أخبار مصر

تحرير و ترجمة : خالد مجد الدين

جاءت احدث كتابات خبير السياسة الامريكى المخضرم ” هنرى كينسنجر* ” لتتناول مفهوم النظام العالمى الجديد الذى يدار به العالم ، و الذى يراه ” كيسنجر” يمر بازمة عاصفة الان .. و أوضح وزير الخارجية الاميركي السابق في مقال** نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال “يوم الجمعة الماضية، أن الأزمات الحالية في جميع أنحاء العالم قد تغير النظام العالمى القائم .

فى اشارة الى ليبيا التى تشهد حرب أهلية، والجيوش الأصولية بدات فى اعلان الخلافة عبر سوريا والعراق ، والديمقراطية الوليدة في أفغانستان على وشك الشلل .. و اضافة لهذه الازمات و المشاكل هناك تجدد التوتر مع روسيا من جانب ، والعلاقة المقسمة مع الصين ما بين تعهدات بالتعاون وتبادل الاتهامات العامة.

لذا يقول كيسينجر “ان مفهوم النظام الذي استند اليه العصر الحديث اصبح في أزمة” ، و ذلك لانه و منذ فترة طويلة كان البحث و الاستشراف فى مسالة ” النظام العالمي” حصريا وحكرا تقريبا على مفاهيم المجتمعات الغربية.

في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، عززت الولايات المتحدة اقتصادها والثقة الوطنية ، ثم بدأت تأخذ شعلة القيادة الدولية، وأضافت بعدا جديدا. كأمة تأسست صراحة على فكرة الحكم الحر التمثيلى، وحددت الولايات المتحدة رقيها و ارتفاع شانها الخاص بانتشار الحرية والديمقراطية و تاسيس قوة لديها القدرة على تحقيق سلام عادل ودائم.

اختلاف النهج الاوربى عن النهج الامريكى ازاء العالم

إن النهج الأوروبي التقليدي للنظام ، كان يرى الشعوب والدول تنافسية بطبيعتها. ولتقييد آثار طموحات الاشتباك، كان يعتمد على توازن القوى وتناغم عزف رجال الدولة المستنيرين. على الجانب الاخر فان النهج الامريكى السائد كان يرى ان الناس يتسمون بالمعقولية بطبيعتهم ويميلون نحو التسوية السلمية والحس السليم ، لذا فان انتشار الديمقراطية بالتالي هو الهدف الرئيسي للنظام الدولي، وأن الأسواق الحرة ترفع شان الأفراد والمجتمعات وتؤدى لإثراء الترابط الاقتصادي و تكون بديلا عن المنافسات الدولية التقليدية.

وهذا الجهد لإقامة نظام عالمي ، قد اتى بثماره في نواح كثيرة . اصبح هناك عدد هائل من الدول المستقلة ذات السيادة تحكم معظم الأراضي في العالم. وأصبح انتشار الديمقراطية والحكم التشاركي تطلع مشترك إن لم يكن واقعا عالميا؛ الاتصالات العالمية والشبكات المالية تعمل في الوقت الحقيقي ( لحظة بلحظة)..

ربما السنوات فى الفترة من عام 1948 حتى مطلع القرن العشرين تميزت بكونها “فترة وجيزة” في تاريخ البشرية ، حيث يمكن الحديث عن النظام العالمي الناشئ الذى يتكون من مزيج من “المثالية الأمريكية” و و “التقليدية الأوروبية” حول مفاهيم الدولة وميزان القوى. ولكن هناك مناطق واسعة من العالم لم تتقاسم او تتشارك أبدا بل لم تذعن للمفهوم الغربي حول النظام العالمى . وهذه التحفظات أصبحت الآن واضحة، على سبيل المثال، في أزمة أوكرانيا وازمة بحر الصين الجنوبي. و الان النظام القائم والذى اعلنه الغرب يقف عند نقطة تحول جذرية .

