أخبار مصر

تحقيق: ايمان صلاح الدين

طرحت الحكومة المصرية البورصة كأداة لتمويل مشروعات ضخمة ابرزها تنمية محور قناة السويس بعد تفاقم عجز ميزانيتها وارتفاع ديونها مما اعاد الحديث عن دور سوق المال في قيادة النمو الاقتصادي الى السطح مرة اخرى.. فهل البورصة “مرآة للاقتصاد” ام “صالة قمار” وهل تمثل “بوابة للاستثمار” ام يحصد المتعاملون بها “مكاسب بلا عناء” وهل تعد “مصدرا مهما للتمويل” ام مجرد “اداة لجني ثمار الاقتصاد الحقيقي”.

وخلال تدشين مشروع تنمية محور القناة، اعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي عن طرح الاكتتاب في مشروع تنمية قناة السويس للمصريين فقط.

وكان ابراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء قال – على هامش مؤتمر الطروحات الاولية بالبورصة – ان الحكومة تلجأ لطرح مشروعات قومية كبرى للاكتتاب العام بعد نجاح السوق في توفير مليارات الجنيهات لتوسع الشركات المقيدة.

وبينما تسعى مصر الى اصلاح اقتصادها الذي انهكته اضرابات سياسية وامنية مستمرة منذ اكثر من 3 سنوات لتتراجع بمعدلات النمو من 7 % في 2010 الى نحو 2 % في 2013 يصبح هدفها الاول تحقيق نمو، وتصبح اهمية سوق المال مرهونة بقدرتها على دعم وبناء نمو اقتصادي حقيقي عبر خلق انتاج وتوفير فرص عمل.. فاين يقع دور البورصة على طريق النمو؟.

ويعبر معدل النمو عن حجم النشاط الاقتصادي داخل الدولة خلال فترة محددة، ويشمل اجمالي ما تنتجه الدولة من سلع وخدمات بجانب حجم الاستهلاك والاستثمار والانفاق الحكومي والفارق بين الصادرات والواردات.

والبورصة سوق لتداول الاوراق المالية، يتم داخله بيع وشراء حصص من شركات في صورة اسهم، وتتيح سوق المال تداول انماط مختلفة من الاوراق المالية بجانب الاسهم منها السندات.

وللبورصة 3 ادوار في الاقتصاد، اولها التمويل، حيث تمكن المستثمر الراغب في انشاء مشروع من تنفيذه دون الحاجة الى امتلاكه المال اللازم لذلك عن طريق طرح المشروع للاكتتاب بمعنى اقتسام ملكية المشروع بادخال شركاء.

وتتيح البورصة تقييما لحظيا لاسعار الشركات المدرجة وفق اسعار السوق التي تحددها قوى العرض والطلب. واخيرا تسهل سوق المال عملية تخارج المستثمر من اي شركة بطرح ما في حوزته من اسهم للبيع.

بوابة للاستثمار

قال الدكتور هشام ابراهيم استاذ التمويل بجامعة القاهرة، لموقع اخبار مصر www.egynews.net  ان البورصة تعد البوابة الاولى للاستثمار، لان المستثمر الذي يريد دخول سوق يبدأ باختباره عن طريق الاستثمار الغير مباشر وهو البورصة”.

وفسر قوله بان “المستثمر عادة يكون حريصا جدا قبل اتخاذ قرار الاستثمار المباشر وضخ اموال في الاقتصاد الحقيقي.. فيبدأ بدخول سوق المال ليعرف حجم التسهيلات الممنوحة للمستثمر، وحرية الدخول والخروج من السوق، وسهولة تحويل الاموال من العملة المحلية الى عملات اخرى، وبالتالي يستطيع اتخاذ قرار دخول الاقتصاد الحقيقي من عدمه”.

ويقصد بالاستثمار المباشر الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، عبر تنفيذ مشروعات على الارض تحقق قيمة مضافة للاقتصاد مثل بناء مصانع وتأسيس شركات، وبالتالي خلق انتاج جديد وتوفير فرص عمل.

اما الاستثمار غير المباشر، فيعني بالاقتصاد المالي، ويتم عن طريق شراء اسهم في شركات تسهم في نشاط الاقتصاد، مما يوفر سيولة للشركات القائمة تزيد من قدرتها على التوسع والنمو.

