أخبار مصر

الترجمة شراع سفينة العلم

تحيى منظمة الأمم المتحدة، في الثلاثين من سبتمبر ، ولأول مرة، اليوم الدولي للترجمة بعد أن اعتمدت الجمعية لعامة للأمم المتحدة في مايو 2017 القرار 288 / 71 بإعلان يوم 30 سبتمبر يومًا دوليًا للترجمة، مؤكدة أن الترجمة المهنية، بوصفها مهنة وفنا، تؤدي دورا هاما في تعزيز مقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه والتقريب بين الأمم وتيسير الحوار والتفاهم والتعاون والإسهام في التنمية وتعزيز السلام والأمن الدوليين.

جاء اختيار هذا اليوم بمناسبة عيد القديس جيروم مترجم الكتاب المقدس الذي يعتبر قديس المترجمين.. ويرعى هذه المناسبة الاتحاد الدولي للمترجمين والذي تم تأسيسه في عام 1953، وفي عام 1991 أطلق الاتحاد فكرة الإحتفال باليوم العالمي للترجمة كيوم معترف به رسميا وذلك لإظهار تعاضد المترجمين في جميع أنحاء العالم ولتعزيز مهنة الترجمة في مختلف الدول، وتعتبر الإحتفالية فرصة لعرض مزايا هذه المهنة التي تزداد أهمية يوما عن الآخر في عصر العولمة.

وتلعب الترجمة دورًا هامًا في إثراء الحياة الاجتماعية والعلمية والثقافية لدى الأمم المختلفة هو أمر لا يمكن إنكاره أو تجاهله، فقد لعبت الترجمة دورًا حضاريًا وثقافيًا وعلميًا بدأ منذ بزوغ فجر التاريخ البشري ولا تزال تقوم بدورها حتى وقتنا هذا وستستمر في أدائه ما بقي للبشر حياة على وجه الأرض..والمتتبع لتطور الحضارات الإنسانية وتنامي التقدم العلمي الإنساني يجد أن الترجمة ظاهرة تسبق كل إنجاز حضاري لأي أمة ثم تستمر مواكبة للنمو الحضاري لها والبلدان الناهضة الساعية والجادة للالتحاق بركب التقدم تهتم بنقل أسرار التكنولوجيا والصناعات والعلوم المختلفة إلى لغتها وذلك حتى تصبح متاحة لأبنائها بلغتهم التي درجوا على استخدامها، لينتقلوا بعد ذلك إلى مرحلة التفكير والتطوير وإحراز التقدم والسبق.

وقد وضع العالم المعاصر الدول النامية أمام تحد بالغ وخيار بين الحياة من خلال مواكبة التطور العلمي المتواصل والمتسارع أو الموت بين الركام، ووحدها الترجمة هي القادرة على بناء الجسور التي يمكن من خلالها عبور الإنجازات البشرية..

وصناعة الأمم والحضارات المتقدمة لاتقوم على البحث العلمي وحده بل تقوم أيضا بجهود المترجمين الذين ينقلون للعلماء أحد ما وصلت إليه علومهم في الشعوب والحضارات الأخرى ، سواء المعاصرة لهم أو السابقة عليهم.

ولذا فإن العلماء في روسيا -مثلا- يطلوقون على لاترجمة لقب “شراع سفينة العلم” التي لا تتحرك بدونها سفن العلم؛ فلا أمة تسير سفن علمها بعلمائها وحدهم بل بأفكار وإنجازات علماء الأخرى التي ينقلها لها المترجمون – الجنود المجهولون في مسيرة العلم.

ففي القرن التاسع الميلادي،قام العرب بترجمة معظم مؤلفات أرسطو وهناك مؤلفات كثيرة ترجمت عن اليونانية إلى العربية، وضاع أصلها اليوناني فيما بعد، فأعيدت إلى اللغة اليونانية عن طريق اللغة العربية أي أنها لو لم تترجم إلى اللغة العربية لضاعت نهائيا وما وجدنا لها أثرا الا أنها وقع الحفاظ عليها بواسطة الترجمة التي لعبت دورًا كبيرًا في ذلك.

