أخبار مصر

إعداد: سميحة عبد الحليم

لاتزال سيناء تبكى من حين لآخر؛ جنودها الأبرار الذين وهبوا حياتهم من أجل الحفاظ على أرض الفيروز،
و تحريرها من العدو المستعمر.. ولازال ترابها يروى بدماء خير أجناد الأرض .مذبحة تلو الأخرى ونزيف الدماء فى هذه الأرض لايزال مستمر.

الإرهاب الأسود عاود الإطلال برأسه مرة أخرى ليضرب سيناء ، ويرسم حلقة جديدة في العمليات الإرهابية ،
التي توالت وتكررت حتى باتت سلسلة متصلة يقودها المتشددين الإسلاميين ويروح ضحيتها خيرة شباب مصر.
جماعات العنف والارهاب باتت آثارها مستمرة عبر أجيال من العنف، حسبما رصدتها دراسات الباحثون والتى بدأت – طبقا لهذه الدراسات – منذ عقود، حيث تعددت الجماعات التي توجه نشاطها العنيف ضد النظام الحاكم ومؤسساته.
وتشابهت هذه التنظيمات في العديد من الأهداف، والوسائل، والاستراتيجيات.
وظهرت الموجة الأخيرة بعد عزل الرئيس الاسبق محمد مرسي، المنتمى لجماعة الاخوان المسلمين وإسقاط
نظامه، وشعور الإخوان بالمظلومية، وتزايد رغبتهم في الانتقام، بعد أن تسرب حلم الخلافة والدولة الإسلامية من بين أيديهم .

تاريخ الإرهاب الدموي في سيناء خلال وبعد رئاسة مرسي ..

تحولت أرض البطولات في سيناء إلى بؤرة لاستنزاف دماء قواتنا من الجيش والشرطة، وتشربت الرمال دماء

الشهداء الطاهرة، التي سالت على أرض سيناء بلا ذنب ارتكبه هؤلاء الشهداء إلا حماية أرض الوطن، وتحولت

سيناء من أرض ومهبط للأنبياء وأرض السلام، إلى ساحة للقتل لا يفرق بين رجل شرطة أو جيش وهب حياته

للدفاع والذود عن أرض الوطن، أو مواطنين أبرياء أراد لهم قدرهم الإقامة في هذه الأرض.

وبعد عزل الرئيس الاخوانى محمد مرسى تناقلت وسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعى عبارات تهديد

على لسان رموز الجماعة مثال القيادي الإخواني محمد البلتاجي، خلال اعتصامه برابعة عقب اندلاع ثورة 30

يونيو، والذى قال إن العمليات “الإرهابية” بسيناء لن تتوقف إلا بالإفراج عن الرئيس المعزول مرسي وعودته مرة أخرى إلى رئاسة البلاد،وبعدها شهدت محافظة شمال سيناء العديد من العمليات الإرهابية ضد الجيش والشرطة.

وقبل هذه المقولة التى تناقلتها وسائل الاعلام شهدت سيناء، وعقب تولي مرسي رئاسة البلاد، وسماحه للعناصر الإرهابية بالدخول إلى سيناء والتمركز فيها، وقعت مذبحة رفح الأولى، وكانت في شهر رمضان الكريم ، عندما استشهد 16 جنديًّا إثر قيام مجهولين بمهاجمة النقطة الأمنية، وقت مدفع الإفطار ، في عملية إرهابية غادرة.

وعقب اندلاع ثورة 30 يونيو وسقوط المعزول، بدأت العناصر الإرهابية والجهادية بسيناء دخول الإقليم

والتمركز فيه؛ للقيام بعمليات إرهابية كرد سريع على ما قامت به قواتنا المسلحة من الوقوف بجوار الشعب المصري وتدعيم ثورته، فقام أحد العناصر التكفيرية وأعوانه بارتكاب مذبحة رفح 2، وقتل فيها 25 من جنودنا إثر اعتراض طريق حافلتين كانتا تقلان الجنود، ولم يكتفوا بذلك، بل دبروا لمذبحة رفح 3، التي أسفرت عن استشهاد 11 ضابطًا ومجندًا، وكذلك عملية خطف الجنود السبعة، وكانت أخر تلك العمليات الإرهابية ما قامت به تلك العناصر الجمعة 24 اكتوبر ، حيث قتل 28 ضابطًا وجنديًّا من قواتنا المسلحة في مذبحة العام الهجري الجديد.

