أخبار مصر

د.عبدالمنعم سعيد: صناعة المستقبل

فى مصر طائفتان من الناس: المطبلون والمثبطون، وكلاهما فيه ضرر كبير على البلاد، كلاهما يجعل من “الحبة قبة” تهويلا أو تهوينا، وكلاهما من المتحمسين لنظرية المؤامرة، فالأولون يمجدون انتصارنا عليها، والآخرون يروننا جزءا منها؛ والأولون متفائلون دائما، والآخرون متشائمون على طول الخط.
كلا الجماعتين تجذب الدولة فى اتجاه تطرف يكف البصر عن رؤية الحقائق والوقائع، بقدر ما تواضعا على تجاهل المستقبل الذى يفرض علينا الأسئلة من أول ماذا نريد، وأين نحن الآن، وكيف نصل إلى هناك؟
تجنب هذه التساؤلات يجعل طحننا فى كثير من الأحيان دون طحين، ولكن ذلك لا يجعل الأسئلة الجوهرية تذهب بعيدا، ومن ناحيتنا فإن المحاولة جادة لكى نجيب عليها. وربما كان فى وثيقة «رؤية مصر 2030» ما يحدد الهدف الذى نسعى إليه، وهو أن نتقدم فى جميع المؤشرات العالمية حتى تكون مصر ضمن الدول الثلاثين الأول فى العالم عند نهاية الفترة المقررة أى بعد دستة من السنوات. بالطبع فإن ذلك لن يحدث فجأة أو تأتى معجزة عام 2029 فتأخذ بيدنا إلى المكان الذى انتوينا الوصول إليه، وإنما سوف يحدث ذلك من خلال عملية تراكمية تصنع هذه اللحظة بدءا من عام 2015 عندما بدأت «الرؤية».

الأخبار السارة هى أننا نتقدم إلى الأمام، وبعد أن كان معدل نمونا يتراوح حول 4% تقريبا، فإن الربع الأخير من العام المالى المنتهى كان معدل النمو فيه 4.9%، وهناك فى تصريحات المسئولين ما يشير إلى أن هذا المعدل سوف يتعدى 5% خلال العام المالى الحالي. وفى الأسبوع الماضى فإن مصر تقدمت 15 مرتبة فى مؤشر التنافسية العالمي، فارتفع قدرنا من المكانة 115 من 137 دولة إلى 100 بين نفس العدد من الدول. الأخبار السيئة هى أنه وفقا لمعدلات النمو الحالية فإننا لن نستطيع تحقيق الهدف المرجو؛ وإذا نظرنا مليا إلى مؤشر التنافسية العالمى فسوف نجد أن لدينا أمورا تتحسن وكانت السبب فى نقلتنا التى جرت، منها حجم السوق المصرية وحالة البنية الأساسية؛ ولكن هناك أمورا هى التى تشدنا إلى تلك المكانة المتأخرة التى مازلنا فيها. مازالت «البيئة الاقتصادية» ـ وموقعنا فيها 132ـ متأخرة، ولا أدرى عما إذا كان صدور قانون الاستثمار سوف يحسن من هذا الوضع أم لا؛ ولكن كفاءة العمل وأخلاقياته الشحيحة أكثر ما يشدنا إلى الخلف. النتيجة فى النهاية أننا نحتاج جهدا أكبر، واستثمارا أوسع، وحشدا وتعبئة لجميع الموارد المتاحة لدى الدولة، والقطاع الخاص، والقطاع التعاوني، والقطاع الأهلي.

