أخبار مصر

إعداد : سميحة عبد الحليم

من أبرز مظاهر الكرم المصاحب لحلول شهر رمضان عند المسلمين، احياء فريضة التكافل الاجتماعي والترويج لها وتفعيلها سواء من باب أداء الزكاة المفروضة أو دفع الصدقات التطوعية للمستحقين لها لتعويض غير القادرين  في المجتمع بنصيب من مكاسب القادرين .

ومظاهر التكافل والتراحم في رمضان لا تنتهي .. ونتناول هنا ابرز هذه المظاهر والتى تتمثل فى اداء زكاة الفطرالمفروضة على الصائمين والتى يسبقها الكثير من الاعمال التطوعية منها ماعُرف ب”موائد الرحمن” و” شنطة رمضان ” .

زكاة الفطر ..

زكاة الفطر هي أحد أنواع الزكاة الواجبة على المسلمين، والتى تدفع قبل انقضاء صوم شهر رمضان. وهى واجبة على كل مسلم قادر عليها، وأضيفت الزكاة إلى الفطر لأنها سبب وجوبها. وتمتاز عن الزكوات الأخرى بأنها مفروضة على الأشخاص لا على الأموال. بمعنى انها فرضت لتطهير نفوس الصائمين وليس لتطهير الاموال كما في زكاة المال مثلا.

والحكمة من زكاة الفطر هى تطهير الصائم، حيث قد يقع الصائم في شهر رمضان فى بعض المخالفات التي تخدش كمال الصوم من لغو ورفث وصخب وسباب ونظر محرم، فشرع الله عز وجل هذه الصدقة لكي تصلح له ذلك الخلل ليكون صياما تام الأجر ولكي يفرح به فرحا تاما يوم القيامة.
كما انه  تعميم للفرحة في يوم العيد لكل المسلمين والناس حتى لايبقى أحد يوم العيد محتاجا إلى الطعام ولذلك قال رسول الله ” أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم ”
كما انها  تعبر عن شكر العبد لله عز وجل على نعمة الحياة والصحة التي انعم الله عز وجل بها على عبده المسلم .
وقتها ..
وتجب زكاة الفطر بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان، والسُنة إخراجها يوم عيد الفطر قبل صلاة العيد. ويجوز تعجيل إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين وقد كان هذا فعل بعض الصحابة.

دار الافتاء المصرية ..

وقد حددت دار الإفتاء المصرية زكاة الفطرلهذا العام  بثمانية جنيهات للفرد، حيث أوضح الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية، أن قيمة زكاة الفطر تعادل كيلوجرامين ونصف الكيلوجرام من الحبوب عن كل فرد، وأن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر قدر القيمة وفقا لأقل أنواع الحبوب سعرا، وهو القمح.ويجوز اخراجها باكثر من هذه القيمة لمن استطاع .
وأشار علام إلى أن دار الإفتاء المصرية مالت إلى الأخذ برأي الإمام أبي حنيفة في جواز إخراج زكاة الفطر بالقيمة نقودا بدلا من الحبوب، تيسيرا على الفقراء في قضاء حاجاتهم ومطالبهم.
وشدد المفتى  على أن إخراج زكاة الفطر بعد صلاة العيد يعد صدقة من الصدقات، ولا يُجزئ عن زكاة الفطر. مؤكدا ضرورة إخراجها  في مصارفها الشرعية التي بينها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، خاصة للفقراء والمساكين ..«إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم».

موائد الرحمن ..

ويسبق فريضة زكاة الفطر مظاهر آخرى من مظاهر التكافل والتراحم  فى شهر رمضان الكريم ولعل من أبرز هذه المظاهر ما تعارف على تسميتها “موائد الرحمن”.
وتعود فلسفة موائد الرحمن إلى الحكمة الإسلامية القاضية بضرورة مشاركة الأغنياء الفقراء  مما يعانون من إملاق في حرمة الشهر الفضيل، حيث تتجلى مظاهر المحبة والإخاء بين الناس .
وتنتشر هذه الظاهرة حتى تكاد تعم أرجاء المدن المصرية، وهي التي يتسابق أهل الخير فيها فينصبون موائدهم أمام محالهم وفي باحات الطرقات وفسيح الميادين العامة، فيستقبلون جموعا شتى من الفقراء وعابري السبيل، فتتوحّد المشاعر وتتوثّق الصلات، ومعها ترتفع الأصوات بالدعاء طلباً من الله سبحانه وتعالى لتحقيق الرجاء بأن يعز الإسلام والمسلمين.
وقد رسخت “موائد الرحمن” حتى غدت عادة مستقرة لتبقى ما بقيت أيام الشهر الكريم، ومع انطلاق آذان الإفطار، يكون الصائمون قد أخذوا أماكنهم في الجلوس إلى الموائد، لا تمايز بينهم، الغني في مجاورة الفقير، ولقد اتسعت الموائد الرحمانية وتزايدت، حتى لا يكاد يخلو منها مكاناً في قاهرة المعز وبقية مدن المحروسة.