مذبحة رفح الأولى:
في يوم 5 أغسطس عام 2012 الموافق 17 رمضان، وأثناء قيام القوات بأحد الأكمنة بقرية الحرية برفح، وأثناء تناول 16 جنديًّا الإفطار، قام مجهولون بإطلاق الرصاص وقذائف “أر-بي-جي” على القوات، مما أدى إلى استشهادهم، وكان ذلك عقب تولي الرئيس المعزول محمد مرسي رئاسة البلاد.

خطف الجنود السبع:
وفي 17 مايو 2013، قامت مجموعة من العناصر التكفيرية بخطف 7 مجندين، وطالب وقتها الخاطفين بإطلاق
سراح بعض العناصر التكفيرية المقبوض عليها والمتواجدة داخل السجون، حتى تم إطلاق سراحهم، ووقتها طالب الرئيس المعزول بعدم التعرض للخاطفين.

مذبحة رفح 2:
ولم تكتف العناصر الإرهابية بما قاموا به في شهر المغفرة والرحمة شهر رمضان، لكنهم واصلوا طريقهم

وقامت مجموعة من العناصر التكفيرية والجهادية في يوم 19 أغسطس عام 2013، واعترضوا طريق حافلتين

تقلان مجموعة من الجنود غير المسلحين لقضاء إجازتهم بين ذويهم، وفى الطريق قاموا بإنزالهم، وقيدوهم

بالحبال، وقاموا بإطلاق الأعيرة النارية وقتلهم، مما أسفر عن استشهاد 25 جنديًّا من قوات الأمن المركزي.

مذبحة رفح الثالثة:
وفي يوم 3 سبتمبر 2014، استشهد ضابط من قطاع الأمن المركزي، و10 مجندين، في حادث تفجير مدرعة

تابعة لقوات الأمن المركزي بطريق العريش الدولي – رفح، وذلك عندما قامت مجموعة من جماعة أنصار بيت

المقدس بزرع عبوات ناسفة أسفل نفق وتفجيره عن بعد، استهدفت المدرعة أثناء سيرها، وذلك ردًا على العمليات العسكرية الموسعة التي نفذتها قوات الأمن ضد الجماعات التكفيرية بمحافظة شمال سيناء، وتبين أن مجهولين وضعوا كمية كبيرة من المتفجرات تقدر بنحو 50 كيلو في حفرة وسط الطريق الدولي العريش رفح، بمنطقة “الوفاق” قرب بوابة سادوت، غرب مدينة رفح، وتم ربطها بدائرة كهربائية عبر شريحة اتصال وبعد وصول مدرعة من نوع “فهد” تقل 13 جنديًّا وضابطين، تم تفجير العبوة عن طريق الاتصال بالشريحة الموصولة بها، وانفجرت محدثة دويًّا هائلًا واشتعال النيران في المدرعة، وهو ما أدى إلى انقلابها وقتل الشهداء، وكشفت التحريات أن المجموعة الإرهابية قامت بوضع المتفجرات في وقت سابق، حيث يخلو الطريق من حركة العبور للسيارات؛ نظرًا لفرض حظر السير على هذه الطرق ليلًا، وقام الإرهابيون باختيار منطقة منخفضة لا يمكن للارتكاز الأمني رصد التحركات بها، وعثرت القوات عقب الحادث الإرهابي على 50 كيلو من المواد المتفجرة، بالقرب من منطقة الحادث، وانتقل خبراء المفرقعات إلى مكان الواقعة، وتم إبطال مفعولها، وتبين أن الغرض من المتفجرات التي تم العثور عليها، هو استهداف قوات الأمن وسيارات الإسعاف فور وصولها إلى مكان الواقعة.

