أخبار مصر

إعداد : سميحة عبد الحليم

وقعت الرئاسة اليمنية وجماعة أنصار الله (الحوثيين)، اتفاقا لإنهاء الأزمة السياسية في اليمن، بحضور المبعوث الأممي والقوى السياسية .
وتتضمن بنود الاتفاقية بين الحوثيين والسلطة والقوى السياسية والموقع عليها في صنعاء أن يقوم الرئيس بتعيين مستشارين له من أنصار الله والحراك الجنوبي، وبتسمية رئيس الحكومة وفق معايير متفق عليها من حيث الكفاءة والنزاهة والحيادية وغير حزبية، ثم يقوم المستشارين بترشيح اعضاء الحكومة، كما يختار الرئيس وزراء الخارجية والداخلية والدفاع والمالية. بينما يختار رئيس الحكومة القادم الحقائب الاخرى وعلى ان يتم ذلك خلال ثلاثين يوما من تشكيل الحكومة وبدورها تعد برنامجا توافقيا من ضمنه تنفيذ مخرجات الحوار.

كما تضمنت الاتفاقية اصدار الرئيس خلال 15 يوما مرسوم بتوسيع مجلس الشورى. وعلى ان تكلف الحكومة بتشكيل لجنة تضم خبراء اقتصاد وتشكل لجنة في غضون أسبوع من تشكيل الحكومة لدراسة الوضعين الاقتصادي والمالي عبر مراجعة الانفاق والموازنة، ووضع برنامج شامل ومفصل للإصلاح الاقتصادي يهدف الى تجفيف منابع الفساد.

كما تم الاتفاق على ضرورة اقرار قرار جديد لتحديد سعر جديد للمشتقات النفطية. مع تنفيذ عدد من الإصلاحات السعرية، وبحسب الاتفاق تكلف الحكومة الجديدة لجنة مشتركه تضم أنصار الله لتنفيذ مخرجات الحوار فيما يخص صعده والقضية الجنوبية والجيش.

من جهته قال الرئيس اليمني، عبدربه منصور هادي في كلمة عقب إعلان التوصل للاتفاق إن الاتفاق بين كل الأطراف السياسية هو اتفاق تطوى بموجبه صفحة الأزمة الأخيرة التي كادت تعصف بالبلاد.

مضيفا “هذه الوثيقة تمثل عبوراً نحو تطبيق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وتجاوز كافة العقبات والتحديات الأمر الذي يستوجب ضرورة تطبيقها بصورة دقيقة من قبل الجميع مع الحرص على البدء فوراً في وقف إطلاق النار سواء في العاصمة صنعاء أو بقية المحافظات والمناطق .

مرحلة عاصفة فى تاريخ اليمن ..

يمر اليمن بمرحلة عاصفة من تاريخه مع تكالب التحديات، والمعضلات التى يواجهها، ابتداء من أخطار الإرهاب الذى يمثله تنظيم القاعدة فى جزيرة العرب، ومرورا بالحرب الدائرة والصراع المسلح بين الدولة اليمنية والحوثيين،
وانتهاء بتزايد حالة الاستقطاب السياسى بين الفرقاء وتزامنا مع ضعف الدولة وتراجع قبضتها، وفى ظل بيئة تعانى من أزمات اقتصادية، وغلاء، وبطالة، وكلها تحديات تجعل شبح التقسيم يخيم على البلاد.

ومع بداية الثورة اليمنية فى عام 2011 وتنحى الرئيس على عبد الله صالح عن الحكم، تعيش البلاد تجاذبات، ومشكلات، وتحديات مختلفة، متزامنة ومتراكمة. ولم تنجح جلسات الحوار الوطنى السابقة، وما تمخض عنه من نتائج فى نزع فتيل كل تلك الألغام. وفى مقابل تراجع الحوار والإدارة السلمية لأزمات البلاد وصراعاتها، تصاعدت لغة السلاح والمواجهة والتحدي. وبدا ذلك واضحا فى المواجهة الدائرة بين القوات الأمنية، والحوثيين واستعراض الحوثيين لقوتهم. فقد باتوا يشكلون دولة داخل الدولة، وهددوا أكثر من مرة باقتحام العاصمة صنعاء بعد سيطرتهم على مدن ومناطق مهمة فى البلاد فى الشمال وفى مدن استراتيجية مثل صعدة. وعلاوة على هذا، فرضوا شروطهم لوقف القتال من أهمها إلغاء قرارات رفع أسعار الوقود التى اتخذتها الحكومة اليمنية، والتى استجابت جزئيا بعودة جزء من الدعم السابق على الطاقة.

