد المواقع الخاضعة لسيطرته فيها، خاصة قرب المواقع النفطية، والحدودية التي تسمح له بتعزيز موارده المالية.

ويستخلص المحللون من ذلك ان ليبيا على ما يبدو أمام تكرار المشهد الافغاني، حينما تم في مؤتمر بون (المانيا) في ديسمبر سنة 2001، تنصيب حامد كرزاي كرئيس لأفغانستان، وقد وافق حينها كرزاي رسمياً على التدخل العسكري الأجنبي في بلاده. حيث أن الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا مارتن كوبلر عجّل بتوقيع الاتفاق قبل تسوية الأسباب التي هي السبب الرئيسي وراء الصراع الليبي، تلبية لرغبة الدول الغربية التي تخطط للتدخل مجددا في ليبيا.

إذاً هل سيؤدي فعلا التوقيع على اتفاق الصخيرات إلى انتهاء حالة الاحتقان والاحتراب في ليبيا؟

إن الملامح الحالية تشير إلى أن الدول الغربية وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الراعية للمفاوضات أرادت أن تفرض على الليبيين حلا سريعا، لأنها شعرت بالمخاطر التي ترتبت على الإطاحة بالنظام الليبي وتصفية زعيمه معمر القذافي بفعل تدخل قوات حلف ناتو في ليبيا عام 2011. إذ أخذت التداعيات السلبية لذلك التدخل غير محسوب العواقب تلحق أذى بعدد من الدول الغربية ودول الجوار الليبي، جراء انتشار جماعات التطرف الإسلامي والتنظيمات الإرهابية وعصابات تهريب المخدرات والمهاجرين السريين إلى أوروبا.

في المقابل، في ليبيا، ستسعى القوى السياسية الى ترجمة اتفاق الصخيرات، إلى واقع ملموس، لكن ذلك قد يصطدم بعقبات عدة، مثل صعوبة حشد التأييد والتوافق الكافيين من جانب الفاعلين على الساحة الداخلية، إضافة إلى التدخل الخارجي في الشأن الليبي، مع عدم استبعاد قيام عمل عسكري، يتم في إطار دولي، ضد تنظيم داعش .

ان اتفاق الصخيرات، الذي يقضي بتشكيل حكومة توافق ليبية، يوحد ــ ظاهريا ــ السلطات المتنافسة، إلا أنه إذا تشابكت المواقف وتحولت إلى صراعات على الأرض، القرار المهم يظل بيد الميليشيات المسلحة وليس حكومة التوافق (حكومة السرّاج). وإذا ما تفاقم الوضع أكثر فربما يكون القرار الوحيد الذي ستتخذه حكومة التوافق الوليدة هو طلب التدخل الأجنبي، وهو ما تنتظره الدول الغربية، وبالتالي سوف تنعكس آثارها السيئة على الغرب نفسه، فتواجد قوات أجنبية على الأراضي الليبية غير مقبول، ويستدعي الكثير من المتطرفين للقدوم إلى ليبيا بذريعة قتال الغرب الاستعماري.

لاشك أن دعم مجلس الأمن الدولي لهذا الاتفاق خطوة في غاية الأهمية، لكن واقع الحال الليبي يشكك في مقدار السيطرة التي يمكن ان تملكها حكومة التوافق الجديدة على المسلحين وعلى المتشددين الإسلاميين الذين سارعوا لاستعراض قوتهم المسلحة في العاصمة طرابلس بغرض التلويح بحجم تأثيرهم على ساحة الأحداث.