مذبحة العام الهجري الجديد:
ومع بداية العام الهجري الجديد، استيقظت البلاد، صباح الجمعة، الموافق 24/10/2014، على مذبحة جديدة

وعملية خسيسة للعناصر الإرهابية، استشهد فيها 28 من ضباط ومجندين من القوات المسلحة، وأصيب 26

آخرون، إثر قيام مجهول يستقل سيارة مفخخة باقتحام نقطة “كرم القواديس” بمنطقة الشيخ زويد، مما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى من القوات، وعقب وقوع التفجير انتقلت القوات إلى محيط التفجير، وفوجئت ببعض العناصر التكفيرية يطلقون وابلًا من الرصاص تجاه القوات وقذائف الهاون الثقيلة، وعقب ذلك الحادث أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، قرارًا بإعلان حالة الطوارئ بمحافظة شمال سيناء لمدة 3 أشهر، وغلق معبر رفح لحين القضاء على الإرهاب الغادر بالمحافظة، الذي يغتال ضباطنا وجنودنا البواسل.

أجيال العنف وسماتها:
مرت ظاهرة تنظيمات العنف الجهادية في الشرق الأوسط،عبر تاريخها، بمراحل انتقال ما بين الصعود

أحيانا،والتراجع في أحيان آخري، وشهدت أجيالا متعددة، اختلف الباحثون في تحديدها علي نحو محدد لكن الثابت أن هناك توافقا عاما حول ثلاثة أجيال، رصدها الباحثون منذ بداية السبعينيات وحتي اليوم من تنظيمات العنف.
أولها جيل “التنظيمات المركزية الكبري”، ويقصد بها علي وجه التحديد الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، واللذان انتهت تجربتهما بإعلان مبادرة وقف العنف، ووثيقة ترشيد العمل الجهادي والمراجعات الفكرية، ثم الانخراط في العمل السياسي بعد ثورة يناير، وأخيرا الاصطفاف إلي جوار جماعة الإخوان بعد عزل محمد مرسي، بما صاحب ذلك من اتهامات بممارسة التحريض علي العنف الذي تتعرض له مصر الآن.

أما الجيل الثاني من التنظيمات الجهادية،- كما يقول الباحثون – فيقصد به جيل “عولمة الجهاد”، وهو الذي تم الإعلان عنه رسميا في فبراير 1998 من خلال تشكيل “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود الصليبيين”التي تزعمها أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وشارك في تأسيسها مجموعة من التنظيمات علي مستوي العالم الإسلامي، أبرزها تنظيم الجهاد المصري، وقيادات من الجماعة الإسلامية المصرية التي هربت في بداية التسعينيات إلي الخارج، وفيما بعد تحولت هذه الجبهة إلي ما يعرف الآن بتنظيم “القاعدة” وكان لهذا الجيل أثر واضح علي الداخل المصري، انعكس عبر تطور ملحوظ في عمليات نفذتها تنظيمات محلية مصرية، خلال هذه الفترة وهو الأمر الذي دعا السلطة للاهتمام بإلقاء القبض علي العناصر الجهادية المصرية بالخارج، من خلال برامج التعاون الأمني، وتسلمت عددا منهم بالفعل، كما أحالت غالبيتهم إلي المحاكمة فيما عرف وقتها بقضايا “العائدون من ألبانيا”، و”العائدون من أفغانستان”.

الجيل الثالث ..
وبخلاف الجيلين الأول والثاني، يأتى الجيل الثالث من تنظيمات العنف بما وصفه الباحثون “جيل العنف
العشوائي”، حيث يقوم علي فكرة التنظيمات الصغيرة العشوائية التي تستقي منهجها عبر شبكة الإنترنت، وتستفيد من الثورة الهائلة في تكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلي أن أحداث العنف التي نفذتها هذه التنظيمات كانت مفاجئة، وأغلبها محدود الأثر مثل أحداث تفجيرات الأزهر، والسيدة عائشة في 2005، وتفجيرات الحسين في 2009.
لكن تبقي أهم السمات المميزة لهذا الجيل ظهور تنظيمات لديها قدر كبير من الجاهزية في شبه جزيرة سيناء، وهي التي نفذت تفجيرات فى شرم الشيخ وتفجيرات دهب في 2006. ولاحقا، نسبت هذه العمليات إلي تنظيم عرف باسم التوحيد والجهاد .

