أخبار مصر

أعتقد أن أمام دول المنطقة فرصة نادرة للسيطرة على حالة الفوضى الأمنية الحاصلة فيها والقضاء على «المليشيات» الإرهابية التي لا تهدد دولا معينة فقط، بل تهدد كل المنطقة، بما فيها التي تعتمد عليها في الإخلال بالأمن الداخلي للآخرين؛ مثل إيران التي تخلت عن  حليفها «المتعنت» نوري المالكي في حين أنها ترفض التخلي عن النظام في سوريا.

عندي شك كبير في استمرار تعاون إيران مع السعودية، سواء بشأن العمل على استقرار العراق الذي يعتبر نموذجاً حقيقياً للفوضى  الأمنية في المنطقة التي يتخوف الكثيرون من انتشارها، أو من خلال تهدئة الملفات الأخرى في المنطقة. والسبب في ذلك أن إيران  معروفة تاريخياً بأنها لا تسعى إلى التعاون مع الآخرين طالما لم تكن تحت تهديد مباشر. وفي حالة المالكي فإن فشله في الحفاظ على  المصالح الإيرانية في العراق الذي أدى إلى «ثورة السنة» هدد في بدايته بإنهاء السيطرة الإيرانية بالكامل في العراق. كما أن حالة تمدد ما  يعرف بـ«الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) وسيطرته على مساحات كبيرة في العراق، أجبرت إيران على أن تتخلى عنه ( المالكي) وترغمه على قبول التنحي.

عودتنا إيران على «تكتيكات» تقوم بها عندما تجد نفسها في مأزق، لكنها تعود إلى سياستها عندما تجد نفسها قد خرجت منه. حدث  ذلك من قبل في لبنان وكذلك في الملف النووي. كما عودتنا على مرونة سياستها من أجل الاستفادة من المواقف الاستراتيجية في  المنطقة، كما حدث في حرب أفغانستان وحرب العراق. لهذا لا ينبغي الاستغراب كثيراً من موافقتها على التخلي عن المالكي وعلى  الانحياز إلى حيدر العبادي الذي يفترض أن يشكل حكومة ائتلاف وطني؛ مع أن هناك شكوكاً في نجاحه.

الشيء الذي ينبغي أن يلفت أنظارنا إليه، هو أن تتحول حركة متطرفة إلى «لاعب رئيسي»، ليس في إعادة رسم سياسات دول المنطقة  قط، بل العالم كله. ومثل هذا الأمر يشير إلى أن احتمالات الحروب بين الدول ستكون أقل، لكن الحروب ستكون بين حركات  متطرفة ودول؛ إسرائيل و«حماس»، العالم و«داعش»، وربما « بوكوحرام» ودول أفريقية. ولدينا مثال على التجربة نفسها، وهو تنظيم  «القاعدة». ويختلف الأمر من ناحية أن «القاعدة» برزت فجأة كحركة تهدد السلم والأمن الدوليين، أما في حالة «داعش» فيبدو جلياً عدم  استيعاب بعض الدول حقيقة أن مثل هذه الحركات تمثل تهديداً لها أيضاً.

الفرق لدى إيران في موقفها من العراق وسوريا، وهي تدعم النظام في الدولتين، أن المالكي كان صريحاً في طائفيته حتى حشد تأييد  العالم ضده، في حين أن بشار في سوريا يمارس طائفيته، ولكن من دون الوضوح والصراحة اللذين اتسم بهما المالكي. لذا، فإن التخلص  من المالكي طبيعي، ولا ينبغي أن يقارن بسوريا.

معنى ما سبق، أن هناك اتفاقاً بين المراقبين على صعوبة فهم قرار إيران في نقطتين: التخلي عن المالكي، وقبول التعاون مع السعودية.  وفي الحالتين فالأمر لا يخرج عن إطار تكتيكي في ناحية إعادة ترتيب إيران أوراقها في العراق. أما الاستراتيجية الإيرانية في العراق  والمنطقة فستكون كما هي، ستستمر في دعم الفوضى في المنطقة، خاصة البحرين ولبنان. وهذا واضح من خلال فهم السياسة  الإيرانية التقليدية.

ولحسن الحظ فإن غباء «داعش» جعل العالم يتحد ضدها، لأن غرورها واستثارتها للرأي العام العالمي جعل من اتباع سياسة الحزم  العالمي ضدها للقضاء عليها الخيار الوحيد. أما تصديق أن إيران تبحث عن وحدة العراق أو قوته، فهو حديث يجافي المنطق. وفي السياق  نفسه، يبدو من الصعب الحديث عن تطور إقليمي في ناحية زيادة التعاون بين دول المنطقة مع إيران.

الكل في المنطقة يرفض منهج «داعش» بغض النظر عن الانتماء الديني أو المذهبي لها. والكل يعرف قبح وجهها؛ لأنها تذكرنا بما كانت  الحركات الإرهابية التي تدعي الإسلام تفعله بالإنسانية، ولكن الشيء الإيجابي فيها -إذا كان هناك شيء إيجابي- هو أن «داعش» حرّك  العالم كله ليقضي عليها بعدما اتفق الجميع في مجلس الأمن على دعم الأكراد بالأسلحة كي يستطيعوا مواجهة «داعش». لقد أجبرت  فظاعتها العالم على أن يقف ضدها خوفاً من تمددها السريع جغرافياً وفكرياً. فقاطع الرؤوس في « داعش» من أستراليا، والعاصمة  البريطانية (لندن) شهدت يوم الخميس الماضي توزيع منشورات تؤيد «داعش»، ما يزيد من حالة الشكوك حيال من يقف وراءها.

النقطة المهمة هنا أن تنظيماً مثل «داعش» لم يكن بعيداً عن نفوذ دول إقليمية لها مصلحتها في إثارة الفوضى لتحقيق مصالحها  السياسية، وعلى الأقل لأن كل الحركات في أثناء تكوينها تحتاج إلى «دعم»، وفي المنطقة التي ينشط فيها داعش توجد دول لا تريد  لمنطقة الخليج الاستقرار. المشكلة أن السحر انقلب على الساحر وبات يهدده، لذلك كان لابد من التخلي عنه في نهاية المطاف. ومن  ثم، فإننا نتمنى أن يكون الحديث عن أهمية نشر الاعتدال والوسطية في السياسة العامة للدولة الإيرانية حقيقياً.

بإمكان إيران تأكيد حسن نواياها بما فعلته مع العراق وتعاونها مع السعودية من خلال رفع يدها أيضاً عن الرئيس السوري الذي يعتقد أنه  هو من أوجد «داعش» و« النصرة» بعدما أخرج المجرمين من السجون. والفرصة مواتية لتعاون إقليمي خليجي إيراني أوسع، وليت إيران  تتوسع في تفاهمها كي تتعدى العراق إلى الملفات الإقليمية الأخرى التي تتلاعب بها، واقتناعها بأن دعم مثل هذه الحركات لن يكون  دائماً في مصلحتها، بل قد تصيبها أيضاً كما تفعل «داعش» حالياً. والمهم أن داعم التطرف لن يكون دائماً بعيداً عنه، لأنه سيجده في بلده  يوماً ما.

الفكرة التي ينبغي أن تدركها إيران هي أن المنطقة تحتاج إلى أناس لا يؤمنون بالمذهبية باعتبارها طريقاً للسيطرة على الدول، وإلا فإن  النتيجة ستكون ظهور حركات متطرفة.

نقلا عن صحيفة الاتحاد