أخبار مصر

تراث هيكل: ملك من؟!

نشر الأستاذ محمد حسنين هيكل فى أوائل حياته الصحفية كتبا صغيرة تناولت أمورا مهمة من قضايا الشأن العام. لكنه بعد تقدم العمر وصدور مجلداته الكبيرة، أصبح أميل لعدم إعادة نشر هذه الكتب الأولى التى قدمت مبكرا موهبته الصحفية وقدراته الكتابية قبل أن يصبح هيكل الذى عرفناه فيما بعد. وأصبحت له لدينا صورته الذهنية التى حافظ عليها دائما وأبدا.

تناقشت معه أكثر من مرة فى أمر هذا التراث المهم. وأنه طالما كتب ونشر على شكل كتب ليس من حقه منع إعادة نشره. لكنه كان مصمما على أنها كتب صدرت فى وقت معين عبارة عن تجميع لمقالات وتحقيقات صحفية نشرها تعليقاً على ما كان يجرى فى مصر والوطن العربى والعالم فى حينه. وأن إعادة نشرها ربما لم تكن لها الأهمية التى حدثت عندما نشرت لأول مرة.

كنا نختلف كثيرا لا أنا بقادر على أن أوصل له فكرتى كاملة من أن الكلمة طالما فى ذهن الكاتب فهى ملكه. وحتى بعد أن يخطها على الورق لنفسه فهى ما زالت ملكه. لكن نشرها يخرجها من هذه الملكية ويجعلها ملك القراء، ملك من قرأوها وأعجبوا بها أو اختلفوا معها أو حتى رفضوها. أصبحت جزءا من تاريخ الكلمة المكتوبة منذ أن عرفت البشرية المطبعة، وحتى قيام الساعة.

رحل الأستاذ هيكل عن عالمنا منذ أكثر من عام. وآن الأوان لإصدار مؤلفاته الكاملة التى نشرت فى حياته، وحتى التى لم تنشر فى حياته لتكون سجلاً مدونا وثابتا لمن سيأتون بعدنا. الذين لم يعاصروا الرجل ولم يعيشوا زمنه ولم يتابعوا ما كتبه عندما كان ينشر فى الصحف قبل أن يتم تجميعها فى كتب.

بعد الرحيل أعترف بأننى لم أجد حماسا من أسرته لمناقشة الموضوع. وكأن رأيهم ما دام الرجل قد حسمه فى حياته، فما الداعى لإعادة فتحه بعد رحيله عن عالمنا؟ إن كل كلمة قالها عندما كان معنا تصبح بعد رحيله فى قوة الوصية. وبالتالى لا يجوز إعادة فتح موضوع ولا مناقشته ولا الوصول فيه لقرارات، ربما لم يكن موافقا عليها فى حياته.

الكتب التى أقصدها وكما جاء فى الكتاب الضافى المهم الذى أصدره خالد عبد الهادى: علامات على طريق طويل، هيكل، لمحات إنسانية. والصادر عن مركز الأهرام للترجمة والنشر أخيرا. آخر فصل فى هذا الكتاب الوثائقى هو: الفصل الثانى والثلاثون. وعنوانه: باقات الكتب. والعنوان مأخوذ من إحدى قصائد أدونيس. وفصول كتاب خالد عبد الهادى من الصفحة الأولى وحتى الأخيرة معنون بعبارات مأخوذة من شعر أدونيس.

الكتاب الأول: إيران فوق بركان. 1951، دار أخبار اليوم، حصيلة شهر عاشه هيكل بإيران. بعد مقتل رئيس وزرائها على رزم آباه الأربعاء 7 مارس 1951، سافر هيكل إلى إيران، وقضى أياما فى ظلمات طهران وسراديبها الغامضة. وقابل القيادات السياسية. وأهمهم محمد مُصدَّق، ورجال الدين الشيعة، ودارت أحاديث مع الشاه محمد رضا بهلوى. كما تعرف على شقيقته التوأم الأميرة أشرف، كان زوجها الأسبق أحمد شفيق، وأحمد شفيق ابن المؤرخ محمد شفيق. والكتاب عندما صدر كان كتابا حسن الحظ مع قرائه «هكذا يقول المؤلف» وكان من أكثر الكتب رواجا فى تلك الأيام.

