اخبار مصر - أميرة ماهر

أعلنت كوريا الشمالية في السادس من يناير الجاري عن أول تجربة ناجحة لقنبلة هيدروجينية، ليؤكد رئيس البلاد كيم جونغ أون ان ما قاله مؤخرا عن تحول دولته الى دولة نووية كبرى، لم يكم عبثا ..

وحرصت بيونج يانج بعد الإعلان عن نجاح تجربتها الهيدروجينية على التأكيد أنها لن تستخدم السلاح النووي إذا لم يتم انتهاك سيادتها، إلا أن مثل هذا التعهد لن يبدد قلق أعدائها التقليديين، الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان.

وكانت بيونج يانج قد اعلنت في مايو من العام الماضي أنها طورت التقنية التي تسمح بتصغير حجم الرؤوس النووية التي توضع على الصواريخ بشكل كبير، ما يعني إشارتها لقدرتها على إنتاج ما يعرف بالقنابل النووية التكتيكية الصغيرة، ذات التأثير الإشعاعي المحدود.

وتتحدث بعض التقارير عن أن بيونغ يانغ لديها 15 رأسا نوويا يمكن إطلاقها بوسائل مختلفة، بما في ذلك بواسطة صواريخ باليستية عابرة للقارات تمكنت من إنتاج عدة طرازات منها.

وتنحصر الآراء بشأن الوسيلة التي ساعدت بيونغ يانغ في تحقيق هذا الإنجاز في خيارين لا ثالث لهما، الأول يرجح أن يكون علماء كوريا الشمالية قد نجحوا في تحقيق انجازات علمية غير مسبوقة، والثاني يتحدث عن إمكانية أن تكون بيونغ يانغ قد حصلت على التقنية المطلوبة من بكين.

وأجرت كوريا الشمالية فيما سبق 3 تجارب نووية تحت الأرض خلال أعوام 2006، 2009، 2013، في نفس الموقع الذي نفذت فيه مؤخرا تجربتها الهيدروجينية الأولى، لتلحق بخمس دول فقط لها خبرة عملية في هذا المجال هي، الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا.

 

بين الشك والحقيقة

قوبلت بكثير من الشكوك من قبل الخبراء النوويين، وإنهم لا يزالون في انتظار الرياح التي تحمل في طياتها الجزيئات النووية خارج حدود الدولة المنعزلة، رغم رصد هزة أرضية قرب موقع معروف للتجارب النووية بقوة 5.1 على مقياس ريختر.

ووصف رئيس المنظمة المشرفة على معاهدة حظر التجارب النووية في فيينا، لاسينا زيربو، لهذه الجزيئات بأنها “الدليل الدامغ الذي سيقول ما إذا أجرت بيونج يانج تجربة على قنبلة هيدروجينية أم لا”، مضيفا أنه يتوقع اكتشاف حقيقة الأمر في خلال يومين أو ثلاثة أيام من خلال محطات الرصد التابعة للمنظمة في اليابان وروسيا وفي كل مكان بالمنطقة، موضحا أن طائرات الولايات المتحدة الأمريكية قد تلتقط عينات من الهواء قبل ذلك وتحليله، وهو ما حدث قبل ذلك في  التجارب التي أجرتها كوريا الشماليةفي عامي 2009 و2013.

ورأى “زيربو” أن التجربة الأخيرة التي أجرتها بيونج يانج قريبة للغاية من تجربتها في عام 2013 من حيث الموقع والحجم.

وتابع زيربو: “الدليل الدامغ في مثل هذه الحالات هو النظائر المشعة التي تنطلق أثناء التجربة، والمحطات التابعة للشركة ستلتقط هذه النظائر في مدة تتراوح بين 48 إلى 72 ساعة، غير أنهم لن يتمكنوا من تحديد نوع السلاح الذي تم تجربته”.

واستغرق التحقق من التجربة التي أجرتها كوريا الشمالية في عام 2013 50 يوما في المحطات المذكورة، ويأمل العلماء في أن يتمكنوا من معرفة حقيقة الأمر بسرعة أكبر، مع تقدير من  هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بأن الاختبار كان قريبا من السطح.

