إعداد : سميحة عبد الحليم

لم تفكر في الانتقام ولكنها آثرت البناء،انغماسهم بالتفكير في المستقبل شغلهم عن التفكير في الماضي.انها اليابان والتى أصبحت القوة المسيطرة

في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ ، مما دفع بعجلتها الاقتصادية إلى الأمام بسرعة فائقة ، وتحولت إلى امبراطورية عظمى.
ولعل النقلة النوعية التي أحدثها الشعب الياباني في التاريخ المعاصر ،تعتبر نموذجا يحتذى من قبل شعوب العالم .

مر نحو 70 عاما على كارثة هيروشيما وناجازاكى تلك الحرب النووية التى شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على مدينتى هيروشيما

وناجازاكى اليابانيتين فى عام 1945، أى فى أعقاب الحرب العالمية الثانية والتى راح ضحيتها نحو 140 ألف شخص فى أول هجوم نووى فى

العالم.
,بمناسبة الذكرى السبعين على وقوع تلك المأساة، أحيا سكان مدينة هيروشيما اليابانية ذكراهم فى موكب حاشد على أضواء الفوانيس المضاءة

وتلاوة الصلوات عند النصب التذكارى لتلك المذبحة.

وكانت الهزيمة التي لحقت باليابان في الحرب العالمية الثانية قد أثارت في نفوس أبنائه الغيرة على بلادهم ، وألهبت الحماس في صدور شبابه

والحرص على بناء مستقبلهم وتعزيز مكانتهم بين دول العالم . ولهذا صمموا على البحث عن سبل التقدم والرقي ، مدركين بأن لا سيادة لهم إلا

بالعلم وباليد العاملة ، فأصبحت دولتهم رائدة في الصناعات والاختراعات التقنية في العالم ، واستطاعت أن تنهض من تحت الركام ، لتبني

اقتصادا وتقدما نموذجيا تقتدي به الكثير من الدول .
التاريخ أثبت قدرة اليابان على النهوض، فبعد كارثة هيروشيما والحرب العالمية الثانية استعادت اليابان عافيتها، لتصبح من أكبر الكيانات

الاقتصادية والصناعية والمعرفية في العالم.
بالعزيمة والإرادة تمكنت اليابان من النهضة بعد ان اقتنعت  بأن طريق النهضة ليس في التوسع باستخدام القوة العسكرية ، بل أنه يكمن في

الإنسان الياباني نفسه داخل حدود بلاده .

كارثة هيروشيما ونجازاكى ..

في نهاية الحرب العالمية الثانية في أغسطس 1945، قامت الولايات المتحدة بقصف مدينتي هيروشيما وناجازاكي باستخدام قنابل نووية بسبب

رفض تنفيذ إعلان مؤتمر بوتسدام وكان نصه أن تستسلم اليابان استسلاما كاملا بدون أي شروط، إلا أن رئيس الوزراء الياباني سوزوكي رفض

هذا التقرير وتجاهل المهلة التي حدَّدها إعلان بوتسدام.
وبموجب الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس هاري ترومان، قامت الولايات المتحدة بإطلاق قنبلة نووية تدعى
“الولد الصغير” على مدينة هيروشيما فى السادس من  أغسطس عام 1945 م،. ثم تلاها إطلاق قنبلة  تدعى
“الرجل البدين “على مدينة ناجازاكي في التاسع من الشهرنفسه .
وكانت هذه الهجمات هي الوحيدة التي تمت باستخدام الأسلحة النووية في تاريخ الحرب.