الكتاب الثانى: حديث خروشوف مع هيكل. رئيس تحرير جريدة الأهرام، 1957 عن دار التقدم فى موسكو. وكان عنوان مقال الأهرام يوم الجمعة 22 نوفمبر 1957: خروشوف قال لى.

يكمل المؤلف أن خروشوف فى فترة زعامته للاتحاد السوفيتى لم يدل بحديث لأى صحفى عربى غير هيكل.

الكتاب الثالث: العقد النفسية التى تحكم الشرق الأوسط. 8 مقالات، يناير 1958، عن الشركة العربية للطباعة والنشر. ونشرت فى الأهرام. وتتناول العلاقات العربية العربية والعلاقات العربية، الأمريكية ،والعربية البريطانية، والعربية السوفييتية.

الكتاب الرابع: نظرة إلى مشاكلنا الداخلية على ضوء ما يسمونه أزمة المثقفين. 1961، الشركة العربية المتحدة للتوزيع. 7 مقالات مكتوبة شهرى يونيو ويوليو 1961 للأهرام. وفيها قدم بانوراما عن المشاكل الداخلية التى تواجه مصر حينها، وبذورها الضاربة فى أعماق الماضى، وإمكانات الدفاع الثورى فى رسم صورة للمستقبل وإصراره على تحقيقه.

الكتاب الخامس: ما الذى جرى فى سوريا؟ 1962 الدار القومية للطباعة والنشر. 14 مقالة من أكتوبر إلى ديسمبر 1961، يستعرض فيها ما جرى يوم الخميس 28 سبتمبر 1961، انفصال الوحدة بين مصر وسوريا. بالإضافة إلى تجربة الوحدة وتقييم لمشاكلها وأوضاعها.

الكتاب السادس: يا صاحب الجلالة. 1963 الدار القومية للطباعة والنشر. 6 مقالات مكتوبة على شكل رسائل الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود، مارس 1958 ويناير وفبراير ونوفمبر 1962، يستعرض علاقة الملك سعود مع مصر وموقفه من الوحدة بين مصر وسوريا، وموقفه من الثورة اليمنية.

الكتاب السابع: خبايا السويس، 1967 دار العصر الحديث، 5 مقالات تعليق وملاحظات على دراسة المؤرخ البريطانى هيو توماس، عن معركة السويس 1956.

الكتاب الثامن: الاستعمار لعبته الملك، 1967 دار المعارف. 18 مقالا تتناول الصراع بين القوى الوطنية الثورية والاجتماعية وحركة القومية العربية وبين حلف الاستعمار والرجعية.

الكتاب التاسع: نحن وأمريكا، 1968، دار العصر الحديث، 13 مقالا، تستعرض العلاقات المصرية ـ الأمريكية بعد ثورة 23 يوليو 1952 ومراحل تطورها من الترويض إلى العقاب ومن الاحتواء إلى العنف خلال 15 سنة.

الكتاب العاشر: عبد الناصر فى ساعاته الأخيرة. 1971، بيروت دون ذكر لإسم دار النشر. كتاب أصدره بعض الشطار ببيروت. والتعبير لخالد عبد الهادى، دون علم هيكل. يضم مقالتين كتبهما. الأولى يوم الجمعة 9 أكتوبر 1970 بعنوان: ملحمة الصراع مع الألم. والثانية يوم الجمعة 16 أكتوبر 1970 بعنوان: 28 سبتمبر الأربع والعشرون ساعة الأخيرة.

القضية الأهم مصير هذه الكتب العشرة. هل لا تعاد طباعتها للزمن القادم؟ ربما لو أعيد نشرها أن تترجم للغات أخرى. فهى ليست كتابة عن أزمنة مضت بقدر ما هى تاريخ حى لما مر ببلادنا من وقائع وأحداث.