ظاهرة تاريخية ..

ويذكر التاريخ أن مصر عرفت أشكالاً متعددة لموائد الرحمن، فقد رُوي أن أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية، هو أول من أمر بدعوة أغنياء وحكام الأقاليم في أول يوم من رمضان، ووزعهم على موائد الفقراء والمحتاجين كي ينفقوا عليها، وذلك لأنه رأى في الشهر الكريم استثماراً للفضائل والإخاء بين الأغنياء والفقراء.

وفي العصر الفاطمي عُرفت “موائد الرحمن” باسم “السماط”، ويروى أن آلاف الموائد كانت تمتد للصائمين غير القادرين، وعابري السبيل، وكان الخليفة العزيز بالله ومن بعده المستنصر بالله يهتمان بموائد الإفطار التي تقام في قصر الذهب للأمراء ورجال الدولة، وكذلك التي تقام في المساجد للفقراء والمساكين، حتى أن العزيز بالله بنى داراً سُميت “دار الفطرة” خارج قصر الخلافة بالقاهرة، وقرر فيها صناعة ما يحمل إلى الناس في العيد من حلوى وأطعمة.

أما في العصر المملوكي، فكان الأمراء والأغنياء يقومون بتجهيز الموائد وإرسالها إلى الفقراء، حيث كانوا يفتحون أبواب التكايا والحانات لاستقبال الفقراء وعابري السبيل، فضلاً عن صرف رواتب إضافية للموظفين وطلاب العلم والأيتام، كما ضاعفوا من حصة السُكر لزيادة استهلاكه خلال شهر رمضان.
وفي هذا العصر  أيضاً اهتمت الأوقاف الخيرية بإطعام الفقراء والمساكين في شهر رمضان، عن طريق موائد الرحمن، وتوزيع الطعام المجهز عليهم، والذي كان يشتمل على اللحم والأرز والعسل وحب الرمان، فقد نصت وثيقة وقف السلطان حسن بن قلاوون: “يصرف في كل يوم من أيام شهر رمضان ثمن عشرة قناطير من لحم الضأن وثمن أربعين قنطاراً من خبز القرصة وثمن حب رمان وأرز وعسل وحبوب وتوابل وأجرة من يتولي طبخ ذلك وتفرقته”.

ظاهرة توارثتها الاجيال ..

وهكذا توارثت الأجيال ذلك الملمح الرمضاني البارز، حيث صارت الموائد بطابعها التقليدي، تتكرر كل عام، وإن كان بعض أهل الخير يقومون بإعداد وجبات جاهزة ويوصلونها إلى منازل الفقراء، حتى يتسنى لهؤلاء أن يكونوا في منازلهم يتناولون طعام الإفطار، دون حرج أو خشية من رؤيتهم، وهم يتسابقون إلى موائد الرحمن. وتتضافر جهود الأفراد وأصحاب الشركات التجارية، في إعداد الوجبات الجاهزة، وتوزيعها على المارة المحتاجين وقت الإفطار، فضلاً عن إقامة “موائد الرحمن”، حيث تعلق لافتة واضحة للمارة تشير إلى مكان “المائدة”، وبمرور الوقت اعتاد الصائمون المحتاجون التردد على موائد بعينها، في أحياء متفرقة من القاهرة.

وتُعد موائد النوادي العامة من أشهر الموائد في القاهرة، حيث تتكوّن قائمة الطعام من خُشاف وأرز ولحوم ومخللات وكنافة وقطايف، وتوزع يومياً  آلاف الوجبات لإفطار الصائمين، وأيضاً الفنادق (خمسة نجوم) تفرش موائدها أمام مداخلها، ويقوم بعض العاملين من (الجرسونات) بالإشراف على تلبية رغبات الصائمين مجانًا، وقد يحدث أن يكون أحد الأغنياء من روَّاد الفندق في طريقه إلى مطعم الفندق، فيحرص على مشاركة المحتاجين من الصائمين تناول الإفطار، ويأمر بإعداد وجبات خاصة بكميات إضافية، تزيد من رقعة المائدة واستيعابها لأعداد كبيرة من الصائمين، والطريف أن بعض السائحين الأجانب، يحلو لهم مشاركة الصائمين إفطارهم على موائد الرحمن، مما يبعث في النفوس بهجة، وهم يحاولون بلكنتهم  أن يتبادلوا الحديث والابتسامات تعلو وجوههم.

