إعداد : سميحة عبد الحليم

فى الوقت الذى نحتفل باليوم العالمى لمكافحة الفساد فى 9 ديسمبر الحالي، تتخذ الدولة بالفعل خطوات جادة فى سبيل مواجهة الفساد سعيا للقضاء عليه وإنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد بإستراتيجية وضع خطط تناولت كل جوانب ومظاهر الخلل، وهو ما يؤكد حرص الدولة بمختلف مؤسساتها على مواجهة الفساد وهو ما أسهم فى ضبط قضايافساد كبرى تورط فيها مسئولون بالدولة.
وكان تفعيل نظام الشباك الواحد قد أدى لانحسار جانب من الفساد الذى استشرى فى عدة هيئات ومصالح حكومية والذى أكدته تقارير محلية ودولية ، بالإضافة إلى ترتيب مصرالمتأخر بمؤشر الفساد الذى تعده منظمة الشفافية الدولية.
وفى هذا الملف نحاول الوقوف على سبل محاربة أخطبوط الفساد فى مصر بصوره المختلفة سواء بالرشوة أو باستغلال النفوذ، وتحديد المعوقات التى تعترض مكافحة الفساد .

تعريف الفساد ..

الفساد ..هو مرض عضال تحمله الدول والمجتمعات سواء اكانت غنية ام فقيرة دكتاتورية ام ديمقراطية .
وهو ذات جذور عميقة تأخذ أبعادا واسعة تتدخل فيها عوامل مختلفة يصعب التمييز بينهما ، وهو التحدي الأهم والوريث المتوقع للإرهاب والذي تجد الحكومات والمجتمعات نفسها في مواجهته ، وفي حرب معه ، على الأغلب أكثر سراشة وتكلفة من مكافحة الإرهاب . و يرتبط ظهوره واستمراره برغبة الانسان في الحصول على مكاسب مادية او معنوية يعتقد في قرارة نفسه انه ليس له حق فيها ومع ذلك يسعى اليها ، لذا فهو يلجأ الى وسائل سرية للوصول اليها منها اقصاء من له الحق فيها ، او الحصول عليها عن طريق الرشوة او المحسوبية اوالواسطة اواختلاس المال العام وغيرها .
ولا يقتصر ظهور الفساد على القطاع العام بل هو قد يكون أكثر ظهورا في القطاع الخاص وفي مؤسسات المجتمع المدني. والفساد في القطاع العام لا يظهر في مفاصل السلطة التنفيذية والسلطة القضائية فقط ، بل يمكن إن يظهر في ميدان عمل السلطة التشريعية من خلال تجميد المشاريع لإغراض المساومة مثلا ، أو في توزيع المناصب الحكومية على أسس حزبية أو طائفية ، أو على مقياس الولاء بغض النظر عن الجدارة أو الكفاءة أو الاختصاص . كما قد يظهر بشكل صارخ في المؤسسات المستقلة بضمنها المؤسسات الرقابية او المتخصصة في مكافحة الفساد كفساد المحققين وضباط الشرطة والمفتشين العامين وموظفيهم .

وليس هناك علاقة مباشرة بين نظام الحكم والفساد ، فالفساد موجود في دول انظمتها ديكتاتورية كما هو موجود في دول انظمتها ديمقراطية ، الا ان الانظمة غير الديمقراطية تعد حاضنة صالحة للفساد اكثر من الأنظمة الديمقراطية من الناحية النظرية ، لان الاخيرة ( أي الانظمة الديمقراطية ) تكون في ظلها السلطات متوازية ومستقلة ، وتوفر انتخابات حرة ونزيهة وتداول سلمي للسلطة وحرية تعبير وصحافة حرة وقضاء مستقل محايد عادل وكفوء لذا تكون ممارسة الفساد عملية صعبة او خطرة ذات نتائج غير مضمونة .

تصنيف الفساد ..

وقد صنف الفساد الى فساد سياسي وفساد بيروقراطي أو إداري ، وعرف الفساد السياسي بأنه :-
إساءة استخدام السلطة العامة – الحكومية – لأهداف غير مشروعة وعادة ما تكون سرية ، لتحقيق مكاسب شخصية ، واهم اشكاله المحسوبية والرشوة والابتزاز وممارسة النفوذ والاحتيال ومحاباة الاقارب .

وقسم الفساد أيضا الى فساد صغير وفساد كبير ، اما الفساد الكبير فهو الفساد السياسي الذي ينتشر في اعلى دوائر السلطة السياسية حيث يقوم من بيدهم القرار السياسي باستعمال سلطتهم ونفوذهم لتوطيد مكانتهم وتعزيز ثرواتهم بتفصيل السياسات والاولويات والتشريعات على قياسهم ولمصلحتهم ، وهو اخطر انواع الفساد واكثرها تعقيدا واثرا على المجتمعات والدول واكثرها صعوبة في المعالجة ، ولكن عملياته اقل عددا من الفساد الصغير او الاداري ، فهي عمليات قليلة قياسا بعلميات الفسـاد الصغير ولكنها اكبر واكثر اثرا واعظما حجما وثأتيرا .

اما الفساد الصغير او الاداري او البيروقراطي او الفساد المحدود او التافه فهو ممارسة المعاملات الفاسدة في الادارة ، وهو قد يأخذ شكل تبادل مبالغ نقدية او منافع ثانوية كدفع الرشى لترويج او تسريع بعض المعاملات وتوظيف الاقارب والاصدقاء في مراكز غير قيادية ، وهو فساد اقل خطرا واثرا من الفساد الكبير او السياسي ، الا ان عدد عملياته كبير جدا قياسا الى عدد عمليات الفساد الكبير ، فقد يقع في اليوم الواحد الاف المرات ومن عدد كبير من الموظفين والمواطنين كدفع الرشى في مراكز الشرطة او دوائر التسجيل العقاري او في المحاكم او في دوائر الضريبة او في دوائر الاحوال المدنية اوالجوازات او الرعاية الاجتماعية وغيرها .

