إعداد : سميحة عبد الحليم

يثير التدخل العسكري الروسي في الحرب المستعرة في سوريا منذ سنوات جدلا واسعا في الأوساط المحلية والإقليمية والدولية،حيث قررت روسيا، بعد مضي خمس سنوات التدخل بقوة في تلك الأزمة، بعد إعلان الكرملين منح الرئيس فلاديمير بوتين تفويضا بنشر قوات عسكرية في سوريا.
وفي خطوة غير مسبوقة رفعت روسيا من دعمها لنظام بشار الأسد من المستوى السياسي والدبلوماسي إلى المستوى العسكري والأمني الواسع، وهو ما مثل نقلة نوعية لدورها في إدارة الصراع السوري؛ حيث أعلنت روسيا أن وجودها العسكري في سوريا جاء استجابة لطلب الرئيس بشار الأسد بهدف مواجهة خطر تنظيم “داعش”.
وكان الرئيس بوتين قد أعرب عن رغبة بلاده في مواجهة تنظيم داعش في سوريا، داعيا لتشكيل تحالف حقيقي (سوري، عراقي، إيراني، روسي) متهما الولايات المتحدة الأميركية ودول الغرب “بتغذية الإرهاب”.وكان الزعيمان بوتين ونظيره الأميريكي باراك أوباما عقدا اجتماعا، واتفقا على إجراء مناقشات لجيشي البلدين بشأن عمليات محتملة في سوريا، ولكنهما اختلفا بشأن مستقبل الأسد..

في هذا السياق أقدمت روسيا على تزويد النظام السوري بطائرات مقاتلة، ودبابات ” تي 90 “، ومدافع هاوتزر، ومعدات وأسلحة عسكرية نوعية، ومجموعة من الخبراء العسكريين، بالإضافة للتواجد العسكري الفعلي على الأرض بقوة عسكرية من جنود البحرية الروسية في مدينة اللاذقية معقل الطائفة العلوية التي تمثل الحاضنة الشعبية للنظام ومنطقة تمركز قواته العسكرية، ما يدعو إلى التساؤل حول أسباب ودوافع التغير في الموقف الروسي من الأزمة بهذه الكيفية، ودلالات ذلك التغير وانعكاساته على مسار الصراع السوري، وعلى موقف القوى الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة.

وهناك من يرى أن هذه الخطوة هي محاولة من روسيا لتخفيف الضغوط التي تمارسها عليها الولايات المتحدة في مناطق الجوار الجغرافي الروسي المباشر، وذلك عبر ضغط روسي مقابل في مناطق تمثل أهمية استراتيجية للإدارة الأمريكية لاسيما في منطقة الشرق الأوسط، بما يمكنها من فتح حوار مباشر تجاه جميع القضايا عبر التفاوض والمقايضة، بحيث تضمن طبقا لذلك حماية مصالحها وتواجدها في منطقة شرق المتوسط والمشرق العربي، وحاليا تطبق روسيا هذا التصور في سوريا؛ حيث أطلقت موسكو دعوة للحوار مع واشنطن بشأن الصراع في سوريا في منتصف سبتمبر الماضي.

الأسباب والدوافع:
الموقف الروسى دعا المحللين والمراقبين الى تحليل الأسباب والمبررات التي جعلت روسيا تجرى هذه النقلة النوعية في دورها بشأن الأزمة السورية من أجل التمركز سريعا في سوريا، وهنا يمكن رصد عدة نقاط بحسب المحللين السياسيين ..
الأولى، تشير إلى إدراك روسيا لحجم الخسائر التي تعرض لها النظام السوري منذ مطلع العام الجاري مقابل مكاسب تحرزها المعارضة التي باتت تسيطر على مناطق ومدن استراتيجية سواء في الشمال أو الجنوب، وبات النظام مسيطرا على مناطق محدودة في الوسط وهى المناطق الممتدة من الساحل إلى العاصمة دمشق مرورا بحمص وحماة، هذه المعطيات قد تشير إلى اقتراب نهاية نظام الأسد، ما يعنى أن روسيا باتت قريبة من فقدان ورقة الضغط السورية على المصالح الأمريكية والغربية في شرق المتوسط، هنا أدركت روسيا مخاطر اللحظة وأعلنت عن تواجدها في البحر المتوسط عبر مناورات وتدريبات عسكرية ستستغرق فترة طويلة كنوع من إثبات الحضور الدولي باعتبارها فاعل لا يمكن إغفاله، بل وبإمكانه صياغة حل سياسي للأزمة إذا ما ضمن اعترافا إقليميا ودوليا بمصالحه السورية.
وقد استهدفت روسيا من تواجدها العسكري على الساحل السوري تعزيز فرص تفاوضها مع واشنطن ليس في الملف السوري فقط، ولكن أيضا في كافة الملفات الخلافية خاصة تلك التي في الجوار الروسي المباشر وتضغط فيها واشنطن بقوة كأزمة أوكرانيا مثلا.

