أخبار مصر

هاني عسل : “نوستالجيا” الأخلاق

استمعت ذات مرة إلى فنان عربي كبير يؤكد في حديث تليفزيوني أن والده كان يرتدي البدلة والكرافتة قبل الاستماع لعبد الوهاب في الراديو!

كان الرجل يتحدث عن زمن فات واندثر، زمن كان فيه الجلوس في المنزل بالروب، والنزول إلى الشارع بملابس الخروج، لا بالبيجامة والشبشب!

زمن كان فيه الاستماع إلى أم كلثوم يستوجب الصمت التام، لا بالتصفيق وهز الوسط.

زمن كان فيه الكبير يقال له «حضرتك»، والمدرس يقال له يا «أستاذ».

زمن كان فيه السلام على الأب بتقبيل يده، وعلى الأم بتقبيل رأسها، والكلام مع المرأة يبدأ وينتهي بكلمة «هانم».

زمن كان فيه الرأي العام يوجهه طه حسين والعقاد وفكري أباظة، زمن كان فيه كبار رجال الفكر والأدب والفن والدولة والاقتصاد من «سميعة» الست. زمن كان فيه أمير الشعراء أحمد شوقي «الصديق الأنتيم» لعبد الوهاب!

زمن كان فيه عبد الحليم وفؤاد المهندس وفريد شوقي يجلسون مع الجماهير في مدرجات الاستاد. زمن تبرع فيه كل فنان كبير وصغير بكل ما يملك من مال وفن للدولة والجيش قبل وبعد 1967 دون أن يقال عليهم «مطبلاتية».

أما الآن، فقد هزلت وسخفت ومسخت، وأصبح تردي الأخلاق أمرا واقعا، من الكبير والصغير، وفي كل المجالات، ليس في الوسط الفني فحسب، وإنما في كل الأوساط الرياضية، والإعلامية، والحزبية، وفي أوساط الشباب، وتحت مبررات عديدة، مرة الثورة، ومرة الديمقراطية، ومرة الحرية، ومرة «عشان نواكب العالم المتحضر»، ومرة «إحنا في عصر النت والسوشيال ميديا.

عشنا وشوفنا الفن عندنا ممثلون بألسنة طويلة ومطربون يتشاجرون مع بعضهم البعض مثل الأطفال في الحضانة، وفرق شوارع، وفرق تحت الأرض، وفرق مخدرات، وأغاني شعبيات ومهرجانات وخبط ورزع، وحاجة تقرف!

عشنا وشوفنا علم الشواذ بألوان قوس قزح يرتفع ويرفرف خفاقا في حفل غنائي بالقاهرة لفريق اسمه «مشروع ليلى» يشتهر بأن أحد أعضائه من الجماعة إياهم!

عشنا وشوفنا من يعلق على هذه المصيبة التي ستسعد بالطبع منظمات حقوق الإنسان و«هيومان رايتس ووتش» فيقول «عادي» و«حرية» و«فن» و«سيبوا الشباب ينطلق»!

عشنا وشوفنا الألفاظ القذرة على ألسنة الشباب، أولاد وبنات، وتتسرب تدريجيا عبر الأفلام والمسرحيات والبرامج الفضائية لتتحول إلى أمر مسلم به كالأفلام الأمريكية وعبارة «تبا لك»!

عشنا وشوفنا.. نجمة تتحدث علنا عن «الملابس المثيرة جنسية» في مهرجان محترم، وممثلا شابا يتلفظ بكلمة خارجة على الملأ، ثم نجد من يدافع عنها وعنه بحجة أن البنت «متحررة» والواد «مطرقع» و«تربية أمريكاني»!

عشنا وشوفنا.. فضائح وشتائم وبذاءات وأسرار بيوت تنتهك وخناقات أسرية تذاع على الهواء مباشرة، أب تبرأ من ابنته، وابنة هربت من أسرتها، وزوج يكشف خيانة زوجته، ثم تجد من يسمي هذا «إعلاما» ويمنح مذيعيه الجوائز والألقاب والاحترامات، والملايين أيضا، وتجدهم ضيوفا مرحبا بهم في المناسبات العامة والخاصة!

عشنا وشوفنا، وسطا رياضيا بيتخانق مع دبان وشه، ولاعبين ومدربين ورؤساء أندية يتصارعون ويتبادلون الشتائم عبر الفضائيات، وتجد من يصف هذا بـ«المحترم»، وذاك بـ«العبقري»، بل ويرشحون أحدهم لتدريب المنتخب!

عشنا وشوفنا بلطجية محترفين تسببوا بهمجيتهم وعنادهم في قتل زملاء لهم وإتلاف منشآت عامة لتصدر بحقهم أحكام قضائية رادعة، ثم نجد أصواتا وقحة تعترض على الأحكام وتتهم الدولة بقتل الشباب الأنقياء الأطهار «وهما رايحين يشجعوا»!

عشنا وشوفنا من «يستخسر» دمعة على شهيد، ثم ينصح بالترحم على من تسبب في استشهاده وترميل زوجته وتيتم أطفاله، بحجة أن «الواد» فارس وجنتل!

عشنا وشوفنا .. مصريين كانت «ركبهم بتخبط في بعضها» واستغاثوا ذات يوم بمن ينقذهم وينقذ بلدهم من الإرهاب أو من الانهيار او من الانفلات الأمني، والآن يتطاولون عليه، وتجد من يدافع عنهم بدعوى أنهم ثوار مناضلون ومعارضون مقموعون، ويصلحون لقيادة السفينة التي شرخوها بأيديهم، وما زلنا نصلح «شروخ» حضراتهم حتى يومنا هذا، وهم يكتفون بالفرجة، والسخرية، والامتعاض، والطلبات، ومد اليد، وشعارهم «إن شالله تغرق»!

.. هل من طبيب يصف لنا علاجا من هذه الـ«نوستالجيا»؟ .. نوستالجيا الفن .. والوطنية .. والأخلاق؟!

نقلا عن الأهرام