وبسبب غياب الفصل بين الادارة والسياسة خاصة في البلدان النامية فان تقسيم الفساد الى سياسي او كبير و اداري او صغير يكون غير واضح ونسبي .
وتعد هيمنة السلطة التنفيذية على السلطات الأخرى، أحد أهم الأسباب الرئيسية لثورة 25 يناير والموجة الثانية لها فى 30 يونيو، حيث ضاقت وضاعت الفواصل والحدود بين الحزب الحاكم والسلطات الثلاث، مما أضعف من رقابة السلطات على بعضها البعض. كما سيطرت السلطة التنفيذية على الإعلام، مما ساهم فى تضليل الرأى العام .

مقترحات لمحاربة الفساد ..

– تفعيل دور مجلس النواب فى مكافحة الفساد ليس فقط عبر دراسة التقارير التى تقدم له من الأجهزة المعنية ولكن بتفعيل أدوات المساءلة البرلمانية المتعارف عليها للحكومة ولرؤساء الأجهزة المستقلة. وتفعيل دوره فى مناقشة حقيقية وفعالة فى إقرار السياسة العامة للدولة والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والموازنة العامة للدولة. وهنا يمكن عمل دورات تدريبية وتثقيفية لأعضاء لجنة الخطة والموازنة فى المجلس على كيفية قراءة الموازنة العامة للدولة.

– ضرورة الحد من السلطات الممنوحة للسلطة التنفيذية فى إصدار اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين. كما يجب تفعيل دور البرلمان فى مراجعة اللوائح التى تصدرها السلطةالتنفيذية، خاصة فيما يتعلق بأوجه إنفاق الميزانية المقررة لكل جهة حكومية.

– تفعيل مبدأ خضوع التنفيذيين لمساءلة البرلمان. وتفعيل الدور الرقابى للمجالس الشعبية المحلية على الأجهزة التنفيذية فى نطاق الوحدات المحلية، وتدريبها على كيفية الرقابة على هذه الأجهزة.

ثمن الفساد ..

ورغم ان الفساد قد يحقق مآرب المفسد الشخصية الا انه لا يكون الا مقابل ثمن يدفعه ، فمن يدفع الرشوة لانجاز او تسريع معاملة فهو يحصل على ذلك نتيجة دفعه مبلغ الرشوة الذي ينبغي ان لا يكون مضطرا الى دفعه لولا الفساد ، وعندما يتم تعيين شخص بوظيفة ما بتوسط احدهم فهو قد يكون انما وضع مستقبله ومعيشته تحت تصرف مرجع الواسطة ، وقد يكون الثمن المدفوع هو ثمن معنوي او مادي او نقدي ، الا ان الثمن الاكبر الذي يدفع عن ممارسة الفساد هو ذلك الذي يدفعه المجتمع بكامله ، الا وهو انهيار الوطن .

تشريعات لمكافحة الفساد ..

صادقت مصر على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في عام 2005، و لكنها ليست طرفا في أي من اتفاقية منظمة التعاون الاقتصادي و التنمية لمكافحة الرشوة أو اتفاقية الاتحاد الافريقي لمنع و مكافحة الفساد: ليس لدى مصر قانون محدد لمكافحة الفساد، و لكن قانون العقوبات المصري يجرِّم الرشوة الإيجابية و السلبية و محاولة الفساد و إساءة استخدام المنصب و استخدام الموارد العامة لتحقيق مكاسب خاصة و الابتزاز. و علاوة على ذلك، يجرم قانون مكافحة غسل الأموال لعام 2002 و التعديلات اللاحقة غسل الأموال. لا يشير القانون إلا إلى الفساد في القطاع العام و القطاع الخاص، في حين أن الفساد داخل قطاع الأعمال غير مشمول. بما أن المسؤولين الأجانب ليسوا مشمولين
بالقانون بالنسبة لقائمة الأفراد الذين تعتبر رشوتهم جريمة.
يخلص تقرير لسنة 2012 أصدرته جلوبال بارتنورز آند أسوشياتس إلى أن رشوة الموظفين العموميين الأجانب لا يعتبر غير قانوني في مصر.
في عام 2008، تم إصدار قانون البناء الموحد رقم 119 (باللغة العربية)، و هو يهدف إلى الحد من الفساد في قطاع البناء عن طريق خفض عدد الأنظمة و الكيانات المشاركة في عملية البناء.
أدّى الإطاحة بحكومة مرسي في 2013 إلى تولّي المؤسسة العسكرية والحكومة المؤقتة مع إلغاء دستور 2012.
وأعدّ المجلس الوطني التّأسيسي دستورا جديدا وقام بتقديمه ليقع المصادقة عليه من قبل رئيس الحكومة المؤقتة. وقد وافق الرّئيس على قانون معالجة تضارب المصالح الذي يشمل المسؤولين الحكوميين. كما يهدف القانون إلى وضع حدّ لإساءة إستخدام السّلطة كما كان عليه الشّأن مع بعض المسؤولين الحكوميين في ظلّ نظام مبارك.
وكما ينصّ القانون على إجبار هؤلاء المسؤولين على مغادرة المناصب الحكومية خلال القيام بوظائف أخرى لتجنّب الإنخراط في مجال الأعمال التجارية أثناء الوظيفة العامة و من أجل تفادي وقوع أي تضارب في المصالح. وعلاوة على ذلك ينصّ القانون على إنشاء لجنة جديدة لمكافحة الفساد تدعو المسؤولين الحكوميين بتقديم بياناتهم المالية سنويّا.
كما ينصّ القانون وأنّه لايسمح للمسؤولين الحكوميين قبول الهدايا التي تزيد قيمتها على 43.6 دولار أمريكي وهذا كما جاء في صحيفة الأهرام في نوفمبر 2013. ويتضمن الدّستور العديد من التّشريعات لمعالجة الفساد من ضمنها حماية المبلّغين عن الفساد وحريّة النّفاذ إلى المعلومات.

استراتيجيات الحكومة ..

