تحرير و ترجمة : خالد مجد الدين

فى الوقت الذى أصبحت فيه أجهزة الكمبيوتر العملاقة وكل ما يصب فى مجال الذكاء الصناعى  AI ، ينظر له على انه ادوات جديدة لاعادة تشكيل مستقبل البشرية ، تتصاعد المخاوف حول كيفية ضمان هذا الوعد و ان لا تفوق مخاطره مزاياه .

البروفيسور “ستيفن هوكينج Stephen Hawking “، هو واحد من العلماء البارزين في بريطانيا ومن اوائل الذين حذروا من الجهود الرامية إلى خلق آلات ذاتية التفكير و تقنية الذكاء الصناعى باعتبارها تشكل تهديدا لوجودنا ذاته ، فيقول “‘تنمية الذكاء الاصطناعي الكامل قد يعني نهاية الجنس البشري” وأوضح “هوكنج” أن بمقدور تقنيات الذكاء الصناعي أن تعيد تصميم نفسها ذاتيا، وتتطور بشكل متسارع، وهو أمر لا يستطيعه الجنس البشري، مما قد يؤدي إلى استبدال الإنسان بالتقنيات الصناعية كونها أكثر تطوراً على حد تعبيره.

ويتفق معه ايضا “ايلون موسك Elon Musk ” الامريكى الكندى الرئيس التنفيذى لشركة ” تيسلا” للسيارات الكهربائية، كذلك ايضا “بيل جيتس Bill Gates ” مؤسس ميكروسوفت، والذى يحث دائما على الحذر من ذلك معبرا عن خشيته لمخاطر تنمية الذكاء الاصطناعي؟!.

ان الفزع من خلق وحوش تسود البشر وتصبح أسيادهم، ليس بجديد، ويتردد على كل لسان منذ قديم الازل، ولكن هذه المخاوف بدأت تتخذ وزنا جديدا لها ، بعد ان اصبحت أجهزة الكمبيوتر العملاقة في كل جيب مع انتشار الهواتف الذكية و الاجهزة اللوحية التى اصبحت مع التطبيقات المتاحة يمكنها فعل كل شىء تقريبا، وأصبح الان الواقع يفرض علينا سؤالا واضحا و هو كيف نقلق بحكمة من هذا الوضع الى وصلنا اليه ؟!

والخطوة الأولى: هي فهم ما يمكن لأجهزة الكمبيوتر ان تفعله و تؤديه الآن ، وما المرجح أن تكون قادرة على القيام به في المستقبل.  فنجد انه بفضل زيادة قوة المعالجات الرقمية التى حققت طفرة كبيرة ، اصبح هناك وفرة متزايدة من البيانات المتاحة رقميا، و اصبح هناك نظم الكترونية تدعى “التعلم العميق deep learning” تعتمد على محاكاة الطبقات من الخلايا العصبية في الدماغ البشري وتجعلها تستوعب كميات هائلة من البيانات،  بل يمكنها الاضافة الى قاعدتها البيانية وتعليم نفسها أداء بعض المهام،  بدءا من التعرف على الانماط و العادات الى الترجمة الفورية، وتقريبا قد يكون ادائها  مثل اداء البشر . ونتيجة لذلك، فان الأشياء التي كان يتم وصفها بانها خاصة بالعقل البشرى for a mind مثل تفسير الصور ولعب لعبة فيديو، اصبحت متاحة الآن في نطاق برامج الكمبيوتر.. و على سبيل المثال برنامج DeepFace  الذى يعتمد على خوارزمية رياضية كشف عنها الفيسبوك في عام 2014، يمكنها التعرف على الوجوه البشرية الفردية في الصور بنسبة تأكيد بلغت%97 .