وفى الجبهة الثانية من المشهد اليمني، هناك تنظيم القاعدة فى جزيرة العرب الذى وظف حالة الفراغ الأمنى فى البلاد وازداد تغلغه وعملياته العسكرية بل وسيطرته على محافظات مهمة خاصة فى شبوة وعمران وصعدة. ونفذ عمليات اقتحام ومهاجمة عسكرية ضد مراكز ومقار قوات الأمن اليمنية ووصل إلى اقتحام وزارة الدفاع اليمنية فى صنعاء. كما وظف التنظيم حالة التدهور الاقتصادى فى البلاد، والتهميش الذى تعانيه مناطق يمنية خاصة على الأطراف فى استقطاب شباب وأبناء القبائل. كما يقيم تحالفات مع زعماء القبائل التى وفرت ملاذات آمنة للتنظيم فى بعض المناطق.

والجبهة الثالثة فى هذا المثلث الخطير الذى يواجهه اليمن، تتمثل فى حالة «الميوعة» والضبابية ما بعد الثورة اليمنية وتعثر المرحلة الانتقالية. ورغم أن الدولة اليمنية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادى أنجزت خطوات مهمة وبناءة فى اتجاه إنجاح المرحلة الانتقالية عبر الحوار الوطني، وتكريس لغة الحوار على لغة السلاح، فإن التحديات كبيرة خاصة الاقتصادية، والأمنية، والسياسية، مع استمرار بعض النزعات المتشددة التى تطالب بانفصال جنوب اليمن، رغم إقرار صيغة الفيدرالية التى كانت حلا وسطا بين المركزية الشديدة السابقة وبين الاستقلال. كما أن الصراع بين أبناء الثورة اليمنية، وعناصر النظام السابق، تمثل تحديا إضافيا يزيد من تعقيدات المشهد اليمني.

وكان الحوثيون قد بدأوا في الأسبوع الأخير من أغسطس 2014 مرحلة جديدة في خطتهم، التي تهدف إلى تعزيز نفوذ تنظيمهم، (أنصار الله)، عبر إفشال متدرج لعملية التسوية السياسية التي شاركوا فيها ، بعد تخلي الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، عن السلطة عام 2012.
ووصل الحوثيون إلى قلب صنعاء، مستغلين قضية اجتماعية ذات طابع شعبي، هي رفع أسعار الوقود، مواصلين في الوقت نفسه محاصرة العاصمة.

و كثرت الأسئلة عن هوية هؤلاء الحوثيين، وانتمائهم السياسي، والعقدي، والمذهبي، وطبيعة تنظيم (أنصار الله)، الذي صار رقما صعبا، وربما الأصعب، في المعادلة اليمنية.

من هم الحوثيون ..
تعود بداية هذا التنظيم إلى عام 1991 عندما أنشأ تنظيم (الشباب المؤمن) في بعض مناطق محافظة صعدة (يعتنق معظم أهلها المذهب الزيدي) والتي تبعد عن صنعاء العاصمة نحو 240 كم شمالا- كمنتدى فكري للأنشطة الثقافية.
واستهدف مؤسس التنظيم بدر الدين الحوثي جمع أتباع المذهب الزيدي وعلمائه في صعدة وغيرها من مناطق اليمن تحت لوائه، وكذلك التقريب بين المذهب الزيدي والمذهب الجعفري، (الاثنى عشري)، ونجح في ذلك بالفعل.

– مرجعية الحوثيين ..
يُعد بدر الدين الحوثي، الأب الروحي للحوثيين، أحد كبار علماء الزيدية الجارودية باليمن، وقد عد نفسه مجددا يرفض التقليد، وانتقد العلماء الزيديين على جمودهم وعدم التقارب مع المذهب الجعفري (الاثنى عشري)، وتوجه إلى إيران بصحبة ابنه حسين في نهاية حرب 1994، ومكث بها حتى عام 2002م. وكان واضحا منذ البداية أنه لا يعترف بأصول التشريع عند أهل السنة ومصادره، بما في ذلك الصحيحان (البخاري ومسلم)، وهما أصلان متفق على صحتهما عند أهل السنة، وورث ابنه حسين هذا المذهب (الموقف).