تنظيمات العنف في مصر عام 2014 ..
يتبنى المحللون وجهتي نظر الأولي تري أن التنظيمات الحالية هي نتاج لمجموعة من المتغيرات والتجارب التي مرت بها الحركة الإسلامية فيما بعد ثورة 25 يناير، ويمكن وصفها بـ “التاريخية” مثل تجربة الوصول إلي الحكم للمرة الأولي في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة، وتاريخ مصر الحديث، وكذلك تجربة تحرك القوات المسلحة لعزلها عن السلطة بمصاحبة مظاهرات شعبية حاشدة. وكل هذه التجارب والظروف لم تمر بها الأجيال السابقة من تنظيمات العنف، وبالتالي، فإن التنظيمات الحالية يمكن تصنيفها كجيل مستقل بذاته، فضلا عن أن الشواهد علي أرض الواقع تشير إلي أن أداء تنظيمات العنف الحالية شهد تطورا ملحوظا لا تخطئه العين، فأصبحت التنظيمات المتمركزة في سيناء تنفذ عمليات في قلب القاهرة وباقي محافظات الجمهورية.

أما وجهة النظر الأخري التي تقابلها، فتري أن التنظيمات الحالية تحمل السمات الأساسية نفسها التي يحملها الجيل الثالث من تنظيمات العنف، فهي عشوائية وغير مركزية، وتتواصل مع العالم وتستقي منهجها، وتعبر عن أفكارها عبر شبكة الإنترنت، كما استفادت من الثورة في تكنولوجيا الاتصالات الحديثة، فضلا عن أن تقسيمها الجغرافي كما هو تنظيمات ذات قوة تتمركز في شبه جزيرة سيناء، وأخري ذات إمكانيات أقل توجد في القاهرة وبعض المحافظات. ومن ثم، فإن الرأي الأرجح هو أن التنظيمات الحالية هي امتداد للجيل الثالث من تنظيمات العنف، وليست جيلا جديدا مستقلا بذاته.

ويشير المحللون الى ان هذه التنظيمات تحمل دوافع انتقامية، فهي تري أن التيار الإسلامي تم إقصاؤه عن السلطة بناء علي مؤامرة اشتركت فيها أجهزة الدولة، وتيارات المعارضة العلمانية -حسبما تصفها- وتري أيضا أن طرفي المؤامرة اتفقا علي كراهية الإسلام أو نظام الحكم الإسلامي، أو علي الأقل المشروع الإسلامي . كما تعتقد هذه التنظيمات أن أنصار التيار الإسلامي تعرضوا لمذبحة أثناء فض اعتصام أنصار الرئيس المعزول، وبالتالي لابد من الانتقام من مؤسسات الدولة، لاسيما الأجهزة الأمنية (الشرطة والجيش)، بينما لم يحدث من قبل أن نشأت تنظيمات في مصر من أجل الانتقام.
وتستند هذه التنظيمات في نشاطها بشكل مباشر إلي خطاب “المظلومية الكبري” الذي روجته التيارات الإسلامية عقب عزل محمد مرسي، وفض اعتصامي رابعة والنهضة، بينما كانت التنظيمات السابقة تنشط كاستجابة لدعاوي إعادة إحياء الدولة الإسلامية.
في حين كانت تنظيمات العنف في الأجيال السابقة تسعي إلي الوصول للسلطة من أجل إقامة الدولة الإسلامية، فإن تنظيمات الجيل الثالث شهدت وصول التيار الإسلامي إلي السلطة لأول مرة في تاريخه، وتسرب حلم الدولة
الإسلامية من بين أيديها.
وتحظي التنظيمات الحالية كما يقول المحللون بشعبية تتمثل في قطاع من أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، وهناك قطاع من أنصاره يدين عمليات العنف، إلا أنهم يبررونها في سياق أنها نتيجة طبيعية للإطاحة بالرئيس المدني المنتخب.