تميّزت استراتيجية الحكومة قبل الثّورة بمحاولت الامتثال باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، و لكنها كانت تعمل بدون انسجام. في عام 2007، تم تأسيس لجنة الشفافية و النزاهة في وزارة الدولة للتنمية الإدارية و ذلك بهدف تعزيز الشفافية و المساءلة و جهود مكافحة الفساد في القطاع العام. و تتعاون وزارة الاستثمار مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي و الشركاء الآخرين في المشروع الذي يمتد من 2007 حتي 2011 و يهدف إلى تشجيع الاستثمار من خلال تعزيز الشفافية و صياغة وثيقة قانونية حول حرية المعلومات و زيادة الوعي العام بالفساد.
– قامت الحكومة المؤقّتة بصياغة دستور جديد في نهاية سنة 2013 .وينصّ الدّستور على إنشاء لجنة جديدة لمكافحة الفساد وهذا كما جاء في صحيفة الأهرام في نوفمبر 2013.
و تفيد تقارير فبراير 2013 أن الحكومة وقعت اتفاقية تعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتطوير لجنة جديدة لمكافحة الفساد. و يدعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائيبمساعدة الاستشارية والتقنية لبناء قواعد البيانات وجرائم الفساد التسويقي وكذلك وسيلة لمحاربتهم.
في وقت لاحق للثورة في مصر، أنشأت وزارة الدولة للتنمية المحلية فرع للتفتيش ومراقبة، الذي بدأ إجراء كل عمليات التفتيش المنتظمة والمفاجئة لمتابعة شكاوى الفساد. كما تحاكم شعبة جرائم الفساد مثل الاختلاس والرشوة والاحتيال وتجري تقييمات دورية لموظفي المحافظات والمسؤولين. وتعمل الوزارة أيضا على إنشاء خط ساخن للإبلاغ عن الفساد المالي والإداري في المحافظات،.

السيسى يرفع شعار “مكافحة الفساد ..

منذ توليه مقاليد الحكم رفع الرئيس عبدالفتاح السيسي شعار “مكافحة الفساد”، وبدا ذلك واضحا في كافة أحاديثه العامة والخاصة، وكانت عباراته واضحة خلال الاحتفال بالعيد الذهبى لهيئة الرقابة الإدارية، حيث أطلق منظومة جديدة من العمل للحرب على الفساد والمفسدين وأصحاب المصالح.

الدولة القوية ..

وقال الرئيس -وبشكل واضح – إنه يسعى جاهدا من أجل إعادة الدولة القوية التي ستضع مصر في حجمها ومكانتها الطبيعية التي تستحقها، سواء على المستوى المحلى أو الإقليمى أو العالمى.

لست صاحب مصلحة ..

وأوضح الرئيس: “أنا لست صاحب مصلحة إلا في أن تكون مصر هي الدولة الأولى عالميا في مكافحة الفساد”، وذلك في إشارة بالغة الأهمية للتعبير عن رغبته الصادقة فيالتصدى للفساد المتغلغل في ربوع الوطن.

مكافحة الفساد ..

وقال الرئيس: “مكافحة الفساد لا تكون إلا بالقضاء على الفقر والمحسوبية وترسيخ العدالة “إيذانا بالحرب على الفاسدين وملاحقتهم، فضلا عن معالجة أسباب وجذور الظاهرة وعلى رأسها المحسوبية التي أكد أنها تقضى على الكفاءات، وتجعل من يتولى الوظائف العامة ليس أهلا لها، وأكد دعم الدولة الكامل للأجهزة الرقابية لمكافحة الفساد.

الأيدي المرتعشة ..

ودعم الرئيس الأجهزة الرقابية واكد أنه لا يتدخل في قراراتها، لافتا في الوقت نفسه إلى أن جهود مكافحة الفساد والمحاسبة عليه لا يجب أن تكون ذريعة لتبرير سياسة الأيدى المرتعشة وخوف المسؤولين من اتخاذ القرار.

وشدد الرئيس على أهمية رصد حالات ووقائع الفساد والتصدى لها بشكل مسبق للحيلولة دون وقوعها، بما يساهم في إعادة الثقة لدى المواطن المصرى في حرص الدولة على صون حقوقه.

المتابعة الدورية..

كما وجه بأهمية المتابعة الدورية والمستمرة للمسئولين بالمواقع المهمة والمؤثرة وعرض ما تسفر عنه التحريات بدقة، بما يساهم في نشر قيم الجدية والالتزام في العمل.

قواعد للبيانات ..

وأشار الرئيس إلى أهمية الاستمرار في بناء قواعد البيانات الخاصة بالكوادر المناسبة لشغل الوظائف القيادية، بما يوفر فرصًا جيدة ومتاحة للتغيير والاستفادة من الطاقات الفكرية والإبداعية المصرية في مختلف مجالات العمل والإنتاج، ووجه باتباع أساليب متطورة وغير نمطية في العمل، بما يتيح الفرصة أمام العاملين بهيئة الرقابة الإداريةلتطوير العمل بالهيئة.

روح الولاء..

وأضاف أنه من الأهمية بمكان أن تتم الاستفادة من إمكانيات الهيئة لزيادة روح الولاء والانتماء لدى المصريين العاملين بالجهاز الإدارى للدولة وخاصة الشباب.

صالح الوطن ..

كما أكد الرئيس على أهمية التنسيق بفاعلية بين هيئة الرقابة الإدارية ومختلف الأجهزة الأمنية المعنية؛ لتحقيق أفضل النتائج بما يصب في صالح الوطن

الرقابة الإدارية.. “سيف مسلط على رقاب الفاسدين”..

حققت “الرقابة الإدارية” فى الفترة الاخيرة طفرة ملموسة وتطوراً ملحوظاً فى مجال الحرب على الفساد، لتتحول إلى سيف مسلط على رقاب الفاسدين، يبطش بجميع المخالفين داخل مؤسسات الدولة باختلاف درجاتهم الوظيفية.

