بقلم: محمد عبدالهادي علام

لم يكن وقت الإعداد لمعركة العبور ماثلا وحاضرا في الواقع المصري المعاصر مثلما هو حاضر منذ 25 يناير 2011 وحتى اليوم. فالتحضير للعبور العظيم في عام 1973 كان ملحمة كبرى بكل المقاييس العسكرية والتعبوية وتهيئة الجبهة الداخلية اعتماداً على العمل والتضحية والصبر وقدرة القيادة على اتخاذ القرارات السليمة في الوقت المناسب، ولعل نموذج الضغوط التي مورست على الرئيس الراحل محمد أنور السادات قبل حرب أكتوبر من أجل الإسراع في إصدار قرار الحرب لتحرير الأرض، خاصة من جانب قطاعات من الشباب، يمثل درساً في عملية الاستيعاب وامتصاص الحماس الزائد، وربما المتسرع في التعامل مع قضايا وطنية في توقيتات بالغة الصعوبة والحرج.

نحن في

معركة مقدسة جديدة من أجل النمو والتنمية تحتاج إلى تجميع القدرات ووقف إهدار الطاقات فيما لا يجدي ولا ينفع في وطن عانى بشدة في السنوات القليلة الماضية برغم الثورات الشعبية التي خرجت رافعة شعارات العدالة الاجتماعية والحرية والعيش الكريم، فإن التناحر والرغبة في الاستئثار بالسلطة والثروة باسم الدين أزهقا فرصا الواحدة تلو الأخرى، ولولا الإنقاذ في الخروج الكبير في 30 يونيو لكانت الأوضاع قد وصلت إلى طريق اللاعودة. إن إحياء روح أكتوبر تتمثل اليوم في عدد من القيم علينا أن نضعها نصب أعيننا.

الصبر

رحلة الرئيس عبد الفتاح السيسي مع السلطة السياسية بعد ثورة الشعب ضد جماعة الإخوان تحمل الكثير من الدلالات الواضحة عن تفاعل المجتمع مع التغيير أو الرغبة في التغيير، فقد كان الرجل صريحا في تأكيده أننا جميعا شركاء في المسئولية، وأنه لا يملك عصا موسى لتغيير الأوضاع في فترة زمنية قصيرة، ويعمل وفقاً لمسار متدرج للإصلاح ولم يقل للرأي العام إنه سوف “يدوس على زر فينقلب الحال من “خرابة” على حد تعبير الرئيس الأسبق حسني مبارك نفسه إلى جنة”، فكل ما يروجه البعض من المعارضين لمسار البلاد بعد 30 يونيو عن وعود قاطعة ما هو إلا كذب وتضليل وتزييف وتدليس لا يعبر عن حقيقة لغة خطاب السيسي إلى المصريين بعد استدعائه لمهمة وطنية وصل فيها إلى الرئاسة بأغلبية ساحقة.

هناك حالة إنكار جديدة لأوضاعنا تلوح في الأفق يقوم بتكريسها بعض التيارات السياسية والدينية وقلة من الأصوات الصاخبة من أصحاب الضمائر الخربة التي لا تعي خطورة ما تفعل في بلد لا يستحق كل أشكال المتاجرة الرائجة حالياً…. لم يقل لكم أحد إن البلد لايحتاج إلى معارضة أو أن الرئيس وحكومته يضيقان بما ترددون أو يتستران على وقائع شائنة بدليل أن واقعة القبض على وزير الزراعة في واقعة الرشوة جاءت فورية وبلا تردد ودون حساب لإحراج السلطة السياسية على الإطلاق…. البعض يتعامل مع الوضع الحالي كما لو كان الرئيس قد تسلم الأوضاع وكل شئ رائع…. ولو كانت الأوضاع جيدة أو مقبولة فلماذا خرج الناس في ثورة 25 يناير؟

مما جرى في حرب أكتوبر والتحضير للمعركة فإن القرارات الصحيحة في غير أوانها لا تحقق أهدافها، مثلما تصدر قانونا صحيحا لمعالجة قضايا ملحة بينما آليات تحقيقه عاجزة عن تحقيق الأهداف المرجوة وفيما جرى في الفترة الماضية درس في الاتجاه المشار إليه على الحكومة الجديدة أن تعيه جيداً.