الثانية، تتعلق بمخاوف روسيا من استبعادها عند إعادة رسم خريطة المصالح الاستراتيجية في منطقة المشرق العربي وبالتحديد في سوريا على المدى المنظور، لاسيما بعد الاتفاق الإيراني النووي، فمن وجهة النظر الروسية فإن حالة الصمت الإيرانية تجاه الملف السوري في الآونة الأخيرة ما هي إلا ترجمة واقعية لنتائج الاتفاق النووي، خاصة بعد أن أعلنت طهران عن قبولها الجلوس على طاولة الحوار مع “أي طرف” حول سوريا في إشارة ضمنية إلى الولايات المتحدة والسعودية، وهو ما اعتبرته روسيا مؤشرا على اتجاه طهران للتقارب مع الولايات المتحدة والغرب، وما قد يعنيه ذلك من “صفقات محتملة ” داخل سوريا قد تقصى المصالح الروسية؛ والتي من أبرزها تأهيل ميناء طرطوس ليكون قاعدة عسكرية روسية تنفيذا للاتفاق الموقع بين الدولتين منذ عام 2008، وصفقات الغاز والنفط المبرمة بين الحكومة السورية وشركات النفط الروسية، وكذلك صفقات السلاح، إضافة الى مساعدة النظام في تأسيس مطار عسكري بالقرب من مطار اللاذقية المدني، وبدء العمل في إقامة قاعدة عسكرية روسية في مطار حميميم على بعد 22 كيلومترا جنوب مدينة اللاذقية، بالإضافة إلى ذلك تخشى روسيا أن تكون حصيلة مكاسبها في الوضع الجديد لا تتناسب وجهودها طوال السنوات الماضية في دعم وتسليح النظام السوري، وحمايته من كافة أشكال الإدانة القانونية والسياسية في مجلس الأمن عبر استخدامها للفيتو تجاه أي قرار ضده، هذه المخاوف دفعت موسكو إلى التواجد الفعلي العسكري في مناطق نفوذها السورية لتعلن لكافة أطراف الأزمة بما فيهم الحليف الإيراني أنها فاعل رئيسي في عملية تقاسم المصالح هناك، وأنها فاعل رئيسي على طاولة مفاوضات الحل النهائي المحتمل للأزمة.

الثالثة، تتعلق برغبة روسيا في إعادة تأهيل نظام الأسد عسكريا واقتصاديا طالما قررت التمسك بورقة النظام وإعادة تفعيلها مرة أخرى؛ فعملية التأهيل تمكن النظام من إحكام السيطرة على ما تبقى له من أراضي، وهى ما أطلق عليها مصطلح “سوريا المفيدة” أي المناطق التي لا تزال خاضعة لسيطرة النظام وبها حاضنات شعبية موالية له، ولا يستطيع النظام الاستمرار في السيطرة على هذه المناطق بإمكانياته العسكرية والاقتصادية المتآكلة نتيجة لاستنزافها في مواجهة المعارضة المسلحة إلا عبر إعادة ضخ مساعدات تمكنه من البقاء؛ هنا تجدر الإشارة إلى أن مصطلح سوريا المفيدة الذى تكرره الأوساط السياسية في إيران وروسيا ربما يشير إلى “تقسيم” محتمل لسوريا كأحد الحلول للصراع الممتد منذ أربعة سنوات، بما يجعل مناطق سيطرة النظام أو ما يسمى بسوريا المفيدة دولة علوية برئاسة الأسد.

الرابعة، تتعلق بفشل روسيا في إقناع السعودية بالصيغة الروسية المتصورة للحل في سوريا، والتي حاولت تسويقها عبر تنظيم لقاء بين وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان والمسئول الأمني الأول في السلطة السورية على مملوك خلال شهر يوليو الماضي؛ ومضمونها يدور حول تأسيس حكومة انتقالية في سوريا يكون بشار الأسد جزءا منها لمواجهة مخاطر وتهديدات تنظيم الدولة الاسلامية، إلا أن السعودية طالبت باستبعاد الأسد من أي تسوية سياسية، بعدها قررت روسيا في مطلع سبتمبر الماضي التدخل العسكري المباشر لمنع سقوط وانهيار النظام بصورة مفاجئة، ووقفا لنزيف نفوذها السياسي في سوريا لصالح إيران التي تتمتع بقبول سياسي قوى في المناطق التي لاتزال خاضعة لسيطرة النظام؛ الأمر الذى يحقق لروسيا هدفين: الأول، سحب الكثير من أوراق الضغط السورية من أيدى إيران حيث كانت حتى قبل الاتفاق النووي هي الطرف الأول الذى يجب التفاوض معه بشأن النظام. والثاني، ممارسة ضغوط مباشرة على السعودية والولايات المتحدة من داخل الآراض السورية بعد فشلها في حلحلة الموقفين السعودي والأمريكي تجاه فكرة بقاء الأسد.

الخامسة، تشير إلى مساعي روسيا لإعادة تشكيل ميزان القوى السوري قبل تدشين أي حل سياسي، فرغم الإمدادات العسكرية الروسية الكبيرة فلم تتضح معالم وحدود الانخراط الروسي في سوريا بعد، وهل سيتوقف هذا الدعم عند حدود الإمداد بالمعدات والخبراء، أم سيتعدى هذه المرحلة إلى مرحلة الدخول على خط الصراع مباشرة بقوة عسكرية قتالية إلى جانب النظام، الأمر الذى سيجعل المنطقة بأكملها تشهد حالة تصعيد عسكري دولي غير مسبوق، مع استمرار غياب أو تغييب الحل السياسي إلى أن يتم استعادة النظام زمام المبادرة العسكرية ميدانيا من المعارضة، حتى تتمكن روسيا من فرض حل سياسي يضمن بقاء الأسد ويوفر في الوقت نفسه مشاركة المعارضة “المعتدلة” في حكومة وحدة وطنية، وهو ما ترفضه السعودية ودول الخليج وتركيا.

السادسة، تشير إلى تخوف روسيا من ارتدادات العناصر المتشددة المقاتلة في سوريا إلى الأراضي الروسية، والتي ينحدر العديد منها من جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقا، هنا تأتى أهمية القرب الجغرافي السوري من روسيا، ما يجعل الحسابات الروسية مختلفة إلى حد كبير عن الحسابات الأمريكية والغربية عند تقييم المخاطر الناتجة عن وجود التنظيمات المتشددة في الأراضي السورية وفى مقدمتها تنظيم داعش.