تحركات هيئة الرقابة الإدارية ضد الفاسدين والمتورطين فى قضايا الرشوة خلال الثلاثة أشهر الأخيرة، التى أعقبت كلمة رئيس الجمهورية “السيسى” الشهيرة فى 12 مايو الماضى: “أجهزتنا الرقابية على أعلى مستوى ونمتلك إرادة قوية لسحق الفساد”، والنتائج التى أسفرت عنها جهودها أرست فى مصر ولأول مرة قاعدة أساسية فعالة يدركها الوزير قبل الخفير “كلنا تحت الميكرسكوب”.

الهيئة حملت على عاتقها من حماية المال العام والاستثمار معاً، والقضاء على الفساد، منهجاً واضحاً تسير عليه لتحقيق المعادلة الصعبة والغاية الكبرى التى يتطلع إليها المصريون شعباً وحكومة، المتمثلة فى اجتثاث الفاسدين والمخالفين من مؤسسات الدولة.

الخطة التى طبقها اللواء محمد عرفان، رئيس الهيئة الجديد، الذى تولى منصبه فى النصف الأول من إبريل الماضى، للوقاية من تفشى ظاهرة الفساد والقضاء على المخالفات المالية والإدارية بمؤسسات الدولة، اعتمدت بشكل كلى على التطوير سبيلاً لتحقيقها، وامتلاك الإرادة السياسية لتفعيل الدور الرقابى.

ولعل النتائج التى حققتها جهود الهيئة خلال 4 أشهر خير دليل على أن الرقابة الإدارية تعمل وفق شعار “تطلعات وأفعال”، إذ قامت الهيئة بإبداء الرأى فى 8933 مرشحا لشغل وظائف الإدارة العليا وبعض الوظائف القيادية بالدولة، وضبط 687 جريمة فساد شملت 3 آلاف متهم أحيلوا للنيابات.

وفحصت الهيئة 547 شكوى ونسقت مع المسئولين بالدولة لاتخاذ اللازم بشأنها، كما فحصت 2634 عملا ميدانيا يتضمن دراسات وبحث مخالفات ومرور من ضمنها 493 خبرا تم نشره بوسائل الإعلام المختلفة بشأن أوجه الخلل والقصور فى مواقع الإنتاج والخدمات، وإجراء التحريات عن 1757 مطلبا من قطاعات الدولة المختلفة.

وحققت جهود الهيئة للدولة عائدا ماديا بتحصيل ما قيمته نحو 926.93 مليون جنيه ناتجا عما تم فحصه من موضوعات وما تم ضبطه من قضايا، تحديد ورصد مال عام متوقع جار اتخاذ إجراءات تحصيله بما تزيد قيمته عن 3 مليارات جنيه، وتوجيه الجهاز الإدارى للدولة للاستفادة المثلى من الإمكانيات المتاحة وغير المستغلة بما يزيد عن مليار جنيه، وتصريف مخزون راكد بما قيمته حوالى 465.68 مليون جنيه.

وفى مجال دعم الاستثمار عقدت هيئة الرقابة الإدارية لقاءات مع أكثر من 65 من رجال الأعمال والمستثمرين، ومسئولى الكيانات والجمعيات النوعية للمستثمرين للوقوف على المشاكل التى تواجههم فى تنفيذ المشروعات، وتدخلت لإنهاء الخلاف بين مصلحة الجمارك وإحدى شركات الإلكترونيات الأجنبية العاملة فى مصر بشأن عدد من الشهادات الجمركية.

كما نجحت “الرقابة الإدارية” فى إنهاء الخلاف بين مستثمر عربى وهيئة التنمية السياحية حال دون استكمال تنفيذ مشروع خاص بمدينة شرم الشيخ، وأنهت الهيئة المعوقات التى تواجه تنفيذ إحدى شركات التنمية العمرانية لتعاقدها مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بمارينا العلمين.

وتعكف هيئة الرقابة الإدارية فى الفترة المقبلة على تطوير العمل بها، عن طريق استحداث آليات مكافحة الفساد المالى والإدارى، وإعداد دراسات عن ظواهر الفساد بقطاعات الدولة المختلفة وأسبابها، واقتراحات القضاء عليها، وتفعيل التعاون وتبادل الخبرات مع الأجهزة المناظرة بمختلف دول العالم، بهدف رفع كفاءة أداء أعضاء الهيئة.

“الحرب على الفساد” تنعش البورصة على المدى الطويل ..

رحب خبراء سوق المال باتجاه الدولة لإعلان الحرب على الفساد وتجفيف بؤره، مؤكدين أن اعتماد الدولة لأسلوب المصارحة والمكاشفة يعزز من تصنيفها على مؤشرات
الشفافية ويدفع مواطنيها للاصطفاف خلف تلك التوجهات والترحيب وتعزيز الثقة لديهم في أفعال الدولة.

فيما أشار الخبراء إلى أن البورصة قد تتأثر سلباً على المدى القصير في حالات تورط رجال أعمال من أصحاب الأسهم المتداولة بها في قضايا الفساد، مؤكدين أنها تنتعش وتتأثر إيجاباً على المدى الطويل خاصة بعد اكتسابها لثقة المستثمرين الأجانب بفضل هذه التوجهات.

ويقول المحللين الماليين ، إنه لا يمكن توصيف الكشف عن حادثة فساد بأنها تمثل اتجاه عام لدى الدولة على الرغم من أن الكشف عن تلك الواقعة يعد نقطة جيدة تحسب لصالح الدولة ولها آثار إيجابية بشكل عام على الاقتصاد وتلاقي استحسان كبير لدى جموع المواطنين وتؤدي لزيادة دعمهم للدولة واصطفافهم خلف توجهاتها.

وأضاف أن البورصة ربما تتأثر سلباً على المدى القصير خاصة إذا كان هناك رجال أعمال من المتورطين بوقائع يمكلون أسهم في البورصة، أما على المدى الطويل فيكون التأثير إيجابي للغاية نظراً لما يعكسه ذلك من شفافية خاصة أن المنظومة الخالية من الفساد تعد جاذبة بشكل أكبر للمستثمر الأجنبي، وبالتالي تشهد البورصة انتعاش فى حال وجود اتجاه حقيقي ودائم من الدولة بهذا الصدد.