اسفر القصف عن قتل ما يصل إلى 140،000 شخص في هيروشيما، و80،000 في ناجازاكي بحلول نهاية عام 1945، متأثرين بالجروح أو

بسبب آثار الحروق، والصدمات، والحروق الإشعاعية، يضاعفها الأمراض، وسوء التغذية والتسمم الإشعاعي.
ومنذ ذلك الحين، توفي عدد كبير بسبب سرطان الدم  والسرطانات الصلبة والتى تأتي نتيجة التعرض للإشعاعات المنبثقة من القنابل.
وبعد ستة أيام من تفجير القنبلة على ناجازاكي، في الخامس عشر من أغسطس، أعلنت اليابان استسلامها لقوات الحلفاء. حيث وقعت وثيقة

الاستسلام في الثاني من شهر سبتمبر، مما أنهي الحرب في المحيط الهادئ رسمياً، ومن ثم نهاية الحرب العالمية الثانية.
وجعلت التفجيرات اليابان تعتمد المباديء الثلاثة غير النووية بعد الحرب، والتي تمنع الأمة من التسلح النووي.

مشروع مانهاتن..

كانت الولايات المتحدة بالتعاون مع المملكة المتحدة وكندا قد قاموا  بتصميم وبناء أول قنبلة نووية في إطار مشروع مانهاتن. وصُنعت قنبلة

هيروشيما، وهي قنبلة ذات انشطار مُصوَّب  من اليورانيوم  .

اختيار الأهداف ..

في مايو عام 1945، رشحت لجنة تحديد الهدف ، كيوتو، وهيروشيما، ويوكوهاما، وكوكورا كأهداف محتملة.
لم تتأثر هذه المدن خلال الغارات الليلية وهجمات الجيش، ووافق سلاح الطيران على حذفهم من القائمة المستهدفة حتى يتم تقييم السلاح بدقة.

وكانت هيروشيما توصف بأنها “مستودع عسكري هام وميناء يمكن المغادرة من خلالها في وسط منطقة صناعية حضرية. كما أنها هدف

راداري مهم، وحجمها كبير بحيث سيتعرض جزء كبير من المدينة لأضرار جسيمة. وستؤدي التلال المجاورة إلى إحداث تأثير تركيزي، ومن

ثم زيادة ضرر الانفجار. ولكن وجود الأنهار لا يجعلها هدفاً مثيراً للنيران.”
كان الهدف من استخدام هذا السلاح هو إقناع اليابان للاستسلام دون شروط، وفقاً لما جاء في إعلان بوتسدام. وذكرت لجنة تحديد الأهداف أن

للعوامل النفسية أهمية كبيرة في اختيار الهدف. ومن هذه الجوانب:
التأثير النفسي على اليابان بقدر المستطاع،  وجعل الاستخدام الأولي للسلاح مثيراً، وذلك ليعترف العالم أجمع بأهميته عندما يتم إطلاقه.

إنذار بوتسدام..

في السادس والعشرين من شهر يوليو، أصدرالرئيس الامريكى  ترومان وغيره من زعماء التحالف إعلان بوتسدام الذي يحدد شروط استسلام

اليابان. وقد تم تقديمه بمثابة بلاغ نهائي. فإذا لم تستسلم اليابان، سيهاجم الحلفاء البلاد وسيؤدي ذلك إلى “التدمير الحتمي والكامل للقوات المسلحة

اليابانية والوطن بأكمله”. ولم يذكر البيان أي شيء عن القنبلة الذرية. وفي الثامن والعشرين من شهر يوليو، أعلنت الصحف اليابانية أن الحكومة

قد رفضت إعلان بوتسدام.
وفي مطلع شهر يوليو، أعاد ترومان النظر في استخدام القنبلة النووية أثناء ذهابه إلى مدينة بوتسدام. وفي النهاية، قرر ترومان مهاجمة اليابان

باستخدام القنابل النووية. وأعلن عن نيته في إصدار أوامره بشن الهجوم بحجة إنهاء هذه الحرب سريعاً عن طريق إلحاق الدمار وزرع الخوف

داخل الشعب الياباني، ومن ثم إرغام البلاد على الاستسلام.

استسلام اليابان واحتلالها ..