إن ترجمة كتب الإغريق والعرب والأسبان والرومانيين الفضل الكبير في تناقل المعارف منذ العصور القديمة ولها الميزة الفضلى في ضمان المعرفة للجميع رغم الاختلاف اللغوي والتباعد والتباين الجغرافيين والميتافيزيقيين فعلى سبيل المثال لولا وجود الترجمة لما وصلت التكنولوجيا الألمانية إلى معظم أنحاء العالم.

وفي الواقع نجد صعوبة أن نحدد تاريخًا محددًا بدقة في تاريخنا العربي، لبدايات ظهور الترجمة لدى العرب فهناك مختصون منهم عرفوا بإلمامهم بلغات الأعاجم منذ ما قبل الإسلام.. فقد اختلط العرب بالأجانب بحكم رحلاتهم التجارية منذ ما قبل الإسلام واحتكوا بثلاث أمم مجاورة لجزيرتهم وهم الفرس والروم والأحباش وإلى حد ما السريان والهنود والمصريين.. إلا أن الإلمام بهذا القدر أو ذاك بلغات الشعوب لا يعني بالضرورة النقل والترجمة.. فقد اقتصرت في الغالب عند العرب على ترجمة عملية شفوية اقتضتها كما ذكرنا علاقاتهم التجارية، ولعل دليل ذلك الاحتكاك دخول عدد من المفردات الفارسية واليونانية والرومانية في أشعار العرب ولعل أشهرهم في هذا الشأن الأعشى، وقيل أن الحارث بن كلدة تعلم أيضًا الطب في فارس واطلع على التجربة الطبية الهندية فيه.. وكما نعلم هنالك وفرة من تلك الألفاظ الأعجمية الأصل تضمنتها بعض سور وآيات القرآن الكريم بحكم نزوله على العرب بلغة قريش وقد عثر على مخطوط في إحدى الكنائس قرب حلب يعود تاريخه إلى 513 م مكتوب باليونانية والسريانية والعربية ويتضمن أسماء من شاركوا في بنائها.

وفي صدر الإسلام ازداد احتكاك العرب المسلمين بأمم آخرى وبدأت ترجمات رسائل الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ملوك الأقوام والشعوب غير العربية، ومنهم قيصر الروم، وكسرى ملك الفرس، ونجاشي الحبشة، ومقوقس ملك الاسكندرية، هذا إلى جانب الرسائل التي بعث بها الخلفاء الراشدون إلى قيادات أقوام وأمصار عديدة لأغراض شتى، وبضمنها الاغراض الدعوية.ومع بداية العصر الاموي.

وقد اختلف الباحثون والمؤرخون العرب عما إذا كان هذا العصر هو العصر الفعلي لبدايات الترجمة والنقل من علوم الحضارات الاخرى كالهندية والاغريقية والصينية إلى العربية أم مجرد شهد محاولات فردية محدودة، وتركز الاختلاف حول مدى اهتمام الأمير الاموي خالد بن يزيد بن معاوية بن ابي سفيان بالترجمة واستقدامه علماء من مدرسة الاسكندرية لترجمة العلوم اليونانية إلا أن الكثيرين يتفقون على أنه جرت ترجمة للدواوين في الأمصار المفتوحة خلال هذا العصر وبخاصة في عهد مروان.

وفي العصر العباسي ( 750 – 1258م ) الذي يعد بحق العصر الذهبي بلا جدال لتنامي وازدهار حركة الترجمة عند العرب، وخصوصًا خلال حكم المأمون ( 813- 833م ) ففي عهده جرت أنشطة الترجمة بشكل منظم بدعم مباشر من الدولة وكان ” بيت الحكمة “ الذي تم انشائه خلال حكم المأمون هو الرمز الأشهر في التعبير عن تلك المأسسة..

