اعداد : نجلاء عزت

 الاحتفال بعيد شم النسيم يعود إلي ما يقرب من 4700عام ، فهو أحد أعياد مصر الفرعونية ، وترجع تسمية شم النسيم إلي الكلمة الفرعونية شمو وهي كلمة هيروغليفية ، ويرمز بها عند قدماء المصريين إلي بعث الحياة.

والاحتفال بشم النسيم له طقوس معينة، وتقاليد قديمة تمتد إلى آلاف السنين ،فالإحتفال به عند المصرى القديم كان يبدأ بمهرجان شعبى مع طلوع شمس اليوم ،ومازال المصريون يحافظون على تلك طقوس ، حيث يقومون بعدة عادات للأحتفال بالعيد لا تتغير من عام الى عام، ومن ابرز عاداتهم الأساسية فى شم النسيم الخروج الى المتنزهات والحدائق وتحضير الأطعمة المعروفة فى هذه المناسبة ،مثل تلوين البيض وتجهيز الرنجة والفسيخ والبصل والسردين ، وغيرها من عادة يوم شم النسيم فى مصر.
وترجع بداية الإحتفال بعيد شم النسيم إلى ما يقرب من خمسة آلاف عام، أي نحو عام (2700 ) قبل الميلاد ، وبالتحديد إلى أواخر الأسرة الثالثة الفرعونية ويحتفل به الشعب المصري حتى الآن ، كما أنه يرمز إلى بداية حياة جديدة ، وذلك وفقا للجداريات المكتشفة التى تسجل الاحتفال بعيد شم النسيم، ويعود تاريخ هذا العيد إلى عام 2700 ق.م.

أصوله
وشعبيا ، تعود المصرى القديم أن يبدأ صباح هذا اليوم – كما جاء فى البرديات القديمة – بإهداء زوجته زهرة من اللوتس وكان القدماء يطلقون على هذا اليوم عيد الربيع ،وكان قدماء المصريين يحتفلون بذلك اليوم احتفالا رسميا كبيرا حيث يجتمعون أمام الواجهة الشمالية للهرم قبل الغروب ليشهدوا غروب الشمس ، فيظهر قرص الشمس وهو يميل للغروب مقتربا تدريجيا من قمة الهرم حتى يبدو للناظرين وكأنه يجلس فوق قمة الهرم وتخترق أشعة الشمس قمة الهرم، فتبدو واجهة الهرم أمام أعين المشاهدين وقد انشطرت إلى قسمين .
يبدأ الفراعنة بالاحتفال في الليلة الأولى بمظاهر الاحتفالات الدينية، التي عرفت ب «ليلة الرؤية». التي ورد ذكرها في عدد من البرديات التي تُعلن مولد الزمان، ثم يتحول العيد مع شروق الشمس إلى عيد شعبي تشترك فيه جميع طبقات الشعب حتى فرعون نفسه وكبار رجال الدولة.

عيد شموش
أطلق الفراعنة على ذلك العيد اسم (عيد شموش) أى بعث الحياة، وحرِّف الاسم على مر الزمن، وخاصة فى العصر القبطى إلى اسم (شم) ، وأضيفت إليه كلمة النسيم نسبة إلى نسمة الربيع التى تعلن وصوله ،ويخرج المحتفلون بعيد “شم النسيم” في جماعات إلى الحدائق والمتنزهات؛ ليكونوا في استقبال الشمس عند شروقها، حاملين طعامهم وشرابهم، ليقضوا اليوم في الاحتفال بداية من شروق الشمس حتى غروبها، فتتزين الفتيات بعقود الياسمين “زهر الربيع”، ويحمل الأطفال سعف النخيل المزين بالألوان والزهور، وتُقام حفلات الرقص على أنغام الناي والمزمار والقيثار، وتصاحبها الأغاني والأناشيد الخاصة بعيد الربيع.