مظاهر ازمة النظام العالمى القائم

أولا: طبيعة الدولة نفسها، وهى الوحدة الأساسية الرسمية للحياة الدولة فى اطار دولى ، تتعرض إلى العديد من الضغوط. فقد قامت أوروبا بتجاوز مفهوم الدولة وصياغة سياسة خارجية تستند في المقام الأول على مبادئ القوة الناعمة. ولكن من المشكوك فيه أن مزاعم الشرعية يمكن فصلها عن مفهوم الاستراتيجية التى تحفظ و تشكل النظام العالمي .. كما ان أوروبا لم تعط نفسها سمات الدولة، مما يؤدى الى اغراء بفراغ السلطة داخليا واختلال توازن القوى على طول حدودها.

في الوقت نفسه، أجزاء من الشرق الأوسط تلاشت نتيجه الصراع القائم بين المكونات الطائفية والعرقية بعضها البعض؛ . والمليشيات الدينية والقوى التي تدعمها اصبحت تنتهك الحدود والسيادة ، مخلفة ظاهرة الدول الفاشلة التى ليس لها المقدرة على السيطرة على أراضيها .

والتحدي في آسيا هو عكس التحدى في أوروبا: حيث مبادئ ميزان القوة لا علاقة لها بالمفهوم المتفق عليه بشان الشرعية، وهو ما يقود بعض الخلافات إلى حافة المواجهة.

ثانيا : الاشتباك بين الاقتصاد الدولي والمؤسسات السياسية التي تحكمه ظاهريا ، يضعف أيضا الشعور بالهدف المشترك والضروري للنظام العالمي. فقد أصبح النظام الاقتصادي “عالمي”، في حين لا يزال الهيكل السياسي للعالم قائم على أساس مفهوم “الدولة القومية”، بينما العولمة الاقتصادية، في جوهرها، تتجاهل الحدود الوطنية نجد ان السياسة الخارجية مازالت تؤكد عليها ، حتى وهي تسعى إلى التوفيق بين أهداف وطنية متضاربة أو نماذج و مُثل تخص النظام العالمي .

وهذه الديناميكية تم انتاجها عبر عقود من النمو الاقتصادي المستدام تتخللها أزمات مالية دورية ، و صلت لدرجة من الشدة و التفاقم : كما حدث في أمريكا اللاتينية في الثمانينيات ، وفي آسيا في عام 1997؛ وفي روسيا في عام 1998؛ وفي الولايات المتحدة في عام 2001 ومرة ​​أخرى بدءا من عام 2007؛ وفي أوروبا بعد 2010.

و هنا نجد ان الفائزين لديهم بعض التحفظات حول النظام العالمى ، بينما الخاسرين مثل الذين علقوا فى اخطاء ال2صميم الهيكلية للنظام، كما كان الحال مع جنوب الاتحاد الأوروبي ، الذين التمسوا انصاف الحلول من خلال حلول تلغي أو على الأقل تعرقل، عمل النظام الاقتصادي العالمي. .

و هكذا نجد ان النظام الدولي يواجه مفارقة: ان ازدهاره يعتمد على نجاح العولمة، ولكن العملية تنتج رد فعل سياسي غالبا ما يعمل على مقاومة تطلعاتها.

الفشل الثالث الذى يواجهه النظام العالمي الحالي، هو عدم وجود آلية فعالة للقوى العظمى للتشاور، وربما التعاون بشأن القضايا الأكثر تبعية. وقد يبدو هذا انتقادا غريبا في ضوء وجود العديد من المحافل المتعددة الأطراف والتي تتوفر أكثر بكثير من أي وقت آخر في التاريخ. و ذلك لان طبيعة ومدة تواتر عقد هذه الاجتماعات لا تسمح بوضع استراتيجية بعيدة المدى ، فهى الان تسمح في أحسن الأحوال، بمناقشة القضايا التكتيكية العالقة ، وفي أسوأ الأحوال تكون شكل جديد من مؤتمرات القمة التى تصبح حدث ‘لوسائل الاعلام الاجتماعية’ ..