ويقال ان طاقمه التعليمي في حقل الترجمة يتكون من 65 مترجمًا متفرغًا للترجمة من اليونانية والسريانية والفارسية والسنسكريتية والآرامية، إلى العربية، بالإضافة إلي بيوت آخرى اُنشئت خصيصًا للترجمة. وفي هذه الحقبة الذهبية تمت ترجمة مخطوطات علمية مهمة في الطب والكيمياء والفلك والرياضيات والفلسفة والمنطق، ومن أشهر الكتب المترجمة كتاب الجغرافيا لبطليموس، والأخلاق لأرسطو، وكتاب اضطرابات العين.

وتميز عهد الخليفة المنصور بالاهتمام بعلم الفلك وترجمة الكتب الهندسية، كما تمت ترجمة كتاب اقليدس الذي اعتبره ابن خلدون أولى الترجمات من اليونانية إلى العربية، كذلك قام المفكر عبد الله ابن المقفع بترجمة مجموعة من الكتب لعل أشهرها ” كليلة ودمنة “ الذي ألفه الفيلسوف الهندي بيدبا باللغة السنسكريتية ورفعه الى ملك الهند المستبد دبشليم بغية تأنيب ضميره.

وترجمه الى الفارسية الطبيب الفارسي برزويه وقام بدوره ابن المقفع الفارسي الأصل بترجمته من الفارسية الى العربية وأضاف إليه بعض الإضافات آملًا أن يتعظ الخليفة المنصور من حكمه وأمثاله ليعدل بين الناس.. فما كان من المنصور سوى أعدام المفكر وفيلسوف عصره ابن المقفع، بعدما كثر الواشون عليه، كما ترجم ابن المقفع كتاب بانشنترا الهندي، وكتاب التاج تاجنامه.

وفي عهد الرشيد تمت ترجمة الكتب الطبية اليونانية.. وفي عهد المأمون تأسست أهم مدرسة للترجمة على يد المترجم الكبير حنين بن اسحاق الذي يقال بأنه ترجم 100 مخطوط من اليونانية إلى السريانية، و39 مخطوطًا إلى العربية مباشرة. وبخاصة المخطوطات الطبية وكان حنين يسافر إلى الاسكندرية وبيزنطة للبحث عن المخطوطات الجديرة بالترجمة.. واستمرت حركة الترجمة خلال الدولة العباسية حتى أواخر القرن الـ 10 الميلادي وبعدها بدأ العد التنازلي لافول الحضارة العربية الاسلامية ودخول العرب فيما عرف بعصور التخلف والانحطاط.

وفى العصر الأندلسي ازدهرت الثقافة والفلسفة العربية ولم تقتصرالترجمة العربية على النقل إلى العربية بل وشرح النص المعرب والتعليق عليه.. وقد فعل ذلك على وجه الخصوص الفيلسوف العربي ابن رشد الذي لم يكتف فقط بإعادة ترجمة أعمال ارسطو بل قام بشرحها والتعليق عليها.. ويمكن القول ان أعمال الترجمة في هذا العصر تركزت في النقل من العربية الى اللغات الاوروبية على أيدي المستعربين أو المستشرقين الذين نقلوا علوم العرب للغات شعوبهم أكثر من الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية وبخاصة في ظل تحفظ بعض خلفاء أو ملوك الاندلس على النشاط الترجمي واعتباره ضربًا من الهرطقة..

وكان بعض المترجمين الاوربيين يتقنون العربية بشكل مدهش ويحرصون على نقل الكثير من المصطلحات العلمية العربية كما هي إلى اللاتينية مثل اديلارد الباثي وجون الإشبيلي وكانوا يمتدحون علم وعقل معلميهم العرب.. ومثلما بات شائعًا في عصرنا الاستعانة في لغتنا العربية بالمصطلحات الاجنبية كما هي في مختلف العلوم الانسانية والتطبيقية فقد فعل ذلك قبلًا مترجمو القرن 12 الاوروبيون من العربية إلى اللاتينية..وقد أمر الامبراطور فردريك الثاني هوهنشتاوفن في هذه الفترة بترجمة أعمال المفكر الفيلسوف العربي الكبير ابن رشد ولم ينتصف القرن 13 إلا وجميع مؤلفاته مترجمة إلى اللاتينية والعبرية.