الموقف الأمريكي:

على الجهة المقابلة كان الموقف الأمريكي بانتقاد التدخل العسكري الروسي الصريح في سوريا أشبه بموافقة ضمنية بشكل أو بآخر على الخطوة الروسية التي تروج لها موسكو على أنها في مواجهة تنظيم الدولة، وهو ما يعكس استمرار فشل السياسة الأمريكية في سوريا والتي تركز على مواجهة داعش فقط دون النظر إلى الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ظهور هذا التنظيم وغيره من التنظيمات المتشددة، بل ومحاولة إقناع الحلفاء – الخليجيين والاتراك – بهذا الهدف، ما يعنى عدم استبعاد فكرة موافقة واشنطن على بقاء الأسد، أو على أقل تقدير إبقاء دورها في خانة “الحياد” مع الالتزام فقط بمحاربة داعش وتجاهل كافة معطيات الصراع السوري الأخرى، لاسيما وأن تعاطي الإدارة الأمريكية مع الخطوة الروسية لا تعبر عن حالة القلق التي تبدو في تصريحات مسئوليها، حيث قابلت واشنطن طلب موسكو التنسيق على الأرض السورية فيما بينهما بقدر من الاهتمام، على اعتبار أن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة يقوم بمحاربة التنظيم نفسه داخل الأراضي السورية، ثم الصمت على الضربات الجوية الروسية التي استهدفت مناطق تخضع لسيطرة المعارضة المعتدلة وليس تنظيم الدولة، ما يدلل على استمرارية حالة الغموض التي تغلف السياسة الأمريكية تجاه الأزمة السورية منذ اندلاعها وحتى الآن، ويدلل أيضا على أن فكرة استبعاد الأسد كلية من المشهد السياسي السوري لم تعد ملحة على واشنطن كفكرة محاربة الإرهاب التي تتلاقى فيها مع موسكو وطهران.

دلالات ونتائج..

ويرى المحللون السياسيون ان الانخراط الروسي في سوريا بالكيفية السابق ذكرها يعكس عدة دلالات ونتائج يمكن رصدها فيما يلى:

• الخطوة الروسية عكست “تحولات نوعية” في طبيعة تعاطي الفاعلين الدوليين المعنيين بالصراع السوري؛ الولايات المتحدة وروسيا، تتركز معظمها حول سبل ربط الحل السياسي للأزمة السورية بمكافحة الإرهاب، حتى وإن وصل الأمر إلى تشكيل تحالف دولي من الأضداد المتصارعة بشأن الأزمة بهدف مواجهة تنظيمي الدولة الإسلامية وجبهة النصرة أولا، ثم التفكير في مصير الأسد في مرحلة لاحقة.

• انتقال إدارة الصراع السوري من المستوى الإقليمي – بين ايران ودول الخليج بالإضافة إلى تركيا – إلى المستوى الدولي، وهو ما قد يؤثر على مصالح بعض القوى الإقليمية في هذا الصراع وبالتحديد تركيا التي طالما طالبت واشنطن بإقامة مناطق عازلة شمال سوريا كمنطقة آمنة تضمن بها استقرار حدودها الجنوبية، أما إيران فإن تحولاتها التدريجية تجاه إبداء حسن النوايا والاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة والغرب باتت هي الحاكمة لتصرفاتها بعد إبرام الاتفاق النووي وبعد تمرير الكونجرس الأمريكي له، ومن ثم فإن مشاركتها المحتملة مع القوى الدولية في مواجهة داعش أصبحت هي الهدف الرئيسي الذى من أجله بدأت “تروج” لبقاء نظام بشار الأسد بمؤسساته العسكرية والأمنية والاستخباراتية كضمانة لمواجهة الإرهاب على مجمل الأراضي السورية.

• البعض يرى أن التدخل الروسي لن يؤدى إلى “تغيير فارق” في المعادلات العسكرية والسياسية للصراع السوري أو موازين القوى السائدة حاليا، والسبب وفقا لهذ الرؤية أن التدخل الروسي سيظل هدفه محصورا في منع سقوط النظام وانهياره فقط، عبر الحفاظ على مناطق تمركزه الممتدة من مدن الساحل وحتى العاصمة دمشق، ولن يتجاوز هذا الهدف إلى هدف استعادة كافة المناطق التي خرجت من تحت سيطرته لصالح المعارضة المسلحة من ناحية، أو لصالح تنظيم الدولة الإسلامية من ناحية ثانية، ما يعنى صعوبة تصور قيام موسكو بعمل عسكري برى في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام لتكلفته السياسية والعسكرية الباهظة، ناهيك عن كونه سيؤدى إلى إطالة أمد الصراع وما يترتب عليه من مشكلات إنسانية صعبة.

• تستهدف روسيا بنقلتها النوعية تلك فرض صيغة جديدة للحل تتجاوز وربما تلغى مقررات جنيف -1، بتقديمها طرحا يقوم على تشكيل حكومة من المعارضة تحت رئاسة الأسد، الأمر الذى يزيد من هواجس دول الخليج وتركيا بشأن احتمالية قبول الولايات المتحدة الصيغة الروسية الجديدة في ظل غموض موقفها من النظام السوري، وفى ظل محاولة موسكو تسويق هذا النظام باعتباره شريكا ميدانيا محتملا في محاربة الإرهاب.

• أصبحت المعارضة السورية بهذا التطور في الموقف الروسي أمام متغيرات سياسية وعسكرية جديدة، ما يتطلب منها مواجهة التواجد العسكري الروسي والإيراني على حد سواء، كما أن هذا التطور سيؤدى إلى ارتباك القوى الداعمة لها تسليحا وتدريبا ما سيكون له تأثيرات كبيرة على حركة تلك القوى وحساباتها بشأن الأزمة السورية برمتها.