تنظيمات العنف في سيناء:
تتشابه تنظيمات العنف الحالية في سيناء من حيث ظروف النشأة، والأهداف، والاستراتيجية، لكن السبل تفرقت بهم بعد عزل محمد مرسي عن السلطة في 3 يوليو 2013. فمن البداية، نشأت جماعات العنف الديني في سيناء كنتيجة مباشرة لممارسات أمنية صارمة .
، ويشير المحللون الى اختلاط الجهاديين والتكفيريين في سجون مصر، ومن ثم عادوا حاملين أفكارهم إلي سيناء، وترتب علي هذا ظهور تنظيم “التوحيد والجهاد” . ونسب إلي هذا التنظيم تفجيرات نويبع، ودهب، وشرم الشيخ في أعوام 2004، و2005، و2006
وعاد التكفيريون المصريون إلي سيناء، وبصحبتهم مجموعة من تكفيريي جنوب قطاع غزة، وشكلوا معا نواة
أبرز تنظيمات العنف الحالية في سيناء، وهما “مجلس شوري المجاهدين – أكناف بيت المقدس”، وجماعة “أنصار بيت المقدس”، بالإضافة إلي مجموعات أخري أقل في العدد والتأثير مثل “السلفية الجهادية في سيناء”.

مجلس شوري المجاهدين -أكناف بيت المقدس:
في نهاية شهر يونيو من عام 2012، تداولت المنتديات الجهادية علي شبكة الإنترنت بيانا يعلن عن تشكيل جماعة جديدة في سيناء وغزة، تحمل اسم “مجلس شوري المجاهدين” وصاحب البيان مجموعة من الصور لبعض
الملثمين، بالإضافة إلي تسجيل مرئي تعلن فيه الجماعة مسئوليتها عن استهداف دورية إسرائيلية علي الحدود بين مصر وإسرائيل، فيما سمته وقتها “غزوة النصرة للأقصي والأسري”
تضمنت الكلمة التي ألقاها الملثم في التسجيل المرئي الأول للجماعة بعض العبارات التي يمكن تفسيرها بأنها تعكس نية التنظيم للتورط في أعمال عنف داخل مصر، حيث وصف ثورات الربيع العربي بحسبانها “خروجا للملايين للمطالبة بتطبيق شريعة الرحمن”، ورأي أنه “لا مكان بعد اليوم للوطنية، والقومية، والعلمانية، والديمقراطية، “وأن هناك “معركة للمسلمين لاسترجاع حكم الله في الأرض .

أنصار بيت المقدس:
نشطت “أنصار بيت المقدس” بوصفها جماعة مقاومة ضد المصالح الإسرائيلية لفترة استغرقت نحو ثلاثة أعوام،
ثم عدلت استراتيجيتها إلي جماعة تمارس العنف ضد الدولة المصرية ومؤسساتها، بعد فض اعتصام أنصار
الرئيس السابق بميداني رابعة العدوية والنهضة في منتصف أغسطس 2013، واستهلت نشاطها بعملية ضد قوات
الجيش في سيناء، وأعلنت عنها في 11 سبتمبر 2013 ،خلال شهر منذ ذلك التاريخ، حدث أن أعلنت “أنصار بيت
المقدس” أنها انتقلت إلي المرحلة الثالثة من مراحل تطورها، وهي التي يمكن تسميتها بمرحلة “تصدير العنف إلي خارج سيناء”، وذلك حين أعلنت رسميا في 26 أكتوبر 2013 مسئوليتها عن محاولة اغتيال وزير الداخلية، محمد إبراهيم ، التي كانت قد وقعت قبل ذلك التاريخ بأكثر من 40 يوما.

جماعات جهادية صغيرة في سيناء:
ظلت ظاهرة التنظيمات الجهادية الصغيرة جزءا أصيلا من مشهد تنظيمات العنف الديني في مصر خلال الأعوام
الأربعين الأخيرة. وتنطبق القاعدة نفسها علي الجماعات الموجودة في سيناء، وربما أبرزها علي الإطلاق جماعة تسمي “السلفية الجهادية في سيناء”، سبق أن قفز اسمها إلي صدارة المشهد أثناء عملية اختطاف الجنود السبعة حيث أشارت الأنباء إلي أنها كانت جزءا من جهود الوساطة. وبعد عزل مرسي، صدر عنها نحو بيانين تضمنا هجوما عنيفا ضد قوات الجيش، وتوعدت باستهدافها. وهناك اعتقاد بأنها تتعاون مع أنصار بيت المقدس في عمليات العنف التي تنفذها داخل مصر.