وفي مصر

ومع قدوم الحملة الفرنسية بدأت نهضة معرفية للترجمة لا تنكر رغم حدوثها على يد المستعمر الفرنسي فبفضل ترجمة فك العلم الفرنسي “شامبليون ” لطلاسم النصوص المكتوبة على “حجر رشيد” وترجمتها بدأت معرفتنا ومعرفة العالم لتاريخنا الفرعوني القديم بعد معرفتنا الدقيقة للغات الفرعونية .

وبعد ذلك مباشرة ، ، عرف عن والي مصر محمد علي باشا اهتمامه بإرسال البعثات المصرية العلمية إلى أوروبا خاصة فرنسا وكانت البعثات الأولية تضم أتراكًا ومسيحيين وخاصة من موارنة سوريا ولبنان وقام هؤلاء بأعمال جليلة في تنشيط حركة الترجمة في مصر وأسس محمد علي مدرسة ” الألسن ” عام 1835 وكان اسمها الاصلي مدرسة ” الترجمة “، وتولى الشيخ رفاعة الطهطاوي الاشراف عليها، بعد ما كان قبل ذلك مترجمًا في مدرسة الطب ثم في مدرسة المدفعية للعلوم الهندسية والفنون العسكرية.. وبلغ عدد الكتب الاجنبية المترجمة على أيدي خريجيها 2000 كتاب في مختلف المجالات.. وكان محمد علي يوصي مبتعثيه بشراء الكتب العلمية وجلبها معهم ليتم ترجمتها في مصر وتم تشكيل هيئة من علماء الأزهر لمراجعة وضبط المصطلحات المعربة.

واستمر مشروع محمد علي في الترجمة زهاء 20 عامًا ولم ينقطع الاهتمام بالترجمة في عهد الخديوي اسماعيل وأنشأ مركزين لهذا الغرض الأول في مصر والثاني في الشام.. ومن الأعمال الاوروبية التي تمت ترجمتها: الكتاب المقدس، وتواريخ مختلفة للعالم القديم والعصور الوسطى، وتواريخ مختلف الملوك والاباطرة وكتاب مونتسكيو ومؤلفات عديدة اخرى في الطب والجغرافيا والعلوم العسكرية والنصوص المسرحية الدرامية الفرنسية وغيرها.

وإذا كان القرن الـ 19 الميلادي هو القرن الذي شهد بدايات ازدهار الترجمة من اللغات الاوروبية إلى العربية ولا سيما في مصر فإن القرن الـ 20 قد شهد ذروة هذا الازدهار وخلال النصف الأول من هذا القرن تركز النشاط الترجمي بوجه خاص في مصر ولبنان وسوريا فيما كانت أغلب الاقطار الاخرى لم تنل استقلالها وكانت غالبية الترجمة تتم من اللغتين الانجليزية والفرنسية..

ويلاحظ أن نصيب الكتب الادبية المترجمة إلى العربية شغلت حيزًا كبيرًا ولاسيما الروايات والقصصص..ومن الرموز الادبية العربية التي شاركت قي أنشطة الترجمة خلال النصف الاول من القرن 20 سليمان البستاني الذي ترجم الألياذة شعرًا في عام 1904، وكان البستاني يتقن خمس لغات هي الفرنسية والانجليزية والألمانية والايطالية واليونانية وطه حسين الذي ترجم كتبًا أدبية منها مأساة ” أوديب “، كما وضع مقدمات لنصوص مترجمة على أيدي مترجمين عرب آخرين والشاعر حافظ ابراهيم ؛ ومحمد السباعي ؛ ومحمد بدران ؛ ودريني خشبة الذي كرس شطرًا كبيرًا من حياته لترجمة روائع الادب اليوناني ؛ وابراهيم زكي خورشيد ؛ وعصام الدين ناصف ؛ وسامي الدروبي الذي هو بمثابة الأب الروحي لترجمة أعمال الروائي الروسي العظيم دوستيفسكي والتي ترجمت إلى كل اللغات الحية، وقد ترجم الدروبي مجمل أعمال هذا الاديب الروسي في 30 مجلدًا. والمترجم الفلسطيني سليم قبعين من مدينة الناصرة الذي كان أول من تخصص في ترجمة أعمال تولوتسوي وولع بها ولعًا شديدًا.