وافاد ابراهيم بانه رغم الدور المهم للبورصة في جذب الاستثمار، الا انها لا يمكن ان تقود عملية النمو بمفردها، فلابد ان يكون هناك عوامل اخرى، مثل وجود مناخ ملائم للاستثمار في الدولة، سواء على مستوى التشريعات المنظمة للاستثمار، وسهولة اجراءات تنفيذ المشروعات، ووجود سوق قادر على استيعاب النشاط الاستثماري، وتوافر ايدي عاملة ماهرة ومدربة، وغيره من عوامل جذب الاستثمار.

وذكر ان البورصة لابد ان تكون قوية حتى تستطيع ان تجذب الاستثمارات وتدعم الاقتصاد الحقيقي.

وقال “كلما كانت السوق تتيح الاستثمار في قطاعات مختلفة من المشروعات، كالعقارات، والاتصالات، ومواد البناء، والادوية، وغيرها، كلما استطاعت جذب فئات مختلفة من المستثمرين المهتمين بتلك القطاعات، كما ان حجم التداولات بالسوق والقيمة السوقية للاسهم المدرجة المعروفة برأس المال السوقي ومعدلات الربحية التي تتيحها الاسهم المدرجة بالبورصة للمستثمرين عوامل مهمة تساعد البورصة على اداء دورها في جذب الاستثمار”.

توظيف البورصة

وقال وائل عنبة رئيس مجلس الادارة والعضو المنتدب لمجموعة ادارة محافظ مالية “البورصة تستطيع قيادة قاطرة النمو اذا ادت ادوارها في التمويل والتسعير والتخارج بصورة جيدة وهنا تأتي اهمية نظرة السياسية الاقتصادية لسوق المال وتوظيفها لخدمة الاقتصاد”.

ولا يتعارض وضع الحكومة لسياسات اقتصادية تعبر عن اولويات كل مرحلة مع اتباع اليات السوق الحر الذي تنتهجه مصر منذ عقود، وفقا لعنبة.

واوضح ان اهتمام السياسة الاقتصادية للدولة باستخدام البورصة في تمويل المشروعات امر مهم وجيد جدا اتجهت له الحكومة المصرية مؤخرا، حيث يؤدي الى توظيف مدخرات الافراد بشكل افضل، كما يقلل من اتجاه الدولة الى الاقتراض ويحد من الضغوط التضخمية على الاقتصاد.

وفي مايو 2014، طرحت الحكومة المصرية مشروعات بنية تحتية للاكتتاب العام في البورصة بعد تزايد اعباء الديون الداخلية والخارجية على الموازنة العامة للدولة.

ووفقا لإحصائيات وزارة المالية، تضاعف حجم الدين المحلي الإجمالي خلال 3 سنوات فقط من 700 مليار جنيه في موازنة 2009 الى 1.546 ترليون جنيه في 2013.

والدين المحلي الإجمالي يعبر عن حجم الاموال التي اقترضتها الحكومة سواء من الداخل أو الخارج، ويطلق على الاستدانة من الدول الاخرى أو مؤسسات التمويل الدولية “الدين الخارجي”، بينما يقصد بالدين الداخلي حجم ما اقترضته الدولة من البنوك المحلية عبر طرح أذون خزانة وسندات.

واوضح عنبة ان تمويل المشروعات عن طريق سوق المال يقلص من التضخم فمن ناحية يخصم فوائد الاقتراض من البنوك او السندات من تكلفة الانتاج فيقدم منتج او خدمة اقل سعرا كما انه يوجه جزءا من مدخرات المجتمع للاستثمار وبالتالي لا توجه الى الطلب وتخلق ضغوطا تضخمية.

والتضخم مؤشر يعنى برصد التغير في معدلات القدرة الشرائية للنقود عبر متابعة اسعار سلة من السلع والخدمات ويتحرك حاليا حول مستوى 10 %.

وذكر عنبة ان تفكير الحكومة في طرح مشروعات قومية مهمة مثل تنمية محور قناة السويس للاكتتاب امر جيد، قائلا “تنمية منطقة مهمة في مصر بمدخرات المصريين يوفر لهم عائدا ضخما ممكن ان يستأثر به مستثمر اجنبي، كما يوجد استثمارات لمدخرات متراكمة بالبنوك يذهب جانب كبير منها الى شراء السندات واذون الخزانة الحكومية دون قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد”.

