أخبار مصر

زيارة “سلمان” لروسيا رسالة قوية لـ”ترامب”

ليس فقط لأنها المرة الأولى في تاريخ السعودية التي يقوم فيها ملكها بزيارة روسيا ولكن لاهمية توقيتها من حيث التوافق على الكثير من القضايا التي تشغل الساحة العالمية حالياً.

وقام المسؤولون الروس بإقامة حفل استقبال رائع للملك كما ستحتفل العاصمة الروسية بـ “أسبوع الثقافة السعودي” تكريما للزيارة الأولى وسط ترقب عالمي وخصوصا واشنطن لما ستسفر عنه الزيارة.

“نشاط الزيارة”

بحسب صحيفة “واشنطن بوست” فإن الزيارة سوف تشمل الكثير من الاهتمامات وخاصة علاقات الطاقة وسوف تستغلها موسكو لتقوية العلاقات في الكثير من المجالات لاسيما بعد المواقف المتقلبة للرئيس الامريكي “دونالد ترامب” فيما يخص الشرق الأوسط وانخفاض أسعار النفط.

وخلال سلسلة من الاجتماعات سيوقع الطرفان اتفاقيات تجارية وينسقان أسعار النفط ويناقشان تسوية محتملة في سوريا.

ويصاحب الملك أكثر من 100 رجل أعمال سعودي إلى موسكو، ومن المقرر أن يتم الاتفاق على صندوق استثمار نفطي مشترك بقيمة مليار جنيه استرليني.

وقال “ثيودور كاراسيك” خبير أمريكي في الشؤون السعودية :”إن علاقات الطاقة السعودية الروسية جزءا من علاقة أكبر من المصالح المشتركة”، مشيرا إلى أن روسيا كانت تعمل على تقوية هذه العلاقة “رغم أنف أميركا” حيث زار الأمير “محمد بن سلمان” روسيا مرتين مؤخرا.

وبالنسبة للرياض فإن التركيز الأساسي خلال الرحلة سيكون على سياسة الطاقة ومن المتوقع أن تتوصل السعودية وروسيا إلى اتفاق للتعاون بشأن إنتاج النفط، وربما وضع اللمسات الأخيرة على صندوق بقيمة مليار دولار للاستثمار في السعودية حيث تحرص المملكة حاليا على تنويع اقتصادها وجذب استثمارات خارجية.

كما صرّح “فهد ناذر” المستشار السياسي للسفارة السعودية في واشنطن قائلا:”لا شك أن المملكة تقدر علاقاتها مع روسيا وتعتبرها متعددة الأبعاد”، مضيفا:”سيكون من المهم بشكل خاص الأوضاع في سوريا حيث تدعم موسكو الحكومة والسعودية والولايات المتحدة تدعم المعارضة، وفي العام الماضي كان دعم روسيا للرئيس بشار الأسد وتأثير إيران ووكلائها في سوريا من أهم الخلافات مع السعودية ولكن مرة أخرى تغيرت الأمور”.

وبالنسبة لروسيا فقد قدمت مقترحا لإنشاء 4 مناطق “تخفيف التصعيد” في سوريا تضمن تشكيل مجموعة عمل مشتركة بين ممثلي الدول الضامنة لوضع خرائط لحدود هذه المناطق واتخاذ التدابير الضرورية لطرد مقاتلي تنظيمي “جبهة النصرة” و”داعش” من هذه المناطق.

ومن المقرر أن تعقد السعودية اجتماعا للمعارضة السورية بالرياض في منتصف الشهر القادم في محاولة لتوحيد المعارضة وإعادة هيكلة مطالبها.

وبحسب صحيفة “الجارديان” البريطانية فإن السعودية سوف تثير السعودية خلال الاجتماع مع روسيا مخاوفها من أن هذه المناطق ستضمن وجود طويل الأمد لكل من قوات حزب الله والقوات الإيرانية في سوريا.

وتأمل روسيا أيضًا أن تقود جولة الاجتماعات الحالية لتوثيق التعاون بين الدولتين العملاقتين في إنتاج النفط والتوصل لاتفاق طويل الأجل لتقييد الإنتاج ومنع المزيد من الانخفاض في أسعار البترول.

“تاريخ الزيارات بين البلدين”

بداية تبادل الزيارات كانت زيارة للملك فيصل بن عبد العزيز عام 1932م إلى موسكو في العام الذي شهد إعلان تأسيس “المملكة العربية السعودية” عندما كان وزيراً للخارجية في عهد والده الملك المؤسس وفتحت الرحلة الأولى الخارجية للوزير الشاب لتنامي العلاقات بين البلدين لكن سرعان ما توقفت العلاقات بعد سنوات قليلة في أبريل من عام 1938م.