ويشير المحللون إلى ضرورة استمرار المصارحة والإفصاح عن حالات الفساد بجانب التأكد من وجود آليات حقيقية لمحاربته ودحر جميع بؤره وألا يكون هناك فروق أو فجوات في تصريحات المسئولين عن المواطنين، لأن المسئول الذي يشعر نفسه فوق القانون يكون الأقرب للفساد وعلى الدولة أن تلتفت لذلك، والأهم هو وجود آلية واضحة لمحاربة الفساد والإبلاغ عنه ومواجهة تداعياته.

وأردف أن اتجاه جهات التحقيق للإفصاح عن تفاصيل الواقائع وخاصة كلما كانت تلك التقارير الصادرة عنها مقاربة لما أعلن عن حوادث الفساد في الإعلام ولدى الرأي العام وكلما كانت سريعة ولا تترك مجال لتداول الشائعات كان ذلك إيجابياً وفي الصالح العام ويخدم بشكل أساسي اتجاه الدولة لدحر الفساد ويضع المواطن في جوار الدولة خلال تلك الحرب، فاقتناع المواطن بوجود نية صادقة لدى الدولة لإنهاء الفساد هو أمر هام خلال تلك الحرب.

من جانبه قال الدكتور هشام إبراهيم، المحلل المالي والخبير المصرفي، إن اتجاه الدولة لمحاربة الفساد بشكل صريح قد يحتمل رأيين مرحب ومنتقد، إلا أنه لاشك فذلك يصببشكل أساسي في صالح المجتمع ومن المؤكد أن الفساد كان موجود بالسابق ولم يكن يتم الإعلان عنه.

ويرى إبراهيم أن الإعلان عن وقائع الفساد أمر بالغ الأهمية للمجتمع والمناخ العام، لافتاً إلى أن الحكومة بصدد تغير جديد بعد اتمام الانتخابات البرلمانية خلال شهرين وكان من الممكن لمتخذ القرار السياسي أو الرئيس تحديداً أن يتنتظر ويؤجل الأمر حتى هذه المدة إلا أن عدم الإنتظار على وجود الفساد يعكس جرءة سياسية هامة في هذا التوقيت وبهذا الشكل خاصة وأن واقعة فساد وزارة الزراعة طالت وزير جديد لم يكمل الـ5 أشهر في منصبه.

وتابع: كان من الممكن للقيادة السيادية أن تتخوف من تفجير تلك القضية نظراً لأن الوزير جديد في مكانه حتى لا يقال أن الاختيارات كانت بعيدة عن محلها فتتعرض بذلك للنقد، إلا أن القيادة السياسية أعلت رغبتها على عدم الاستمرار في ظل وجود فساد عن أي انتقادت قد تتعرض لها، ولذلك فأرى هذه المواجهة للفساد أمر إيجابي للدولة والمناخ العام للاقتصاد.
وأضاف أن مصارحة الدولة والإفصاح عن وقائع الفساد يعززان من تصنيف مصر على مؤشر الشفافية وكذلك مؤشر الفساد الذي تقدمت مصر عليه 20 مركزاً، لكن للأسف فيما يتعلق بالشفافية فمصر مازالت مصنفة ضمن أخر 5 دول على هذا المؤشر، وهذا الاتجاه يعزز تصنيف مصر على هذا المؤشرات.

تكاتف الجهود ..

كل المؤشرات تؤكد أن الدولة لديها إرادة سياسية للقضاء على الفساد ، ودليل ذلك وضع الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد منذ عام ، وهذه خطوة مهمة وتتفق مع الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد ، وبالإضافة لذلك تم التوقيع فى عام 2014 على الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد أيضا ، كما أن كافة تصريحات المسئولين تؤكد سعى الدولة الحثيث لمحاربة الفساد والقضاء عليه ، ولابد من تكاتف الجهود لتنفيذ الإستراتيجية على ارض الواقع بمشاركة وتضافر قطاعات مجتمعية لان الفساد لن تنهيه الحكومة بمفردها .
ونحن بحاجة لوجود عدد من القوانين والتشريعات ، مثل حرية تداول المعلومات ، وقانون حماية الشهود والمبلغين ، وهما من أهم القوانين التى تفتح مجال مكافحة الفساد بشكل واسع ويجب أن يكون فى أولوية عمل البرلمان المقبل ، ولدينا فعليا مسودات ومقترحات بقوانين ومن الممكن تقديمها للبرلمان حال انعقاده.

والفساد يحتاج لمنهجية وتخطيط ومتابعة وتكاتف جهات مختلفة وعديدة فى المواجهة ، ولذا فالمفترض على الدولة أن تلتفت للفساد فى القطاع غيرالرسمى بالإضافة للحكومى والخاص ، خاصة ونحن فى مرتبة متأخرة فى مستوى النزاهة ، وحجم الفساد اكبر بكثير من القضايا التى يتم الكشف عنها ، والأجدى أن يتم إنشاء هيئة وطنية مستقلة لمكافحة الفساد ، وان يتم منح صلاحيات وسلطات للجهات الرقابية الموجودة بموجب قرار جمهورى أو قانون ، كما يجب إنشاء محاكم متخصصة فى قضايا الفساد بحيث يكون قضاتها مؤهلين للاستقصاء فى قضايا الفساد ودروبه .

قوانين وإجراءات نجحت في محاربة الفساد عالميا..

حاربت الدول ذات المؤسسات القوية الفساد بقوانين أو بإنشاء مؤسسة رقابية ذات سلطات عالية .

أمريكا..