 

ويذكر المؤرخون أن هذا العيد هو التقليدى الأقدم والأعظم لكل المصريين، وقيل إن المصريين القدماء يرون أن مجىء عيد شم النسيم يعنى مجىء الربيع وانبعاث الكائنات .
علاقته بالظواهر الفلكية
ترتبط دائما أعياد الفراعنة بالظواهر الفلكية وعلاقتها بالطبيعة ومظاهر الحياة، ولذلك احتفلوا بعيد الربيع الذى حددوا ميعاده بالانقلاب الربيعى، وهو اليوم الذى يتساوى فيه الليل والنهار وقت حلول الشمس فى برج الحمل ، ويقع فى الخامس والعشرين من شهر برمهات ، فكانوا يجتمعون أمام الواجهة الشمالية للهرم – قبل الغروب -؛ ليشهدوا غروب الشمس، فيظهر قرص الشمس وهو يميل نحو الغروب مقتربًا تدريجيًّا من قمة الهرم، حتى يبدو للناظرين وكأنه يجلس فوق قمة الهرم ، وفي تلك اللحظة يحدث شيء عجيب، حيث تخترق أشعة الشمس قمة الهرم، فتبدو واجهة الهرم أمام أعين المشاهدين وقد انشطرت إلى قسمين.
وما زالت هذه الظاهرة العجيبة تحدث مع مقدم الربيع في الحادي والعشرين من مارس كل عام، في الدقائق الأخيرة من الساعة السادسة مساءً، نتيجة سقوط أشعة الشمس بزاوية معينة على الواجهة الجنوبية للهرم، فتكشف أشعتها الخافتة الخط الفاصل بين مثلثي الواجهة الذين يتبادلان الضوء والظلال فتبدو وكأنها شطران.
ويرى بعض المؤرخون أن الاحتفال بعيد شم النسيم كان معروفا ضمن أعياد هليوبوليس ومدينة (أون) وكانوا يحتفلون به فى عصر ما قبل الأسرات ، حيت يبدأ الفراعنة بالاحتفال فى الليلة الأولى أو “ليلة الرؤيا” بالاحتفالات الدينية، حيث ورد ذكر “ليلة الرؤيا” التى تعلن مولد الزمان وبعث الحياة فى أكثر من بردية من برديات الفراعنة، ثم يتحول العيد مع شروق الشمس إلى عيد شعبى تشترك فيه جميع طبقات الشعب كما كان فرعون، وكبار رجال الدولة يشاركون فى هذا العيد.
وقد توصل العالم الفلكي والرياضي البريطاني “بركتور” إلى رصد هذه الظاهرة، وتمكن من تصوير لحظة انشطار واجهة الهرم في عام 1920م، كما استطاع العالم الفرنسي “أندريه بوشان” – في عام 1934م – تسجيل تلك الظاهرة المثيرة باستخدام الأشعة تحت الحمراء. اهتم المصريون منذ القدم بعيد شم النسيم اهتمام خاص جدا حتى التاريخ المعاصر.
وقد قام عالم الفلك البريطانى بدراسة دورة الشمس فى الافق فى يوم 21 مارس وتحديد مرورها فوق قمة الهرم وقت الغروب، وفى عام 1930 قام بالتقاط عدة صور خلال عشرين دقيقة ابتدأ من الساعة السادسة مساء يوم 21 مارس ، وذلك بالتحليق بإحدى الطائرات فوق قمة الهرم وظهر قرص الشمس للعيان، وكأنه يتربع فوق قمة الهرم وظهر ضوء الشمس وكأنه يشطر واجهة الهرم إلى شطرين.
وفى عام 1934 قام العالم الفرنسى “اندريه بوشان” بمحاولة مماثلة باستعمال الأشعة تحت الحمراء، حيث نجح فى التقاط عدة لقطات سريعة استغرقت ثلاث دقائق أمكن بواسطتها تسجيل تلك الظاهرة المثيرة التى فسرت حقيقة أسطورة الرؤيا وانشطار الهرم ليلة عيد الربيع.
ومن جانبها تقول المراجع التاريخية إن بنى إسرائيل نقلوا عيد شم النسيم عن الفراعنة لما خرجوا من مصر، وقد اتفق يوم خروجهم مع موعد احتفال الفراعنة بعيدهم ، حيث احتفل بنو إسرائيل بالعيد بعد خروجهم ونجاتهم وأطلقوا عليه اسم “عيد الفصح”، حيث إن “الفصح” كلمة عبرية معناها (الخروج) أو (العبور)، كما اعتبروا ذلك اليوم أى يوم بدء الخلق عند الفراعنة – رأسا لسنتهم الدينية العبرية تيمنا بنجاتهم وبدء حياتهم الجديدة.
أطعمة شم النسيم الخاصة لدى الفراعنة
تحفل مائدة عيد الربيع بالأطعمة المحببة للمصريين فى ذلك اليوم مثل “البيض الملون”، وبدأ ظهور البيض على مائدة أعياد الربيع (شم النسيم) مع بداية العيد الفرعونى نفسه أو عيد الخلق حيث كان البيض يرمز إلى خلق الحياة، وقد صوَّرت بعض برديات منف الإله “بتاح” – إله الخلق عند الفراعنة – وهو يجلس على الأرض على شكل البيضة التي شكلها من الجماد ، كما ورد فى متون كتاب الموتى وأناشيد (أخناتون الفرعونى) .
وهكذا بدأ الاحتفال بأكل البيض كأحد الشعائر المقدسة التى ترمز لعيد الخلق، أو عيد شم النسيم عند الفراعنة ، وقد كانوا ينقشون على البيض دعواتهم وأمنياتهم للعام الجديد، ويضعون البيض في سلال من سعف النخيل يعلقونها في شرفات المنازل أو في أغصان الأشجار؛ لتحظى ببركات نور الإله عند شروقه فيحقق أمنياتهم..تفتح الأزهار في الربيع 2009 وقد تطورت هذه النقوش – فيما بعد -؛ لتصبح لونًا من الزخرفة الجميلة والتلوين البديع للبيض.
عادة تلوين البيض
أما عادة تلوين البيض بمختلف الألوان وهو التقليد المتبع فى جميع أنحاء العالم، فقد بدأ فى فلسطين حيث أمر القديسون بالديانة المسيحية بأن يصبغ البيض باللون الأحمر ليذكرهم بدم المسيح الذى سفكه اليهود ، حسب معتقدات الديانة ، حيث ظهر بيض شم النسيم لأول مرة مصبوغا باللون الأحمر، ثم انتقلت تلك العادة إلى مصر وحافظ عليه الأقباط بجانب ما توارثوه من الرموز والطلاسم والنقوش الفرعونية.