القنبلة الهيدروجينية

تعد القنبلة الهيدروجينية، أخطر أسلحة الدمار الشامل، وهي ذات قوة تدميرية أشد من القنبلة الذرية، وتنتج الطاقة في القنبلة الهيدروجينية عن انصهار (اندماج) ذرات الهيدروجين، وتتطلب عملية الاندماج النووي وجود حرارة عالية تصل لملايين الدرجات المئوية، كتلك الموجودة في مركز الشمس، وتصنع هذه القنابل بواسطة تحفيز عملية الاندماج النووي بين نظائر عناصر كيميائية لعنصر الهيدروجين، وخصوصاً التريتيوم (Tritium) والديتيريوم (Deuterium)، حيث ينتج من اتحاد هذين النظيرين للهيدروجين، ذرة هيليوم مع نيوترون إضافي، وتقاس قوة القنبلة الهيدروجينية بالميغا طن، بحسب الموسوعة العالمية “ويكيبيديا”.

وكان الاندماج النووي يعتبر لغزاً علمياً بالنسبة للعلماء، ولهذا بقيت القنبلة الهيدروجينية سراً عسكرياً لعقود، ولا تملكه حالياً سوى دول معدودة في العالم، على رأسها الولايات المتحدة وروسيا، ونظراً للآثار التدميرية الجبارة للقنبلة الهيدروجينية، فإن هذا السلاح الفتاك محظور استخدامه في الحروب.

ويمتد الإشعاع الناتج عن انفجار القنبلة الهيدروجينية لمساحة قطرها 200 كم، ومقارنةً بالقنبلة الذرية، فإن قوتها التدميرية تتفاوت بين ألف قنبلة ذرية، وخمسة آلاف قنبلة ذرية.

* مخترع القنبلة

هناك جدل حول من توصل أول مرة إلى اختراع القنبلة الهيدروجينية، حيث تُنسب إلى أندريه ساخروف من الاتحاد السوفيتي، فيما يرجع آخرون اختراعها إلى إدوارد تيلر مع ستانيسلو أولام، من الولايات المتحدة، وذلك في فترة زمينة متقاربة، في منتصف الخمسينات من القرن العشرين.

وتقدر القوة التدميرية للقنبلة الهيدروجينية بنحو ألفي ضعف القنبلتين الذريتين، اللتين ألقيتا على هيروشيما وناغازاكي في اليابان، إبان الحرب العالمية الثانية.

* تجارب عملية

يعود استخدام أول قنبلة هيدروجينية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قامت بتجريبها في المحيط الهادئ عام 1954، فكانت قوتها 3.5 ميغا طن، واستطاعت أن تُبخّسر ثلاث جزر، حيث اختفت بالكامل عن وجه الأرض، بحسب موسوعة فليبيديا.

وأجري التفجير النووي في قلعة برافو في جزر مارشال من قبل الجيش الأمريكي، في تجاربها النووية في الفترة (1946-1958)، والتي بلغت 23 اختباراً، وكان اختبار قلعة برافو هو الاختبار الأقوى بحوالي ألف مرة من قوة قنبلة هيروشيما، وترك حفرة بعمق 170 قدماً، وقوتها 10.4 ميغا طن.

*روسيا

وتلتها التجربة الروسية عام 1955 ضمن المشروع النووي للاتحاد السوفيتي، حيث كانت هذه التجربة فوق القطب الشمالي، وكانت بقوة 50 ميغاطن و استطاعت أن تدمر مساحة قطرها 800 كم.

وفي 1961 أجرى الاتحاد السوفييتي السابق اختباراً لأكبر قنبلة هيدروجينية صنعت في التاريخ، ويطلق عليها “قنبلة القيصر”، وانفجرت بِدوي انفجار قوته 58 ميغا طن، وتُعرف أيضاً باسم “إيفان الكبير”، وتم تفجيرها في منطقة القطب الشمالي، وكانت أشد من قنبلة هيروشيما بثلاثة آلاف مرة.

*بريطانيا

وقامت بريطانيا بتفجير أول قنبلة هيدروجينية كجزء من سلسلة تجارب نووية في الباسفيك، والتي تم تطوريها بموارد محدودة، وفي زمن قصير في 15 مايو(أيار) عام1957.

وفي فرنسا، أجري في 24 أغسطس (آب) عام 1968 أول انفجار لقنبلة نووية هيدروجينية فرنسية بمنطقة فنغاتوفا ببولينيزيا، بقوة 2.6 ميغا طن، كما أطلقت أول قنبلة نووية بصحراء ريغان الجزائرية في 13 فبراير(شباط) 1960.

*الصين

فجرت الصين في منطقة لوب نور بإقليم سانكيانغ عام1967، قنبلة كان يطلق عليها اسم علمي آخر، هو “القنبلة الحرارية النووية”، وأعلنت بكين أنها فجرت قنبلة هيدروجينية، وشكلت مفاجأة كبيرة، إذ كان يستبعد أن تمتلك الصين القدرة العملية والعلمية الكافية، لكن بكين باتت رابع قوة عظمى في العالم، تمتلك هذا النوع من القنابل، بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا.