بهذا التطور النوعي تكون روسيا قد قلبت موازين الصراع السورية بوجودها العسكري المباشر لمساندة النظام باعتبار سوريا آخر معاقل النفوذ الروسي في الشرق الأوسط؛ وأن هذه الخطوة “قد” تغير من معادلات الصراع القائمة؛ وهو ما قد يخرج الأزمة السورية من مرحلة الجمود الاستراتيجي التي كانت عليها والتي فرضتها توازنات إقليمية ودولية محددة، أو قد يبقيها في دائرة الجمود لسنوات أخرى، خاصة إذا قوبل الموقف الروسي الجديد بخطوات إقليمية ودولية “مضادة” مستقبلا.

مغامرة أم دفع للمفاوضات ..

لا تزال آراء الخبراء والمحللين تختلف حول طبيعة التدخل العسكري الروسي وأهدافه في سوريا، في ظل حملات إعلامية، واتهامات متبادلة.
لقد وضعت روسيا هدفين أساسيين بشكل مبدئي (أولي) لتدخلها العسكري المباشر في سوريا لدعم القوات السورية التابعة للنظام الشرعي.
الأول، منع التحالف الأمريكي من القيام بأي خطوات من شأنها تحديد “مناطق محررة” وفرض حظر جوي عليها، ومن ثم منع المعارضة السورية المسلحة من التكتل في تلك المناطق وشن هجمات برية تحت غطاء جوي لقوات التحالف. وهذا الأمر يجري التحضير له منذ أشهر طويلة، سواء عن طريق العمل المباشر بواسطة تركيا والسعودية وقطر، أو بشكل غير مباشر من جانب فرنسا التي أعلن رئيسها عن ضرورة تقديم الدعم لما أسماه بالمناطق المحررة.
والثاني، رغبة الكرملين في دعم النظام الشرعي في مكافحة الإرهاب، والدفع في الوقت نفسه إلى لقاءات أو اتفاقات ولو أولية بين مختلف القوى السورية، بما فيها النظام السياسي لتسوية سياسية، وهو الأمر الذي يسمح لروسيا بالحفاظ على مصالحها، على عكس ما حدث لها في العراق وليبيا.
الهدف الأول تم الإعلان عنه بعد أيام من بدء القصف الروسي في سوريا على لسان نائب وزير الخارجية الروسي، مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، ميخائيل بوغدانوف، حيث أكد أن بلاده ترفض إقامة منطقة حظر جوي في سوريا، بناء على اقتراح تركيا، معللا ذلك بضرورة احترام سيادة الدول.
أما الهدف الثاني، فهو قيد العمل، إذ قامت روسيا بالإعلان عن تحالف أمني لوجستي لتبادل المعلومات الأمنية بينها وبين إيران والعراق وسوريا، ومواصلة العمل إلى جانب القوات السورية، والقوات الكردية “البيشمركة”، حيث اعترفت موسكو بأنها قامت بتسليح هذه القوات، وكذلك إلى جانب متطوعين إيرانيين من حرس الثورة الإسلامية الذين يقاتلون منذ فترة في سوريا إلى جانب عناصر من تنظيم “حزب الله” اللبناني.
إن الدخول العسكري الروسي المباشر إلى سوريا، بدا وكأنه قد تسبب في خلط أوراق كثيرة لدى القوى الغربية المنضوية في التحالف الذي تقوده واشنطن في سوريا والعراق، كما أشاع حالة من الفوضى في صفوف حلفاء واشنطن العرب. ولكن هذا التقدير لا يعكس المشهد بالكامل. فلا يوجد أي خلط للأوراق أمام القوى الغربية التي يروق لها التدخل الروسي على المديين المتوسط والبعيد.

أما حالة الفوضى في صفوف الحلفاء العرب لواشنطن، فهي أمر طبيعي،- بحسب المحللين- فالتوافق الضمني الروسي الأمريكي بدمج إيران في ملفات المنطقة يثير قلق الحلفاء العرب ويجعلهم عاجزين عن الإلمام بأبعاد الموضوع والمصالح الكبرى وتبادل الأوراق. كما أن الخلافات بين الولايات المتحدة
(قائدة حلف الناتو) وتركيا (عضو حلف الناتو المهم في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأسود) تثير أيضا القلق وعدم الفهم لدى الحلفاء العرب.

في نهاية المطاف، أثار التدخل العسكري المباشر في سوريا كثيرا من الفوضى واللغط في رؤية حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. ولكنه من جهة أخرى أضاء جانبا مهما من المعادلتين الإقليمية والدولية. إذ انتقلت المبادرة من يد بعض القوى الإقليمية إلى القوى الدولية بشكل شبه كامل. وبمحاولات إضعاف هؤلاء اللاعبين الإقليميين.

إن روسيا تحاول استخدام كل الأوراق الممكنة لا لإطالة وجودها في سوريا، أو دفع الأمور إلى حرب واسعة، ولكن لدفع ما يجري في سوريا إلى اتجاه المفاوضات، بالعمل على عدة اتجاهات، على رأسها مواجهة الإرهاب، مع الالتزام الصارم بالقانون الدولي، والسعي لمواجهة الإرهاب على أرض الواقع، لأن هذه المواجهة تحديدا تعد إحدي أهم الأدوات لتحقيق التقارب المطلوب بين جميع الأطراف، ولو حتى على مستوى الحوار الأولي، تفاديا لأي مواجهات وحروب، وترك التنظيمات الإرهابية تمرح في المنطقة وتهدد أمن الجميع.

«داعش» والمدد الإيرانى ..