وإذا كانت ظاهرة “موائد الرحمن” تنتشر في سائر المدن المصرية، فإن مدينة الإسكندرية تتجلى فيها مظاهر الشهر الفضيل، وخاصة موائد الرحمن في أحيائها الشهيرة من سيدي بشر وحتى الأنفوشي، ويعتبر السمك بأنواعه المختلفة من الأطباق المفضلة للسكندريين، ولذلك فإن موائد الرحمن تقدم الأسماك إلى الصائمين، حيث يتضاعف استهلاك الأسماك في شهر رمضان عن سائر

العام، ومن أشهر الموائد هناك تلك التي تقام عند جامع المرسي أبو العباس بحي الأنفوشي، وغالباً ما يتبرع المحسنون بمبالغ مالية كبيرة من أجل إقامة “موائد الرحمن” على مدى أيام شهر رمضان.

كرم الضيافة ..

وإذا كان الريف المصري لا يعرف هذا النوع من موائد الرحمن، فإن السبب في ذلك يعود إلى مساحات القرى الصغيرة، ومعرفة ناسها بعضهم بعضاً، لذلك يحل محلها كرم الضيافة، حيث يتبادل أهالي القرية الدعوات على مائدتي الإفطار والسحور، ويظل رب الدار واقفاً على باب المنزل، لعله يلتقط أحد العابرين ليدعوه إلى مائدة الإفطار، ولا يقتصر الأمر عند ذلك الحد، بل إن هناك من يتطوّع بالوقوف على حدود القرية، ومعه وجبات جاهزة وملفوفة في أوراق، كي يوقف العربات على الطريق، ويدعو ركابها إلى النزول وتناول وجبة الإفطار، ومؤخراً دخلت موائد الرحمن إلى القرية المصرية بطابعها التقليدي، حيث يساهم أهل القرية في تجهيز مائدة الإفطار لاستقبال الوافدين على القرية من الغرباء وعابري السبيل، وقد يكون هناك ثري بالقرية، يعد “مائدة الرحمن” أمام بيته، أو يدوّن أسماء الفقراء في قريته، لتذهب إليهم وجبات جاهزة، حتى يجنبهم حرج التردد على المائدة، خاصة أن أهالي القرية يعرفون بعضهم بعضاً، ولا يقبل أحدهم أن يظهر بمظهر الفقير أو المحتاج.

شنطة رمضان ..

فى السنوات الأخيرة انتشر مظهر آخر من مظاهر التكافل فى سباق الخير فى شهر الخيرات والذى عُرف ب” شنطة رمضان “وهى عبارة عن حقيبة بها بعض المواد التموينية من سكر وزيت وبقوليات ومكسرات، تقوم الجمعيات الخيرية أو الأفراد القادرون بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، ويعتبرها علماء الدين نوعا من أنواع التكافل الاجتماعى فى المجتمع.
ويرى علماء الاجتماع ان شنطة رمضان تشعر الفقراء بأن الأغنياء أو القادرين مهتمون بأمرهم، فهى إلى جانب أنها تشبع احتياجا ماديا عند الفقراء، فهى أيضا تشبع احتياجا نفسيا ومعنويا وتنمى شعورا بالانتماء والولاء والآلفة والمحبة داخل القرية أو الحى أو المجتمع المحلى أو حتى بين الأقارب، بشرط أن تحتوى هذه الشنطة على كميات كافية ونوعيات مطلوبة، بمعنى أن تحتوى على hلأساسيات بالدرجة الأولى، الأرز، والمكرونة، والسمن والزيت، والسكر، وإذا كانت هناك سعة من الرزق فليكن هناك بعض ما يتسم به رمضان من مكسرات وغيره.
وشنطة رمضان لا تغنى عن موائد الرحمن، فهى تذهب إلى الفقراء، أما مائدة الرحمن فيدخل فيها أيضا كل هؤلاء المستحقين ويدخل فيها أيضا بعض الأغنياء وهم عابرو السبيل .

وقد رغّب النبى صلى الله عليه وسلم فى مثل هذه الظواهر حيث قال : (من فطر صائما كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من اجر الصائم شيء) فمن فطر صائما أثابه الله بأن يعطى المفطر ثواب الصيام وإن كان على تمرة أو شربة ماء، وهذه الشنطة التى بها بعض المواد التموينية تدخل فى ما يثاب عليه المسلم وهو نوع من التكافل الاجتماعى يرجو بها ثواب الله فى الآخرة.
يقول تعالى: “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”.

ولا شك أن رمضان فرصة لإشعار المسلم بألم الجوع والعطش، فيكون دافعا أن يتصدق وأن يظل على هذا السلوك طوال السنة .

وفى النهاية نسال الله ان يتقبل منا صيامنا وقيامنا وأن يصلح لنا أمورنا فى مصر ويجنبها الفتن الى يوم الدين.