*دول أخرى

ويعتقد أيضاً أن الهند وباكستان و”إسرائيل” تمتلك قنابل هيدروجينية، ولكنها لم تعلن عنها رسمياً، ولكن في”إسرائيل”، كشف مردخاي فانونو أحد العاملين في مفاعلات “ديمونا” في ثمانينات القرن الماضي، أن “إسرائيل قادرة على تصنيع حوالي 200 رأس نووي، وأنها تمتلك قنابل هيدروجينية وبيولوجية وذرية”.

وبحسب تقرير أصدره العلوم والأمن الدولي الأمريكي، في نوفمبر الماضي، فإن “إسرائيل تمتلك 115 رأساً نووياً في ترسانتها السرية لأسلحة الدمار الشامل، كما أن لديها حوالي 660 كيلوغراماً من مادة “البلوتونيوم” السامة، جرى إنتاجها في مفاعل “ديمونا” الذي يقع في صحراء النقب جنوب فلسطين، وأضاف التقرير أن “إسرائيل بدأت في تطوير برنامجها النووي منذ 1963، لكنها تتبع سياسة الغموض بشأن مشروعها النووي، فهي لا تنفي ولا تؤكد امتلاكها أسلحة نووية.

يذكر أن أولى المحاولات للحد من الأسلحة النووية برزت في 1963، حيث وقعت 135 دولة على اتفاقية سُميت معاهدة الحد الجزئي من الاختبارات النووية، وقامت الأمم المتحدة بالإشراف على هذه المعاهدة، علماً بأن الصين وفرنسا لم توقعا على هذه المعاهدة، وكانتا وقتها من الدول ذات القدرة النووية.

عقوبات دولية

ويعتزم مجلس الامن الدولي تشديد مجموعة من العقوبات المفروضة على بيونغ يانغ بعد التجارب السابقة (2006 و2009 و2013) من خلال “تدابير إضافية مهمة” بعد أن أكدت التجربة الاخيرة عدم فعالية العقوبات الحالية.

فرضت الامم المتحدة على كوريا الشمالية اربع مجموعات من العقوبات، ولا سيما حظرا على الاسلحة وتجميد ارصدة منذ اجرت بيونغ يانع تجربة نووية للمرة الاولى في 2006.

أقر اثنان من هذه القرارات في 2006 و2009، بعد التجربتين النوويتين الاوليين والاثنتين الاخريين في 2013 بعد الثالثة.

في اكتوبر 2006، اعلن المجلس حظرا على الاسلحة اولا وحظر استيراد وتصدير بعض المعدات والتكنولوجيا، لمنع بيونغ يانغ من اجراء تجارب نووية او اطلاق صواريخ بالستية.
في يونيو 2009، توسع هذا الحظر وبات يشمل جميع المعدات العسكرية والمبادلات المالية والتدريب التقني المتصل بالتزود واستخدام اسلحة وتكنولوجيا نووية وبالستية.

في 2013، تم تشديد هذه القيود لتمكين بلدان من ضبط وتلف اي معدات متصلة ببرامج التسلح الكورية الشمالية.

وأنشأت الامم المتحدة في 2006 لجنة عقوبات تقضي مهمتها باعداد لائحة سوداء بأسماء الشخصيات والكيانات المشبوهة بتقديم المساعدة الى برامج بيونغ يانغ العسكرية المحظورة.

وتقضي هذه العقوبات المحددة بمنع السفر الذي يشمل ايضا عائلات الاشخاص المعاقبين وتجميد ارصدة.

وقد اتسعت هذه العقوبات في 2013 وباتت تشمل افرادا او كيانات قد تعمد الى مساعدة كوريا الشمالية على الالتفاف على العقوبات.

ودعت الامم المتحدة ايضا جميع البلدان الاعضاء الى التوقف على بيع سلع فاخرة الى مسؤولي النظام الشيوعي.

وتضم اللائحة في الوقت الراهن 20 كيانا و12 فردا.

وقد تم تحديثها للمرة الاخيرة في يوليو 2014 واضيفت اليها شركة “اوشن ماريتيم مانيجمنت” البحرية، المتهمة بأنها نظمت في 2013 عملية نقل اسلحة الى كوريا الشمالية من كوبا.