وبحسب المراقبون الدوليين فإن الحديث عن التدخل الروسي في سوريا جاء رد فعل عن الأنباء التي تحدثت عن نية دول عربية كالسعودية وقطر بالاشتراك مع تركيا التدخل العسكري المباشر في سوريا بهدف معلن وهو قتال تنظيم الدولة الإسلامية، ويجري الاتفاق لأن يكون هذا الأمر في مقابل إسقاط الأسد.

وأشار المراقبون إلى أن الجانب الروسي سيستخدم الذريعة ذاتها للتدخل العسكري المباشر في سوريا للتصدي لهذه التحركات المزعومة، وسيتم الإعلان أن القوات الروسية المتواجدة في سوريا توجه ضربات لتنظيم
«داعش» والمتشددين الإسلاميين.

ومنذ الكشف عن التدخل الروسي عسكريًا في سوريا، ساد حالة متصاعدة من الترقب والقلق، وتشير مصادر دبلوماسية متنوعة إلى أن الدب الروسي اختار النزول بنفسه للتصدي لخطر تنظيم “داعش”، عقب فتور في التعاطي مع مبادرته بتأسيس تحالف غير تقليدي لمواجهته من قبل عدة دول عربية وأجنبية.

واعتبر الدبلوماسيون أن التدخل الروسي لإزاحة “داعش” بدعم روسي، ودخوله على خط المواجهة بسوريا سيكون بمثابة مدد كبير لإيران وقوات بشار، وبمثابة تسهيل المهمة للقضاء على المعارضة السورية بعد التفرغ لهم عقب التخلص من داعش.

قلق أمريكي ..

وبيّن مراقبون أن أمريكا يساورها القلق من التدخل الروسي العسكري بسوريا، بسبب ما اعتبروه الشك والريبة وهو ما يجعل الخلاف الروسي الأمريكي في سوريا حول الأسد يحتمل أكثر من تفسير.

الخبراء الدبلوماسيون أشاروا إلى أن التدخل الروسي العسكري في هذا التوقيت يعد بمثابة ردًا عمليًا على إصرار واشنطن والسعودية على رحيل الأسد، وإن المؤشرات تشير إلى الاتجاه نحو الصدام بين السعودية من ناحية وبين روسيا وإيران ونظام بشار من ناحية أخرى.

وقال الدبلوماسيون، إن المدد الروسي العسكري في إطار محاربة الإرهاب سيغير التوازنات الإقليمية بالمنطقة لصالح طهران، والأنظمة الطائفية المتحالفة معها، ومنها حيدر العبادي بالعراق، والأسد بسوريا، ما يكرس مشروع تطهير السنة والتمدد الشيعي، ويعجل بالمواجهة الإقليمية بين الرياض وطهران.

تحدى الغرب وامريكا ..

مع إطلاق صواريخ عابرة من بحر قزوين واستخدام طائرات حربية قادرة على تدمير أهداف من مسافة بعيدة، لم يتوان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن استعراض قوته في سوريا بهدف تأكيد نهوض موسكو وقدرتها على مواجهة الغرب.
و أبدت موسكو قوتها من خلال إطلاق حملة قصف مكثفة في سوريا التي تشهد نزاعًا، لتحجب التحالف بقيادة الولايات المتحدة وتثير غضب الغربيين، وهذا التدخل الكبير هو أول عملية عسكرية تقوم بها موسكو خارج حدود الاتحاد السوفييتي السابق منذ الحملة الكارثية في أفغانستان في 1979، وهو يحصل في منطقة تعتبر منذ سنين منطقة نفوذ للغربيين في طليعتهم الولايات المتحدة.

ويرى الخبراء أن الكرملين يسعى من وراء ذلك إلى استعادة بعضًا من مكانته السابقة كقوة عظمى، ومع استخدامها أحدث طائرات السوخوي ونماذج سوفيتية قديمة، تؤكد روسيا أنها دمرت العديد من مراكز قيادة ومعسكرات تدريب إرهابيين، كما تؤكد دعمها للعملية العسكرية التي يشنها الجيش السوري النظامي.

وأقحمت روسيا أيضًا في المعركة أسطولها المرابط في بحر قزوين، وأطلقت صواريخ عابرة على أهداف تبعد أكثر من 1500 كلم، وهي سابقة ترمي بشكل واضح إلى إظهار القوة العسكرية الروسية.

ومع إطلاق الحملة الروسية، عاد فلاديمير بوتين إلى واجهة المسرح السياسي الدولي بالرغم من عزلته النسبية منذ ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية في مارس 2014 وبدء النزاع في أوكرانيا.

ويعتبر المحللون أن دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد ليس الهدف الوحيد الذي يصبو إليه الكرملين، لكن يبدو أن التدخل الروسي محاولة أوسع لمنافسة الغربيين، أو حتى ترهيبهم.

ورأى ماتيو رويانسكي مدير مؤسسة كينان، مقرها واشنطن، أن “التوترات ليست مرتبطة بسوريا أو داعش بل بالمبادئ العامة المتعلقة بالسيادة والتدخل في الخارج، والخلاف بين روسيا والغربيين ذهب إلى أبعد من المناورات الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية، ووصل إلى حد استخدام القوات العسكرية .

لكن الحملة العسكرية في سوريا تجري في وقت تواجه فيه روسيا أزمة اقتصادية خطيرة تفاقمت مع تدهور أسعار النفط والعقوبات الغربية المفروضة عليها، ويعتبر بعض المراقبين أن مثل هذه المحاولة الباهظة الثمن لاستعادة هيبتها على الساحة الدولية قد يكون وقعه كارثيًا.