وفي عام 1962م سافر الأمير الراحل فهد بن فيصل الفرحان آل سعود إلى موسكو في زيارة استمرت 21 يوما في محاولة إعادة العلاقات الدبلوماسية وكان يشغل وقتها رئيس أمانة مدينة الرياض ولكن لم تفضِ الزيارة التي كانت في عهد الملك الراحل سعود والرئيس خروشوف إلى شيء.

وبتولي ميخائيل جورباتشوف زمام الأمور في الاتحاد السوفيتي سعى إلى إقامة علاقات قوية مع الخليج العربي وتوجت هذه الجهود بزيارة وزير الخارجية الراحل سعود الفيصل لعاصمة السوفييت عام 1982 ضمن اللجنة السباعية المشكلة من الجامعة العربية لزيارة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لشرح مبادرة فاس للسلام في الشرق الأوسط، كما اتبعها زيارة هشام ناظر وزير النفط السعودي في مارس 1987 والذي استُقبِل استقبالا رسمياً واجتمع بكل من رئيس الوزراء السوفيتي ووزير الخارجية.

وبحلول عام 1990م تكررت زيارات الأمير سعود الفيصل للكرملين وناقش وقتها الموقف السوفيتي من غزو العراق لدولة الكويت وشهد عام 1990 و 1991 استئناف العلاقات بين البلدين وعودة التمثيل الدبلوماسي رسمياً وأصبح عبدالعزيز الخوجة أول سفير سعودي لدى موسكو في العهد الجديد من العلاقات.

وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م وقيام روسيا الاتحادية الوريثة الشرعية له اتخذت المملكة خطوة بالاعتراف بالدولة الجديدة واستمرار العلاقات المشتركة.

وجاءت أول زيارة رسمية سعودية بعد قيام روسيا الاتحادية في سبتمبر 2003 بوفدٍ رأسه الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز والذي كان يشغل آنذاك منصب ولي العهد في إطار تعزيز التعاون بين البلدين.

وبرغم أن هذه الزيارة هي الاولى للملك سامان وهو ملك إلا انه زار الكرملين حين كان أميراً لمنطقة الرياض في يونيو 2006 والتقى حينها الرئيس الروسي بوتين في إطار تعزيز وتطوير علاقات قوية وراسخة بين الرياض وموسكو.

وحل رئيس روسيا الاتحادية فلاديمير بوتين في فبراير من عام 2007م ضيفاً على الرياض في زيارة رسمية تاريخية هي الأولى من نوعها، أجرى خلالها مباحثات مع الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز تركزت حول التطورات في المنطقة وبخاصة في العراق وفلسطين إضافة إلى الملف النووي الإيراني.

كما شهد شهر نوفمبر عام 2007م زيارة ولي العهد الراحل الأمير سلطان بن عبدالعزيز للعاصمة الروسية لدعم التقارب السعودي – الروسي خصوصاً في مجال العلاقات الاقتصادية والعسكرية.

وقام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان فترة من الصمت بين البلدين بعدة زيارات مثمرة للكرملين في 2015 و2017م، التقى خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبحثا فيها الطرفان عدداً من القضايا الإقليمية والدولية، وأكدا على ضرورة توطيد الشراكة السعودية الروسية في عدة اتجاهات وتجاوز الخلافات السابقة والعمل على النقاط المشتركة بين البلدين.

“امريكا تترقب”

أما الولايات المتحدة الامريكية فهي تترقب الزيارة عن كثب وبالنسبة اليها فإن الأمور غير واضحة، وتأتي زيارة سلمان لروسيا فى وقت تتصاعد فيه التوترات بين موسكو وواشنطن، فيما يرى بعض المحللين أن الرياض قد تتطلع إلى روسيا بسبب عدم اليقين بشأن نوايا واشنطن في الشرق الأوسط.

واوضح “بروس ريدل” باحث في معهد بروكينغجز ومحلل سابق في وكالة الاستخبارات المركزية قائلا:”إن السعوديين يدركون أن روسيا تعود لاعبا رئيسيا في المنطقة مع انتصاراتها في سوريا والتقارب مع بوتين أيضا تحسبا لتقلبات ترامب الذي خيب آمالهم مع قطر”.

ولكن هل تستبدل السعودية علاقاتها الطويلة مع الولايات المتحدة التي ولدت قبل لقاء قناة السويس بين الرئيس “فرانكلين روزفل”ت وأول ملك سعودي بأخرى مع روسيا ؟ ويرجح معظم المحللون أنه على الاغلب لا إلا أن المملكة أبدت رغبتها في إعادة النظر بشكل جذري في بعض جوانب مجتمعها مؤخرا لتخفيف تأثير صناعة النفط على الاقتصاد.