تحرير و ترجمة : خالد مجد الدين

انشغل الكثير من الباحثين بكيفية حفظ و صيانة تراث البشرية، لكى نترك وراءنا لحضارات المستقبل كل ما يمكن جمعه من بيانات، و هى بعدة بلايين من التيرابايت، لكن للاسف حتى الآن فان محركات الأقراص الصلبة، والأقراص التي نستخدمها لتخزين كافة هذه المعلومات، مازالت محبطة و ضعيفة و غير كافية، ولا يمكنها الاحتفاظ بالبيانات لأكثر من بضع مئات من السنين.

الا ان فريق علماء من جامعة ETH للتكنولوجيا و العلوم الطبيعية – زيورخ بسويسرا، قد تمكن اخيرا من اكتشاف طريقة للحفاظ على بيانات العالم و تراث البشرية لملايين السنين، بتخزينها في حبل صغير من الحمض النووي يحفظ داخل كبسولة زجاجية.

ويقول “د. روبرت جراس Robert Grass” الذى قاد فريق البحث: “لقد تكمنا من بناء كبسولة للحمض النووي قادرة على الحفاظ على جميع البيانات المتوفرة لدينا بأمان لأكثر من مليون سنة، وهذه الطريقة تضمن حفظ المعلومات واستعادتها بعد مليون سنة من دون أن تتأثر أو تتغير”.

لقد كان الباحثون يعلمون أن الحمض النووي هو عنصر مثالي لتخزين البيانات، ومن الناحية النظرية، فان مجرد 1 جرام من الحمض النووي قادر على حفظ و تخزين 455 أكسا بايت ، وهو ما يعادل 1 بیلیون جيجا بايت من المعلومات، وهي مساحة أكثر من كافية لتخزين كل من بيانات جوجل والفيس بوك وغيرها من مصادر البيانات الكبرى.

وقد اعتمد فريق البحث على طريقة بسيطة جدا لتخزين المعلومات في الحمض النووي عبر اعداد برنامج لتحويل قاعدة الحمض النووي الى رقمى 0 و 1 التى يتم تشكيل البيانات الرقمية بها، ولكن فريق البحث كان مهتما اكثر بمعرفة مدى حفظ وتخزين هذه البيانات والظروف المثلى للحفاظ عليها.

ويقول “د. روبرت جراس” انه فى عام 2013 تمكن العلماء من تتبع الشفرة الجنية من عظام حصان لنحو 700 الف عام، وتم التاكد من ان الشفرة الجنية يمكن ان تبقى الالاف السنوات ولكن تحت ظروف محددة جداً، فيمكن للظروف البيئية ان تغير او تكسر الشفرة الجينية.. ومن هنا بدا البحث عن وسيلة لتكرار الظروف التى وجدت بها العظام الاحفورية للحصان، ليروا اذا كان الحمض النووي يمكنه الحفاظ على البيانات ثابتة لمدة طويلة الأمد.

وقد تم استخدام الكبسولة الزجاجية المقاومة للظروف والزمن، والمصنوعة من أوكسيد السيليكون، ولكن بعد إجراء التغييرات اللازمة عليه، وقد أهلت هذه الكبسولات الحمض النووي للصمود أمام عوامل المناخ والزمن لفترة طويلة ، و قد وفرت الظروف البيئية المماثلة لما تعرضت له هذه العظام، لذا تم ترميز ميثاق سويسرا الاتحادية الصادر عام 1921 و أساليب النظريات الميكانيكية لأرخميدس على حبل للحمض النووي، بما مجموعة 83 كيلو بايت من البيانات، وتم تغليف الحمض النووي في الكبسولة الزجاجية الصغيرة، التى يبلغ قطرها حوالي 150 نانومتر فقط.

وقام الباحثون بتعريض الكبسولة الزجاجية لدرجات حرارة بين 60 و 70 درجة مئوية، لاحداث شروط التدهور الكيميائي التي سوف تحدث عادة مع مرور مئات السنين، وهو ما حدث بالفعل في بضعة أسابيع.

ووجدوا أنه بعد هذه العملية، ظل الحمض النووي داخل مجالات الزجاج محتفظا بالبيانات، ويمكن استخراجها بسهولة باستخدام محلول الفلوريد fluoride solution، ويمكن قراءة البيانات تامة غير منقوصة او مشوهه.

واستناداً إلى هذه النتائج، يقول فريق البحث السويسرى أن البيانات المخزنة في الحمض النووي يمكنها البقاء على قيد الحياة أكثر من مليون سنة إذا كانت مخزنةً في درجة حرارة أقل من- 18 درجة مئوية، كما هو الحال في منشأة مثل “قبو البذور العالمي” في سفالبارد Svalbard بالنرويج، والذى يعرف أيضا باسم ‘”قبو يوم القيامة”‘.. كما يمكن الحفاظ على المعلومات المخزنة فى الكبسولة الزجاجية لمدة ألفي عام إذا كانت مخزنة في مكان متوسط درجة حرارته أقل من 10 درجات مئوية، كما هو الحال فى مناخ دول أوروبا الوسطى.

الجزء الصعب من هذه العملية برمتها، يتمثل فى أن البيانات المخزنة في الحمض النووي تحتاج إلى ان يتم قراءتها بشكل صحيح من أجل الحضارات المستقبلية لتكون قادرة على الوصول إليه، وعلى الرغم من أوجه التقدم في تكنولوجيا قراءة و تتبع تسلسل الشفرة الجينىة ، الا انه مازالت تنشأ أخطاء من قراءة تسلسل الحمض النووي.. الا ان فريق البحث تمكت من التغلب على هذه المشكلة بتضمين أسلوب لتصحيح أي أخطاء تقع عند استخراج البيانات من الكبسولة الزجاجية.

تبقى المشكلة الرئيسية الأخرى، والتي ليس من السهل التغلب عليها، هو حقيقة أن تخزين المعلومات في الحمض النووي لا تزال عملية مكلفة للغاية، حيث يبلغ بلغ ترميز و حفظ و تخزين 83 كيلو بايت من البيانات المستخدمة في هذه الدراسة نحو 1,500 دولار امريكى ، و هو ما يجعل تكلفة حفظ و تخزين ما مقداره ميجا بايت من المعلومات يبلغ نحو 12600 دولارامريكى … و هو ما يجعل كلفة حفظ كامل تاريخ البشرية يحتاج إلى مبلغ هائل من المال، لكنه مشروع يستحق الجهد والمال، ويمكن مع استمرار التجارب والابحاث خفض هذه الكلفة مما يمكن العالم من التوحد والاصطفاف من اجل تاسيس صندوق مالي عالمي يشرف على حفظ هذا الكم الهائل من المعلومات والتراث البشرى الذى تراكم على مدى الالاف السنوات.