ورجع حسين الحوثي قبل أبيه من إيران، وكان تغيير اسم تنظيم “الشباب المؤمن” إلى “أنصار الله”، أولى خطواته بعد العودة.

ومع عودة حسين الحوثي إلى صعدة بفكرِ جديدِ، مستمد من المذهب الاثنى عشري الذي يخالف مذهبه الزيدي القديم، واجهته صعوبات لرأب الصدع بين المذهبين، لعدة أسباب، منها: أن المذهب الاثنى عشري لا يعترف بإمامة زيد بن علي، مؤسس المذهب الزيدي، فهو ليس من الأئمة الاثنى عشر، الذين يمثلون ركنا رئيسا عند الاثنى عشرية، لا يمكن الاقتراب منه أو تغييره.

ومن ناحية أخرى، فإن الزيدية لا يقرون الاثنى عشرية على تحديد أسماء اثنى عشر إماما بعينهم ، ولا يوافقونهم في ادعاء عصمة الأئمة الشيعة (فالعصمة عند الزيدية والسنة للأنبياء فقط وليس للأولياء)، وكذلك لا يقرونهم في عقيدة التقيَّة ، والرجعة ، والبداءة ، وسب الصحابة.

وفجر تنظيم أنصار الله خلافا في أوساط علماء الزيدية. ورغم أنه ضم بين مؤسسيه محمد يحيى سالم عزان، وهو مفكر زيدي معتدل، فإنه اختلف مع القائد الحقيقي للتنظيم حسين الحوثي، وانشق عن التنظيم، وأرجع ذلك إلى خروج الحوثي عن المذهب الزيدي المعتدل.

ورغم ذلك، لم يتخل حسين الحوثي عن أطروحاته وأفكاره التي يؤمن بها، بل ثبت عليها، ودخل في صدام مباشر مع علماء الزيدية، حتى وصل الأمر إلى تحذيرهم منه (في بادئ الأمر) في بيان لهم نشر بصحيفة الأمة، وهي الصحيفة الناطقة باسم حزب الحق، حذروا فيها مما سموه (ضلالات الحوثي وأتباعه)، واتهموه بمخالفة أصول المذهب الزيدي، ومذهب أهل البيت، وتحوله بشكل كامل للمذهب الاثنى عشري الذي لم يكن له موطئ قدم باليمن قبل ظهور الحوثيين.

وكذلك قال عنهم الشيخ مجد الدين المؤيدي (1914م – 2007م)، وهو عالم دين يمني، إن ظاهرة الحوثية غريبة على المجتمع اليمني المسلم في أفكارها، وأطروحاتها، بعيدة كل البعد عن المذهب الزيدي الذي يشكل هو والمذهب الشافعي توأمين رئيسيين وفرعيين في أصل عقدي واحد، هو الإسلام الحنيف.

وقد أدى امتزاج الزيدية بالاثنى عشرية لدى الحوثيين إلى ما يمكن أن نعتبره “مذهبا حوثيا” تتمثل مرجعيته الأساسية في خطابات سياسية لحسين الحوثي، تم تفريغها في مجموعة من المذكرات من قبل أنصاره، وأصبحت المرجع الأول والأساسي للتنظيم وأنصاره، على عكس المذهب الزيدي، الذي يعتمد على مجموعة كبيرة من الكتب والمراجع، في الفقه وأصوله، والتفسير وعلومه، والحديث ومصطلحه، والعقيدة وأدلتها، والسير والتراجم، وكذلك يختلف التنظيم عن المذهب الاثنى عشري، الذي له العديد من المرجعيات المختلفة، والتي تعتمد حياة عامة الشيعة على فتاواهم وتوجيهاتهم، ولهم مصادرهم الخاصة أيضا من الكتب والمراجع ، فنجد أن للتنظيم الحوثي خصوصية في مرجعيته ومصادره التشريعية، أومذهب وأيديولوجية مختلفة عن بيئته الزيدية ووجهته الاثنى عشرية “السابقة”. ويقر تلك الحقيقة عالم الزيدية محمد عبد العظيم الحوثي الذي نفى كون الحوثيين من الزيدية، أو حتى من الجعفرية (الاثنى عشرية)، وقال: هم أنفسهم يتسمّون بالحوثيين أو أنصار الله، ويدعون أنهم أصحاب مسيرة قرآنية لا مذهبية، والواقع أنهم (طلاب سلطة، متهالكون في الاستخفاف بالدماء) على حد قوله.