في الثاني عشر من شهر أغسطس  عام 1945 م، أبلغ الإمبراطور العائلة الإمبراطورية بقراره بالاستسلام وأشار هيروهيتو في تصريحاته :

يملك العدو سلاحاً جديد ومريب يستطيع حصد العديد من الأرواح البريئة وتدمير البلاد. فإذا استكلمنا القتال، سيؤدي ذلك إلى القضاء على

اليابانيين والحضارة الإنسانية ككل. وبالتالي، كيف لنا أن نحمى ملايين المواطنين من الموت المحتوم  ولذلك، فقد قمنا بإعلان استسلامنا.

ونتيجة المعاناة التي سببها القصف، تسعى اليابان للقضاء على استخدام الأسلحة النووية في العالم منذ ذلك الحين، وإصدار واحدة من أقوى

السياسات غير النووية.

لقد كانت القنبلة الذرية  أكثر من سلاح دمار شامل ; فقد كانت سلاح نفسي.
وكان دور التفجيرات في استسلام اليابان والتبريرات الأخلاقية الأمريكية لاستخدام هذه الأسلحة  موضوع المناظرات العلمية والشعبية على مدى

عقود عديدة.و انقسم العلماء في هذا الصدد على مر أربعة عقود.
حيث أكَّد مؤيدو استخدام تلك القنابل أنها تسببت في استسلام اليابان، ومنعت وقوع خسائر على الجانبين خلال الغزو المخطط لليابان بينما قال

المعارضون أن ذلك كان ببساطة امتداداً لحملة التفجيرات التقليدية الشرسة، وبالتالي لم يكن هناك سبب عسكري لاستخدام تلك القنابل. وهي

تعتبر بطبيعتها جريمة غير أخلاقية، وجريمة حرب، وشكلاً من أشكال الإرهاب الدولي.

حقائق عن قنبلتي هيروشيما وناجازاكي :

– لم تكن الولايات المتحدة  مضطرة لضرب مدينة ناجازاكي بالقنبلة الثانية ولكن جرى اقناع الرئيس الامريكي بأن ضربها هام جدا رغم

التأكيدات بان الضربة الأولى ستدفع اليابان للانسحاب المباشر ولكن كان مهما محو ناجازاكي وذلك بطلب من علماء المفاعلات وذلك لأن القنبلة

الأولى كان تأثيرها يعتمد على انشطار النواة بينما القنبلة الثانية تعتمد على اندماج النواة وكان يجب مقارنة التأثير بين القنبلتين حيث جرى

اختيار المدينة الثانية المستهدفة بعناية فائقة حيث تساوي تقريبا نفس مساحة هيروشيما وعدد السكان أيضا قريب للغاية.

–  رفض الرئيس الامريكي وقتها استخدام القنبلة النووية  لضرب هيروشيما ولكن الجنرالات أقنعوه بسببين لضرب تلك المدينة اليابانية وهما أنه

يجب تجربة ذلك السلاح الفتاك على أرض الواقع كذلك يجب ابعاد اليابان من المعركة وكان كل ما يخشاه الرئيس الامريكي وقتها ان العالم

سيطلق عليه لقب سفاح الكون.

– ولم يعلم اليابانيون أن محو مدينة هيروشيما من الوجود ناتج عن قنبلة نووية وإنما عن قيام أمريكا بإغراق المدينة ببودرة الماغنيسيوم الحارقة

إضافة إلى ألاف الطائرات التي شنت غارات استخدمت فيها قنابل حارقة ولم تكتشف الحقيقة إلا عندما أعلنت واشنطن أنها استخدمت ذلك

السلاح الفتاك..ولمن لا يتخيل حجم الدمار الذي لحق بهيروشيما يمكن بشكل مبسط أن ينظر إلى السيجارة بعد اشتعالها وما تبقى منها من عملية

الاحتراق ليعرف أن الشجر والبشر والحجر كان كله سواء بهذا الشكل.

– لجأت الولايات المتحدة بعد أن أنهت الحرب لصالحها  إلى دراسة ما حدث على اليابانيين من تحولات جسدية نتيجة التأثر بالإشعاع

واستخلاص النتائج في إيجاد علاج لكثير من الحالات.