كما جربت الأديبة المعروفة مي زيادة حظها في الترجمة عند ما ترجمت عن الالمانية ” قصة الحب الالماني من أوراق غريب ” واصدرتها تحت عنوان ” ابتسامات ودموع ” على الرغم من اعترافها بعدم اتقانها الكافي للغة الألمانية ؛ وفؤاد سهيل أيوب ؛ ومنير بعلبكي ؛ ولويس عوض ؛ وعلي أحمد باكثير ؛ وأمين سلامة ؛ وتوفيق الحكيم وهو أيضًا ممن ترجموا ” أوديب ” ؛ ومصطفى لطفي المنفلوطي الذي كان يعيد انتاج الادب الاجنبي باسلوبه المتميز الراقي من خلال ما يخبره أو يتلوه عليه أصدقاؤه بناء على طلبه من روائع الادب العالمي بلغاتها بلغاتها الأصلية، وهو يشبه هنا أحد كبار المترجمين الصينيين هو لين شو ( 1852- 1924) والذي لم يكن يعرف سوى لغته الام ومع ذلك كتب عن روائع الآداب العالمية التي ساهمت في تحرر العقل الصيني.

ومن مترجمي هذه الفترة أيضًا فرح انطون ؛ واسماعيل مظهر مترجم الكتاب الشهير المثير للجدل ” أصل الأنواع ” لداروين ؛ ومصطفى ماهر الذي تخصص في ترجمة الأدب الألماني ؛ وجبران خليل جبران الذي ترجم مسرحيات شكسبير وأعاد ترجمتها بعدئذ كثيرون ومنهم الناقد الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا. كما جرى تعريب طائفة من عيون الشعر الاجنبي، ولا ننسى أيضًا في هذا السياق ماقام به عدد كبير من المترجمين من ترجمة للكتب السياسية والفلسفية والاقتصادية والاجتماعية. وفي عام 1914 تشكلت لجنة التأليف والترجمة والنشر التي ترأسها أحمد أمين، وضمت في عضويتها خريجي مدرسة المعلمين العليا ومدرسة الحقوق. وترجمت هذه اللجنة العديد من الموسوعات العلمية الغربية، مثل قصة الحضارة لول ديورانت، وتاريخ الفلسفة الغربية لبتراند رسل.

وفي الثلاثينيات من القرن الماضي تفجر خلاف كبير حول مشروعية ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية ووقفت مجموعة من مشايخ الاسلام ضد ترجمته من أمثال: محمد شاكر، ومحمد سلمان عنارة، والاحمدي الظواهري، في حين دافع عن جواز وشرعية ترجمته شيخ الازهر حينذاك الشيخ محمد مصطفى المراغي وسانده وزير المعارف، ثم ثلاشت الحملة على ترجمة القرآن وصدرت ترجمات عديدة للمصحف الشريف بلغات مختلفة على أيدي مترجمين عربًا ومستشرقين او مستعربين.

كما تميزت هذه الفترة بظهور القواميس والمعاجم التي تذكر أو تشرح مفردات اللغات الاجنبية، وبخاصة الانجليزية والفرنسية، كما ظهرت لاحقًا القواميس المتخصصة في علوم بعينها كالقانون، والطب، والحيوان، والنبات، والاقتصاد والسياسة والهندسة، وغيرها.

