أخبار مصر

بقلم: كمال جاب الله

“فقد طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي من الناس: أن تنزل وتنظف أمام وحوالين بيوتها”. بصريح العبارة، أقول: وجب السمع والطاعة، وتنفيذ طلب الرئيس منا، بلا أدنى مناقشة.

وأزيد: ليكن شعار المرحلة، في جمهورية السيسي: كل مواطن مصري نظيف، لنرفع هذا الشعار ـ جنبا إلى جنب ـ مع النداء الذي توجهت به الأسبوع الماضي، إلى كل مواطنة، وإلى كل مواطن مصري، بأن يكون خفيرا، ويتحمل مسئوليته كاملة، لحماية نفسه، وليصون عرضه وأهله وبلده، من مخاطر التفتت، والتخلف.

أكتب.. وفي خاطري مرارة، بعدما رأيت بعيني تلا بشعا من القمامة، يتحدى الناس والقانون، بشكل سافر، وفي عز الظهر، أمام واجهة دار القضاء العالي، المطلة على شارع 26 يوليو، بقلب القاهرة.

تل القمامة، هذا، بما يمثله المكان من رمزية لسلطة القضاء، الموقرة، لا يختلف ـ من حيث الشكل ـ عن التلال الهائلة، من أكوام الزبالة، التي تحاصرنا، وتصدم أعيننا، وتزكم أنوفنا، برائحتها الكريهة، في كل الشوارع والميادين، ولكنه، أي كوم الزبالة، هذا، يحمل ـ في مضمونه ـ دلالة قاطعة، على فشل الدولة المصرية المروع، وهزيمتها المنكرة، في مواجهة هذه الظاهرة المشينة، وهو مالا نرضاه لدولة السيسي الفتية، ولا لجمهوريته الوليدة، التي لا بديل عن نجاحها، وهذا النجاح لن يكتمل إلا بأن تصبح مصر المحروسة نظيفة.

كلنا استبشر خيرا، وتفاعل بإيجابية، منذ أشهر قليلة، بعد صدور قانون، يهدف إلى تحقيق الردع، والحد من انتشار ظاهرة إلقاء المخلفات، في غير الأماكن المخصصة، على نحو يشكل خطورة تهدد البيئة والأفراد.

لمن لا يعلم، ينص القانون: مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها في قانون آخر، يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من ألقى أو وضع مخلفات أعمال البناء أو الهدم أو الحفر في الطريق العام أو الميادين أو الأنفاق أو الأراضي الفضاء غير المخصصة لإلقاء المخلفات أو على الكباري أو الجسور أو على السكك الحديدية أو في الأماكن الأثرية أو في مجرى النيل والترع والمصارف أو شواطئ البحر.

أشهد أن القانون لم يشتمل بالإسم، في نصه الصريح، التعدي على واجهة دار القضاء العالي، الموقرة، ليفرض ـ نفسه ـ السؤال التالي: هل أباح ذلك للمجرمين، ممن يستحقون الشنق والحبس والغرامة، بإلقائهم المخلفات والقمامة، إلى هذا الحد السافر، على أعتاب دار القضاء العالي، الموقرة.

أقول، هل يعني ذلك، إستمرار المخالفين تحديهم للقانون، وإرتكاب جرائم مماثلة، لنرى بأعيننا، في وقت لاحق، تلالا من القمامة، على أعتاب القصر الجمهوري، الموقر، أو حتى على أعتاب مبنى البرلمان، العتيق، وهما الآخران، رمزان للسلطتين التنفيذية والتشريعية؟!

عندما أقول إن الدولة المصرية لحقت بها هزيمة مروعة، في معركتها المصيرية أمام جحافل القمامة، المخيفة، بما يفوق الرعب الذي أنزلته داعش الإرهابية، في نفوس أعدائها(!!) وهو ما لا أرضاه، قطعا، لدولة السيسي، الوليدة، فإنني لا أوجه هنا اتهاما بالتقصير، بأي حال، وحاش لله، إلى الحكومة الحالية، ولا حتى إلى الحكومات السابقة واللاحقة، ولا للمحافظين ولا لأجهزة النظافة والتجميل المعاونة.

بإختصار، مشكلة النظافة، والهزيمة المصرية المروعة في مواجهتها، هي مسئوليتنا جميعا، وكلنا يفتقد، في سلوكه وفي عاداته وفي تقاليده، البالية والمتخلفة، إلى ما يمكن تسميته بإرادة العيش في بيئة وأجواء محيطة نظيفة.

الأسبوع الماضي، ساقتني الأقدار لتقديم واجب العزاء، بقرية كفر مويس، التابعة لمركز كفر شكر، بمحافظة القليوبية، وقد لفت انتباهي مدى النظافة، التي بدت عليها شوارع القرية، وإصرار أهلها الكرام على اتباع سلوكيات حضارية محترمة، بإعمال إرادة العيش في بيئة نظيفة، رغم ضيق مساحة شوارعها. هنا.. وجبت مقارنة تلك القرية النظيفة، والاستثناء، بالحال البائس، والمهين، الذي تبدو عليه الكثير من قرى ونجوع ومدن مصر، التي تغوص، في تلال من القمامة، للدرجة المروعة، التي لم يفلت، من رائحتها، ومن قبحها، ومن فضيحتها، صرح العدالة المصون ورمز هيبة الدولة والقانون، في وسط القاهرة.

لن أفيض في وصف مظاهر النظافة ومناظر الحسن والجمال، في بلاد العالم، التي زرتها، وكيف تدار هناك، بحرفية، وبمهارة، وبعائدات اقتصادية فائقة، مسئولية الدول المتقدمة والنظيفة، في التعامل مع القمامة ومع المخلفات، مقارنة بحالة البؤس، الصادمة، التي فرضت نفسها علينا فرضا، وكأنها قدر ومكتوب، على جبين المصريين.

بضمير مستريح، أختتم وأقول: لن يرضى، ولن يقبل، ولن يطيق، المصريون بأن يعيشوا هكذا في بيئة غير نظيفة، بما تعنيه هذه البيئة الملوثة، من صدمة حضارية للناظرين، ومن خطر انتشار الأوبئة، والميكروبات والأمراض المخيفة.

المطلوب، فورا، إلى جانب إذكاء إرادة العيش في بيئة نظيفة، لدى عموم المصريين، الاستفادة من تجارب الآخرين، وتنفيذ القانون، والإسراع في معاقبة كل من تسول له نفسه الاقتراب، بقمامته وبمخلفاته، من الأماكن العامة، بالذات، من أعتاب صرح العدالة، وهيبة الدولة، بدار القضاء العالي، في وسط القاهرة.

نقلا عن جريدة الأهرام