جماعة “أجناد مصر”
في يوم الجمعة 24 يناير 2014، وقبل أقل من 24 ساعة علي الذكري الثالثة للثورة، تداولت المواقع الجهادية بيانا منسوبا لجماعة جديدة اسمها “أجناد مصر”. وفي التوقيت ذاته، تم تدشين صفحة علي موقع الفيسبوك للتواصل الاجتماعي تحمل الاسم نفسه، وتنشر البيان نفسه، وتعرف نفسها بأنها صفحة رسمية. وكان هذا المسلك وقتها مختلفا عما تتبعه باقي تنظيمات العنف ذات اللافتة الإسلامية التي تحذر دائما من التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي لخطورتها من الناحية الأمنية.
أعلن البيان الأول لـ “أجناد مصر” عن تدشين حملة انتقامية بعنوان “القصاص حياة”،تتوعد فيها الجماعة بتوجيه ضربات لأجهزة الأمن، وتحرض كل مواطن علي أن يستهدف أفراد الأمن في مقراتهم ومساكنهم .
وانتهي هذا اليوم بسلسلة من التفجيرات، أمام مديرية أمن القاهرة، وأمام محطة مترو البحوث بالدقي، وفي محيط قسم شرطة الطالبية بالهرم، بالإضافة إلي استهداف دورية أمنية في شارع الهرم. وفي نهاية هذا اليوم، أصدرت “أنصار بيت المقدس” بيانا تبنت فيه جميع التفجيرات التي هزت القاهرة يومها من خلال نقاط قصيرة وموجزة.

وهنا، لم تصمت “أجناد مصر”، وبدا أن خلافا وقع بينها وبين “أنصار بيت المقدس”، حيث أصدرت بيانها الثاني، وتبنت فيه عمليتي مترو البحوث، وقسم شرطة الطالبية. وجاء في بيانها أن عملية مترو البحوث هدفت للانتقام من القوات التي تواجه “الأبرياء” -بحسب وصف البيان- كل جمعة، في إشارة لمظاهرات الإخوان، وأن عملية قسم شرطة الطالبية هدفها هو تحدي التصريح “المتعجرف” -بحسب وصف البيان أيضا- لوزير الداخلية، اللواء محمد إبراهيم بخصوص الاقتراب من أقسام الشرطة، في إشارة لتصريح “اللي عايز يجرب يقرب”.
في اليوم التالي مباشرة، وعلي نحو مفاجئ، أصدرت “أنصار بيت المقدس”، الجماعة الأشهر والأبرز، بيانا
اعتذرت فيه لأجناد مصر عن إعلانها تبني عمليتي مترو البحوث وقسم الطالبية، وقالت إنها أخطأت، وبررت
الأمر بأن مجموعة أخري تابعة لها -أي للأنصار- تعمل في المنطقة نفسها، وأن المسئول أبلغ بالخطأ أن العملية تخصهم، وأشارت إلي أن “أجناد مصر” هي التي نفذت هذه العمليات وهو الأمر الذي دفع البعض لتأكيد أن ثمة علاقة تجمع بين التنظيمين، وأن هذا البيان “الاعتذاري” الصادر عن أنصار بيت المقدس كان الهدف منه الإعلان عن وجود تنظيم آخر يدعي “أجناد مصر”، وليس الاعتذار، نظرا لأن بيانات “أنصار بيت المقدس” تحظي بتغطية موسعة علي عكس “أجناد مصر” الذي كان تنظيما وليدا آنذاك.