– فجرت الولايات المتحدة  قنبلة هيروشيما قبل ارتطامها بالأرض بثلاثة كيلومترات كي تحدث أكبر قدر من الدمار بحيث تستفيد من الحرارة

المرتفعة التي تنطلق من السماء.

– كانت القنبلة قبل انطلاقها من الطائرة  متوقفة تماما عن العمل حتى قام الضابط الذي يملك مفاتيح تشغليها بتركيبهم وهنا أصبحت معدة

للاستخدام.

تحدى .. ما بعد الانفجار

أصبحت هناك مهمة شاقة على اليابانيين في الأيام التالية للانفجار.فعلى الرغم من الصدمة وعدم القدرة على استيعاب ما حدث بدأت عمليات

جمع الجثث وحرقها ثم بدأت عملية أكثر صعوبة في القيام بتنظيف آثار الحطام والركام الناتج من المباني المحطمة.
وكان على اليابانيين أن يقوموا بعملية تنظيف لمساحة تبلغ حوالي 2,4 مليون متر مربع وتم هذا بالفعل على مدار أربع سنوات كاملة.
بعد هذا بدأت الحياة تعود للمدينة، بشكل متقطع لكن ببطء شديد ولتسيطر على غالبية السكان مشاعر الانتقام.

من هنا فإن التحدي في إعادة بناء المدينة لم يكن فقط من ناحية البنية االاساسية كالمباني والمنشآت والمساكن، ولكن من الناحية النفسية والعاطفية

أيضًا. كيف يمكن إزالة المشاعر السلبية للسكان وسط كل مشاعر الغضب والصدمة وتحويلها لمشاعر إيجابية تعيد بناء المدينة من جديد.
كل هذا كان مصحوبًا بحكومة أجنبية تتولى إدارة شئون البلاد تم تسميتها بحكومة الاحتلال والتي ترأسها الجنرال الامريكي دوجلاس ماكارثر

كقائد أعلى لقوات التحالف.
وكانت  أيضًا  هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تقع اليابان تحت الاحتلال المباشر، حيث لم يسبق لليابانيين أن شعروا بمهانة وذل الاحتلال

والسيطرة من قبل قوات أجنبية.

بداية النهوض..

بعد إزالة آثار الانفجار والحطام من المدينة كانت هيروشيما في أمس الحاجة إلى الأموال من أجل عملية إعادة البناء.
وبعد طلبات متكررة من المدينة لحكومة الاحتلال وافقت الأخيرة على السماح بجمع تبرعات وطنية خاصة للمدن المدمرة بشدة طالما كانت لديها

خطة معقولة لإعادة الإعمار.

جدير بالذكر أن البرلمانيين في مدينة هيروشيما تعاملوا مع سلطة الاحتلال بذكاء، فهم يعرفون أن طلبات المدينة لا يمكن أن تأتي بنبرة اتهام

واضحة كي لا يتم رفضها. قام سكان المدينة ببناء نصب تذكاري كبير للسلام كمرساة جديدة للمدينة بالقرب من مكان سقوط القنبلة والذي تم

افتتاحه عام 1954م.

خلال العامين التاليين قدمت حكومة الاحتلال إلى هيروشيما مساعدات إضافية مكنت المدينة من الشروع في استعادة عافيتها. هذا الأمر كان

نقطة تحول رئيسية نحو استعادة السكان لروحهم ونفسيتهم ومشاعرهم الإيجابية.

هيروشيما الآن ..

يبلغ عدد سكان مدينة هيروشيما حاليًا حوالي مليون و200 ألف نسمة بكثافة سكانية تقدر بنسبة 1300 مواطن لكل كيلومتر مربع، وهو ما يبين

الازدحام الكبير في المدينة التي سويت بالأرض من 70 عامًا.