مرحلة التمدد وبسط النفوذ ..

غضت الحكومة اليمنية النظر عن تنظيم أنصار الله (في بادئ الأمر)، وذلك للمحافظة على توازن القوى بينه، وبين القوى السنية المتمثلة في حزب التجمع اليمني للإصلاح المعارض، والتيار السلفي التقليدي المتمثل في الشيخ مقبل بن هادي الوادعي وتلامذته من بعده من جهة أخرى.
واستطاع تنظيم أنصار الله استقطاب الشباب ووجهاء القبائل، من خلال شعاراته البراقة، وكذا القيام بدور اجتماعي وخيري ودعوي في الوقت نفسه، بينما كان هناك تناقص أو تلاش لدور الحكومة ومؤسساتها المختلفة.
فمضى التنظيم يبسط نفوذه يوما بعد يوم على حساب النفوذ والحجم السياسي والشعبي لحزب الحق، وكذلك على حساب سلطة الدولة المتآكلة ونفوذها الذي بدا ضعيفا أو لا وجود له.
ورغم تحذيرات كثير من علماء الزيدية من هذا التنظيم الخارج على أصول الزيدية، وفكرهم، فقد استمر، بل ازداد نفوذه على أرض الواقع لهذه الأسباب:

– قيام التنظيم ببعض الأنشطة الاجتماعية، كتقديم المساعدات الاجتماعية والخيرية لعامة الشعب، والوجود بينهم بشكل شبه دائم، بل تعدى الأمر ذلك إلى دفع رواتب لبعض مؤيديه، في حين تخلت المؤسسات الحكومية عن دورها المنوط بها.

– استخدام التنظيم لأساليب وشعارات براقة تجذب الشباب المتحمس المندفع، وكذلك وجهاء القبائل المختلفة الكارهين لإسرائيل وأمريكا وتدخلاتهما السلبية في المنطقة العربية، مثل شعارهم (الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود .. النصر للإسلام).

– سوء التقدير الحكومي لقوة هذا التنظيم المتنامية، بداية من غض الطرف عن نشاطاته التي كانت تتسع يوما بعد يوم، وزيادة نفوذه على حساب سلطة الدولة نفسها، ثم القصور الحكومي في التعامل الشامل معه، واعتماد الحكومة أن مواجهته عسكريا كافية للقضاء عليه، مع استبعاد المواجهة الفكرية العلمية الممنهجة.

– الدعم الإيراني في إطار تصدير الثورة لليمن، وأخذ هذا الدعم أشكالا متعددة .

مرحلة التنظيم المسلح وأهم المعارك ..

تحول التنظيم من الدعوة الفكرية، والمناظرات مع علماء الزيدية، وطلاب المعهد الديني السني بدماج، إلى حمل السلاح، وبرر ذلك بالاستعداد للدفاع عن اليمن ضد التدخل الأمريكي المحتمل. ومع وجود سوق مفتوح للسلاح الخفيف والمتوسط، لم يستعص على التنظيم الحوثي الحصول على السلاح، بل والتدرب عليه.

وخاض هذا التنظيم سبع معارك مع الجيش اليمني، وبعض القبائل المؤيدة له كحاشد وغيرها، خلال الفترة من 2004 إلى 2014، وهي:

المعركة الأولى: اندلعت في يونيو 2004، وقتل فيها قائد التنظيم حسين الحوثي، والذي يظن الكثير من أعوانه أنه لا يزال حيًا حتى هذه اللحظة.

المعركة الثانية: اندلعت في مارس 2005 لمدة أسبوعين، وكانت بقيادة الأب بدر الدين الحوثي.

المعركة الثالثة: اندلعت في نوفمبر 2005، وشهدت بداية ظهور قائد جديد هو عبد الملك الأخ الأصغر لحسين الحوثي.