9 قوانين حاربت استغلال المال السياسي في نجاح المرشحين

عانت الولايات المتحدة من الفساد في تمويل الحملات الانتخابية، فأصدر المشرع الأمريكي قانون مكافحة الفساد واعتبره مراقبون “تشريعا نموذجيا” للمدن والولايات، يمنع المال السياسي من إفساد الحكومة الأمريكية، حيث يعيد بشكل جذري قواعد السياسة الأمريكية للشعب باعتباره أصحاب المصلحة في النظام السياسي.

ويقال إن القوانين التسعة التي أصدرها المشرع الأمريكي هدفت إلى وقف الرشوة السياسية بقوانين أخلاقية، وإنهاء المال السري بزيادة مستوى الشفافية، ومنح كل ناخب صوت ينشيء بمقتضاه انتخابات ممولة شعبيا.

وتضم القوانين المكافحة للفساد 9 قوانين، وفيها منع السياسين من تلقي مساهمات باهظة من المنظمين أصحاب المصالح الخاصة، ومنعهم من جمع التبرعات أثناء ساعات العمل، وقانون آخر يمنع أصحاب النفوذ “اللوبي” الأمريكيين من الالتفاف على القوانين من خلال تعزيز تعريف “اللوبي” وضرورة أن يسجلوا اسمهم رسميا، ولا تستثنى جماعة ضغط معينة.

والقانون الخامس في سلسلة القوانين التسعة المكافحة للفساد السياسي في الولايات المتحدة يحد من المال الذي يمكن أن تساهم فيه جماعات الضغط وزبائنها في دعم مباشر للمرشحين، والأحزاب، واللجان، ومنع جماعات المصالح من التماس المال للحملات السياسية، وحظر كل المتعاقدين مع الحكومة، والمسؤولين التنفيذيين ذوي المستوى العال، وموظفي العلاقات الحكومية، وجماعات الضغط، ولجان العمل السياسي من تقديم أي مساهمات سياسية.

ولكن في النهاية يظل النظام الأمريكي غارق لأذنيه في الفساد، ويتسبب المال السياسي في إفساد الحكومة، حيث يظل احتياج السياسيين للمال من أجل الترويج لأنفسهم عاجزين، ويحولهم إلى مندوبين لشركات النفط الكبرى، والمستحضرات الصيدلانية، المتعاقدين العسكريين والنقابات العمالية، وشركات التأمين، والشركات الغذائية.

الدول الاسكندنافية ..

تحصل دوما دول مثل نيوزيلاندا، والدنمارك، وفنلندا، والسويد على مؤشرات عالية في مكافحة الفساد، وطرح موقع الشفافية الدولي تساؤلا حول الأسباب التي جعلتهم كذلك.

يقول المراقبون أن تنفيذ القانون، والإجماع الواسع على مكافحة الفساد المتجسدة في آليات المشاركة والشفافية العامة، مثل الإفصاح عن المعلومات العامة، هي المسؤولة عن التقدم في محاربة الفساد.

وتشير النتائج الأولية من الدراسات القادمة من فنلندا والدنمارك والسويد أن نظام النزاهة جيد نسبيا في هذه البلدان.

وتشير الدراسات الحديثة أن حرية الصحافة مرتبطة ارتباطا كبيرا بمكافحة الفساد في الديمقراطيات الراسخة.

ويذكر أن هناك عوامل مساعدة في مكافحة الفساد مثل ارتفاع الناتج الإجمالي للفرد، وانخفاض معدلات عدم المساواة، ومعرفة القراءة والكتابة تقترب من 100%، وإعطاء الحكومة الأولوية لقضايا حقوق الإنسان مثل المساواة بين الجنسين وحرية تداول المعلومات.وترى المنظمة إمكانية تحقيق تلك الإجراءات في دول أخرى.

سنغافورة ..

كيف قضت سنغافورة على الفساد ،اتخذت سنغافورة عدة اجراءات للقضاء على الفساد ففي عام 1952 أنشأت سنغافورة مكتب تحقيقات لمتابعة الممارسات التي قد يشوبها الفساد، كما أسست لجنة لمحاربة الفساد في أجهزة الدولة وقامت بتغليظ العقوبات إلى درجة أنها وصلت إلى عقوبات إعدام، واستخدمت وسيلة الإشهار بالفاسدين حتى يكونوا منبوذين مجتمعيا.

بعد سنوات من محاربة الفساد حصلت سنغافورة على الترتيب السابع في مؤشرات الفساد على مستوى العالم لتكون بذلك الأقل فسادا في آسيا بنسبة 84% متقدمة على عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
وأصبحت سنغافورة رابع أهم مركز مالي في العالم تلعب دورا مهما في الاقتصاد العالمي، ويعد مرفأ سنغافورة خامس مرفأ في العالم من ناحية النشاط، وتحولت إلي مجتمع مزدهر متطور يوفر أفضل الخدمات لمواطنيه، ونقلت الدولة الفقيرة العديمة الموارد إلي احد أهم عواصم التجارة والمال.
بعد أن كانت تعتبر من أكثر الدول فسادا، أصبحت سنغافورة خلال الثلاثين سنة الأخيرة أقل الدول فسادا في آسيا ومن بين اقل الدول فسادا على مستوى العالم وفق معايير منظمة الشفافية العالمية.

الصين ..

ألقى كبير المشرعين بالصين بيانا في الجلسة الكاملة للدورة السنوية للمجلس الوطني، أكد على تطوير تشريع وطني لمكافحة الفساد، وتعزيز الإشراف على عمل الحكومة والهيئات القضائية والميزانية والحسابات النهائية.

وتذكر تقارير إخبارية أن الصين شنت حملة لاجتثاث جذور الفساد من المجتمع في مستويات عديدة، وأبرز ما حققته، الحملة إدانة 130 ألف مسؤول حكومي بالصين في قضايا فساد ورشاوي على مدار الأشهر التسعة الأولى من 2014.

وشهدت السنة قبل الماضية توسيعا لنطاق حملة “فوكس هنت” التي هدفت إلى اقتلاع جذور الفساد لتشمل المتورطين في قضايا فساد تمكنوا من الهروب إلى الخارج.

