القاهرة-اخبار مصر

مع انتهاء شهر رمضان واحتفالات عيد الفطر فوجئ المصريون بارتفاع شديد في درجة حرارة ورطوبة الجو ارتفاع عكس الصدام العنيف بين النظام البيئي لكوكب الأرض والحضارة الصناعية التي أحدثت تغيرات مناخية غير مسبوقة اجتاح أثرها معظم دول العالم.

ارتفاع في درجة الحرارة وصل إلى حافة 40 درجة مئوية لم يجد معه المصريون حلا سوى  الانتظار حتى تنتهي تلك الموجة خلت شوارع القاهرة من المارة خاصة في ساعات النهار تجنبا لحرارة الشمس فيما اكتظت المحافظات الساحلية بزوارها الباحثين عن إطفاء شعورهم بحرارة الجو بالغوص في ماء البحر, أملا في اغتنام الفرصة للتجديد والتغيير قبل انتهاء شهر أغسطس الحالي وحلول شهر سبتمبر الذي يستعد فيه التلاميذ والطلبة للعودة للمدارس والجامعات.

النظام البيئي لكوكب الأرض يتعرض منذ فترة طويلة لصدام عنيف مع الحضارة الصناعية الحديثة بوضعها الراهن, ويترتب على الشراسة التي يتم بها هذا العدوان نتائج رهيبة تحدث بسرعة مذهلة مما يحتم على العالم أجمع أن يتضافر ليخوض معركة ملحمية لإصلاح التوازن المختل على كوكب الأرض وذلك من منطلق الإحساس المشترك بالخطر الذي يحيق بالبيئة العالمية.

اجتياح موجة أحر للعديد من دول العالم يحتم على الجميع أن يتوقف بجدية إزاء مخاطر حقيقية محدقة قد تصل به إلى نتائج كارثية تهدد مستقبل الأرض ما لم تتولى الحكومات والمنظمات والشركات الكبرى المسئولية وتعمل وفق رؤية استراتيجية منسقة وتضع حلولا ومعالجات لمشكلة التغير المناخي ضمن أطر زمنية تستهدف التقليل من تأثير السحابة الكونية السامة التي تحيط بكوكب الأرض وتهدد مصيره.

قمة المناخ المرتقبة في العاصمة الفرنسية باريس والمزمع عقدها برعاية الأمم المتحدة  ديسمبر القادم, بحضور زعماء العالم ومندوبي 195 دولة, ستبحث كيفية إبقاء ارتفاع حرارة الكرة الأرضية الناجم عن تركز الغازات الدفيئة في الجو دون درجتين مئويتين عن مستويات ما قبل الثورة الصناعية, مستهدفة التوصل إلى خطة للحد من الاحتباس الحراري أو ما يعرف علميا باسم “ظاهرة البيوت الزجاجية”.

وعلى الجميع في هذا المحفل الدولي أن يتوقفوا أمام العديد من الحقائق من أبرزها استمرار  ارتفاع درجة الحرارة على سطح الأرض خلال القرن الحالي وأن الصين والولايات المتحدة تنفثان 35% من إجمالي الانبعاثات الغازية على مستوى العالم في الوقت الحالي وأن التغير المناخي المعبر عنه بظاهرة الاحتباس الحراري هو حصيلة الانبعاثات المتراكمة على مدى العقود الماضية وأن الدول الغربية مسئولة عن الجزء الأكبر كما يجب عدم التغاضي عن الأسباب الأخرى المتعلقة بالظواهر الطبيعية وأن هناك حاجة ملحة لتقليل نسبة الانبعاثات الكربونية بنسبة 50% حتى عام 2050, وذلك ضمن جدول  زمني يتواكب مع إجراءات مساندة مثل دعم الطاقة المتجددة والنظيفة وتوسيع مساحات الغطاء
النباتي.

كبيرة مسئولي الأمم المتحدة عن تغير المناخ كريستينا فيجيريس أكدت أن خطط الحكومات  للحد من الانبعاثات الحرارية وهى الأساس الذي سيبنى عليه اتفاق باريس ليست كافية  لتحقيق هدف خفض الدرجتين المئويتين مشددة على أن الحكومات عليها تغيير موقفها من الاقتصادات منخفضة الكربون وأن تعتمد على الطاقة النظيفة “الطاقة الشمسية وطاقة الرياح” التي يمكنها أن تعزز النمو الاقتصادي وفي الوقت نفسه تقلص التلوث وتخلق فرص عمل.