المعركة الرابعة: اندلعت في يناير 2007، بعدما أن اتهمت الحكومة الحوثيين بطرد اليهود من محافظة صعدة، تمهيدا للانفصال عن الدولة.

المعركة الخامسة: اندلعت في مارس 2008، وكانت حربا فارقة ومختلفة عن الحروب السابقة لها، وذلك في توسع نطاق عملياتها، إذ لم تنحصر في صعدة كما حدث في الحروب الأربع السابقة لها، بل امتدت إلى جبهات جديدة في مناطق يدين أهلها بالمذهب الزيدي، ومنها مديرية بني حشيش، وهي إحدى المديريات القريبة من العاصمة صنعاء.

المعركة السادسة: اندلعت في أغسطس 2009، وكانت فيها مفاجآت وأبعاد جديدة، حيث أعلنت الحكومة عن اكتشاف تورط إيران في دعم الحوثيين، من خلال اكتشاف ستة مخازن للسلاح والذخيرة المملوكة للحوثيين، وبعض الأسلحة المكتوب عليها صنع في إيران، وتشمل صواريخ قصيرة المدى، ومدافع رشاشة وذخيرة. أعقب ذلك بقليل إعلان الحكومة القبض على سفينة إيرانية محملة بالأسلحة والذخائر كانت في طريقها للحوثيين.

وحملت تلك المعركة خطر استدراج المملكة العربية السعودية، وذلك بعد اعتداء الحوثيين على حدودها، من خلال التمركز بجبل الدخان، والذي يدخل جزء منه في الأراضي السعودية، حسب اتفاقية الطائف، ثم إعلان السعودية بشأن العثور على مخازن للأسلحة والذخائر بهذا الجبل، الأمر الذي جعل خطر جر المنطقة لصراع إقليمي طائفي مماثلا.

المعركة السابعة ودلالاتها:
بدأت إرهاصات المعركة السابعة، الشهيرة بحرب عمران، في مارس 2014، عندما استغل الحوثيون الارتباك المتزايد في المشهد اليمني، واضطرابات الجيش المخترق من قبل رجالهم، وتشتته في أكثر من جبهة في الشمال والجنوب، فقام الحوثيون بهجوم مباغت على مواقع تابعة للواء 310 مدرع، وهو اللواء الأقوى تشكيلا وتسليحا، والذي تعتمد عليه الحكومة بشكل كبير في معاركها مع الحوثيين، وتحولت محافظة عمران إلى ساحة حرب.

وكان من نتائج هذه المعركة أن الحوثيين صاروا على بعد 50 كم من العاصمة صنعاء، مما أتاح لهم الزحف إلى مداخلها، وكذلك تهجير آل الأحمر من منازلهم ومعاقلهم في حاشد، وقد كانوا أصحاب النفوذ والمناصب في حكومات اليمن المتعاقبة، وتغيرت موازين القوى لمصلحة الحوثيين، وسقط معها جزء كبير من هيبة الدولة.

ولم يكن وقف إطلاق النار في كل من هذه المعارك السبع إلا بداية مرحلة جديدة يزداد فيها غياب سلطة الدولة ونفوذها عن مناطق جديدة، يكثف الحوثيون فيها نشاطهم، ويكتسبونها ببراعة.

والملاحظ هو خروج الحركة الحوثية من كل معركة تخوضها أكثر قوة، وتماسكا، وتناميا، بنفوذ أكبر، ومساحة على الأرض أوسع من سابقتها، فتنامت دعوتهم خارج صعدة التي خضعت لهم بشكل كامل خصوصا بعد تهجير أهل دماج، وطلبة العلم بها بناءً على اتفاق بين الحكومة والحوثيين في يناير 2014.

وهكذا، صار الشمال اليمني بأكمله في قبضة الحوثيين، وبسطوا سيطرتهم عليه، حيث كانت دماج آخر معقل للدولة في صعدة.

عوامل تفوق الحوثيين العسكري .ز
ورغم أن الجيش أكثر عددا وعدة، فإن التفوق كان دائما للتنظيم الحوثي. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب:

السبب الأول يتعلق بالدولة نفسها:

– تشتت الدولة بين عدة مواجهات مع الحراك الجنوبي، والقاعدة، والحوثيين في الشمال، وكذلك مطالب حزب التجمع للإصلاح التي تتعارض مع أهداف ومنهج الحكومة.