وكان الرئيس الصيني قد حذر من أن الحملة سوف تشمل ما أسماهم “النمور” و “الذباب” في إشارة إلى أنه لن يستثني أحد من العقاب، بما في ذلك أعضاء الحزب الحاكم.

ومن المعروف أنه منذ تولي شي جين بينغ السلطة في البلاد، أصبح عدد من القيادات ذات الثقل في النظام الصيني مستهدفين من قبل حملة مكافحة الفساد من بينهم نائب رئيس البرلمان الصيني والقائد السابق لقوات الأمن.
صحوة دولية في مواجهة الفساد ..

مع تصاعد خطورة الفساد عالميا استفحلت آثاره المدمرة التي اجتاحت العالم أجمع و‏ كانت أكثر تأثيرا علي حساب الدول النامية أو الآخذة في النمو‏ وضد الفقراء والأغلبية الساحقة من الناس‏‏ وضد التنمية وتقدم المجتمع قاطبة‏.

ولأن الفساد في أي بلد يستقوي دائما بمراكز القوي والسلطة‏,‏ لهذا صار شبكة متماسكة بين مراكز القوي بين تلك الدول‏,‏ وبعضها بعضا‏,‏ ولم تسلم منه دولة واحدة‏,‏ مهما كان
ضعفها أو قلة حيلتها‏,‏ أو كانت كذلك قوتها وعظمة اقتصادها‏,‏ فازدادت قوة الفساد تعاظما حتي صارت ظاهرة عالمية تزداد بطشا وقوة وتماسكا‏,‏ ساعد علي تغولها ذلك الانقلاب
العالمي الذي انتشر بين الدول بظاهرة العولمة‏,‏ ورفع القيود والحواجز الدولية‏,‏ وتقدم وسائل التكنولوجيا والاتصالات‏,‏ فازداد الفساد توحشا بسبب تضخم الرأسمالية والاقتصاد الحر دون مراعاة للتنمية الاجتماعية في البلاد‏,‏ حتي ظهرت لنا صور جديدة من الفساد أكثر خطرا وأشد بطشا وشراسة‏,‏ فبلغ الفساد أسطورة وشبحا‏,‏ وإرهابا اجتماعيا‏,‏ يهدد أمن الدول جميعا‏,‏ ويقوض التنمية والديمقراطية ويضرب حقوق الإنسانية في مقتل‏,‏ ولهذا لم يعد في إمكان أي دولة بمفردها محاربة ذلك المارد الجبار‏,‏ إلا بالتعاون الدولي بين البلاد
جميعا وإلا صارت الدولة التي تنفرد بين الدول في مكافحة الفساد تعزف وحدها في الطريق المعاكس‏.‏

‏ لهذا اتحدت مصالح الدول جميعا‏,‏ ولم يكن هناك مفر أمامها‏,‏ إلا بصحوة دولية في مواجهة الفساد‏,‏ وضجة عالمية نحو مكافحته‏,‏ بدءا من الترويج لسياسته لاتخاذ التدابير لمحاصرته‏,‏ وترسيخ للنزاهة والشفافية‏,‏ وتعزيز المساءلة‏,‏ فكانت دعوة الأمم المتحدة منذ عام‏2000,‏ مكتب مكافحة الجريمة والمخدرات‏,‏ التابع للمجلس الاقتصاد والاجتماعي‏,‏ دعوة الدول جميعا إلي التعاون لمكافحة الفساد وتبادل الخبرات‏‏ والمعلومات‏‏ وتقديم المساعدات بالمبادرات والمنتديات العالمية لمواجهة الظاهرة وبحث كيفية التعاون والتنسيق بين الدول المختلفة‏,‏ لأن مايقع من فساد في دولة تمتد آثاره‏,‏ ليس فقط داخل المجتمع أو بين أبناء الدولة ذاتها‏,‏ وإنما تمتد آثاره إلي الدولة الأخري‏,‏ خاصة بعد أن ظهرت علينا
بعض الدول ترحب بالأموال المنهوبة والمهربة‏ ‏ فتستقبل الهاربين والفاسدين وتغدق عليهم الضمانات والحماية والمزايا‏.

ولم تعد تجدي الشعارات لمقاومة الفساد‏,‏ لهذا دعت المنتديات العالمية والمؤتمرات الدولية‏,‏ في نطاق الأمم المتحدة للتشاور والمناقشة لإعداد نصوص اتفاقية دولية لمكافحة الفساد‏,‏ والي إقناع الدول بالانضمام والتصديق عليها اعتبارا من ديسمبر عام‏2000‏ وبعد أن تم اعتمادها من الجمعية العامة للأمم المتحدة وفتح باب التوقيع عليها منذ ديسمبر‏2003,‏ ومازال الباب مفتوحا لانضمام دول أخري والتصديق عليها حتي يتماسك العالم كله في مكافحة الفساد‏.‏

ولأن النصوص وحدها ليست كافية‏,‏ وصياغة الاتفاقيات الدولية بأسلوب دبلوماسي توافقي لايكفي‏,‏ كذلك الاعتماد علي حسن النيات لايغني ولايسمن في محاربة الفساد‏.‏ لهذا كان علي الدول الأطراف الموقعة علي الاتفاقية أن تعقد المؤتمرات للتباحث والتشاور حول تنفيذ نصوص الاتفاقية ووضع آليات تكفل لها الحياة والوجود‏ .