قوة الدفع وراء تحقيق هدف خفض انبعاثات الغازات الدفيئة مدعوة ببيانات علمية محركها  مفاوضو المناخ والعلماء الذين يؤكدون أن تخطي هذا الحد من الارتفاع في درجات الحرارة يعني معاناة العالم أجمع من أحوال طقس متطرفة مثل موجات شديدة من الفيضانات والجفاف والعواصف وارتفاع مستوى البحار.

تتراجع فرص التوصل إلى اتفاق يحتفظ بارتفاع درجة الحرارة تحت هذا السقف, حيث وصلت  الانبعاثات الغازية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري إلى مستويات قياسية خلال السنوات القليلة الماضية والخفض المقترح في انبعاثات الكربون اعتبارا من عام 2020 والوعود بزيادتها خلال مراجعات لاحقة التي قدمتها حكومات تخشى على اقتصادها من تكلفة التحول من الوقود الأحفوري هى على الأرجح غير كافية من أجل تحقيق هدف قصر الزيادة على درجتين مئويتين.

وقبل عقدين من الزمان لم تكن التغيرات المناخية تشكل تهديدا مباشرا للمجتمع الإنساني  على الرغم من التحذيرات المبكرة التي صدرت من جهات متخصصة في مجال البيئة والتي بينت المخاطر الناجمة عن الاستخدام المفرط لمصادر الطاقة والفعاليات الاستثمارية للنشاط الصناعي على مستوى العالم والتي أدت إلى الانبعاث المستمر للغازات المرئية وغير المرئية وخاصة ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان والذي أفضى إلى ما يعرف علميا (بظاهرة الاحتباس الحراري).

انخفاض درجة الحرارة درجتين مئويتين يعد “هدف رمزي” حيث يعود هذا الهدف إلى قمة الأرض  التي عقدت عام 1992 وتعهد فيها قادة وزعماء العالم بتفادي أي تدخل إنساني “خطير” في النظام المناخي وإن لم تحدد القمة ماهية هذا التدخل, وأول من صدق على هذا الهدف هو الاتحاد الأوروبي عام 1996 ثم وافق عليه الرئيس الأمريكي باراك أوباما عام 2009 ثم أعلن رسميا كمبدأ حاكم لمحادثات المناخ خلال اجتماع للأمم المتحدة في المكسيك عام 2010.

وبمرور الوقت .. تأكد أن هدف الدرجتين المئويتين قابل للتحقيق ولكن الأمر ليس سهلا  وبناء على ذلك حددت لجنة الحكومات الخاصة بتغير المناخ العام الماضي عددا من السيناريوهات للبقاء تحت سقف الدرجتين المئويتين قد يتطلب خفضا في الغازات المسببة للاحتباس الحراري يستمر عشرات السنين بمعدل يتراوح بين 3 و6 % سنويا.

وكشف الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي اتخذ من مكافحة التغير المناخي وعدا أساسيا  في حملته الانتخابية عام 2008 كشف أمس (الاثنين) عن خطة لمواجهة التغير المناخي  “خطة الطاقة النظيفة الأمريكية” وصفها بأنها “أكبر وأهم خطوة تم اتخاذها حتى الآن”
في هذه القضية التي تعد مسألة بالغة الأهمية وهى عبارة عن مجموعة من التشريعات والأنظمة التي ستفرض للمرة الأولى على محطات الكهرباء في الولايات المتحدة لتقليص انبعاثاتها من الكربون بنسبة 32% مع حلول عام 2030 مقارنة بمستويات 2005 حيث تعد منشآت الطاقة أكبر مصدر للكربون الملوث الذي يعد أحد أهم أسباب التغير المناخي.

ومع قرب انتهاء ولايته الرئاسية أوضح أوباما أن هذه الإجراءات ستخفض كلفة الطاقة في المستقبل بالنسبة للمواطنين العاديين وتخلق وظائف في قطاع الطاقة المتجددة وتضمن خدمات طاقة موثوقة بشكل أكبر.