مدينة هيروشيما حاليًا هي المركز الصناعي الرئيسي لمنطقة شوغوكو شيكوكو. البضائع الواردة من المدينة لا تتوقف عبر مطارها الدولي

ومينائها الكبير.

تتمثل أبرز الصناعات في هيروشيما في صناعة الصلب والسيارات والمطاط والكيماويات والسفن وآلات النقل. مدينة هيروشيما الآن هي المورد

الياباني الأكبر للإبر.

أبرز صناعات هيروشيما تتمثل في صناعة السيارات لأنها مقر التصنيع الرئيسي لسيارات “مازدا” الشهيرة والتي تمثل بمفردها 32% من

إجمالي الدخل القومي للمدينة.

تقوم هيروشيما بتصدير الآلات الصناعية التي تتميز بأنها آتية نتيجة التواجد الكبير لعمليات البحث والتطوير عبر عدد من الشركات مثل شركة

هيروشيما لهندسة السيارات. بعض من هذه الشركات يتصدر شركات العالم أجمع في هذا المجال.

كل هذه الأمور أدت إلى جذب الكثير من الاستثمارات والأعمال إلى المدينة خصوصًا وأن تكاليف بدء عمل ما في هيروشيما يقل عن مثيلاتها

من المدن اليابانية الكبرى الأخرى.

السياحة ..

النصب التذكاري الذي شيده اليابانيون عام 1954م اعتبرته منظمة اليونسكو إحدى مواقع التراث العالمي.
هذا النصب أصبح الجاذب الأبرز لأعداد كبيرة من السياح كل عام وصل عددهم تقريبًا إلى 363 مليون زائر عام 2014م. ومن المفارقات أن

غالبية هؤلاء الزوار كانوا من الأمريكيين يليهم الأستراليين ثم الصينيين.

نبذة عن اليابان ..

تتكون اليابان من أربعة آلاف جزيرة تشكل بمجموعها أرخبيلا طوله ثلاثة آلاف كيلو متر ، يمتد من الشمال إلى الجنوب في شرق القارة

الآسيوية . وتبلغ مساحتها الكلية حوالي 380 ألف كيلومتر مربع ، ويصل عدد سكانها إلى 130 مليون نسمة تقريبا . وقد كانت على مدى

العصور القديمة بلادا غامضة ومنعزلة عن العالم الخارجي لاسيما وأنها لا ترتبط مع البر الرئيسي لآسيا برابط أرضي .

وفي عام 1854 وقعت اتفاقية للتبادل الدبلوماسي مع الولايات المتحدة . ثم تبعها في غضون خمسة أعوام توقيع عدة اتفاقيات مشابهة مع باقي

الدول الغربية . تحولت اليابان فيما بعد إلى دولة استعمارية تسعى إلى التوسع بفضل قوتها العسكرية ، وتمكنت من السيطرة على أجزاء كبيرة

من جنوب شرق آسيا وأجزاء كبيرة من الصين ، وأصبحت القوة المسيطرة في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ ، مما دفع بعجلتها الاقتصادية

إلى الأمام بسرعة فائقة ، وتحولت إلى امبراطورية عظمى .

خلال الحرب العالمية الثانية وعلى إثر هجومها المدمر على الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر ، قُصفت المدن اليابانية بسلاح الجو الأمريكي

وضُربت بالقنابل الذرية ، مما أدى إلى استسلامها دون قيد أو شرط وإجبارها على توقيع اتفاقية بوتسدام في 2 أيلول عام 1945 وحل جيشها

المؤلف من خمسة ملايين جندي . ولكنها رغم ذلك نهضت من تحت الركام وحققت نهضة اقتصادية عظيمة ، وتحررت من الهيمنة الأجنبية

خلال عقدين من الزمان .

النهوض من تحت الركام..

يرى المحللون السياسيون انه يمكن تلخيص سر النهضة  في سببين ، الأول هو إرادة الانتقام من تاريخ تحدى أمة هزمت وأهينت ، فردت على

الهزيمة بهذا النهوض العظيم . والثاني هو بناء الإنسان نتيجة لنظام التعليم والثقافة اليابانية .