وتبقى التساؤلات المطروحة الاكثر اهمية، كيف للحكومة الجديدة (حكومة السرّاج) التعامل مع هذا الواقع المركب والمعقد؟ وماذا عن الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية المنتشرة في ربوع البلاد هل سيمثل اتفاق الصخيرات لها فرصة تمنح لها حاضنة اجتماعية في ظل التدخل العسكري الأجنبي المتوقع في ليبيا بقيادة الجنرال الإيطالي باولو سيرا؟

لاشك أن الاجابة عن تلك التساؤلات لاينفصل عن ربطها بشكل مفصلي مع التحديات الخارجية و الداخلية. عليه في ظل كل هذه الظروف، فان غدا في ليبيا لن يكون مختلفا عن اليوم لمجرد توقيع اتفاق الصخيرات فلا المؤتمر الوطني العام ولا مجلس النواب ولا حكومة التوافق الجديدة (حكومة السرّاج) يمتلك الحل الفيصل في انهاء الصراع السياسي الذي تغديه اطراف خارجية من أجل الابقاء على نفوذها في ليبيا.وبالتالي واهم من يتصور بأن ليبيا في طريقها للخروج من دوامة التناحر السياسي، فكلما اعتقد البعض بأن الأمور هدأت وبدأ يلوح في الأفق بصيص من الأمل، يجد الليبيين أنفسهم أمام مرحلة اسواء من سابقتها.

بنود اتفاق الصخيرات ..

ينص الاتفاق على تشكيل حكومة وفاق وطني تقود مرحلة انتقالية تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية، بعد عام، وتوسيع المجلس الرئاسي ليتكوّن من تسعة أشخاص، رئيس وخمسة نواب وثلاثة وزراء دول.

كما ينص على أن السلطة تتشكل من ثلاث مؤسسات دولة رئيسية، وهي مجلس النواب ويمثل السلطة التشريعية، ومجلسُ الدولة وهو بمثابة غرفة برلمانية استشارية ومجلسٌ رئاسي، وتنتقل كافةُ صلاحيات المناصب العسكرية والمدنية والأمنية العليا المنصوص عليها في القوانين والتشريعات الليبية النافذة إلى المجلس الرئاسي فور توقيع الاتفاق، ويتم اتخاذ أي قرار بإجماع مجلس رئاسة الوزراء.

تشكيلة المجلس الرئاسي ..

أما تشكيلة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق التي تم اعلانها بموجب الاتفاق فتضمنت:

-فايز السراج رئيسا للحكومة، وهو من غرب ليبيا

-فتحي المجبري نائبا لرئيس الحكومة، وهو من شرق ليبيا

-علي القطراني نائبا لرئيس الحكومة، وهو من شرق ليبيا

-عبدالسلام القاجيجي نائبا لرئيس الحكومة وهو من جنوب ليبيا

-موسي الكوني نائبا لرئيس الحكومة وهو من جنوب ليبيا

-احمد معيتيق نائبا لرئيس الحكومة وهو من غرب ليبيا

وبذلك تصبح أقاليم ليبيا الثلاث، ممثله بنائبين عن كل اقليم، في تشكيلة المجلس الرئاسي المشكل حديثا ..

نهاية وبداية..

لابد من الإشارة إلى أن الاتفاق لم يحظ بإجماع الليبيين، بل حظي بتوقيع الحاضرين ، وأن مكونات من المجتمع الليبي استنكفت عن الحضور، أو أعلنت اعتراضها على الاتفاق فور الإعلان عن توقيعه. لذلك، كانت الكلمات المتبادلة في أعقاب التوقيع مُجمعةً على أن ثمة تحديات وصعوبات كثيرة ومتنوعة تنتظر الاتفاق، أو كما قال المبعوث ألأممي إلى ليبيا ” مارتن كوبلر ” بوضوح ” هذه نهاية وبداية، نهاية المفاوضات، وبداية عمل شاق لإدخال الاتفاق حيز التطبيق”.
والحقيقة أن ما ينتظر الليبيين من صبر ومكابدة أكثر مما بذلوا من جهود وعاشوا من تعقيدات. لذلك، يقتضي إنجاح الاتفاق مصفوفة من المتطلبات، وهي من نوع المتطلبات التي تستلزم الإصرار على توفيرها، والحرص على المحافظة عليها مُستمرة وموجهة للقادم من المراحل.