– ضعف سلاح الجو اليمني، وهو السلاح الوحيد الذي تتميز به الحكومة على التنظيم الحوثي، وعدم قدرته على تحديد الأهداف، وإصابتها بدقة، وافتقاد تكنولوجيا الأقمار الصناعية، وما شابهها، في تحديد الأهداف، حتى يسهل إصابتها إصابة مباشرة، فضلا عن اضطرار الطيارين إلى الطيران على مستوى منخفض، حتى يتسنى لهم رؤية الأهداف، فيصبحوا بذلك صيدا سهلا للدفاعات الجوية الحوثية، مع إمكانية اصطدام طائراتهم بالجبال المرتفعة للطبيعة الجبلية للبلاد، وقد حدث ذلك بالفعل.
– عدم وجود طرق معبدة، الأمر الذي يعيق تحركات الجيش بأسلحته الثقيلة، في حين يحسن الحوثيون استخدام هذه الطرق لمصلحتهم، لما لديهم من أسلحة خفيفة ومتوسطة، يسهل التحرك بها.
– وجود سوق مفتوحة للسلاح تتيح لأي تيار أو جماعة التسلح بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وهي الأسلحة الفعالة بشكل كبير في هذا النوع من المعارك، لصعوبة استخدام الأسلحة الثقيلة والطيران في البيئة اليمنية، وبالتالي لا يوجد تفوق كبير للجيش على غيره من القبائل التي تحصل على السلاح بسهولة.
– تشرذم التيارات السنية (فحزب الإصلاح في خلاف غير بسيط مع طلبة العلم السلفيين وغيرهم من التيارات السنية..)، فلا توجد لهم راية واحدة.

السبب الثاني يتعلق بالحوثيين أنفسهم:
– التمكن التربوي الأيديولوجي الذي زرعه حسين الحوثي في الجماعة لدرجة إقدامهم على الموت دون تردد أو هلع من أجل الوعد المقدس والنصر الأكيد، فهم يقاتلون عن عقيدة.
– التدريب الجيد للحوثيين، واستغلال الهدنة بين كل معركة وأخرى في مزيد من التدريب على استخدام الأسلحة المختلفة، وكذلك التسليح بالأسلحة المتقدمة.
– توحد الجماعات والقبائل الشيعية المختلفة تحت راية واحدة، هي راية الحوثي، فقد تحول معظم معتنقي المذهب الزيدي إلى الاثنى عشري، وانصاعت تيارات أخرى للتيار الحوثي، كالتيار الصوفي. فالمناهج متقاربة، والأيديولوجية غير بعيدة، والخصم واحد هو التيار السني، المتمثل في حزب الإصلاح أو التيار السلفي، الذي فقد مركزه في دماج، وهُجرَ منها.

السبب الثالث يتعلق بالدعم الداخلي والخارجي:

– الدعم الداخلي:
من الرئيس السابق علي عبد الله صالح ورجاله، ووضع إمكاناتهم من سلاح وغيره، وكذلك ما تحت أقدامهم من أراض، في خدمة الحوثيين، ومن شايعهم، فنال الحوثيون معدات عسكرية، وأماكن استراتيجية، ساعدت بشكل مباشر على تغيير موازين القوى، وانقلاب الدفة لمصلحتهم، في غفلة من الحكومة، والقبائل السنية، أو العشائر الموالية لهم. فكان التقدم الحوثي في عدة محاور، واحتلال مزيد من المساحات الاستراتيجية المؤثرة، ولعل دخولهم مدينة عمران خير شاهد لذلك.