وأبقى الكرملين النفقات العسكرية بمستوى مرتفع رغم تراجع عائدات الدولة مع ميزانية دفاع تقدر هذه السنة بـ46.4 مليار يورو، وهو مبلغ يوازي أكثر من 4% من إجمالي ناتجها الداخلي، إلا أن التدخل العسكري لفترة طويلة في الشرق الأوسط قد يتسبب بصعوبات اقتصادية إضافية بالنسبة لروسيا، وهو خطر يبدو أن الشعب والسلطات مستعدان لمواجهته، شرط أن يحقق غاياته على الساحة الدولية.

وقال المحلل السياسى ماميدوف إن الشعب الروسي لن يسمح بصعوبات اقتصادية لخوض حرب ضد تنظيم “داعش”، لكنه سيخوضها لهزم الغرب.

واعتبر المحلل فاسيلي كاشين أن حملة روسيا في سوريا نتيجتها محتومة وهي تدهور علاقاتها مع تركيا والسعودية وقطر المشاركة في التحالف الأمريكي الذي يشن بدوره غارات جوية في سوريا.

ومنذ الأيام الأولى للعملية الروسية تصاعد التوتر بين موسكو وأنقرة بعد أن انتهكت طائرات روسية المجال الجوي التركي، لكن الخبراء لا يعتقدون أن تدخل روسيا سيسيء بشكل دائم إلى علاقاتها مع شركائها العرب.

فيما رأى رويانسكي أنه “ليس لهذا السبب سيقرر السعوديون فجأة عدم التحادث مع الروس، فهناك كم هائل من المصالح المشتركة، والأمر سيان مع تركيا”.

الموقف الروسى فى الصحافة الامريكية والبريطانية..

تناولت صحف أميركية وبريطانية بالنقد والتحليل تدخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العسكري في الحرب التي تعصف بسوريا منذ نحو خمس سنوات، وذلك في أعقاب ما يصفه محللون ومراقبون بأنه ضعف إستراتيجية الرئيس الأميريكي باراك أوباما، وتردده في اتخاذ موقف حاسم تجاه الحرب الكارثية بسوريا، وتراجع الدور الأميريكي في الشرق الأوسط والعالم.

فقد تساءلت مجلة ذي ناشيونال إنترست الأميركية: لماذا تتدخل روسيا في سوريا؟ وقالت إن الخبير بالسياسة الخارجية أندريه ميغرانيان -وهو على اتصال بالحكومة الروسية- قال إن قرار بوتين للتدخل في الحرب المستعرة في سوريا رابح على الجهتين.

وأوضح الخبير الإستراتيجي ميغرانيان: إذا انتصر بوتين بسوريا فإنه سيكسب سمعة دولية بوصفه زعيما عالميا، وإنه في حال فشله لن يخسر شيئا، وذلك لأنه سيكون تسبب في مقتل العديد من “الأشرار” من أجل الصالح العام العالمي، وأنه إذا فشل بوتين في سوريا فإن اللوم سيقع على الولايات المتحدة وحلفائها لعدم تعاونهم مع روسيا.

أهداف متعددة..

ويرى الخبير الاستراتيجى ميغرانيان ان لدى بوتين أهداف متعددة من وراء تدخله في سوريا مثل تقوية نظام الرئيس السوري بشار الأسد ودعم القوات البرية السورية والإيرانية والعراقية التي تستعد لشن هجمات مضادة داخل الأراضي السورية.

وأشار إلى أن بوتين يهدف أيضا إلى مواجهة المتطرفين الذين سبق أن شكلوا مشكلة لروسيا وللاتحاد السوفيتي السابق، والذين يقاتلون الآن في سوريا، وسط الخشية من عودتهم ونشرهم الفوضى في روسيا نفسها.

من جانبها، نشرت نيويورك تايمز مقالا للكاتب سيمون سيباغ مونتيفيور قال فيه إن لدى بوتين دوافع متعددة من وراء تدخله بسوريا مثل إثبات الدور الروسي على مسرح الأحداث في الشرق الأوسط الذي يعود إلى جذور إمبريالية تاريخية.

كما نشرت الصحيفة مقالا للكاتب إيفان كراستيف تساءل فيه ما إذا كان بوتين يحاول تلقين الغرب درسا في سوريا، وأوضح أن الرئيس بوتين يسعى لإذلال الرئيس الأميريكي أوباما وإلحاق الضرر بسمعة الولايات المتحدة على المستوى الدولي.

حاجة العراق..

وأضاف الكاتب أن بوتين يريد أن يثبت لأميركا والغرب أنهم كانوا على خطأ عندما تسببوا في إسقاط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، وأن النتيجة كانت غرق أوروبا باللاجئين و”المتطرفين الإسلاميين”.

وعلى صعيد متصل، نشرت مجلة فورين بوليسي الأميركية مقالا للكاتبين نسيبة يونس وأندريا تيلور تساءلا فيه عن سر حاجة العراق للدعم الروسي، وقالا إن السبب يعود للتردد والتباطؤ الأميريكي في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية الذي يسيطر على مساحات شاسعة من البلاد.

من جانبها، أشارت صحيفة ذي ديلي تلغراف البريطانية إلى أن تنظيم الدولة يتقدم في سوريا لفرض سيطرته على مناطق في حلب بعد تعرضها للقصف الروسي الذي يستهدف قوات المعارضة المناوئة لنظام الأسد والتي توصف بالمعتدلة.

آراء بعض الكتاب المتابعين لمسار الأزمة..