ولعل في قضية وزير الزراعة السابق وما يعرف بـ”القضية 250″ وملابسات كل منهما التي رفعت سقف توقعات الرأي العام فيما يخص معركة الدولة ضد الفساد واستعجال الرأي العام نتائج التحقيقات خير دليل.. فمثل هذه القضايا ليست في حاجة إلى قرارات متسرعة بل إلى قرارات صحيحة في الوقت المناسب نظرا لما شاع عن أنهما تتضمنان شخصيات كثيرة وأسماء كبيرة.

العمل

في معركة البناء والتنمية، حدد الرئيس عددا من المشروعات الوطنية التي بدأ بها مرحلة بث الثقة من جديد في الاقتصاد المصري وتواكبت معها تحركات على الصعيدين الإقليمي والخارجي من أجل حشد الدعم وتشجيع الاستثمارات المباشرة ونقل خبرات دولية للواقع الداخلي وعلى رأسه تطوير منظومة العمل الإداري في الحكومة بما يحقق نقلة سريعة في الأداء تختصر المسافات وتعين قوى الإصلاح على الظهور في مواجهة القوى المعطلة داخل أجهزة الدولة نفسها.

من هنا كانت قناة السويس الجديدة ومشروعات شبكة الطرق القومية ومشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان وتحديث البنية التحتية…. وألف باء الاقتصاد الحديث يقول إن ما تفعله اليوم يظهر أثره في فترة زمنية تتراوح ما بين ثلاث أو أربع سنوات على الأقل وليس كما يردد بعض الجهلة على شاشات الفضائيات أو في منابر إعلامية مغرضة في الداخل والخارج وأكثرهم ممن عملوا مع أنظمة سابقة وكانوا طرفاً أصيلا في حالة التردي التي وصلنا إليها. وينسى هؤلاء الجهابذة أن يقولوا للمواطنين إن ثقافة العمل في حاجة إلى تغيير وإن أي فرصة في أي اتجاه يجب أن تستثمر. هناك بالفعل فرص عمل لا تجد من يشغلها والبعض يستكبر عليها ولا يقدر الظروف الراهنة مثل مشروعات الطرق القومية، وحتى مشروع قناة السويس الجديدة وتوسعات القناة فقد كانت هناك فرص عمل بمرتبات تتراوح ما بين ألفين وخمسة آلاف جنيه شهريا للوظيفة الواحدة ولم يتقدم الكثيرون كما كان متوقعاً وهي ظاهرة عجيبة حيث تغرق بعض الفئات في أوهام الحصول على كسب العيش دون فعل أو جهد!

لتقديم قيمة العمل على قيم التكاسل والاتكال على حائط الدولة، يستوجب على الدولة أيضا إعلاء قيمة العمل بتقديم النماذج القدوة التي تلهم قطاعات الشباب للمشاركة في الحياة العامة بإيجابية أكثر من خلال إعلام “حقيقي” وليس إعلاما تجارياً ولن يقوم بدور الإعلام الحقيقي سوى أجهزة الإعلام العام المملوكة للدولة التي تنتظر من يكسر طوق الحصار حولها ويقدمها بصيغ جديدة وبرؤى مختلفة عن الماضي. كما أن دور وزارة الثقافة في حاجة إلى تنشيط حقيقي يخرجها من دولاب البيروقراطية. والأهم إصلاح منظومة التعليم العام التي طال انتظارها والتي لابد أن تمثل أولية لا يجب أن تتقدمها أولويات أخرى في برنامج عمل الحكومة الجديدة. وبرنامج العمل لن يتأتى دون رؤية للمشروعات الكبرى المرجوة وإحالة كلام الرئيس وتصوراته عن المستقبل إلى رؤية سياسية جامعة…. فلو نظرنا إلى سنوات الستينيات، سنجد الزعيم جمال عبد الناصر قد أقام الألف مصنع في إطار رؤية سياسية تنطلق من مسئولية الدولة عن توفير المأوى وفرص العمل ودعم الفقراء والعدالة الاجتماعية.

