أخبار مصر

أخبار مصر- سماء المنياوي

الشعب المصري متدين بطبعه. ويكن الكثير من الاحترام لعلماء الدين مما كان له عظيم الأثر في الاحداث الاخيرة التي ألمت بمصر منذ قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 حيث كان للخطاب الديني الدور الأكبر في تشكيل وجدان الشارع المصري.

ومع تواتر الاحداث تغيرت القلوب والتوجهات وأصبح في بعض الأحيان التدين عباءة يتستر تحتها من له غرض لا يبغي فيه إلا مصلحته.

كان لموقع أخبار مصر لقاء مع فضيلة الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر السابق لمحاورته حول الكثير من الأمور…

التطرف والاعتدال

## كيف ترى دور الأزهر في نشر الفكر الاسلامي الوسطي المعتدل؟

بابتسامته المعهودة أجاب الشيخ محمود عاشور قائلاً:
** الأزهر مؤسسة عريقة عمرها ١١٠٠ سنة تقريبا وتنشر الإسلام الصحيح، ويوما ما كان الازهر المرجعية الدينية في العالم الاسلامي كان العالم جميعا يرجعون الى الازهر الشريف في كل أمورهم. وعندما تحول الازهر الشريف من الشيعة الى السنة في عهد صلاح الدين الأيوبي ظل محافظا على السنة وعلى كتاب الله سبحانه وتعالى إلى اليوم.

وهو الذي يقدم الفقة الاسلامي الصحيح السليم الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام والذي نزل به القرآن الكريم. فهو المؤسسة الوحيدة التي تعد حصنا ومعقلا لنشر الإسلام في العالم والحفاظ على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يزال الكثير من رؤساء الدول في إفريقيا حتى يومنا هذا؛ يرجعون إلى الأزهر يستفتونه في كثير من قضاياهم ومشاكلهم لما لهم فيه من ثقة مطلقة ويرون أنه يقدم الدين الذي لا تشدد فيه ولا انحراف فيه ولا غلو فيه ولا تطرف فيه.

## كيف يعود للأزهر دوره في العالم الاسلامي مع وجود الكثير من الفكر المتطرف والذي يتبعه الكثيرين؟

** سكت العالم الجليل برهة.. شخص فيها ببصره إلى الأفق أمامه د. ثم استدار وأجاب: الأزهر الشريف عاش فترة كانت محنة بالنسبة لمصر كلها لأن هذه الأفكار المتشددة المتطرفة بدأت في مصر في الثمانينات والتسعينات ثم انحسرت في فترة من الفترات ثم عادت بقوة.

وانتشر التطرف في الفتره الاخيرة وزاد مع مجئ الاخوان للحكم حيث ساعد وجود محطات فضائية تابعة لهم على نشر أفكارهم واستطاعوا السيطرة على الكثير من الناس الذين أصبحوا يرون أنهم يقدمون النموذج الصحيح للدين في الوقت الذي انحسر دور الأزهر تماماً وبقيت أدوار هذه الفصائل والجماعات حتى قُضي عليهم ومات فكرهم وانتهت قضيتهم لدى الشعب المصري جميعا وبالتالي عاد الأزهر ليأخذ دوره ومكانه المنوط به تحديداً.

وهو الآن يتعافى وآمل ان يقدم فكر أفضل وأحسن وأعظم وأن يستطيع أن يسيطر على الساحة تماماً.

ويقوم الأزهر الآن بإنشاء محطة تليفزيونية ليبث منها الفكر الاسلامي السليم المعتدل الصحيح الذي لا خروج فيه.

علماء منشقون

## بعض من الذين يقومون بتشويه دور الأزهر من علماؤه. فهل استطاعت تلك الجماعات التغلغل إلى رجال الأزهر؟ وما قوة تأثيرهم في طلبته؟

** بصوت يحمل في طياته بعض من نبرات الآسى قال الشيخ محمود عاشور: هناك أسماء كبيرة بالفعل من علماء الأزهر وأسماء صغيرة وأسماء وسط كانت لفترة ما تتبنى تلك الأفكار الغريبة عن الأزهر. البعض منهم تراجع والبعض الأخر استمر في غيه وفكره. وفي رأيي أن ذلك يعود ان الاخوان في فتره تسلطهم وعدوهم بمناصب كبرى أو درجات عظيمة. لكنهم قلة وليسوا كثرة.

أما فيما يتعلق بطلبة الأزهر فأغلبهم يعيشون فقر مدقع ومن هنا كان التأثير عليهم سهل بالمال. ولا ادل على ذلك من طالب الازهر الذي تم القبض عليه مؤخراً ووجدوا معه 35 ألف جنيهاً أكد عندها ان تلك الجماعات تقوم بالإنفاق عليه وعلى أسرته وانه مستعد للذود عنها حتى وإن كلفه ذلك حياته.