وكشفت واقعة أخري ذات دلالة عن احتمال وجود علاقة بين “أجناد مصر” وجماعة الإخوان، حيث حدث أن
أعلنت “أجناد مصر” في بيانها الرابع عن تبنيها لحادث الانفجار الذي أصاب سيارة أمن مركزي يوم الجمعة 7 فبراير، وأسفر عن إصابة أربعة مجندين، وأشارت إلي أنها رصدت تحركات قوات الأمن والأماكن التي تتجمع فيها كل يوم جمعة، لتفريق المظاهرات، وزرعت عبوتين ناسفتين في ميدان الجيزة، وتم استهدافهم بالعبوتين، وكانت الإصابة مباشرة”. لكن بعد بضع ساعات، أصدرت حركة أخري تدعي “ولع” -يرتبط نشاطها علي شبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بجماعة الإخوان والتحالف الداعم لها- بيانا مقتضبا علي صفحتها بشبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، تعلن فيه مسئوليتها عن العملية نفسها في حين أشارت روايات شهود العيان إلي أن الانفجار وقع بعد نحو 45 دقيقة من مرور مسيرة إخوانية في المكان نفسه، بما يعني أن هناك احتمالا لوجود علاقة بين الطرفين .
وطرحت العمليات التي أعلن تنظيم “أجناد مصر” عن تبنيها تساؤلات حول النطاق الجغرافي لممارسة نشاطه،
حيث يتركز أغلبها في محافظة الجيزة والمناطق المحيطة بها. فمثلا في تفجيرات الجمعة 24 يناير، نفذ التنظيم عمليتين، إحداهما أمام كوبري البحوث، والأخري في محيط قسم شرطة الطالبية. وفي الجمعة التالية 13 يناير، نفذ التنظيم عملية أخري في مقر الإدارة العامة لقوات الأمن المركزي علي طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي القريب من محافظة الجيزة أيضا. ثم نفذ التنظيم إحدي عملياته في ميدان الجيزة، ثم تفجيراته الأهم والأبرز في محيط جامعة القاهرة ، قبل أن ينقل ضرباته إلي نطاق محافظة القاهرة في التفجيرات التي حدثت بمحيط قصر الاتحادية.

تبقي الإشارة إلي نقطتين لهما دلالة خاصة، هما أن النشاط المكثف لـ “أجناد مصر” في نطاق محافظة الجيزة دفع بعض المتخصصين لتأكيد أن هذا التنظيم يرتبط بمجموعة من النشطاء المؤيدين لحازم صلاح أبو إسماعيل، المرشح “المستبعد” من الانتخابات الرئاسية 2012، والذين أطلق عليهم مصطلح حازمون”، وكان لهم نشاط مكثف في نطاق هذه المحافظة.
أما النقطة الأخري، فهي أن هذا التنظيم هو أكثر التنظيمات استخداما للغة “الاستعطاف الشعبي” في بياناته، حيث يؤكد في كل بياناته تقريبا أنه حريص علي عدم استهداف المدنيين بأي شكل، ووصل الأمر إلي أنه وجه بيانا تحذيريا لعموم المواطنين، كشف فيه عن وجود قنبلة في محيط قصر الاتحادية، وهو الأمر الذي ثبتت صحته بالفعل.

سيناء أرض الشهداء ..
ما بين علامة نصر صنعها فرعا البحر الأحمر على الخريطة تقع شبه جزيرة سيناء والتى تمثل مثلث هو الأخطر
حدودياً، حيث إطلالة مميزة جعلت من المكان الصحراوى مفتاحاً لحياة لمصر، وربما الموت أيضاً.
فمن يملك موقعاً كشبه جزيرة سيناء يربط بين قارتين كبيرتين كـ«آسيا» و«أفريقيا»، لا بد أن يعى خطورة المكان. من هنا أعلن الجيش انتصاره على إسرائيل، وطرد آخر جندى صهيونى من مصر، وهنا أيضاً لم يتوقف نزيف الدم، ولم يتوقف عداد الشهداء عن إضافة اسم جديد كل يوم، فى قائمة زاد معدل تجديدها فى الفترة الأخيرة أكثر من ذى قبل، رغم عدم دخول مصر فى حرب ضد دولة أخرى، ولكن ثمة معركة ضارية للقضاء على الإرهاب جعلت الأمر أشبه بمعركة بين وطن وأعدائه الجدد.