وإذا كنا أستعرضنا أمثلة لنخبة من جيل الرواد المترجمين العرب منذ بدايات عصر النهضة في القرن ال 19 م حتى النصف الاول من القرن الـ 20، فإننا نرى من الصعوبة بمكان تقديم ولو نماذج من جيل المترجمين الذين برزوا إبان النصف الثاني من القرن العشرين بالنظر إلى أعدادهم الهائلة، ويمكن معرفة عدد منهم بالرجوع إلى كتاب الباحث السعودي علي بن سليمان الصوينع ” توثيق الترجمة والتعريب ” إذ حصر 115 أديبًا عالميا تمت ترجمة بعض أعمالهم إلى العربية ذاكرًا أسماء المترجمين العرب، كما يمكن الرجوع أيضًا في هذا السياق إلى الدليل الذي أصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بإسم ” دليل المترجمين ومؤسسات الترجمة والنشر في الوطن العربي ” عام 1987..

ويمكن القول أنه خلال هذه المرحلة التاريخية التي نالت خلالها معظم الاقطار العربية استقلالها عدا فلسطين وتمتع بعضها منذ مطلع السبعينيات بوفرة مالية من مداخيلها النفطية أن حركة ومشاريع الترجمة شهدت قفزة كبيرة صاحبها تطور عالمي في اشكال الترجمة، فظهرت الترجمة الفورية المباشرة في اعمال الاجتماعات والمؤتمرات، كما ظهرت الترجمة المطبوعة على الأفلام الأجنبية، وسبقتها الترجمة المدبلجة، وفي السنين القليلة الماضية اُخترعت الترجمة الآلية الفورية المكتوبة من خلال الشبكة العنكبوتية.

ومن أهم مشاريع الترجمة الرائدة التي برزت عربيًا مشروع ترجمة الألف كتاب الاول في مصر خلال عهد الزعيم الراحل عبد الناصر في الخمسينيات بإشراف الادارة الثقافية في وزارة التعليم، وخلال تلك الفترة تمت ترجمة ” الكوميديا الآلهية “ على يد المترجم المصري حسن عثمان الذي عكف على ترجمتها في 3 أجزاء على مدى 10 سنوات ( 1959- 1969 ) وأشاد بهذه الترجمة إدواردو كريسافولي استاذ اللغة الايطالية ومدير المركز الثقافي الايطالي في بيروت. ثم تبعه مشروع الالف كتاب الثاني في الثمانينات خلال عهد حسني مبارك، ثم جاء انشاء المركز القومي للترجمة والذي هدف لتوسيع أعمال الترجمة لتشمل اللغات الشرقية وعدم اقتصارها على اللغتين الانجليزية والفرنسية.

وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي تم تأسيس المنظمة العربية للترجمة، وقد ترجمت حتى الآن ما يقرب من 300 كتاب من اللغات الانجليزية والفرنسية والالمانية وغيرها.. وفي الخليج العربي تعد سلسلة عالم المعرفة في دولة الكويت والتي تأسست عام 1978 وتصدر كتبًا شهرية في مختلف حقول العلوم والمعرفة من أوائل مشاريع الترجمة الرائدة في الهذه المنطقة بالنظر إلى أن العديد من كتب هذه السلسلة تصدر مترجمة عن لغات أجنبية..

وفي دولة الامارات أطلقت هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث مشروع ” كلمة “ الذي يقوم سنويًا بإعلان قائمة بـ 100 كتاب منشورة بكل اللغات ثم يعكف على ترجمتها، ومؤخرًا أصدر هذا المشروع الترجمة العربية للعمل الكلاسيكي اللاتيني ” الإينادة “، من تأليف بوبليوس فورغيليوس مارو وترجمة محمد علي الغول.

أما في مصر فمن المشاريع التي برزت في هذه الفترة المشروع المشترك بين داري نشر الشروق المصرية وبنجوين راندوم هاوس البريطانية لترجمة كلاسيكيات الادبين العربي والغربي بالتبادل ( أي في الإتجاهين من الانجليزية الى العربية ومن العربية الى الانجليزية )، بينما اختصت مؤسسات إصدارية اخرى بترجمة الاعمال الادبية العربية إلى اللغات الاجنبية مثل مجلة بانيبال في لندن التي صدرت في عام 1998 لهذا الغرض، ودار نشر اكت سود الفرنسية.