لذا فان الهيكل المعاصر من القواعد والأعراف الدولية، إذا أريد لها أن تثبت و تصبح ذات صلة، لا يمكن أن يتم تاكيدها عبر التصريحات المشتركة؛ ولا بد من تعزيزها باعتبارها مسألة قناعة مشتركة.

نتائج فشل النظام العالمى

وجزاء و عاقبة فشل النظام العالمى ، لن تكون حرب كبرى بين الدول (وإن كان في بعض المناطق هذا لا يزال ممكنا) حيث تم تطوير مناطق و مجالات نفوذ معينة تم تحديدها مع الهياكل المحلية وأشكال الحكم. و على أطراف هذه المناطق و المجالات ، سوف يميل كل “مجال ” لاختبار قوته ضد الكيانات الأخرى التي تعتبر ( من وجه نظره )غير شرعية.. و الصراع بين المناطق ، يمكن أن يكون أكثر ايلاما من الصراع بين الأمم.

والسعي لنظام عالمي معاصر يتطلب استراتيجية متماسكة لتأسيس مفهوم النظام في مختلف المناطق وربط هذه النظم الإقليمية بعضها البعض. والأهداف ليست بالضرورة ان تكون المصالحة الذاتية: فانتصار الحركة المتطرفة قد يجلب النظام لمنطقة واحدة بينما يعد المسرح لمزيد من الاضطراب في اومع جميع المناطق الآخري. بمعنى ان الهيمنة على منطقة عسكريا من قبل دولة واحدة، حتى لو كان سيؤدى لجلب وظهور النظام، فانه ايضا يمكن أن ينتج أزمة لبقية العالم.

والنظام العالمي للدول يعنى التاكيد على كرامة الفرد والحكم القائم على المشاركة، والتعاون دوليا وفقا للقواعد المتفق عليها، و يجعل لدينا أمل وينبغي أن يكون مصدر إلهام لنا. ولكن التقدم نحوه في حاجة إلى أن الاستمرار من خلال سلسلة من المراحل الوسيطة .

و لكى تتمكن من ان يكون لها دورا مسئولا في تطور النظام العالمي في القرن 21، يجب على الولايات المتحدة ان تكون مستعدة للرد على عدد من الأسئلة توجهها لنفسها من بينها : ما الذى سنسعى الى منعه و لا يهم كيف يحدث هذا ، وإذا ما لزم الامر القيام به بمفردنا ؟ وما الذى سنسعى إلى تحقيقه، و انجازه فقط اذا تم دعمه بأي جهد متعدد الأطراف؟ و ما الذى لن ننخرط فيه حقيقه، أو منعه، حتى لو كان مدعوما من قبل تحالف؟ وما هي طبيعة القيم التي نسعى إلى التقدم و التحرك بها للامام؟ وهل و كم ةسيعتمد تطبيق هذه القيم على الظروف؟

بالنسبة للولايات المتحدة، يتطلب هذا ، التفكير على مستويين يبدو انهما متناقضان. اولا : الاحتفال بالمبادئ العالمية يحتاج إلى أن يقترن بالاعتراف بواقع المناطق الأخرى وتاريخها والثقافات وآرائهم بشان الامن. ثانيا : فحص الدروس و العبر من العقود الصعبة، مع وجوب التأكيد على الطابع الاستثنائي لأمريكا. فالتاريخ لا يوفر الراحة للبلدان التي تضع جانبا الحس بالهوية لصالح ما يبدو أقل مشقة . كذلك لا يضمن نجاح اكثر القناعات في ظل عدم وجود استراتيجية جيوسياسية شاملة .

*شغل دكتور هنرى كيسنجر Henry Kissinger منصب مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية في عهد الرئيسين نيكسون وفورد.

** المقال ، هو جزء من كتابه الجديد “النظام العالمي World Order” الذي سيصدر و ينشر فى 9 سبتمبر المقبل.