فبعد الكارثة الرهيبة التي حلت بالإمبراطورية اليابانية ، فقد السياسيون وكثير من الناس الأمل بقدرتها في الوقوف على قدميها نظرا لما حل بها

من دمار هائل وخسائر بشرية تحولت بنتيجتها إلى دولة مهزومة متخلفة . لكن العزيمة والإرادة اللتان كانتا تعمران قلوب اليابانيين ، أقنعتهم بأن

طريق النهضة لا تكمن في التوسع باستخدام القوة العسكرية ، بل أنها تكمن في الإنسان الياباني نفسه داخل حدود بلاده .
واهتمت الولايات المتحدة الأمريكية بالنمو الاقتصادي في اليابان وقدمت لها المساعدات الاقتصادية ، خشية أن يتحول الشعب الياباني الفقير إلى

الاتحاد السوفياتي وتمكينه من السيطرة على المحيط الهادئ . ولكن اليابانيون لم يركنوا إلى ذلك ، بل اعتمدوا على أنفسهم في الاستثمار بالإنسان

الياباني لبناء نهضتهم الاقتصادية ، وتكريس التعاون بين البنوك والمصنعين والموردين والموزعين كمجموعات متكاملة .

وساهمت الحكومة اليابانية بعد الحرب بدفع النمو الاقتصادي في القطاع الخاص ، من خلال سن قوانين وتشريعات خاصة حمت الانتاج المحلي

، ثم ركزت على التوسع التجاري في وقت لاحق . وفي هذا السياق فقد اتبع رئيس الوزراء ‘ هاياتو إكيدا ‘ الذي لُقّب ــ بمهندس المعجزة

الاقتصادية ــ سياسة الصناعات الثقيلة ، وتوجيه القروض إلى تجمع الشركات ‘ كريستو ‘ ووجه 83 % من تمويلات بنك التنمية الياباني إلى

الصناعات الاستراتيجية مثل : بناء السفن وإنتاج الطاقة الكهربائية والفحم الحجري والصلب . وأصدر تعليماته لمكافحة الاحتكار ومنع الشركات

الأجنبية من الدخول إلى الصناعات اليابانية .

لقد ارتكزت النهضة الاقتصادية اليابانية على محاور عديدة من أهمها ما يلي :

– الإدارة اليابانية .. وهي من أبرز عوامل النهضة التي أعقبت الهزيمة ، لكونها تُعنى بتطبيق المبادئ الإدارية الحديثة والتي من أهمها : إدارة

الجودة ، الابتكار والتطور ، إتقان العمل الإداري وتحويله إلى قيمة اجتماعية مرتبطة بالثقافة اليابانية ، وعمل الفريق بحيث تحدد مهمته بشكل

واضح ، ويحدد الوقت اللازم لانجازها بشكل دقيق .
–  الشخصية اليابانية .. نظرا لعدم توفر مصادر الثروة الطبيعية في اليابان بموقعها الجغرافي النائي في العالم ، كان العنصر البشري هو عماد

التنمية وركيزته الأساسية في النهضة الحديثة . لهذا فإن الاستثمار في العنصر البشري يأتي على رأس أولويات الخطط التنموية . ومما عزز

ذلك مميزات الشخصية اليابانية المنضبطة التي تقدس الوقت ، وتحترم النظام ، وتبدع ضمن عمل الفريق ، كما تلتزم بأخلاقيات العمل وأمانته .
–  المعلّم الياباني .. يؤمن اليابانيون بأن العلم والعمل الجاد هو السبيل إلى الرقي والتقدم ، وقد تم التركيز في هذا المجال على دعامتين أساسيتين

هما : المعلم وأسلوب التعليم :
أ‌. فالمعلم يحظى بالاهتمام والتقدير من قبل المواطنين ويحتل مكانة مرموقة في المجتمع . ويلاحظ ذلك من خلال النظرة الاجتماعية له ،