– الدعم الخارجي:
عن طريق إيران، و دعمها للحوثيين مر بعدة مراحل، بدءًا من الدعم الإعلامي عن طريق قناة المنار، وغيرها، وزيارات لأهم علماء وقادة هذا التنظيم لإيران (بدر الدين الحوثي وحسين الحوثي، وغيرهما) في أوقات مختلفة، ومكوثهم هناك فترات غير قصيرة، وكذلك بعثات طلبة الزيدية للدراسة وطلب العلم من خلال حوزات إيران، وإعادة صياغة هؤلاء الطلبة بالصبغة الاثنى عشرية الخالصة. ثم أخذ هذا الدعم منحى جديدا. فوفقًا للخطاب الرسمي، تم اكتشاف مخازن للسلاح والذخيرة في مقرات وجود مقاتلي الحوثيين، مكتوب على بعضها صنع في إيران، وكذلك القبض على سفينة إيرانية محملة بالأسلحة والذخيرة، بالقرب من سواحل اليمن، متوجهة لمحافظة صعدة أي للحوثيين، وأسر بعض المقاتلين الحوثيين من قبل الجيش. وأثناء التحقيق معهم، وجدوا أنهم من حزب الله.
وكذلك اتهمت الحكومة اليمنية إيران بدعم الحوثيين، فقد كشفت مصادر سياسية ودبلوماسية يمنية، في تصريحات متطابقة، عن أن إيران تدرب أعدادا كبيرة من الحوثيين في إريتريا المجاورة لليمن على الساحل الإفريقي للبحر الأحمر.

عوامل قوة الحوثيين وضعفهم ..
عوامل القوة: ظهورهم في صورة المخلص من الظلم والفقر، حيث يستغل الحوثيون الأماكن الفقيرة الخالية من الخدمات الأساسية الحياتية، وكذلك البعيدة عن مراكز الدعوة السلفية بأنواعها المختلفة، ويعملون فيها بجد مع العامة، ويوفرون ما استطاعوا من خدمات اجتماعية وخيرية. وخلال ذلك، ينشرون دعوتهم.
– اختراق جبهات أعدائهم، سواء في الجيش، أو في الحراك الجنوبي، أو القبائل، واستغلال الفرقة بين القبائل، وجذب ما يمكن منهم للتنظيم أو تحييده، حتى يستطيع تقليل حجم الخصم، وإضعافه قبل خوض المعركة معه.
– غياب الدولة، وهشاشة مؤسساتها في العديد من المدن والقرى، وبالتالي غياب نفوذها وسلطتها، واستغلال الحوثيين لهذا الغياب الاستغلال الأمثل.
– تشرذم التيارات السنية المختلفة فيما بينها في فروع الدين، وأولويات الدعوة، مثل الخلاف بين حزب الإصلاح، والسلفيين، والحراك الجنوبي.
– جمع الشيعة باختلاف عقائدهم تحت راية واحدة، هي راية الحوثية، فجُمع الحوثيون، والشيعة الزيدية، والاثنى عشرية، بل امتدت راياتهم لتجمع تحتها التيار الصوفي وغيره.
– القتال عن عقيدة، رغبة وطمعا إما في الجنة، أو النصر المنشود.
– ظهور الحوثية بوجه المتعفف عن مناصب الدولة المختلفة، بعدم تعجلهم في الانقضاض على مفاصل الحكومة، رغم قدرتهم على ذلك، في حين وقع غيرهم في هذا الشَرَك، فكان التعيين في المناصب المهمة على أساس الهوية الحزبية، أو القبيلة، والعشيرة والنفوذ.

عوامل الضعف:
المسافة البعيدة بين شعار (الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام)، والواقع، فكل الضحايا يمنيون، ولا يموت أمريكي، أو يهودي واحد. كذلك، فإن اللعنة لم تسقط أمريكا، أو توقف مجازر إسرائيل ضد العرب في فلسطين. ولم يقدم الحوثيون شيئا لنصرة الإسلام، سوى مزيد من إراقة دماء أهل اليمن المسلمين من كل الطوائف، فظهر أنه مجرد شعار لجذب المتحمس من أهل اليمن فقط، ليس إلا.
– لم يستطع الحوثيون درء الاتهام بأن مشروعهم مبني على العرقية، والطائفية، وإعادة دولة الإمامية، وليس على دفع الظلم، وإقامة العدل، كما في ظاهر دعوتهم، مما يفقدهم جزءا كبيرا من مصداقيتهم.
– سهولة اختراق التنظيم الحوثي، والعمل على هدمه من الداخل.