سلامة كيلة، كاتب ومفكر فلسطيني

التدخل الروسي في سورية جاء لدعم نظام بات واضحاً أنه يضعف ويخسر، بعد التقدم العسكري في الجنوب والشمال الغربي خصوصاً في سهل الغاب. ولهذا تمركزت الغارات الروسية على الجيش الحر الذي تقدم في هذه المناطق، وكما يبدو هي مقدمة لتقدم قوات إيرانية ومن حزب الله لإعادة السيطرة على مناطق خسرها النظام خلال السنة الحالية.
وبهذا فإن هذا التدخل يخدم النظام ولا يخدم سورية، لأنه يؤدي بالضرورة إلى استمرار الصراع تحت حجة تعديل ميزان القوى، وزيادة الدمار والقتل والهجرة. روسيا تأتي بعد أن باتت قوى إيران وحزب الله وكل الميليشيات التي قدمت لحماية النظام، عاجزة عن الحفاظ على بقائه، وأن ميزان القوى العسكري قد تغير بما يظهر ضعف كل من النظام وإيران في سورية. رغم أن هذا التعديل كان يهدف إلى إقناع روسيا وغيران بضرورة الحل السياسي بدون بشار الأسد.
لم يأت هذا التدخل نتيجة ضعف أميركا، بل نتيجة ربما خطأ تكتيك أميركا التي منعت تقدم الثورة بعد أن منعت امدادها بسلاح متطور خصوصاً ضد الطائرات، لأنها كانت تعمل على تحقيق حل روسي أميركي لمصلحة دور روسي أساسي في سورية. ولهذا وجدنا أنها تفاجأ بهذا الدور الروسي، الذي يبدو أنه لم يكن محسوباً انطلاقاً من شغل أميركا على مساعدة روسيا للسيطرة على سورية. بالتالي لم يكن استدراجاً أميركا لروسيا كما حدث في أفغانستان، رغم أن تشدد روسيا واستمرار غطرستها، والتشدد في حماية النظام، بالتالي رفض تحقيق الحل السياسي، يمكن أن يقود إلى جرّ روسيا إلى حرب كما حدث في أفغانستان، لأن الدور الروسي سوف يقود إلى ردود فعل من قوى أخرى مثل تركيا والسعودية وحتى أميركا، تدفع لتعزيز دور الكتائب المسلحة، وربما حتى تعزيز دور داعش رغم أنه الغارات الروسية لم تستهدفها، وربما لن تستهدفها، حيث تريد مواجهة تقدم قوى الثورة وليس داعش.
إن مشكلة النظام ليست في “خطر” داعش، بل هي لا تحاربها، بل مشكلتها مع الشعب والثورة، وكذلك نلمس بأن مشكلة الشعب باتت تتحدد في مواجهة النظام لكن كذلك في مواجهة داعش والقوى الأصولية التي لا تقاتل النظام بل تقاتل ثورة الشعب.

محمد المختار الشنقيطي، باحث ومحلل سياسي موريتاني

كتب أحد منظري مؤسسة (راند) الأميركية منذ أكثر من نصف قرن: “إن أهدافنا ليست مناقضة لأهداف عدوِّنا.” وما نراه اليوم من تدخل روسي في سوريا هو تحقيق لأهداف أميركية بعضلات روسية. فالأميركيون بما ورِثوه من خبرات الاستعمار الأوربي للمنطقة، وباطِّلاعهم على دواخلها، أوعى من الروس باللعبة الاستراتيجية في سوريا. وليس سرا أن الأميركيين مسرورون بالتدخل الروسي، ويرونه فرصة للكفكفة من عنجهية بوتين.

وقد عبر توماس فريدمان في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز أمس (30/09/2015) عن الانتهازية الأميركية في التعامل مع مغامرة بوتين في سوريا فقال: “إن بوتين سيواجه غضب العالم الإسلامي بأسره، بما فيه المسلمين الروس”. وسيجد نفسه في وضْع “مَن تسلق شجرة لا يستطيع النزول منها.” وأضاف: “إن تسُّرع بوتين للتورط في سوريا ربما هو الذي سيرغمه في النهاية إلى البحث عن حل سياسي هناك.”

فالمنطقة العربية -من وجهة النظر الأميركية- فيها فائض من البشر وفائض من التدين الإسلامي يجب تقليصه بأي وسيلة. والثورة السورية مَصْهرةٌ معينة على استنزاف كل الأطراف غير المرغوب فيها من الأعداء و”الحلفاء”: من السلفية الجهادية السنية إلى الميليشيات الشيعية، ومن إيران إلى تركيا، ومن دول الخليج إلى روسيا. لكن روسيا كانت خارج دائرة هذا الاستنزاف. وليس من المبالغة القول إن جريمة أميركا في حق السوريين لا تقل فظاعة عن جريمة روسيا، لأن أميركا هي التي منعتهم السلاح النوعي والمنطقة الآمنة، فقضت على ثورتهم بالتحول مذبحة مفتوحة.

فالجديد في التدخل الروسي في سوريا هو أن روسيا انضموا إلى الأطراف المستنزَفة في سوريا. لكن العرب والأتراك هم الذين يدفعون الثمن الأفدح لهذه المصهرة الأميركية-الروسية-الإيرانية. فإما أن يواجهوا العنجهية الروسية بحزم، بعيدا عن المظلة الأميركية المخادِعة، من خلال تزويد الثوار السوريين بالسلاح النوعي والمال والخبرة التخطيطية، وإما أن يخضعوا للمنطق الروسي الإيراني، وهو ما يعني أن الحريق سيتوسع ليلْتهم دول الخليج وتركيا. إنها لحظة حرجة وضعت القضية السورية على مسار جديد سيَغرق فيه العرب والأتراك، أو ينقذوا أنفسهم بأنفسهم.
عبد الفتاح ماضي، كاتب وباحث أكاديمي