والمرتبات المغرية التي توفر له حياة كريمة ومستقرة . ورغم أن معظم المعلمين من خريجي الجامعات ، لكنهم لا يحصلون على هذه الوظيفة إلا

بعد اجتياز اختبارات قبول تحريرية وشفوية شاقة . وتؤكد الأساليب التعليمية على الارتباط الوثيق بين المعلم وطلابه ، حيث يقوم بزيارات

دورية إلى منازلهم للاطمئنان على جوهم الدراسي من أجل التكامل بين المنزل والمدرسة .
ب‌. وبالنسبة لأسلوب التعليم ، فيتم المزج بين النظام المركزي والنظام اللا مركزي ، فالأول يوفر المساواة في نوعية التعليم لمختلف فئات

الشعب على مستوى الدولة . وبذلك يتم تزويد الأطفال بأساس معرفي موحد ، إذ تحدد وزارة التعليم الإطار العام للمقررات الدراسية في كافة

المواد ، وتبين محتواها وعدد ساعات التدريس اللازمة لكل منها . ويعتبر مجلس التعليم في كل مقاطعة مسئولا عن إدارة وتنفيذ سياسة التعليم

فيها . ومما تجدر الإشارة إليه أنه يجري التركيز في العملية التعليمية على نبذ الأساليب التلقينية ، وعدم الطلب من الدارسين حفظ معلومات

تُنسى في وقت قريب . وبدلا من ذلك يجري التركيز على تنمية رغبة التعلم ، وتطوير القدرة على البحث والدراسة وتنمية الابداع والابتكار .

نفذت الحكومة اليابانية في ظل قيادة إيكيدا رئيس الوزراء السابق خطة طموحة لمضاعفة الدخل . فقامت بخفض معدلات الفائدة والضرائب

للعاملين في القطاع الخاص بهدف تشجيع الإنفاق . ثم قامت بتوسعة نطاق الاستثمار من خلال إنشاء مرافق الطرق السريعة والسكك الحديدية

فائقة السرعة والمترو والمطارات والموانئ والسدود وتحرير التجارة .

لقد مهدت فترة النمو الاقتصادي السريع ما بين عامي 1955 و 1961 الطريق أمام الرواج الاقتصادي الذي ارتبط عموما بالمعجزة الاقتصادية

اليابانية فيما بعد . وقُدّر إجمالي الناتج المحلي في اليابان عام 1965 بحوالي 91 مليار دولار أمريكي . وبعد خمسة عشر عاما أي في عام

1980 ، ارتفع إجمالي الناتج المحلي إلى رقم قياسي بلغ 1.065 تريليون دولار أمريكي .

صحيح أن الولايات المتحدة نجحت في ضرب ” اليابان ” بالقنابل وتحويلها إلى رماد إن صح التعبير ، ولكن ما عجزت الولايات المتحدة عن

فعله هو تدمير ” العقل الياباني ” الذي يعتبر أقوى و أخطر الأسلحة ، حيث بدأ العقل الياباني بالعمل وبدأت الشركات اليابانية في الخارج والتي

كانت موجودة قبل الحرب العالمية بالعمل من جديد و بزيادة نشاطها و بزيادة فروعها لتصبح منتشرة في جميع أنحاء العالم

فلنجعل من اليابان ونهضتها مثلاً وقدوة ولنجعل من عوامل بناء نهضتها التي تتمثل فى حب الوطن وأداء واجبه والعمل بروح الفريق ونكران

الذات وتغليب العام على الخاص والتخلي عن الأنانية وحسن توظيف الموارد والأحداث وتحويل الطاقات الكامنة في النفوس للبناء والنهضة

وإتقان العمل والانشغال به والإرادة الحازمة والإدارة الجادة والاهتمام بالتربية والتعليم، دليل لنا لإعادة بناء بلدنا ونهضتها من جديد.