ما الذي يريده الحوثيون ..
جاء الحراك الحوثي الأخير على خلفية رفع الدعم عن أسعار الوقود، ليستغل الضائقة الاقتصادية والمعيشية لأغراضه السياسية. فالحوثيون الذين توسعوا عسكرياً خارج منطقتهم، محافظة صعدة في الشمال، ووصلوا إلى مشارف العاصمة صنعاء، باشروا بشنّ حملة عمدوا فيها إلى تقليد انتفاضة العام 2011 بإقامة خيام الاعتصام للضغط من أجل إسقاط الحكومة الحالية. وهدفهم الظاهر هو الاحتجاج على إجراءات اقتصادية تعتزمها هذه الحكومة، أما الغاية الحقيقية فهي استثمار سيطرتهم على محافظة عمران التي أدّت إلى إضعاف حزب الإصلاح، الواجهة السياسية للإسلاميين عموماً وجماعة “الإخوان المسلمين” خصوصاً، وهذا الحزب بات في نظرهم مستحوذاً على عدد من الحقائب الوزارية التي لا تتناسب مع نفوذه الواقعي. وبالتالي فإن الحوثيين يريدون وجوداً لهم في التركيبة الحكومية.

وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أنّ استبعاد الحوثيين من الحكومة الانتقالية التي شُكّلت إثر تنحّي الرئيس السابق علي عبدالله صالح كان خيارا تحف به العديد من الأخطار والتحديات، إذ كان هناك حرص على حضور جنوبي في هذه الحكومة لإبعاد أيّة شبهات بالتمييز، كما أن تمثيل الإسلاميين أريد منه أن يَرمز جزافا إلى “انتصارهم” في المواجهة مع نظام علي صالح، لكن جرت المحافظة على “تقليد” استبعاد الحوثيين.

الحوثيون اعتمدوا معيارا خاصا بهم لـ”الإقليم الزيدي” الذي يناسب تطلعاتهم
ورغم أن هؤلاء أبدوا استياءهم، فقد شاركوا في الحوار الوطني وعزموا على معالجة الأمر ميدانياً أولاً بطرد جماعات السلف من صعدة، ثم بالتمدّد إلى عمران حيث طردوا آل الأحمر (زعماء حزب الإصلاح) من مسقط رأسهم ومعاقلهم التاريخية، بل مزّقوا عملياً تحالفاتهم التقليدية مع قبائل المنطقة التي استطاع الحوثيون استمالتها تمويلاً وتسليحاً. وهذا ما فعلوه في أكثر من منطقة منتهزين فرصة انهيار قدرات حزب الإصلاح على رعاية القبائل، بعد تراجع الدعم السعودي بسبب الهيمنة الإخوانية على هذا الحزب.
ولعل التهديد الذي بات يشكّله الحوثيون لمجمل العملية السياسية هو ما دعا سفراء الدول العشر الراعية لهذه العملية
(خمس دول من مجلس التعاون الخليجي والدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن) إلى توجيه تحذير إلى هؤلاء، بعدما أصبح تحرُّكهم مستمراً ومنسَّقاً، بل إنه في طريقه إلى تغيير طبيعة الأزمة ومآلاتها. لكن عبدالملك الحوثي، زعيم جماعة أنصار الله المدعومة من إيران، تحدّى هذا التحذير بتحذير مضاد من أيّ تدخل عسكري خارجي.

ورغم مصاعب الحياة اليومية مازال اليمنيون يتمتعون بالتفاؤل والتطلع إلى المستقبل، ، وحالة الاستقطاب، وخطاب نفى الآخر، وتوجيه التهم. فغالبية اليمنيين على قناعة بأن مثل هذا الخطاب لا يمكن أن يكون علاجا ناجعا لأزمات اليمن ومشكلاته.
ولعل الطريق الوحيد الذى ينزع ألغام اليمن بحسب الخبراء ، هو تكريس العملية السياسية القائمة على الحوار بين كل الفرقاء فى البلاد، واستيعاب الجميع فى عملية سياسية تنحاز لمصلحة البلاد العليا، وترتكز على إنهاء ظاهرة العسكرة، ونزع الأسلحة من كل الأطراف، وتركيزها فقط فى يد الدولة، والمساعدة فى بناء الجيش اليمني، وقوات الشرطة، لتتمكن من الدفاع عن البلاد وسيادتها، وتسهم فى بسط الأمن الداخلي. ويتزامن مع ذلك كله، اتخاذ الإجراءات الاقتصادية التى من شأنها أن تساعد فى تحسين أوضاع ومعيشة كل اليمنيين بلا استثناء، ووقف كل أشكال التدخل الخارجى التى تغذى الاستقطاب والصراع .