واكد الدكتور وسم السيسى الى اعتبار السمك هو رمز الخصوبة عند الفراعنة وكانوا يصاحبون المتوفى فى مقبرته بالسمك الفسيخ لانه يتحمل التخزين اعتقادا منهم انه اذا عاد للعالم الاخر يجد ما ياكله وكان السمك البورى بالذات يضع بويضاته فى مثل هذا الوقت من العام فيعتبرونه الانسب فى الاكل للاحتفال بالربيع وشدد على مشاركة الفراعنة للشعب فى طقوس الاحتفالات بكل الاعياد وكانوا يعتبرون النيل هو شريان الحياة والتنزه بجواره من طقوس الاحتفال بالربيع وقال امنحتب اذا مرض النيل مرضت مصر فهو الذى يقضى على ثالوث الفناء الجهل الفقر والمرض.

وااشار ان رمز ابعاد الشيطان هو البصل الاخضر كان بسبب شفاء احد الملوك وخروجه من اغمائه بعد شمه لرائحة البصل اليوم و ان المصريين كانوا يحتفلون بيوم طهارة القلوب بعد شم النسيم مباشرة حيث كانوا يعتبرونه يوم المصالحة بين المتخاصمين ونسيان الاذى فيقدمون فطيرة مزينة بالفواكه والزهور عربون المحبة والمصالحة .

ومن أطعمة شم النسيم أيضا الفسيخ اوالسمك المملح- حيث كان من بين الأطعمة التقليدية فى العيد فى الأسرة الفرعونية الخامسة عندما بدأ الاهتمام بتقديس النيل – نهر الحياة- وقد كان للفراعنة عناية بحفظ الأسماك، وتجفيفها وتمليحها وصناعة الفسيخ والملوحة واستخراج البطارخ كما ذكر هيرودوث المؤرخ الإغريقى .

وقد ذكر “هيرودوت” – المؤرخ اليوناني الذي زار مصر في القرن الخامس قبل الميلاد وكتب عنها – أنهم كانوا يأكلون السمك المملح في أعيادهم.

أما البصل فقد ظهر ضمن أطعمة عيد شم النسيم فى أواسط الأسرة الفرعونية السادسة وقد ارتبط ظهوره بما ورد فى إحدى أساطير مدينة “منف” القديمة التى تروى أن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد أصيب بمرض غامض ، واستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون، فنسب مرض الأمير الطفل إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه، وأمر الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من ثمار البصل تحت رأس الأمير فى فراش نومه عند غروب الشمس .