إحدى القضايا المتسببة فى تأخرنا عنصرا التعليم العالى والتدريب، وما يسمى الاستعداد التكنولوجي، وكلاهما يحتاج نظرة من قريب لأنهما من المعجلات الأساسية لرفع مستويات النمو التى هى القاطرة لتحقيق كل ما نريد تحقيقه. وربما نختصر كثيرا من الزمن إذا ما استفدنا من حقيقة أننا نأتى متأخرين إلى التطور التكنولوجى العالمي، ومن ثم فإننا يمكننا الحصول على آخر ما وصل إليه من إبداع ومبتكرات واختراعات دون المرور بالضرورة على جميع المراحل الزمنية السابقة عليها. قرأت تقريرا بثته وكالة «رويتر» منذ أيام حول توصل العلماء فى كندا التى صيفها قصير إلى أنواع من الذرة تنضج خلال فترة قصيرة وبأضعاف الإنتاجية الحالية للوحدة الإنتاجية (فدان مثلا). والحقيقة أن التقرير لم يكن عن زراعة المحصول وإنما كيف أن النتائج المترتبة عليه سوف تعنى فائضا كبيرا فى السوق الدولية ليس فقط للذرة وإنما لكل أنواع الحبوب، وما سوف يسببه هذا التطور من أزمات اقتصادية للمزارعين نتيجة الانخفاض الشديد فى الأسعار.

مثل هذا التطور يمثل علامة فارقة بالنسبة لمصر التى تعد من أكبر دول العالم استيرادا واستهلاكا للحبوب؛ ولما كان واقعنا الجغرافى مختلفا عن ذلك الموجود فى كندا، وأننا بالفعل لدينا القدرة على زراعة أكثر من محصول فى العام الواحد، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتى وحتى التصدير لا يكون بعيد المنال. ولقد سبق لى التناول فى هذا المقام لما بات يسمى بالثورة التكنولوجية الصناعية الرابعة؛ وأظن أن فيها من المجالات التى تمسنا مباشرة، وتعطينا دفعات كبيرة إلى الأمام، وأولها المجال الزراعى الذى تمددت فيه المبتكرات ليس فى الحبوب وحدها وإنما فى جميع أنواع الغذاء الذى بات أكثر قدرة على التغذية، وأكثر سرعة فى الإنتاج، وأكثر تحملا لعوامل الطبيعة التى قد تفسده، ومن ثم يمكن تصديره (هناك تقدم ملموس بالفعل حدث فى زراعة العنب والفراولة فى مصر وغيرهما نتيجة الجهود التى بذلها المهندس كامل دياب رحمه الله؛ كما أن هناك مقترحات مفيدة فى هذا الشأن من الدكتور محمود عودة). وثانيها مجال تحلية المياه وتنقيتها وإعادة إنتاجها، وفى عام 2015 فإن 50% من الاستهلاك الإسرائيلى للمياه النقية أتى من مصادر صناعية للتحلية. إن التقدم الذى جرى لهذه التكنولوجيا يجعل أزمات المياه المستقبلية مسألة يمكن تجنبها ليس فقط لأغراض الزراعة، وإنما لأغراض التعمير للسواحل المصرية وتحقيق ما أشرنا له من قبل من ضرورة انتقال القاعدة البشرية والإنتاجية المصرية من النهر إلى البحر. وثالثها الطاقة الشمسية التى ربما سوف يتغير اسمها قريبا إلى الطاقة «الضوئية» لأن كل «فوتونات» الضوء اليوم يمكن تدويرها مرة أخرى كمصدر للطاقة (الجيل الجديد من طرازات iPhone وساعة آبل) لم تعد تحتاج عملية الشحن الكهربائى الدورية بعد أن أصبحت تستمد طاقتها من أى مصدر ضوئى متاح سواء كان الشمس أو الضوء العادي. لا أظن أننا نحتاج من يحدثنا عن أن مصر لديها واحد من أكبر مخزونات الطاقة الشمسية والضوئية فى العالم.

تفاصيل كل ذلك كثيرة، والاستطراد فى الموضوع ممكن، ولكن الرسالة بسيطة وهى أن نبحث عن آخر التكنولوجيات العالمية فى الموضوعات الرئيسية التى تهمنا، وساعتها لن تكون معضلة فى تحقيق أهدافنا المستقبل