ومعظم الكوريين الشماليين المدرجة اسماؤهم في اللائحة، متورطون مع شركات تجارية ومصارف تجارية، لكن اللائحة تضم ايضا وزير الطاقة الذرية الكوري الشمالي ري جي-سون والمدير السابق لمركز يونغبيون للبحوث الذرية ري هونغ-سوب.

تأثير محدود للعقوبات

يتفق الخبراء والدبلوماسيون على القول ان العقوبات لم تسفر إلا عن تأثير محدود، وليست سوى اداة في مجموعة الادوات المتوافرة للمجموعة الدولية حيال كوريا الشمالية.

ودعا بعضهم الى إقامة حوار (دبلوماسي) وليس حول نزع الاسلحة النووية” مع بيونغ يانغ ، في مفاوضات تضم الكوريتين والصين واليابان وروسيا والولايات المتحدة .

كان  قد تنظيم محادثات سداسية بعد انسحاب كوريا الشمالية من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في سنة 2003 , بهدف الوصول الى حل سلمي للمخاوف الأمنية التي يثيرها البرنامج النووي لكوريا الشمالية.

وتم عقد هذه المحادثات ستة مرات خاصة بعد التجربة النووية الكورية الشمالية 9 أكتوبر 2006 ، وتوقفت في ديسمبر 2008.

وترفض كوريا الشمالية الدخول في حوار مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بشأن برنامجها النووي قبل استبدال الهدنة الموقعة عام 1953 والتي أنهت حرب كوريا بمعاهدة سلام فعلية.

مأزق أوباما

يعتبر نزع الاسلحة والحد من انتشار الاسلحة النووية من ركائز السياسة الخارجية المتعددة الاطراف التي اطلقها الرئيس باراك اوباما في خطابه الشهير في براغ في ابريل 2009 حين دعا الى “عالم خال من الاسلحة النووية”. .وكان ذلك احد الاسباب وراء منح الرئيس الاميركي الجديد جائزة نوبل للسلام انذاك.

ومن هذا الحين تشدد الادارة الاميركية على الانجاز الذي حققته عبر ابرام اتفاق تاريخي في فيينا مع ايران الى جانب القوى الكبرى الاخرى في يوليو الماضي يضمن عدم سعي الجمهورية الاسلامية لامتلاك السلاح النووي مقابل رفع العقوبات الدولية عنها.

وهذا النص الذي ياتي نتيجة اعوام من المحادثات الدبلوماسية المكثفة، اعتبر تقدما كبيرا في مجال منع انتشار الاسلحة الذرية رغم ان الاتفاق ليس سوى في بداية تطبيقه من قبل طهران تحت اشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وبعد اعلان كوريا الشمالية نجاح تجربتها الاولى لقنبلة هيدورجينية، وهو ما يشكك به البيت الابيض، هاجم الخصوم الجمهوريون للرئيس الاميركي استراتيجيته حيال بيونغ يانغ.

ودعا اد رويس رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الى “ممارسة المزيد من الضغوط بشكل ملح لمواجهة تهديدات كوريا الشمالية”، واصفا مممما حدث بأنه “فشل ذريع” للسياسةالامريكية، ومحاولة من كوريا الشمالية لترهيب ادارة اوباما بنفس الطريقة التي اتبعتها ايران ابان حقبة الرئيس السابق جورج بوش (2001-2009) الذي كان يتحدث انذاك عن “محور الشر”.

وقال بروس كلينجنر من مركز الابحاث المحافظ “هيريتج فاونديشن” ان “ادارة اوباما لم تطبق بالكامل القانون الاميركي (في مجال العقوبات).

ورد وزير الخارجية الاميركي جون كيري بان الولايات المتحدة “لم تقبل ولن تقبل ان تمتلك كوريا الشمالية السلاح النووي”

وأعربت الخارجية الاميركية عن اسفها لان كوريا الشمالية “لم تبد اي اهتمام على الاطلاق بالعودة” الى طاولة المحادثات ، لطمأنة حلفائها في اليابان وكوريا الجنوبية، يمكن لواشنطن ان تنظم سريعا لقاءات ثلاثية وتعزز التعاون في مجال الدفاع والاستخبارات كما توقع فيكتور شا من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما وصف في العام 2014 كوريا الشمالية بأنها “دولة مارقة”، واعداً بـ”فرض عقوبات أقسى عليها إذا أجرت أي تجربة نووية جديدة”.

وهكذا تفرض تجربة بيونج يانج النووية حالة من الحيرة ازاء كونها حقيقة أم مجرد دعاية.. كما تضع الدول الكبرى والمنظمات الدولية في مأزق بعد فشل العقوبات وتجمد المفاوضات.