بشكل حاسم، قدرات الذكاء الصناعى AI مازالت محدودة وضيقة اليوم ، و منتجات الذكاء الصناعى مازالت  فى بدايتها ، و لكن مظاهر تطورها و الطفرة التى تتحرك بها  كما يقول أستاذ هندسة الميكانيك وعلوم الفضاء في جامعة كورنيل، وأحد مطوري الروبوتات الذكية “هود ليبسون Hod Lipson” ، إن تقنيات الذكاء الصناعي أصبحت قوية للغاية، ومن المحتمل أن تتجاوز قدرات الإنسان. وتوقّع حدوث ذلك خلال القرن القادم.

ولكن هناك من يرى ان منتجات الذكاء الصناعى AI هى الان قوية بالفعل بما يكفي لإحداث فرق كبير في حياة الإنسان، ويمكن أن تعزز بالفعل المسعى البشري من خلال استكمال ما يمكن أن يفعله البشر .. فالأطباء زادت قدرتهم بشكل كبير فى اكتشاف السرطان وعلاجه ، وخورزميات الرياضة القادرة على نطق الكلمات و قراءة  المقالات والخطابات التى تعمل على الهواتف الذكية تجلب مزايا عديدة إلى عدة ملايين من الأميين في البلدان النامية؛ وبرامج المساعدة الرقمية تقترح الفرضيات وتعد اضافة واعدة للبحث الأكاديمي. و غيرها من الخوارزميات التى أصبحت جزء من حياة البشر و قوة ايجابية تضاف الى قوتهم البشرية .. حتى على مستوى الامن وما جلبه الذكاء الصناعى من فوائد جمه للامن الوطنى للبلاد سواء كانت دول ديكتاتورية او ديمقراطية بقدرة اجهزة و برامج الكمبيوتر على رصد ومتابعة المليارات من المحادثات والتعرف على شخصيات المتحدثين و اخراجهم من وسط الحشود من خلال صوته أو صورة وجهه ، يرى البعض هذا انجاز ايجابى يصب فى خانة الامن ويراه البعض يشكل تهديدات خطيرة على الحرية و الخصوصية ، بينما يدعى البعض ان تحقيق مكاسب واسعة للمجتمع، ينطوى على خسارة على المستوى الفردى .

وعلى الرغم  مما يثيره هوكينج، ومسك وجيتس، و ما تعرضه و تبشر به أفلام هوليوود حول مخاطر الذكاء الصناعى على شاشات السينما. فان قلقهم بعيدا تماما عن ارض الواقع و يتعارض مع مصالح البشر ، فوجود تهديد من آلات مستقلة ذاتية التفكير مع قدرة معرفية فوق طاقة البشر ، لا زال امر بعيد يصعب تحققه  و لكن من الحكمة ايضا بالنسبة للمجتمعات التخطيط لمعرفة كيفية التعامل معه اذا ما حدث.

وهذا امر ليس بالسهل كما يبدو، ولكن لأسباب ليس أقلها البشر، فالحكومات البيروقراطية والأسواق والجيوش ، هى عناصر تداخلها فى عملية التخطيط يمكن أن يجعلها فاشلة ويسبب ضررا كبيرا ، والامر يحتاج الى تعيين طريقة تحكمها القوانين واللوائح تسمح بتطوير الذكاء الصناعى للمجتمعات بأمان. تماما كما تحتاج الجيوش للرقابة المدنية، وكما يتم تنظيم الأسواق، وكما يجب أن تكون البيروقراطية شفافة وخاضعة للمساءلة، لذلك يجب أن تكون هناك أنظمة تدقيق مفتوحة لمراقبة تطوير الذكاء الصناعى ، و هذه القيود يمكن وضعها دون ان تكون ذات اثر سلبى على التقدم والتطور كما حدث مع القنبلة النووية التى وضعت لها القوانين وتاأسست لها المنظمات الدولية المراقبة والمشرفة على انشطتها فى العالم .

واخيرا .. نعم، هناك مخاطر للذكاء الصناعى، ولكن لا ينبغي أن يحجب فوائده الضخمة التى تغير شكل و حياة البشر يوما بعد يوم .