لم الشمل

## ما الخطوات التي يمكن للأزهر والمسلمين بوجه عام اتخاذها لإصلاح ما أفسده الاخوان وإعادة لم شمل البيت المصري؟

** بقوة وإصرار واضحين في صوته قال: يجب على الناس ألا يستمعون إلى كل ما يقال. إنما يظل الفكر المعتدل للأزهر هو ما يستمعون إليه ليكون نبراسا لهم. لأن كثير من الأفكار المنتشرة لازال فيها تشدد وتطرف ونحن الآن بحاجة إلى أن نسمع الفكر المعتدل الوسطي الذي لا انحراف فيه ولا خروج.

بالتالي ندعو الناس إلى الاستماع إلى فكر الأزهر وألا تحيد عنه وألا تستمع إلى كل ما يقال من كذب وزور وبهتان.

وشدد قائلا: نستمع إلى علماء الازهر الذين درسوا وعرفوا وفقهوا. فهم على دراية وعلم.

## كيف تكون مواجهة الأفكار المتطرفة التي من نتيجتها الاعمال الإرهابية التي تحاصرنا؟

**بسمة حانيه تظهر على وجه وكيل الأزهر السابق الذي قال: مصر تتميز بأنها وطن كل المصريين على مختلف أشكالهم وانتمائهم وهويتهم؛ كلهم يقال عنهم مصريين لا يقال سلفي ولا اخواني ولا مسيحي ولا مسلم فالمصريون لديهم ميزة الترابط والتعاون والوحدة.

وندلل على ذلك بما حدث خلال ال18 يوم أثناء ثورة 25 يناير عندما تلاحم المصريون في الميدان مسلمين ومسيحين لم يسأل أحد الأخر عن فكرة أو دينه أو اتجاهه أو حتى أبويه بالعكس كان التعاون على أشده؛ ورأينا في وسائل الاعلام فتاة مسيحية توضئ أخاها المسلم في ميدان التحرير وشفنا المسيحين يأتيهم الطعام والشراب فيقسموه مع إخوانهم السلمين والعكس صحيح.

وهذه قضية تؤكد أصالة هذا الشعب المرتبط ارتباطا وثيقا من جذوره ونحتاج لأن نؤصل فكرنا أن مصر لن يؤثر فيها شئ فمصر ليست سوريا ولا العراق ولا اليمن ولا تونس؛ مصر بلد لها طبيعة خاصة ووضع خاص.

وأمثله على ذلك حاول المغول أن يستولو عليها ولم يستطيعوا والتتار والصليبيين لم ينجحوا، وهذا يؤكد إن الشعب المصري يعرف فعلا ما له وما عليه يعرف من عدوه ومن صديقه من يسانده ومن يقف ضده. فهو شعب له طبيعة تختلف عن كل الشعوب.

داعش والجزية

## اختلط الأمر على بعض الناس حول قيام داعش بفرض الجزية على النصارى بالعراق. فما رأي الدين في ذلك؟

** عندما جاء وفد نصارى نجران إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يعلنون رفضهم للدخول في الإسلام وافق الرسول عليه الصلاة والسلام بشرط أن يدفعون الجزية. وذلك لأنهم كانوا وقتها لا يشاركون في الجيش أوالشرطة فتكون الجزية عندها مقابل الحماية.

الآن يشارك المسيحيون في الجيش والشرطة، وطالما شاركوا في الجيش والشرطة سقطت عنهم الجزية.

أما تعمله داعش وغيرها من الفصائل فكلها خارج إطار الإسلام وبعيدا عن الإسلام، بالعكس فهم شوهوا الإسلام وكرهوا الناس في الإسلام بهذه التصرفات القبيحة والقميئة والسيئة التي لا ينبغي ان تكون فالإسلام دين السماحة دين اعتدال دين أخوة.

النبي عليه السلام بعد أن ذهب إلى المدينة المنورة؛ بنى المسجد ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ثم أقام ما سمي بمعاهدة أو ميثاق المدينة مع اليهود والمجوس والأنصار والمشركين.

إشتد صوت الشيخ محمود عاشور وهو يضيف: لا يوجد في الاسلام قتل نفس بغير حق. قال الله تعالى “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق” وبالتالي أي قتل دون حق يعد خروج عن الإسلام ويكون من قام به مفسد ومحارب لله ورسوله وينطبق عليه حد الحرابة الذي قال الله تعالى “إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخره عذاب عظيم”.