واجمعت الدول الموقعة علي الاتفافية‏ كلها وتسابقت في الاقرار والاعتراف بخطورة الفساد وآثاره المدمرة‏,‏ واعتزمت وتعهدت كلها بالعمل علي مكافحته‏‏ وعرضت جميعا للتجارب والتشريعات والتطورات المختلفة التي جرت قبل أو بعد تنفيذ الاتفاقية لمواجهة جرائم الفساد المتوطنة أو الجديدة علي المجتمع‏,‏ وآبانت عن السلطات والهيئات التي تواجه جرائم الفساد في الدول سواء كانت سلطات التحري أو التحقيق أو المحاكمة‏,‏ وأكدت الوفود جميعا الحاجة الي تعاون دولي لمكافحة الفساد‏..‏ واسترداد الموجودات والاموال‏,‏ والبعض قالوا لنا عن ضرورة وجود الارادة السياسية في البلاد لمساندة مكافحة الفساد واخرون تساءلوا عن كيفية مواجهةالضغوط والتهديدات التي تتعرض لها الاجهزة المسئولة عند محاربة الفساد في بعض البلدان .
و أكد بيان الوفد الرسمي المصري‏‏ علي تأييدها لمجموعة الـ‏77‏ والصين وبيان المجموعة الافريقية والارجنتين‏..‏ وضمان مشاركة المجتمع المدني‏..‏ وتفعيل الحوار بين الخبراء‏,‏ وتأكيد حق الدول في طلب زيارات ميدانية وضمان الشفافية من خلال نشر ملخص التقرير‏,‏ وضمان التمويل‏,‏ والتأكيد علي التعاون الدولي في المساعدات والتقنيات الفنية‏..‏وان مصر كانت سباقة في مكافحة الفساد وملاحقة صوره بالتجريم والعقاب منذ نصوص قانون العقوبات عام‏1937..‏ وكذا تشريعات حديثة لمواجهةالتطور‏..‏ وأن هناك لجنة شفافية ونزاهة تضم أعضاء غير حكوميين‏..‏ وأنه يجري الاعداد لإنشاء هيئة قومية لمكافحة الفساد بشتي صوره وبصورة أشمل‏,‏ وهو ما انتهي اليه المؤتمر‏.‏

و نجحت الاطراف الموقعة علي الاتفاقية في الوصول الي نصوص محددة‏,‏ تلتزم بهاالدول جميعا‏,‏ تحت مظلة الامم المتحدة‏,‏ بدءا من العمل علي الترويج لمكافحة الفساد‏,‏ وتعزيز الشفافية والمشاركة والمساعدة والادارة الرشيدة‏,‏ وهي مسئولية كبيرة تقع علي الاعلام والصحافة في البلاد لتنشر الثقافة ضد الفساد‏,‏ وفي حتمية التعاون الدولي في استرداد الموجودات والمساعدات التقنية‏,‏ وتبادل المعلومات والخبرات وتيسير الاجراءات بين الدول نحو مكافحة الفساد وتعديل تشريعاتها الوطنية بما يمكنها من تحقيق هدف الاتفاقية‏,‏بل في آلية استعراض ما يجري في كل دولة تجاه مكافحة الفساد سواء تشريعية أو رقابية أو قضائية‏,‏ عليها ان توضح ماذا كان وما صار عليه الحال وماهية العقبات‏,‏
ولسوف تكشف الزيارات الي الدول كيفية مكافحةالفساد ومدي نجاحه اوسقوطه‏,‏ واعداد تقرير عما تم واحاطة المنظمات الدولية المعنية كالبنك الدولي‏..‏ صندوق النقد‏,‏ ومشاركة المجتمع المدني بالحوار والمعرفة‏,‏ و ضرورة استمرار التمويل من ميزانيةالامم المتحدة حتي لاتتعرض الدول للضغوط أو تتوقف آلية البحث والتنقيب عما آلت الية نتائج مكافحة الفساد‏.‏

‏ واصبحت الدول جميعا محاصرة في شبكة واحدة لمعرفة ما تم من جانب كل منها تجاه محاربة الفساد سواء بالتشريعات أوالاجراءات والنتائج‏..‏ وصارت الدول مكشوفة في كتاب مفتوح لمعرفة من منها يكافح الفساد‏..‏ ومن يشجع عليه‏..‏ ومن يختفي وراء حجاب علي أن تشمل تلك التقارير كيفية مكافحة الفساد في كل مكان وضد من يرتكبه مهما بلغ شأنه وعظم قدره‏,‏ ومنهم موظفو المنظمات الدولية أو الدبلوماسيون‏..‏ والسياسيون‏..‏ والبرلمانيون‏..‏ وكذا مسئولية القطاع الخاص في كشف الفساد ومحاربته‏..‏
‏ ولان الطريق الي مكافحة الفساد لايقتصر علي التعاون الدولي وحده‏,‏ بل يتوقف بالدرجة الأولي علي الواقع الاقليمي والمحلي‏,‏ لهذا فان نجاح الدولة في محاربة الفساد ومكافحته والطريق اليه لايكفي له التشريعات وحدها مهما كانت كثرتها‏..‏ ولا التحريات مهما كانت دقتها بل ولا حتي المحاكمات مهما بلغت شدتها‏..‏ لأن كل ذلك حالات بعينها أومجهودات فردية‏,‏ بل يجب ان تتضمن الطريق الي مكافحته وضع سياسات تقوم علي محاربة الفساد والترويج لهذه الثقافة‏,‏ ووضع البرامج الثقافية والاعلام وبرامج التعليم‏,‏
وان تكون هناك خطوات وآليات لاتخاذ التدابير التي تمنع حدوثه وتكشف عنه قبل وقوعه‏..‏ وقيام هيئة علي مستوي عال تنهض بمسئولية الكشف عنه ومحاربته ولايكفي ان نجمع شتاته واجراءات محاربته بين اجهزة متعددة لايجمعها رابط أو نسق واحد لان التجريم والعقاب موجود لدينا في التشريعات منذ عام‏1937‏ وبعدها في قوانين خاصة بشأن جرائم جديدة لمواجهة الفساد كغسيل الاموال وغيرها‏..‏ أو إنشاءمحاكم مختصة‏..‏ بل يجب أن يكون هناك جهاز واحد علي المستوي القومي نضمن له الاستقلال والكفاءة‏,‏ يتحمل مسئولية محاربة الفساد والتنسيق لمنعه والتخطيط لمواجهته‏..‏والترويج لمحاربة الفساد والمسئولية عنه‏..‏ وهو التزام علي عاتق كل الدول تنفيذا لالتزاماتها الدولية .