التضحية

يرتبط بما سبق عن إعلاء قيم العمل، أن نستلهم من جديد قيمة التضحية من حرب أكتوبر وما بعدها من تضحيات كثيرة للضباط وضباط الصف والجنود على مدى خمسة عقود من حرب الاستنزاف إلى الحرب على الإرهاب والفساد ولعل ما قاله الرئيس السيسي بشكل عفوي عن حصول رجال القوات المسلحة على نصف رواتبهم في الفترة ما بين عامي 1992 و2012 تؤكد الرؤية الصائبة التي استندت إليها القوات المسلحة المصرية في التعامل مع التحديات، فقد كان المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع الأسبق يقرأ خريطة الداخل والخارج جيدا وكان يضرب المثل للضباط دائما بأن مصر هي “قلب الخرشوفة” التي لو سقطت ثمرتها لتم التهامها على الفور. وليس سراً، أن المشير طنطاوي في كل لقاءاته مع قيادات الجيش وفي كل الاتجاهات الاستراتيجية كان ينبه رجال القوات المسلحة إلى خطورة ما هو قادم وكان القادة يتفهمون ما يقصد وقبلوا عن طيب خاطر نصف الراتب.

لقد كانت قيادة القوات المسلحة تتحسب لتوابع مشروع التوريث السياسي وللاختراق الخارجي ولم نسمع بتلك التفاصيل عن الرواتب إلا عندما تحدث الرئيس السيسي في الاحتفالات بذكرى حرب أكتوبر الـ42، وطوال تلك السنوات لم نسمع عن تبرم أو شكوى أو حتى حوارات جانبية من قيادات القوات المسلحة في الأمر ولم يتطرق إلى المسألة أي من قيادات الجيش رغم ما تعرضوا له من سب وشتم وهتافات رديئة بعد أسابيع من ثورة 25 يناير التي خرج الجيش خلالها انحيازا للشعب ولدعم خياراته…. ولم يحمل الجيش كرها أو حقدا لتصفية حسابات مع أحد وتفرغ لمواجهة أعداء الوطن في سيناء وحماية حدود بلده وها هي الثمار في عملية حق الشهيد تأتي على قدر النوايا الطيبة والفعل الصادق بتحقيق إنجازات كبيرة على صعيد مواجهة قوى الإرهاب في الأسابيع الأخيرة.

الأمر الثاني، أن الجيش كان يتحسب ليوم يكون فيه هو الملاذ والملجأ للشعب حفاظا على الوطن وهو ما حدث، فقد تم ضخ حوالي 12 مليار جنيه من أموال الضباط وضباط الصف والجنود في شرايين الاقتصاد المصرى لمنع الانهيارات بعد ثورة يناير.

والأمر الثالث، ضرورة تسليح الجيش وتنويع مصادر تسليحه رغم الصعوبات المالية وهو ما حدث على عدة مراحل لاحقاً…. فقد كنا نتساءل عن كيفية تدبير أموال لصفقات رافال والفرقاطة بريم وحاملة الطائرات مسترال وأسلحة أخرى حديثة ومتطورة في الطريق، وكان الجيش المصري جاهزاً لتغطية تلك الصفقات مع دعم من أشقاء عرب.

هناك يجب أن نتذكر جيدا أن رجال القوات المسلحة ضحوا بنصف رواتبهم لمدة عشرين عاما وحافظ الجيش على مشروعاته الوطنية في وقت كانت شركات الدولة وأراضيها ومصانعها تباع بأرخص الأسعار لصالح طبقة المنتفعين من النظام السابق، كما يجب أن نتذكر أيضا معركة الجماعة الإرهابية خلال وجود مندوبها محمد مرسي في قصر الرئاسة من أجل السيطرة على مشروعات الجيش الوطنية… مايؤكد أن حكم هذه الجماعة لم يكن سوى امتداد لزمن مبارك في تنفيذ أجندات خارجية تستهدف جيوش المنطقة وفي القلب منها الجيش المصري.

هذا يعود بنا إلى قضية المحاسبة وضرورة أن تكون هناك سلطة قانون حقيقية ترصد مخالفات الماضي وتحاسب هؤلاء ولو كان الحساب عن ضرائبهم في الفترات السابقة، أو وفقا لقانون من أين لك هذا؟ فعلى الأقل نقول للشعب إن هناك من تحرك دون خوف حفاظا على أملاكه العامة.

كما شكل كلام الرئيس السيسي رسالة مهمة لمن يعملون في الدولة ويريدون مرتبات دون عمل أو إجادة في العمل ويسعون وراء حوافز أو زيادات في الرواتب دون معدلات إنتاج حقيقي بينما من يذودون عن الوطن يضحون بأرواحهم ويقبلون بالأقل تقديراً لحال البلد ومشكلاته.

نقلا عن جريدة الأهرام