وتصف ميرلين ديڤيد استاذة دراسات الترجمة في جامعة كوينز بلفاست الايرلندية أن رؤية الاوروبيين إلى الإسلام تحولت نحو الأفضل في الـ 50 سنة الأخيرة بفضل ترجمة النصوص الإسلامية إلى اللغات الاوروبية على أيدي كثرة من المسلمين بعدما كانت تترجم على أيدي الدبلوماسيين والرحالة والباحثين في سياق استعماري مغرض غير منزه من الهوى.

إن الترجمة خلال القرن ال20 الذي أطلق عليه عن حق “عصر الترجمة”، قد تطورت عالميًا بحيث تحولت علمًا قائمًا بذاته يدرس في أرقى جامعات العالم ولم يعد خاضعًا للارتجال والهواية أوالارتزاق كما كان الحال قبل ذلك في أحاين عديدة.

الترجمة فاعل سياسي

لا تنحصر عملية الترجمة عادة في نقل الأفكار والمعارف، بل هي جزء من منظومة إيديولوجية تقوم فيها بدور الوسيط المعرفي وتشرف على إنجازها السلطة السياسية. فجميع مؤشرات الحالة تثبت الترابط بين الفعلين السياسي والترجمي. إذ المترجم ليس هو المتحكم الوحيد في آليات الترجمة والمحدد الأوحد لنتاجها، بل هناك العديد من الأطراف الأخرى الفاعلة التي تحدد مسار الترجمة: مثل المؤسسات العلمية التي تحدد معايير الترجمةالمقبولة وسياستها، وشروط النشر، والقبول في السوق العلمية وكلها عناصر تحددها سياسة الدولة. فعلى سبيل المثال، ارتبطت الترجمة بأدوار عديدة خلال الأطوار الاستعمارية باعتبارها أحد التعبيرات الصريحة عن قوّة المستعمِر الثقافية كما يمارسها في علاقته بالمستعمَر.

وقد تولى مهامّها أعضاء البعثات التبشيرية، وعلماء الأنثروبولوجيا، والمستشرقون، بصفة عامة؛ وهؤلاء اختاروا غالباً تلك النصوص المحلية التي تستجيب أكثر لصورة المستعمَر كما يحلو للمستعمِر أن يراها. فكانت الترجمة وسيلة للهيمنة وليس للمعرفة.

وفي العالم العربي يأخذ الأمر صورة أكثر مأساوية. فمن خلال المؤشرات الكمية يبدو أن متوسط عدد الكتب المترجمة في العالم العربي هو أربعة كتب لكل مليون مواطن سنوياً، في حين يحظى كل مليون مواطن في المجر بنحو 519 كتاباً سنوياً، كما يبلغ نصيب كل مليون إسباني في العام 920 كتاباً. كما أفاد تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم – اليونيسكو – بأن العرب الذين يتجاوز عددهم 270 مليون نسمة لا يترجمون سنوياً سوى 475 كتاباً، في حين تترجم أسبانيا التي لا يتجاوز تعداد سكانها 38 مليون نسمة أكثر من 10 آلاف عنوان سنوياً. مما يعني أن بين الترجمة والتقدم الحضاري علاقة تلازم جدلية.

فكل البلدان المتقدمة تعمل على استيعاب الكم المتزايد من المعلومات عبر سياسة ترجمية لا تقتصر على الحديث النظري والوجداني بل تحاول استيعاب أهم المعلومات والمعارف من مختلف المجالات والعلوم. فالولايات المتحدة بالرغم من كونها المصدر الرئيس للإنتاج العلمي(85 في المائة)، فإنها تحرص على ترجمة المنتوج الثقافي العالمي.

“ولذلك يلاحظ الباحثون تناسباً طردياً بين التقدم الحضاري وكمية الترجمة. فالبلدان التي تترجم أكثر هي التي تحقق تقدّما أكبر، وأن أغنى عصور الفكر هي تلك التي تزدهر فيها الترجمة وتتوسع. وأن اللغة العالمية هي ليست تلك اللغة التي يتكلمها أكبر عدد من الناس، بل هي تلك اللغة التي تُرجم إليها أكبر عدد من الأعمال من مختلف اللغات”.