وتشرح الأسطورة كيف غادر الطفل فراشه، وخرج ليلعب فى الحديقة وقد شفى من مرضه ، فأقام الملك الأفراح فى القصر لأطفال المدينة بأكملها، وشاركه الشعب فى افراحه، ولما حل عيد شم النسيم بعد أفراح القصر بعدة أيام قام الملك وعائلته، وكبار رجال الدولة بمشاركة الناس فى العيد، كما قام الناس بتعليق حزم البصل على أبواب دورهم .

كما كان الخس من النباتات التى تعلن عن حلول الربيع باكتمال نموها ونضجها، وقد عرف ابتداء من الأسرة الفرعونية الرابعة حيث ظهرت صوره من سلال القرابين التي يقربونها لآلتهم بورقه الأخضر الطويل وعلى موائد الاحتفال بالعيد، وكان يسمى الهيروغليفية (حب) كما اعتبره الفراعنة من النباتات المقدسة الخاصة بالمعبود (من) إله التناسل، ويوجد رسمه منقوشا دائما تحت أقدام الإله فى معابده ورسومه .
وقد لفت ذلك أنظار بعض علماء السويد – في العصر الحديث- فقاموا بإجراء التجارب والدراسات على نبات الخس، وكشفت تلك البحوث والدراسات عن حقيقة عجيبة، فقد ثبت لهم أن ثمة علاقة وثيقة بين الخس والخصوبة، واكتشفوا أن زيت الخس يزيد في القوة الجنسية لاحتوائه على فيتامين (ه) بالإضافة إلى بعض هرمونات التناسل.

ومن الأطعمة التي حرص قدماء المصريين على تناولها أيضًا في الاحتفال بعيد “شم النسيم” نبات الحمص الأخضر، وهو ما يعرف عند المصريين باسم “الملانة”، وقد جعلوا من نضوج ثمرة الحمص وامتلائها إشارة إلى مقدم الربيع.
علاقته بالديانات السماوية الثلاث
أخذ اليهود عن المصريين احتفالهم بهذا العيد، فقد كان وقت خروجهم من مصر – في عهد “موسى” – مواكبًا لاحتفال المصريين بعيدهم، وقد اختار اليهود – على حَدِّ زعمهم – ذلك اليوم بالذات لخروجهم من مصر حتى لا يشعر بهم المصريون أثناء هروبهم حاملين معهم ما سلبوه من ذهب المصريين وثرواتهم؛ لانشغالهم بالاحتفال بعيدهم، ويصف ذلك “سِفْر الخروج” من “العهد القديم” بأنهم: “طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابًا، وأعطى الرَّب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم. فسلبوا المصريين”.
واتخذ اليهود ذلك اليوم عيدًا لهم، وجعلوه رأسًا للسنة العبرية، وأطلقوا عليه اسم “عيد الفِصْح” – وهو كلمة عبرية تعني: الخروج أو العبور – تيمُّنًا بنجاتهم، واحتفالاً ببداية حياتهم الجديدة.
وعندما دخلت المسيحية مصر جاء “عيد القيامة” موافقًا لاحتفال المصريين بعيدهم، فكان احتفال المسحيين “عيد القيامة” – في يوم الأحد، ويليه مباشرة عيد “شم النسيم” يوم الإثنين، وذلك في شهر “برمودة” من كل عام.وسبب ارتباط عيد شم النسيم بعيد القيامة هو أن عيد شم النسيم كان يقع أحيانا في فترة الصوم الكبير ومددتة 55 يوما كانت تسبق عيد القيامة ولما كان تناول السمك ممنوع على المسيحين خلال الصوم الكبير وأكل السمك كان من مظاهر الاحتفال بشم النسيم فقد تقرر نقل الاحتفال به إلى ما بعد عيد القيامة مباشرة. ومازال هذا التقليد متبعا حتى يومنا هذا.
واستمر الاحتفال بهذا العيد في مصر بعد دخول الإسلام تقليدًا متوارثًا تتناقله الأجيال عبر الأزمان والعصور، يحمل ذات المراسم والطقوس، وذات العادات والتقاليد التي لم يطرأ عليها أدنى تغيير منذ عصر الفراعنة وحتى الآن.