المسألة السورية جزء من مسألة أكبر بالمنطقة تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى وهي تجزئة المنطقة ودعم نظم حكم الأقلية (الطائفية، القبلية، العسكرية..) والاستخفاف بمطالب الشعوب. ووصل الأمر في سوريا لصراع نفوذ متعدد الأطراف واتفاق الغرب والشرق على “سوريا علمانية” كما عبّر وزيرا خارجية روسيا وأمريكا. وهذا يعني بالنسبة لشعوب المنطقة محاربة كل من يعبر سياسيا عن الإسلام السني المعتدل وغير المعتدل، أي غالبية الشعوب بالمنطقة. هذه الأطراف لا تريد لا فهم حقيقة الصراع بسوريا ولا تداعيات حكم الأقليات وإشعال الحروب الأهلية بالمنطقة.
في حالات مشابهة وفي سياقات سياسية مختلفة تظهر حركات سياسية، تمتلك قدرا من الوعي الجمعي، وتعمل كحركات مقاومة أو تحرير، وتحارب سياسات الهيمنة والتمييز بكل الطرق المشروعة، وعادة يكون لها قيادة موحدة وأجنحة سياسية وعسكرية. لكن في منطقتنا ونظرا لطبيعة النظام الدولي الحالي لم تظهر حركة سياسية واعية، بل وامتلأت الساحتان السورية والعراقية بحركات عنف متنافسة.
ولهذا يجب التعويل على الشعوب العربية التي عليها الاستمرار في نضالها السلمي ضد الاستبداد والتبعية بكافة الطرق بما في ذلك العصيان المدني، وإعادة تصدير الصراع على حقيقته ليعكس النضال لأجل الكرامة والحرية والعدل والهُوية ونبذ التجزئة والسعي نحو الوحدة، وتوحيد الخطاب بكل الأقطار العربية، والتركيز على آليات تحقيق هذه المطالب وتغيير نمط ممارسة السلطة وتمكين الشعوب، وإفراز قيادات وهيئات تعمل لهذا وتنسق بينها.
ولا بد من التواصل مع القوى الحية بالغرب للعمل على المستوى الشعبي للضغط على الحكومات لتعترف بعدالة مطالب الثورات العربية وبمسؤولية الغرب عن مآسي المنطقة بدءا من تقسيمها ودعم حكم الأقليات المستبدة وحتى دعم الثورات المضادة مرورا بمشكلة فلسطين وتدمير العراق وسوريا، ومطالبتها بالكف عن معاييرها المزدوجة تجاه فلسطين ورفع الدعم عن الأنظمة المستبدة. وفي سوريا، يكون الضغط باتجاه إحالة ملف جرائم الحرب هناك من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو اللجوء للجمعية العامة للأمم المتحدة استنادا لقرار الإتحاد من أجل السلام، ورعاية مؤتمر دولي لإقامة مجلس حكم انتقالي حسب مبادئ بيان جنيف.

التدخل الروسي بسوريا يغير قواعد اللعبة..

أعلنت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني، أن التدخل العسكري الروسي في سوريا الذي يؤمن دعما عسكريا وسياسيا لنظام بشار الأسد “يغيّر قواعد اللعبة”. مشيرة إلى أنه “ينطوي على جوانب مثيرة للقلق”.

أما وزيرة خارجية السويد، ماغو والستروم، فاعتبرت، أن “الوضع ازداد تعقيدا في سوريا، ويجب تشجيع روسيا على الاضطلاع بدور في المسار السياسي بدلا من التدخل العسكري”.

بدوره، شدد وزير الشؤون الأوروبية الفرنسي، هارليم ديزير، على ضرورة “الوصول إلى الانتقال السياسي من دون مشاركة الأسد”، مضيفاً: “هناك حاجة إلى مقاربة شاملة تدمج عناصر مكافحة الإرهاب الذي يستهدف الأقليات وشعوب المنطقة، الانتقال السياسي، ورحيل الأسد، ودعم اللاجئين في الأردن ولبنان وتركيا”.

وفي هذا السياق، ذكّر ديزير أن الاتحاد الأوروبي قدّم حتى الآن أكثر من 4 مليارات يورو للاجئين. وتابع: “الانتقال السياسي شرط للسلام، ويجب أن يتم ذلك من دون مشاركة الأسد”.

أما وزير خارجية سلوفاكيا فاعتبر أن “الأسد جزء من الواقع ويجب أخذه بعين الاعتبار”، مضيفاً أن “تدخل روسيا أمر واقع اليوم، وعلى الاتحاد الأوروبي إطلاق حوار مع موسكو”.

موقف الشعب الروسي من التدخل العسكري في سوريا ..

يهيمن على البرامج الحوارية بالقنوات التلفزيونية المملوكة للدولة في روسيا الحديث عن الصراع في سوريا من خلال رسالة تؤكد عليها تلك الفضائيات ومفادها بأن سياسة دول الغرب في التعامل مع الأزمة في سوريا فشلت، بينما هب الرئيس فلاديمير بوتين لإنقاذ الموقف.
ويتلقى أغلب الروس الأخبار عبر التلفاز، ما أدى إلى ترسيخ رسالة الرئيس بوتين في أذهان الكثيرين.

مركزليفادا الروسى المستقل أجرى استطلاع رأي في موسكو كشف أن 72 في المئة من الروس يؤيدون الضربات الجوية في سوريا.

ويُعد ذلك تحولا كبيرا في اتجاه الرأي العام الروسي مقارنة بنتيجة آخر استطلاع رأي أُجري بهذا الشأن قبل إطلاق الحملات العسكرية والإعلامية الداعمة لهذه الضربات الجوية عندما عارضتها الأغلبية.

وبالطبع تعتبر نتائج استطلاع الرأي الأخير مطمئنة للرئيس بوتين، الذي يستغل الحملة للعسكرية في سوريا للظهور في صورة الرجل القوي بالإضافة إلى التأكيد على وجود روسيا على خريطة القوى الدولية.