والاذون والسندات صكوك دين تصدرها الحكومة للاقتراض من البنوك باجال مختلفة لتغطية عجز الموازنة والوفاء بنفقات الحكومة مثل صرف الاجور والمرتبات وتغطية مخصصات الدعم وما شابه ذلك.

ويعبر عجز الموازنة عن ارتفاع مصروفات الدولة عن إيراداتها مما يضطرها الى البحث عن مصادر تمويل جديدة قد تكون الاستدانة أو فرض المزيد من الضرائب أو تخفيض النفقات.

وزاد عجز الموازنة في مصر من 125 مليار جنيه في العام المالي 2009 – 2010 الى 238 مليار جنيه في 2012 – 2013.

ومع زيادة الاتجاه الحكومي للاستدانة من البنوك زادت الفوائد على الأذون والسندات الحكومية من أقل من 7 % في 2007 الى نحو 15 % في 2013، وفقا لوزارة المالية.

وافاد تقرير للبنك الدولي بعنوان إدارة المخاطر من أجل التنمية صدر بنهاية 2013 بان البنوك المصرية واجهت انخفاضا كبيرا في معدلات الاقراض حيث انخفضت نسبة القروض إلى الودائع من 80.3 % فى عام 2000، إلى 47 % في مارس 2013، مما يعني أن اكثر من نصف أموال المودعين فى البنوك غير مستغلة.

وفي المقابل، استطاعت البورصة توفير تمويل توسعات شركات بقيمة 13.3 مليار جنيه خلال السنوات الثلاث الممتدة من 2011 الى 2013 بالرغم من التوترات السياسية والاقتصادية التي شهدها الشارع المصري خلال تلك الفترة والتي تراجعت بمعدلات نمو الاقتصاد الى نحو 2 % فقط، بحسب تقارير البورصة.

وساق عنبة مثالا على قدرة البورصة على قيادة النمو الاقتصادي من البورصة الامريكية قائلا “الشركات المكونة لمؤشر داو جونز الامريكي شكلت الاقتصاد الامريكي الذي يعد اعتى اقتصادات العالم ومنها جنرال الكترك وجنرال موتورز وغيرها”.

 دورها لاحق

ويرى اقتصاديون ان دور البورصة يعد مساهمة في تنمية الاقتصاد ولكن يأتي عقب نشاط الاقتصاد الحقيقي.

وتقول الدكتورة علياء المهدي استاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية “دور البورصة يأتي عقب تحقيق الاقتصاد الحقيقي خطوات كبيرة على طريق التنمية”.

واضافت ان التنمية الاقتصادية تبدأ بتحرك رؤوس الاموال الى العمل والانتاج الحقيقي وبعد ذلك يأتي دور البورصة كوسيلة مساعدة في عمليات التوسع والتخارج.

ووافقها الدكتور مصطفى بدرة استاذ التمويل والاستثمار بجامعة عين شمس الرأي قائلا ان التنمية تبدأ بضخ استثمارات بالاقتصاد الحقيقي ومن ثم ينتقل النشاط الى الاقتصاد المالي.

وقال “تبدأ عجلة الانتاج بالدوران عندما يقرر مستثمر بناء مصنع مثلا فيقوم بالتعاقد من جهات للتنفيذ ويشترى مكان لاقامة المشروع مما يضخ اموالا في الاقتصاد توجه للادخار والانفاق على شراء السلع والخدمات ومن ثم خلق طلب جديد”.

“وبعد ذلك يأتي دور الاستثمار الغير مباشر فلابد من وجود مشروعات فعلية لادراجها في سوق المال وهو ما لا يتعارض مع دور البورصة كاداة تمويل.. فلابد من وجود سوق مال نشط به شركات مقيدة حتى يستطيع تمويل مشروعات جديدة او تمويل توسعات لمشروعات قائمة بالفعل”، وفقا لبدرة.

واورد ان الاقتصاد كالاواني المستطرقة ينتقل فيه النشاط او الكساد من قطاع لاخر بصورة سريعة فوجود نشاط صناعي او زراعي يستتبعه نشاط تجاري ونشاط في التعاملات المصرفية ثم نشاط باسواق المال والعكس صحيح.