نظرة للترجمة وبناء النهضة العربية

إن كل عملية نهضوية تطرح أسئلة شائكة. لذا يتوجّب على الترجمة التي هي حاجة ثقافية وحضارية أن تأتي من ضمن خطة قومية شاملة. من هنا تحتاج البلدان العربية لعملية ترجمة مؤسسية وممنهجة ترتبط باستراتيجية ثقافية قومية.

فهناك فجوة كبيرة بين ما تنتجه ثقافتنا العربية وثقافة الغرب، وهذا يتطلّب ترجمة آلاف الكتب في مجالات المعرفة المختلفة حتى يتسنّى لنا مواكبة العصر وإشكالياته. قد تكمن البداية في إيجاد نمط من التنسيق بين مراكز الترجمة في الوطن العربي.

يلي ذلك وضع استراتيجية عقلانية للترجمة يجري من خلالها تحديد الأهداف القومية والمعرفية الضرورية لعملية الترجمة وما يجب أن يشكل غاية نهضوية للترجمة. أعرف تماماً أن هكذا طموح

قد يبدو طوباوياً في الظرف الراهن. لكنها فكرة يجب أن ترسخ في الأذهان، ولا سبيل لقيام نهضة فعلية بدون هذا المسلك.

إلا أنه بالرغم من ضبابية الصورة، يُعتقد أن الأمور ليست على درجة من السوء الذي يتصوره البعض، ذاك أن الخبرات التي تكتسبها المؤسسات التي تُعنى بالترجمة حالياً، والتجارب التي تقوم بها والصعوبات التي تواجهها وتسعى لتذليلها لا بد وأن تقودها في النهاية إلى بلورة مشروع متكامل.

لابد من تبني استراتيجية علمية عربية تقوم على التركيز على ترجمة العلوم الحديثة إلى العربية لنقل كل ما هو حديث في العلم وعدم التوقف عند ترجمة الروايات والأعمل الفلسفية أو كلاسكيات العرب العغرب الأدبية التي “أكل عليه الزمان وشرب” ولم تعد تهم إلا محدثي التاريخ لإن أمتنا العربية في حاجة الآن للعلوم الحديثة التي تبني مستقبل الشباب وتقود أمتهم الى رفعة علمية ومواكبة لعلم يتقدم بخطوات بل قفزات نقف عاجزين عن ملاحقتها بلغتنا العربية .

في الماضي لعبت الترجمة دوراً بارزاً في تألّق الثقافة العربية، واليوم في ظل العولمة تواجه هذه الثقافة بالذات تحدّيات متعدّدة خارجية وداخلية، والانكفاء أو الانعزال يعني الموت الأكيد. لا بد إذن من أن تُسهم الترجمة -التي هي نافذة مهمة على العلم ووسيلة أساسية لنقل المعارف وأداة للتواصل-، في تشكيل الفكر العربي الحديث، إذا ما حصلت في إطار عملية نهضة علمية-معرفية كبرى، نصبو اليها بكل جوارحنا.

رسالة إلى المترجمين

بمناسبة اليوم العالمي للمترجمين أطلقت رابطة المترجمين المستقلين، ، رسالة للاحتفاء بالمترجمين جاء فيها:

“كل عام وأنت بخير بمناسبة اليوم العالمي للترجمة. نود أن نستغل هذه المناسبة لتذكيرك بأنك شخص ذو قيمة، فأنت صانع الحضارات وملتقى الثقافات ومحطم الفجوات. بدونك لا تقوم أي حضارة ولا تنهض أي امة ولا ينتشر أي علم ولا تنقل أي معرفة.”

وتابعت الرسالة: “اشعر بالفخر كونك تشتغل بهذه المهنة الراقية واهتم بها وحافظ عليها فهي أمانة في أعناقنا.”

كانت قد أُنشئت هذه المجموعة لتضم أكبر عدد من المترجمين الأحرار من مختلف المجالات ولتكون بمثابة ملتقى للمترجمين لتبادل الخبرات والأفكار.