من الشهيد؟

##كثرت عمليات قتل الضباط والمجندين.. ويدعي الموالين لهؤلاء القتله أنهم شهداء. فما رأيك؟

**الشهيد من يدافع عن وطنه وعرضه ودينه وماله كما قال رسول الله؛ أما المعتدي والذي يقتل ويخرب بدون وجه حق فهو ليس بشهيد “ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم” وما يفعله هؤلاء الإرهابيون يعد عدوان ويُرد عليه بمثله وأشد. والمعتدي المقتول في العدوان ليس بشهيد.

بابتسامة تحمل الكثير من المعاني قال الشيخ عاشور: سمعنا أيام فض رابعة قولهم “قتلانا في الجنه وقتلاهم في النار”.. فهذا التخصيص ليس لهم بل لله الواحد. وهل خصهم الله بالجنة دون غيرهم! أم خصوا بها انفسهم! فالله سبحانه وتعالى يعلم من الذي يستحق أن يدخل الجنة ومن الذي يستحق أن يدخل النار.

الخنادق والفنادق

## الاجتياح الاسرائيلي لغزة حصد الكثير من أرواح الشهداء الأبرياء. ماذا ترى في الدعوة للجهاد في غزة؟

** الشعب الفلسطيني في قلوبنا. مصر منذ ١٩٤٧ وحتى الآن تدافع عن فلسطين وتحارب من أجل فلسطين. وقدمنا حوالي ١٥٠ ألف شهيد من أجل فلسطين وهذا ما لم يقدمه أحدا في العالم العربي من أجل القضية الفلسطينية.

لكن أين أصحاب الأرض؟ لا أحد من هذه القيادات يظهر على الإطلاق إنما الشعب الفلسطيني يعيش في قلوبنا ووجداننا وأرواحنا. لكن حتى أتقدم ويتقدم غيري لا بد أن يكون صاحب الحق الأول في المقدمة. فلا ينفع أن أذهب لأدافع عن فلسطين وقيادات الشعب الفلسطيني في قطر. لا بد أن يكونوا في المقدمة.

إنهم تركوا حرب الخنادق ودخلوا في حرب الفنادق. الفنادق ليست مجال الحرب لابد أن يكونوا في المقدمة ونحن معاهم نساندهم ونؤازرهم.

لن أساند من ترك بلده ليعيش في بحبوحة من النعيم في الفنادق ويدعو غيره ليدافع بدلا منه.

لن تجاهد عن إنسان لا يجاهد عن نفسه. فليجاهد هو أولا. وأكون معه كتفا بكتف ويدا بيد وقدما بقدم إذا ما تقدم هو ولكن أن يظل هو في الفنادق في بلاد الله يعيش ويقول خطب ونظريات ويدفع بغيره للخنادق فهذا ليس مقبولا والإسلام لم يقل بذلك.

الخطاب الديني

## خلال الأعوام الثلاث الماضية كان الخطاب الديني له الأثر الأكبر في تحريك الشارع المصري بما يفوق أي خطاب سياسي. كيف ترى الصورة الآن؟ وهل تقبل الدعوة من غير علماء الأزهر؟

** في الفترة الأخيرة كنا منقسمين الى فصائل؛ اخوان، جهاد، جماعات، سلفيين، تكفير وهجرة، شباب محمد، الناجون من النار.. كل هؤلاء لهم فكر وكل منهم يعمل على نشر فكره. لا يوجد فكر موحد ولا زلنا نحارب ونواجه هذا التشدد وهذا التطرف وهذا الارهاب.

تنهد ألما وقال: لن نستطيع القضاء على هذا الفكر في يوم أو سنة أو سنتين الأمر يحتاج إلى وقت. ومن الجهة الأخرى محتاجين نبذ فكرة “الخطيب الدوجمة” وهو الخطيب الغير عالم والذي يكتفي بكتاب يقرأه ويتجه الخطابة والإفتاء بعدها.

لابد للخطيب أن يعيش قضايا الناس ويتغلغل في حياة الناس ليناقش مشاكلهم لا يكتفي بالنصح من برج عاجي ويعيش المجتمع بقضاياه ومشاكله ويتعاون مع الناس في حل هذه المشاكل.

يجب ألا يكون الخطاب الديني مركز على النار والنار والنار.. فهنالك الجنة ايضاً للحديث عنها. قضيتنا فهم الدين بالصورة الصحيحة والغرض من الدين والغاية منه الداعية يجب أن يحمل مقومات الداعية ويعيش مشاكل المجتمع بكل ما فيه ويحاول حلها.

وقال: أنا مع قصر الدعوة على علماء الازهر لأنهم الذين درسوا وتفقهوا وعنهم يكون العلم الصحيح للإسلام.